cms-image-000094771

الشفرات الجيوسياسية في آراء داود أوغلو تجاه الشرق الأوسط

ملخص

الجيوسياسة الانتقادية Critical geopolitics، هي مجال جديد نسبيًّا لعلماء العلاقات الدولية، الذين يسعون إلى فهم وتحليل وتصور السياسة مكانيًّا. وتحقيقًا لهذه الغاية، فإنها تميّز بين ثلاثة أنواع من المنطق الجيوسياسي: الجيوسياسة الرسمية والعملية، والشعبية. ويