5444b167-ffea-4749-a7e6-8177e00db0f0 (1)

الاقتصاد التركي خلال عقد العدالة والتنمية

الملخص

خلال عقد التسعينيات الماضي، كان لعدم اليقين السياسي في تركيا آثار سلبية تركت الاقتصاد تحت وطأة الدَّين المحلي والأجنبي بسبب ارتفاع التضخم، وعجز الموازنة الكبير، وارتفاع عجز الحساب الجاري. أخفقت الحكومات الائتلافية في معالجة هذه المشكلات. بعد صعوده إلى السلطة في 2002، وضع حزب العدالة والتنمية منظورًا جديدًا للاقتصاد والسياسة والسياسة الخارجية، يشار إليه إجمالًا بـ«تركيا الجديدة». أكدت الحكومة الانضباط المالي، والتحول الهيكلي، والخصخصة. خلال هذه الفترة، تعافت تركيا سريعًا من الآثار السلبية لأزمة 2001 المالية، وحققت معدل نموٍّ مطردًا. كما نجت البلاد من أزمة 2008 المالية العالمية بأقل ضرر. تسعى الحكومة لتحقيق أهدافها بحلول الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية.
——————————————————–
ألقت الإخفاقات السياسية بظلالها سنوات عديدة على الاقتصاد التركي مما أدى لتحقيقه أداء أقل من إمكاناته الكاملة. كما كان لمستويات عدم اليقين السياسي العالية خلال التسعينيات تأثير سلبي على عدد من المجالات، منها الاقتصاد. خلال هذه الفترة، تُرِك ارتفاع التضخم، وتراكم الدين الخارجي، وزيادة عجز الحساب الجاري الاقتصاد عرضة لصدمات محلية ودولية. أخفقت سلسلة من الحكومات الائتلافية في اتخاذ التدابير اللازمة والسياسات الملائمة. كانت هذه هي الظروف التي شهدت تركيا في ظلها إحدى أشد الأزمات الاقتصادية في تاريخها سنة 2001. عقب الأزمة المالية مباشرة، أسفرت انتخابات 2002 البرلمانية عن إخفاق أحزاب سياسية عديدة في تأمين تمثيل لها بالمجلس التشريعي الوطني، وهكذا فتحت الانتخابات صفحة جديدة في تاريخ البلاد السياسي. فاز حزب العدالة والتنمية فوزًا ساحقًا في انتخابات 2002، وشرع في سلسلة إصلاحات في السياسة، والاقتصاد، والسياسة الخارجية، وغيرها من المجالات الرئيسة التي يشار إليها مجتمعة بـ«تركيا الجديدة». وضعت الانتخابات نهاية لتعاقب الحكومات الائتلافية التي شلّت البلاد 11 عامًا.
بعد تولِّي السلطة أواخر 2002، اتخذ حزب العدالة والتنمية خطوات لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي. خلال هذه الفترة، وضعت الحكومة لوائح جديدة للنظام المصرفي، بهدف الانضباط المالي وخصخصة المشروعات المملوكة للدولة. دشنت سياسات الحكومة فترة من النمو المتواصل. في هذه الأثناء، اتخذ حزب العدالة والتنمية تدابير لتعزيز المالية العامة، وزيادة فعالية المؤسسات العامة، وتجنب الوقوع في فخ الديون. خلال العقد الذي تولى فيه العدالة والتنمية الحكم، أجرت ثلاث حكومات متعاقبة إصلاحًا شاملًا للاقتصاد التركي الذي يفوق أداؤه حاليًّا أداء دول عديدة تعاني أزمات بمنطقة اليورو من حيث مختلف مؤشرات الاقتصاد الكلي.
تقدم هذه الدراسة تحليلًا لاقتصاد تركيا خلال العقد الماضي مع الإشارة لمؤشرات الاقتصاد الكلي، وتحول المالية العامة، والسياسات الاجتماعية الجديدة، وتحسن العلاقات بالمنظمات الدولية، وتغيرات الاقتصاد العالمي عقب أزمة 2008 المالية العالمية. أخيرًا، تقترح الدراسة تدابير لتحسين المكانة الحالي للاقتصاد، وتفصل أولويات تركيا تجاه أهدافها لعام 2023.
النجاح السياسي والنمو الاقتصادي
أدى توسع الأسواق العالمية وتوافر الائتمانات الرخيصة عقب أزمة 2001 المالية إلى زيادة كبيرة في تدفق رؤوس الأموال من الأسواق المالية إلى الدول النامية. خلال هذه الفترة، جعل توافر السيولة الواسع في الأسواق العالمية، مع ارتفاع أسعار الفائدة الحقيقية في تركيا، البلاد وجهة جذابة لرؤوس الأموال.1 نتيجة لذلك، سجل الاقتصاد نموًّا بنسبة 6.2 بالمئة في 2002 متعافيًا من انكماش بلغ 5.7 بالمئة في 2001. بالمثل، شهدت البلاد نموًّا بلغت نسبته 5.3 بالمئة في 2003، و9.4 بالمئة في 2004، و8.4 بالمئة في 2005، و6.9 بالمئة في 2006. خلال هذه الفترة، لم يكن النمو الاقتصادي راجعًا فقط إلى زيادة حجم السلع والخدمات المصدرة، بل لانتعاش الطلب المحلي كذلك. في الوقت نفسه، أسهمت استثمارات أجنبية مباشرة كبيرة في الإنتاج المحلي. بفضل هذه الأسباب كلها، فضلًا عن التدابير الوقائية المتنوعة وبرنامج التقشف الاقتصادي بعد الأزمة، اكتسب الاقتصاد التركي مرونة ضد الصدمات الخارجية وسجل إحدى أسرع فترات النمو منذ 1950 بين 2002 و2007. (انظر الشكل1).
أثرت أزمة 2008 المالية العالمية في الاقتصاد التركي بشكل رئيس من حيث العلاقات التجارية بدرجة ما، وأدت في 2009 إلى ركود بلغ 4.8 بالمئة. نتيجة لفترة الركود، شرعت تركيا تسعى للوصول إلى أسواق جديدة على أمل إيجاد بدائل للاتحاد الأوروبي، وهو الكتلة التجارية التي تضم الغالبية العظمى من حجم التجارة الخارجية للبلاد. أسهم إنشاء صلات تجارية مع أسواق جديدة، بالإضافة إلى ازدياد حجم الطلب المحلي والصادرات في تعافي الاقتصادي التركي.
ضمنت إعادة تركيا لهيكلة قطاعها الحقيقي وإحيائه إمكانية أن تساهم جميع قطاعاتها في النمو الاقتصادي، وأتاحت للاقتصاد أداء جيدًا للغاية في 2010 و2011. خلال هذه الفترة، سجل الاقتصاد التركي نموًّا سنويًّا بمعدل 8.5 بالمئة ليصبح ثاني أسرع اقتصاد نموًّا في العالم، بعد الصين التي بلغ نموّها 9.2 بالمئة في 2011. واصل اقتصاد تركيا وتيرة نموّه بفضل التزام الحكومة بالانضباط المالي والسياسة الاقتصادية المتّسقة، بينما تأثرت دول منطقة اليورو تأثرًا شديدًا جراء الأزمة المالية العالمية. رغم تحقيق الاقتصاد التركي نموًّا متواضعًا بلغ 2.2 بالمئة في 2012 وأخفق في تلبية التوقعات، إلا أن هذا الأداء عرض تنويعة أنشطة اقتصادية مختلفة في تركيا وأظهر حراكًا نسبيًّا لهياكل البلاد الاقتصادية.
عقب أزمة 2001 المالية وفترةِ التراجع اللاحقة، سجل الاقتصاد التركي باستمرار نموًّا سنويًّا عاليًا حتى أزمة 2008 المالية العالمية. على مدى عقد ،2002–2011، شهد الاقتصاد نموًّا متوسطا بلغ 6.5 بالمئة – مما يعد أداءً قويًّا مقارنة بمتوسط نمو 4.7 بالمئة على مدى الثلاثين عامًا الماضية. وفقًا لتقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، ستحقق تركيا نموًّا سنويًّا بمتوسط 6.7 بالمئة بين 2011 و2017 لتصبح أسرع بلدان المنظمة نموًّا اقتصاديًّا.2
كان لأداء البلاد القوي في النمو الاقتصادي السنوي بين 2002 و2012 تأثير إيجابي أيضًا في مستويات الناتج المحلي الإجمالي للفرد خلال نفس الفترة. في 2012، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للفرد 10504 دولارات أمريكية مقابل 3492 دولارًا في 2002. في الوقت ذاته، عززت تركيا مكانتها بين البلدان النامية بمساعدة نموها الاقتصادي. لكن هذا التطور جعل ترويج إنتاج منتجات ذات قيمة مضافة عالية ضرورة مطلقة لهذا البلد، لضمان تراكم أكبر للمدخرات المحلية ولإتاحة نمو أكثر وتركيز جهودها على قطاع الأعمال التنافسية لتجنب الوقوع في شَرَك الدخل المتوسط، وهو مشكلة شائعة لدى الاقتصادات النامية. بحسب تصنيف البنك الدولي للدول، الذي يُعرِّف البلدان ذات الناتج المحلي الإجمالي للفرد دون 1105 دولارات بأنها «منخفضة الدخل»، والبلدان ذات الناتج المحلي الإجمالي للفرد بين 3976 و12275 دولارًا بأنها «متوسطة الدخل»، والبلدان ذات الناتج المحلي الإجمالي للفرد فوق 12276 دولارًا بأنها «مرتفعة الدخل»؛ تهدف خطة تركيا متوسطة الأجل لفترة 2013-2015 إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي للفرد إلى 12859 دولارًا بحلول 2015، لتصبح دولة ذات دخل مرتفع حسب معايير البنك الدولي.
إضافة إلى التحسينات السالفة في النمو الاقتصادي، اتخذت حكومة حزب العدالة والتنمية أيضًا تدابير معينة طويلة الأجل لمعالجة ارتفاع التضخم، وهو عنصر تقليدي في الاقتصاد التركي. خلال التسعينيات، تسبّب نقص خطير في الاستقرار الاقتصادي ارتفاعًا مفاجئًا بمعدلات الفائدة قصيرة الأجل حيث ضعفت الليرة التركية وفاقم الإنفاق العام المفرط خلال مواسم الانتخابات ارتفاع التضخم. خلال هذه الفترة، تقلصت المدخرات المحلية، وزاد الطلب المحلي، مما أدى بالحكومة لتوفير الأموال بواسطة الديون الخارجية. كذلك، حدّثت الحكومة الأسعار والمرتبات على أساس مستويات تضخم السنوات السابقة، وبذلك أخفقت في معالجة عقبة هيكلية بوجه الحاجة الملحة لخفض معدلات التضخم. بالمثل، تسبّب الضعف السريع لليرة التركية خلال مسار أزمة 1994 الاقتصادية في زيادة التكاليف، بينما أجلت الحكومة ترتيبات التسعير للقطاع العام لتشهد على الفور معدلات تضخم من رقمين.3 أدى ارتفاع معدلات التضخم إلى ضعف الليرة التركية على مرّ السنين، ودفع الحكومات المتعاقبة لتلبية الاحتياجات النقدية عن طريق طباعة أوراق النقد عالية القيمة.4 قبل مضي وقت طويل، حولت هذه السياسية كل مواطن– للمفارقة- إلى مليونير. كانت برامج الإصلاح الاقتصادي لحزب العدالة والتنمية وتداعياتها رائدة لجهود تحول هياكل الاقتصاد الكلي التي سببت تضخمًا عاليًا في البلاد عقدين من الزمن.
حدد نظام استهداف التضخم الذي اعتمدته الحكومة التركية عقب أزمة 2001 المالية مستويات التضخم المنشودة وأعلنها. تحت هذا النظام، كانت أداة السياسة النقدية الأساسية المتاحة للبنك المركزي هي أسعار الفائدة قصيرة الأجل. مثلت توقعات البنك المركزي، بشأن التضخم والمؤشرات الاقتصادية الأخرى، إنذارًا مبكرًا ضد الضغوط التضخمية التي قد تنشأ مستقبلًا، وكانت بمثابة مبدأ توجيهي لمسؤولي البنك المركزي خلال عمليات صنع القرار بشأن أسعار الفائدة. أدت أزمة 2001 المالية لانصراف تركيا عن «السياسة النقدية القائمة على أساس أسعار الصرف المستهدفة» واعتماد سياسة «استهداف التضخم» بديلًا عنها. سمح هذا النهج للاقتصاد التركي بتسجيل معدل تضخم أحادي الرقم (9.4 بالمئة) في 2004، عقب معدل تضخم رهيب بلغ 54.4 بالمئة في 2001. دفع الانتعاش السريع للاقتصاد، مقترنًا بالإرادة السياسية والدعم الشعبي والاستقرار الاقتصادي، حكومة حزب العدالة والتنمية في 2005 إلى إصدار قرار بإسقاط ستة أصفار من الليرة التركية.5
أعاقت أزمة 2008 المالية العالمية استمرار معدل تضخم أحادي الرقم في تركيا. ارتفع معدل التضخم ليصل إلى 10.1 بالمئة في 2008، لكنه عاد للانخفاض إلى رقم واحد في 2009 و2010. بعد معدل تضخم سنوي بلغ 6.4 بالمئة في 2010، سبّبت صدمات الطلب المفاجئة المتعلقة بالأغذية غير المجهزة والنفط والذهب – التي لا سيطرة للسياسات النقدية عليها– معدل تضخم بلغ 10.45 بالمئة في 2011. مع ذلك، انخفض معدل التضخم إلى 6.16 بالمئة في عام 2012، وهو أدنى مستوى تاريخي منذ 1968. (انظر الشكل2).
هجوم التنمية والمالية العامة
ساعد تأسيس الانضباط المالي في تركيا عقب انتخابات 2002 البرلمانية في خفض عجز موازنة البلاد، وبالتالي تحسين التوازنات المالية العامة. اعتمدت حكومة حزب العدالة والتنمية برنامج تقشف في 2003 لخفض التضخم وعجز الموازنة. مثلت الصدقية والشفافية وقابليتها للتوقع خصائص ثابتة للموازنات السنوية لحكومة العدالة والتنمية بين 2002 و2012. ركزت السياسة الاقتصادية للحكومة على الخصخصة الشاملة للمشروعات المملوكة للدولة، وبذلت جهودًا لخفض الإنفاق العام. بين 2004 و2007، واصلت الحكومة تنفيذ برنامج اقتصادي ركز على تدابير تقليص [تبعات] المالية العامة. في مجال السياسة المالية، عملت الحكومة على تبسيط التشريعات الضريبية، وألغت عفوًا ضريبيًّا من بدايات العقد الماضي، ووضعت بدلًا منه برنامج ‘السلام الضريبي’ الذي رفع عدد دافعي الضرائب لتوسيع قاعدتها الضريبية. ساعدت عائدات الضرائب الإضافية الناجمة عن هذه الخطوات في تمويل تنفيذ الحكومة لبرنامج اقتصادي جديد. تعكس الخطة متوسطة الأجل أيضًا التزام الحكومة بالانضباط المالي إزاء الماليات العامة. قدرت الخطة انخفاضًا في نسبة الإنفاق الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي يبلغ 1.8 بالمئة في 2015.
مثلت القروض الخارجية الفادحة تحديًا خطيرًا للاقتصاد التركي ردحًا من الزمن. خلال التسعينيات، أدى تراكم ديون تركيا الخارجية الضخمة إلى عدم كفاية الاستثمار الأجنبي، ومن ثَمَّ إلى تباطؤ ملحوظ في نمو الناتج المحلي الإجمالي. كما أدت الديون الخارجية للبلاد، بجانب اعتماد الحكومة على عائدات ضرائب الأرباح القائمة على الاستثمار لتغطية مدفوعات الفائدة، إلى اعتقاد المستثمرين الأجانب بأن تركيا ستفرض ضرائب أكثر على عملياتهم في المستقبل، وامتنعوا من ثَمَّ عن الاستثمار في البلاد.6 مع عدم قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية، شهدت تركيا صعوبات أكبر في سداد ديونها الخارجية وانخفاضًا كبيرًا في تدفق العملات الأجنبية. في حين ارتفعت أسعار الفائدة الحقيقية وأسعار العملات الأجنبية مما فاقم الوضع، وسبب تراكم الديون الخارجية الثقيلة على تركيا التي سيستغرق سدادها سنوات.7 إلى جانب التوقعات المحفوفة بالمخاطر المتعلقة بتركيا في الأسواق العالمية، زادت تقييمات المؤسسات الدولية للتصنيف الائتماني تكلفة اقتراض البلاد. وأدت سلسلة من الحكومات الائتلافية قصيرة الأجل، مقترنة بانتخابات متكررة، بين 1990 و2001 لعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.
نجح حزب العدالة والتنمية في خفض نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي لضمان قدرة البلاد على سداد ديونها الخارجية والتزاماتها نحوها. ساعدت السياسات الحكومية منذ 2002، مع زيادة كبيرة في الناتج المحلي الإجمالي السنوي وحجم الصادرات أيضًا على تحسين مؤشرات المديونية. بل ونجحت تركيا في تحقيق مرتبة ائتمانية أعلى من مختلف الدول الأوروبية.8 بينما بلغت نسبة صافي الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي 38.4 بالمئة في 2002، انخفضت النسبة إلى 24.2 بالمئة بحلول 2012. كذلك، انخفضت نسبة صافي ديون القطاع العام الخارجية إلى الناتج المحلي الإجمالي من 25.2 بالمئة في 2002 إلى 0.6 بالمئة في 2011. وانخفضت النسبة إلى الصفر في 2012.
كذلك، سيسفر تحليل الديون الاسمية للإدارة العامة لتركيا – بحسب تعريف الاتحاد الأوروبي– عن معلومات مهمّة، ويسمح بمقارنة تركيا بدول الاتحاد الأوروبي بحسب معايير ماستريخت، التي تُعد شرطًا مسبقًا للانضمام للوحدة الاقتصادية والنقدية بالاتحاد الأوروبي. فبينما تشترط معايير ماستريخت أن لا يتجاوز سقف الدين 60 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لأي بلد، فإن نسبة ديون تركيا إلى الناتج المحلي الإجمالي لم تتجاوز هذا السقف منذ 2004. مقارنة بتعريف الاتحاد الأوروبي لنسبة ديون الإدارة العامة في تركيا إلى الناتج المحلي الإجمالي البالغة 74 بالمئة في 2002، حققت تركيا أداءً جيدًا بتقليل النسبة إلى 59.6 بالمئة في 2004، و36.9 بالمئة بحلول 2012 (انظر الشكل4). في هذا الصدد، ستكشف جميع المؤشرات الاقتصادية أن هذا الانخفاض الكبير في نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي يعود إلى تركيز البلاد الثابت على الانضباط المالي والأداء الاقتصادي القوي، رغم تفاوت التعريفات.9 في حين ضربت الأزمة المالية العالمية الاقتصادات الأوروبية، تناول الاقتصاد التركي الوضع بنجاح، وأصبح عرضة للحد الأدنى من تداعيات الأزمة فقط.
الممارسات الإصلاحية والسياسة الاجتماعية
أظهرت التسعينيات صعوبة خاصة بالنسبة للحكومات التركية التي أخفقت في إدراج حوافز فعّالة لخفض البطالة وإيجاد فرص عمل في برامجها التنموية. في حين اعتمدت الحكومات المتعاقبة على إصلاحات قصيرة الأجل، ظنوا خطأ أن من شأنها حل مشكلة ارتفاع البطالة، لكنها فاقمت الوضع خلال فترات الركود. اتضح أن البطالة المرتفعة بتركيا تمثل مشكلة مزمنة، خاصة عقب أزمة 2001 المالية، وأن نموذج النمو في البلاد أخفق في تعزيز فرص العمل. هكذا، أخفقت الحكومات التركية في خفض البطالة رغم نمو الاقتصاد باضطراد من 2001 فصاعدًا.10 فظل معدل البطالة نحو 10 بالمئة بين 2002 و2007. لكن التدابير طويلة الأجل، بدأت تؤتي نتائج في السنوات اللاحقة. فبجانب نجاح إدارة البلاد للأزمة المالية العالمية، أتاحت هذه التدابير للبلاد تحقيق معدل بطالة بنسبة 9.3 بالمئة في 2013، و8.7 بالمئة في 2014 وفقًا لتقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية– وهي دون نظيراتها بدول منطقة اليورو.11 وبحسب تقدير الخطة متوسطة الأجل، ستنخفض البطالة بحلول 2015 إلى 8.7 بالمئة. 12
وضع نظام المساعدات الاجتماعية بتركيا بعد 2001 شبكة شاملة من برامج الرفاه الاجتماعي، وكلف عدة مؤسسات ووكالات بتنفيذها. خلال هذه الفترة، قدمت الحكومة تمويلًا إضافيًّا لبرامج المساعدات الاجتماعية لتقليل تعرض الأسر محدودة الدخل للمخاطر الحالية والمستقبلية المرتبطة بالأزمات الاقتصادية. هكذا، أنفق مشروع تخفيف المخاطر الاجتماعية (SRMP) إجمالي 500 مليون دولار بين 2001 و2006 لمراقبة وخفض الفقر، وكذلك لتقوية المؤسسات ذات الصلة. بل تكفل نظام المساعدات الاجتماعية بنفقات علاج المواطنين محدودي الدخل وقدم مساعدات عينية ونقدية من خلال برامج للأطفال، والطلاب، والمسنين، والمعاقين. في هذه الأثناء، وفرت الحكومة أموالًا إضافية للوكالات الحكومية التي تقدم خدمات اجتماعية أساسية للأسر محدودة الدخل. كان هذا سياق إدخال الحكومة التركية برنامج التحويلات النقدية المشروطة، وهو نظام دعم اجتماعي للفئات الأقل دخلًا ويستهدف زيادة كفاءة الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية. كذلك، اتخذت الوكالات الحكومية خطوات إضافية لإتاحة فرص أكبر لمحدودي الدخل للوصول إلى خدمات اجتماعية لتوليد الدخل وإيجاد فرص عمل.
في جهد لتحديد أصحاب الحق في الاستفادة من برامج المساعدات الاجتماعية بشكل صحيح، أدخلت الحكومة نظام «تحديد النقاط» لضمان تقييم استحقاق المستفيدين من المعونة الاجتماعية بشكل مستقل. أخذ نظام «تحديد النقاط» بالاعتبار تعدد فئات المعونة الاجتماعية والفروق بين المناطق، واستهداف تطوير توزيع أعدل للدخل في البلاد بالاستفادة بالبيانات الكَمّية لتقييم الاستحقاقات التي يؤكدها الباحثون الاجتماعيون عبر الزيارات المنزلية. يسهل نظام المساعدات الاجتماعية الجديد تبادل المعلومات بين المؤسسات المختلفة لتشكيل قاعدة بيانات مركزية للتعرف بشكل صحيح إلى احتياجات المتقدمين ولمنع حصول المستفيدين على دعم مالي من عدة وكالات عامة تزامنيًّا. بالمثل، يشهد إنشاء وزارة جديدة للأسرة والسياسات الاجتماعية في 2011 بالتزام حكومة العدالة والتنمية بتحسين نوعية الخدمات الاجتماعية. خصصت الحكومة لوزارة الأسرة والسياسات الاجتماعية حصة من موازنة 2013 السنوية أكبر من حصص الوزارات الأخرى: فقد زادت الموازنة السنوية للوزارة إلى 14.7 مليار ليرة تركية في 2013 مقارنة بنحو 8.8 مليار ليرة تركية في السنة السابقة. كما وفر الأداء القوي للاقتصاد التركي أيضًا أموالًا إضافية للسياسات الاجتماعية. وبينما بلغت النفقات المتعلقة بالمساعدات والخدمات الاجتماعية 0.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لتركيا في 2002، ارتفع إجمالي الإنفاق الاجتماعي بما في ذلك المدفوعات المختلفة لوكالة الضمان الاجتماعي في 2011 إلى 1.42 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.13 بالتعبيرات المجردة، زاد الإنفاق الاجتماعي من 1.376 مليار ليرة تركية في 2002 إلى 18.216 مليارًا في 2012.
قبل أزمة 2001 المالية، أدى تفاقم التفاوت في توزيع الدخل إلى مشكلات اجتماعية واقتصادية. هكذا، اتضح أن المزيد من العدالة في توزيع الدخل يمثل أولوية في جدول أعمال تركيا. اعتمدت حكومة حزب العدالة والتنمية برامج للتنمية وهياكل للدعم الحكومي منذ 2002 فصاعدًا لخفض التفاوت بين الأقاليم وضمان توزيع أعدل للدخل في البلاد. في الوقت نفسه، ساهمت تنظيمات تعزيز المنافسة الجديدة، وتطوير أسواق رأس المال، وخفض معدلات التضخم مساهمات كبيرة في سد الفجوة في الدخل. كانت وراء هذه التحسينات بلا شك مظاهر متعددة للتحسن الاقتصادي إجمالًا – كالنمو الاقتصادي الثابت، وزيادة الناتج المحلي الإجمالي الثابتة، وانخفاض المخاطر، وتقليص مدفوعات الفائدة – وفرت بدورها تمويلًا جديدًا لبرامج المساعدات الاجتماعية. انخفضت حصة مدفوعات فوائد الدين بميزانية الحكومة السنوية إلى 13.4 بالمئة بحلول 2012، مقارنة بنسبة 43.2 بالمئة في 2002. وبالمثل، انخفضت نسبة مدفوعات فوائد الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي من 14.8 بالمئة في 2002، إلى 3.4 بالمئة في 2012. لذا من المهم ملاحظة أن غالبية عوائد الضرائب للحكومة قبل 2002 كانت تغطي مدفوعات الفائدة: ففي حين تم إنفاق 85 بالمئة من إجمالي إيرادات الضرائب على مدفوعات الفوائد في 2002، تم استخدام 17 بالمئة فقط من عائدات الحكومة الضريبية في 2012 لتسديد مدفوعات الفائدة للمقرضين. بالمثل، ساهم النمو الاقتصادي الثابت لتركيا في تطورات توزيع الدخل.
الاقتصاد العالمي المتغير: التجارة الخارجية وعلاقات تركيا بالمنظمات الدولية
عزز أداء النمو القوي في تركيا وتحسن مؤشرات الموازنة توافق البلاد وتكاملها مع الأسواق العالمية مضيفًا إلى قدرتها التنافسية. أدخلت إصلاحات الاتحاد الأوروبي تغييرًا جذريًّا على الاقتصاد والأسواق المالية، وساعدت تطورات الاقتصاد الجديدة في خفض تبعات القطاع العام وزيادة كفاءة القطاع المالي. حولت هذه التحسينات تركيا إلى جهة فاعلة إقليمية اجتذبت مستويات قياسية من الاستثمارات الاجنبية. هكذا، شهدت تركيا تدفقًا هائلًا من الاستثمارات الأجنبية المباشرة منذ 2002 فصاعدًا. إعادة هيكلة تركيا للقطاع المصرفي من بين قطاعات أخرى بعد 2002، بجانب الإصلاحات المالية، جعلت البلاد أقل عرضة للصدمات الخارجية ومِن ثّمَّ عزّزت مصداقيتها. بعد أن جذبت إجمالي 19 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بين 1950 و2002، تلقت تركيا 22.047 مليار دولار في 2007. رغم سهولة تعامل تركيا نسبيًّا مع أزمة 2008 المالية العالمية مقارنة بمختلف منافسيها، شهدت تركيا هبوطًا مفاجئًا في مستويات الاستثمار الأجنبي المباشر في 2008، إلا أنها تعافت في العام التالي بفضل بنيتها التحتية المالية القوية ومرونتها العالية إزاء الصدمات. على مدى السنوات التسع الماضية، تلقت تركيا إجمالي 110 مليار دولار كاستثمارات أجنبية مباشرة لتحتل في 2012 المرتبة الثالثة عشرة بين الاقتصادات الأكثر جاذبية للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم.14
لا شك في أن جاذبية بلد ما للمستثمرين الأجانب تعتمد جدًّا على تصنيفه الائتماني لدى شركات الخدمات المالية الدولية. منذ 2002 فصاعدًا، استمرت شركات الخدمات المالية الدولية في تحيزها إزاء تركيا فتجاهلت سلسلة تحسينات اقتصاد البلاد، كالنمو السنوي المرتفع، وتقلص الدين الخارجي، والاستقرار السياسي، والتدفق القوي لرأس المال الأجنبي. في السنوات الأخيرة، لم يعكس التصنيف الائتماني لتركيا تفوقها على البلدان الأخرى المثقلة بالديون من حيث الأداء الاقتصادي، ومؤشرات الدين والاستقرار مما أوجد شعورًا بالظلم.15 لكن التحسينات الأخيرة في اقتصاد تركيا ضغطت على شركات الخدمات المالية الدولية لتحدث تصنيف البلاد ائتمانيًا. لذلك قامت مؤسسات رائدة مثل فيتش Fitch وموديز Moody’s وJCR بترقية التصيف الائتماني لتركيا لدرجة الاستثمار BBB- في 2012. تعد هذه أول ترقية منذ 1994 تَعُدُّ فيها المؤسسات المالية الدولية تركيا دولة ملائمة للاستثمار. سيكون لتحسين التصنيف الائتماني لتركيا بلا شك تأثير إيجابي في جذب تركيا للاستثمار الأجنبي المباشر.
دفعت تطورات الأسواق العالمية تركيا لتحويل سياستها الخارجية لتنسجم مع مصالحها الاقتصادية. ساعدت جهود حكومة العدالة والتنمية لبناء علاقات أقوى بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تطوير علاقات تجارية بهذه الأسواق. على الرغم من انتقاد المعلقين الموالين للغرب نهج السياسة الخارجية للحكومة، لكنها نجحت في تنويع شركاء تركيا التجاريين. هكذا، قدمت اتفاقات التجارة الحرة الثنائية وإلغاء تأشيرات الدخول للشركات التركية مجموعة أكثر تنوعًا من الشركاء التجاريين. يعد تطوير تركيا لعلاقات تجارية أقوى مع أمريكا اللاتينية وإفريقيا والشرق الأوسط والبلقان بالإضافة إلى روسيا والصين جهودًا مبذولة لتحديث اقتصاد تركيا بما يتناسب مع التطورات الاقتصادية العالمية منذ أوائل التسعينات. تبنت الحكومة التركية هذا النهج العالمي، وهو وصفة ناجحة للاقتصادات النامية، لتستكمل استقرارها الاقتصادي وسياستها الخارجية النشطة.16
خلال الأزمة المالية العالمية، نجحت تركيا في إزالة الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية لتجد أسواقًا بديلة لصادراتها وتحويل تحديات الأزمة لفرص جديدة. بينما أخفقت عدة دول بالاتحاد الأوروبي في السيطرة على عجز موازناتها بسبب سياسات التوسع النقدي، وفقدت بالتالي مزاياها بالأسواق التجارية العالمية، ساعد التزام الحكومة التركية بالانضباط المالي في الحفاظ على استقرارها الاقتصادي وعزز مصداقيتها. كذلك، نوَّعت الشركات التركية شركاءها التجاريين من حيث القطاع والبلد. بهذا المعنى، لا يزال تجنب صدمات الطلب الخارجي لتسجيل حجم صادرات منتظم يمثل أولوية بالنسبة لتركيا. لكي تضمن تركيا تحقيق نمو أكثر في حجم صادراتها، تحتاج أن تصبح أكثر قدرة على المنافسة للبقاء في أسواق جديدة. بذلك، يتمكن الاقتصاد التركي من خفض التأثير السلبي للأزمة إلى أدنى مستوى. تحقيقًا لهذه الغاية، سعت تركيا لفتح أسواق جديدة في الشرق الأقصى والهند وشمال إفريقيا والشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. أصبحت دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل خاص أبرز الأسواق الاستهلاكية البديلة للمنتجات التركية، حيث بذلت تركيا جهودًا لتعزيز علاقاتها بدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تنويعة من القطاعات منذ 2010 فصاعدًا. شكلت صادرات تركيا إلى الأسواق الآسيوية (الشرق الأوسط، والشرق الأقصى، وغيرهما) 39.1 بالمئة من إجمالي حجم صادرات البلاد في 2012 مقارنة بمجرد 28.3 بالمئة فقط في العام السابق.17 رغم تباطؤ نمو الصادرات في 2009 عقب أداء قوي متواصل منذ أزمة 2001 الاقتصادية، إلا أن الأرقام تعافت منذ 2010 فصاعدًا. في 2012، بلغ حجم صادرات تركيا مستوى تاريخيًّا هو 151.8 مليار دولار مقارنة بنحو 36 مليار دولار فقط قبل عقد من الزمن.
من ناحية أخرى، على مدى 32 عامًا من التعاون مع صندوق النقد الدولي، كانت تركيا إحدى أكثر الدول مديونية بين 64 بلدًا. خلال هذه الفترة، قدم صندوق النقد الدولي إجمالي 50 مليار دولار للحكومات التركية. سمح التعافي الاقتصادي السريع لتركيا منذ 2002، مع تحسن الإنتاج والنمو والمالية العامة بسداد غالبية ديونها لصندوق النقد الدولي. هكذا، سددت تركيا ما قيمته 23.5 مليار دولار من الديون الخارجية على مدى فترة 11 عامًا لتصبح بلا ديون في أوائل 2013. اليوم، هناك بلدان نامية منها تركيا التزمت بتقديم أموال لصندوق النقد الدولي لتعزيز موارده والمساهمة في الاستقرار المالي العالمي. في هذا السياق، تعهدت الحكومة التركية بتقديم 5 مليارات دولار لاحتياطيات الصندوق الدولية.
خاتمة وتوقعات مستقبلية
سجل اقتصاد تركيا أداء قويًّا على مدى السنوات العشر الماضية، وتحسن بشكل ملحوظ بحسب عدة مؤشرات. هذه التحسينات بلا شك تعود بشكل كبير لمستويات الاستقرار السياسي والاقتصادي العالية، وبنية تركيا السكانية، وقدرات وأنشطة القطاع الخاص، إلى جانب ثقة تركيا بنفسها إقليميًّا. في محاولة لإبراز الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية، أعلنت حكومة حزب العدالة والتنمية أنها تهدف إلى زيادة الناتج المحلي الإجمالي إلى 2 ترليون دولار، وزيادة الناتج المحلي الإجمالي للفرد إلى 25 ألف دولار، بحلول 2023. كذلك، تتوقع الحكومة أن يصل حجم الصادرات السنوية إلى 500 مليار دولار بحلول 2023 وأن يتضاعف عدد شركات التصدير إلى 100 ألف شركة. بلا شك، كان الهدف الأكثر جرأة بين أهداف الحكومة أن تصبح تركيا أحد أكبر عشر اقتصادات في العالم بحلول الذكرى المئوية للجمهورية. إذا أرادت الحكومة أن تحقق أهدافها في عشر سنوات بالضبط، ينبغي أن تعالج مشكلات هيكلية معينة أمامها.
نظرًا إلى أن المدخرات والاستثمارات تغذي النمو الاقتصادي بتركيا وغيرها، يجب على الدولة وضع نموذج تولد فيه المدخرات المحلية الأموال اللازمة للاستثمار. فالنمو الاقتصادي وتوليد الدخل في تركيا بعد 2002 لم يمتد إلى المدخرات المحلية. وبسبب عجزه عن إيجاد مصدر محلي لاحتياجاته المالية، سعى القطاع الخاص إلى رأس المال الأجنبي، وهو السبب الرئيس لارتفاع عجز الحساب الجاري.18 بل إن افتقاد تركيا عادة الادخار السليمة وعدم تنوع المدخرات والاعتماد الكبير على رأس المال الأجنبي أدت إلى مدخرات محلية أقل من المرغوب به. ومن ثَمَّ، يهدد انخفاض مستويات الادخار المحلي في تركيا بشكل خطير قدرة البلاد على استدامة النمو. على أي حال، ستساعد زيادة المدخرات المحلية بالتأكيد في زيادة القدرة على تحمل عجز الحساب الجاري بتركيا، وبالتالي تجعل الاقتصاد أكثر مرونة إزاء الصدمات الخارجية. لذلك، من الأهمية القصوى أن تنمو المدخرات المحلية، وأن تتكامل مدخرات القطاع العام والخاص، وأن تبقى نسبة المدخرات الإجمالية ثابتة فوق 20 بالمئة.
من ناحية أخرى، ينبغي أن يكون مستوى مدخرات تركيا قادرًا على المنافسة مع الدول الأخرى سريعة النمو ذات مستويات الادخار العالية لتحقيق أهداف الحكومة لعام 2023. ففي النهاية، هناك علاقة إيجابية أكيدة بين مدخرات البلدان واستثماراتها ونموها الاقتصادي. فمثلًا، بينما تحافظ الصين وكوريا الجنوبية على فائض بين الادخار والاستثمار، تسجل تركيا حاليًّا فارقًا سلبيًّا بين هذين المؤشرين. في ضوء أن مستوى الادخار يبلغ 52.6 بالمئة في الصين و29.3 بالمئة في كوريا الجنوبية، ينبغي لتركيا تطوير وسائل لزيادة المدخرات لتتمكن من المنافسة في السوق العالمية.
دفعت أزمة 2008 المالية العالمية البلدان في أنحاء العالم لتحديث مخططاتها المالية، وتطوير مناهج جديدة للتنظيم والرقابة، وإقامة تحالفات دولية. ظهر القطاع المالي، بقدرته على مراكمة وتوزيع الموارد، والاندماج في الأسواق العالمية، وقدرته على تقديم منتجات بقيمة مضافة عالية، باعتباره القوة الرائدة وراء النمو الاقتصادي.19
في الوقت نفسه، من أهداف الحكومة لعام 2023، الخفض الثابت لمعدلات التضخم وأسعار الفائدة لتكون أقل من عشرة بالمئة وصعود إستانبول كأحد أكبر عشرة مراكز مالية بالعالم. كذلك، تعد الاستدامة عاملًا رئيسًا في أداء القطاع المالي. ومن ثّمَّ، فإن صعود إستانبول كمركز مالي رائد من شأنه أن يقود جهود تركيا لضمان الاستدامة والنمو. هكذا، تحمل خطة الحكومة لإستانبول أهمية إستراتيجية في الاقتصاد العالمي سريع التغير. سيجذب تطوير البنية المالية التحتية وسياسات الإعفاء الضريبي اللازمة بالتأكيد رؤوس الأموال من الشرق الأوسط والخليج العربي على المدى المتوسط.20 ونظرًا لدور الأسواق المالية المهمّ في تعزيز المدخرات، سيقدم دور إستانبول الجديد كسوق مالية مساهمة إيجابية في مستوى الادخار، وسيكون قوة رائدة دافعة للنمو الاقتصادي بتركيا. في هذا الصدد، سيجذب ظهور إستانبول كمركز مالي إقليمي وعالمي رؤوس الأموال الدولية، ويضيف إلى المدخرات المحلية، كما سيمنع تحركات رؤوس الأموال الدولية قصيرة الأجل من زعزعة استقرار الاقتصاد. ستساعد الجهود المبذولة لإنشاء بيئة مرحبة بالمستثمرين – تلبي الحاجة لإطلاع الجمهور– في إنشاء سوق أكثر شفافية وموثوقية بتركيا، بينما ستولد الاستثمارات والمدخرات الإضافية فرص عمل وتضمن نموًّا اقتصاديًّا.21
تعد زيادة الإنفاق على البحث والتطوير مسألة هامة أخرى لأهداف تركيا طويلة الأجل. ولكون المنتجات ذات القيمة المضافة العالية حاسمة في أوقات الأزمات الاقتصادية، تحسن جهود البحث والتطوير القدرة التنافسية للاقتصاد في السوق العالمية بشكل ملحوظ. كذلك يسهم الإنفاق على البحث والتطوير في النمو الاقتصادي. لكن ينبغي للجامعات أداء دور محوري لضمان التعاون الفعال بين القطاعين العام والخاص في تغطية تكاليف البحث والتطوير. لذلك، ينبغي للحكومة توفير تمويل إضافي للتعليم العالي وتنسيق الجهود المتزامنة لمختلف المؤسسات. مع تجاوز استثمارات القطاع الخاص في البحث والتطوير لتمويل القطاع العام في اقتصادات الدول المتقدمة، ينبغي للحكومة التركية تعزيز التعاون بين القطاعين الخاص والعام، وتشجيع مساهمات القطاع الصناعي. لتحقيق هذه الغاية، ينبغي للقطاع العام زيادة التركيز على بناء اقتصاد المعلومات لاستكمال استثمارات القطاع الخاص. بل ينبغي للبلاد زيادة عدد العلماء لمساعدة الجهود الرامية لتطوير اقتصاد قائم على المعرفة. ينبغي للحكومة اتخاذ تدابير لضمان كفاءة توظيف خريجي الجامعات في المستقبل، ومنع النقص في المهارات والمعلومات لإرساء سوق عمل فاعل يتوافق مع أهداف تركيا الاقتصادية. مثل هذا النهج بلا شك سيزود البلاد بالأدوات اللازمة لإحداث فرق في السوق العالمية ولتصبح أكثر قدرة على المنافسة.22
بينما تأتي أهمية سياسات الطاقة في الصدارة، ينبغي لتركيا معالجة اعتمادها على الطاقة الأجنبية والعجز في الحساب الجاري المستمر منذ فترة طويلة لتحقيق أهدافها طويلة الأجل. في النهاية، لا تزال البلاد تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الطاقة كعنصر رئيس في الإنتاج المحلي، وهو سبب أساسي لارتفاع العجز في الحساب الجاري.23 هكذا، ينبغي أن تركز تركيا جهودها على تصنيع منتجات غير متاحة حاليًّا للإنتاج المحلي. تقلل مثل هذه الجهود بلا شك الحاجة إلى السلع المستوردة، وتخفض عجز الحساب الجاري في البلاد. ■
سبوت لايتس
P.# 116
ألقت الإخفاقات السياسية بظلالها سنوات عديدة على الاقتصاد التركي مما أدى إلى تحقيقه أداء أقل من إمكاناته الكاملة.
P.# 117
الشكل 1. نمو الناتج المحلي الإجمالي، تركيا (%)
المصدر: معهد الإحصاء التركي (TUIK)، 2012، (*) البرنامج متوسط الأجل 2013–2015.

P.# 118
اكتسب الاقتصاد التركي مرونة ضد الصدمات الخارجية وسجل إحدى أسرع فترات النمو منذ 1950 بين عامي 2002 و2007.
P.# 119
الشكل 2. معدلات التضخم، تركيا (%)
المصدر: البنك المركزي التركي؛ معهد الإحصاء التركي (TUIK).
P.# 120
الشكل 3. نسبة عجز الموازنة إلى الناتج المحلي الإجمالي، تركيا (%)
المصدر: وزارة المالية، تركيا.
P.# 121
الشكل 4. نسبة رصيد ديون الإدارة العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي بتعريف الاتحاد الأوروبي، تركيا (%)
مكتب وكيل وزارة الخزانة، تركيا.
P.# 123
أسهم إنشاء صلات تجارية مع أسواق جديدة، بالإضافة إلى ازدياد حجم الطلب المحلي والصادرات في تعافي الاقتصادي التركي.
P.# 124
عقب الأزمة المالية العالمية، ارتفعت نسبة التضخم إلى 10.1 بالمئة في 2008، ثم انخفضت إلى 6.16 بالمئة في 2012 – وهو أدنى مستوى للتضخم منذ 1968.
P.# 127
ينبغي أن يكون مستوى مدخرات تركيا قادرًا على المنافسة مع الدول الأخرى سريعة النمو ذات مستويات الادخار العالية لتحقيق أهداف الحكومة لعام 2023.

الهوامش:
1. Nazan Susam, Ufuk Bakkal, “Kriz Süreci Makro Değişkenleri ve 2009 Bütçe Büyüklüklerini Nasıl Etkileyecek”, Maliye Dergisi, sayı 155, (Temmuz-Aralık, 2008).
2. The Organisation for Economic Co-operation and Development (OECD), “Economic Outlook (2010),” from http://www.oecd-ilibrary.org/economics/oecd-economic-outlook-interim-report-september-2010_eco_outlook-v2010-sup1-en.
3. Türk Sanayicileri ve İşadamları Derneği (TÜSİAD), “1996 Yılına Girerken Dünya ve Türkiye Ekonomisi Raporu,” (Ocak, 1996).
4. Mehmet Alagöz, “Paradan Sıfır Atmanın Gerekçeleri, Sonuçları ve Türk Lirasına İade-i İtibar,” Selçuk Üniversitesi, Sosyal Bilimler Enstitüsü Dergisi, (14), (2005), pp. 39-56.
5. İbrahim Al, “Parasal Reformlar Kapsamında Türkiye’deki Paradan Sıfır Atılması Operasyonu Üzerine Bir Araştırma,” Karadeniz Teknik Üniversitesi, Sosyal Bilimler Enstitüsü, Trabzon, (Haziran, 2007).
6. Paul Krugman, “Financing vs. Forgiving a Debt Overhang,” Journal of Development Economics, 29, (1988), pp.253-268.
7. Ali Yavuz, “Başlangıcından Bugüne Türkiye’nin Borçlanma Serüveni Durum ve Beklentiler” SDÜ Fen Fakültesi Sosyal Bilimler Dergisi, 20, (Aralık, 2009), pp.203-226.
8. Erdal Tanas Karagöl, “Geçmişten Günümüze Türkiye’de Dış Borçlar,” SETA Analiz, (Ağustos, 2010).
9. Ibid.
10. Dani Rodrik, “The Turkish Economy After The Crises,” Harvard Kennedy School, Cambridge, MA 02138, (November, 2009).
11. OECD Economic Outlook, Vol. 2, (November, 2012).
12. Kalkınma Bakanlığı, “2013-2015 Orta Vadeli Program, Temel Makroekonomik ve Mali Hedefler” (Ekim, 2012).
13. T.C. Aile ve Sosyal Politikalar Bakanlığı Sosyal Yardımlar Genel Müdürlüğü, Sosyal Yardım İstatistikler Bülteni, (Eylül, 2012).
14. Başbakanlık Yatırım Destek ve Tanıtım Ajansı, www.invest.gov.tr; http://www.invest.gov.tr/tr-TR/turkey/factsandfigures/Pages/Economy.aspx
15. Erdal Tanas Karagöl, “Geçmişten Günümüze Türkiye’de Dış Borçlar,” SETA Analiz, Ankara, (2010).
16. Mehmet Babacan, “Whither Axis Shift: A Perspective from Turkey’s Foreign Trade,” SETA Policy Report, No. 4, (2010).
17. Türkiye İhracatçılar Meclisi (TİM), “İhracat Rakamları,” (2012), http://www.tim.org.tr/tr/ihracat-ihracatrakamlari-tablolar.html.
18. T.C. Kalkınma Bakanlığı ve Dünya Bankası “Yüksek Büyümenin Sürdürülebilirliği: Yurtiçi Tasarrufların Rolü: Türkiye Ülke Ekonomik Raporu,” (2011).
19. İstanbul Üniversitesi, Sermaye Piyasaları Araştırma ve Uygulama Merkezi (SERPAM), “İstanbul Bölgesi ve Uluslararası Finans Merkezi (İFM),” (Ekim, 2012).
20. M. Emin Erçakar ve Erdal Tanas Karagöl, “Türkiye’ de Doğrudan Yabancı Yatırımlar,” SETA Analiz, (Şubat, 2011).
21. Devlet Planlama Teşkilatı, “İstanbul Uluslararası Finans Merkezi Stratejisi ve Eylem Planı,” Ankara, (2009).
22. Dilşad Erkek, “Ar-Ge, İnovasyon ve Türkiye: Neredeyiz?,” T.C. Güney Ege Kalkınma Ajansı, (2011).
23. Rüstem Yanar, Güldem Kerimoğlu, “Türkiye’de Enerji, Tüketimi, Ekonomik Büyüme ve Cari Açık İlişkisi”, Ekonomi Bilimler Dergisi, Cilt,3, No:2, (2011).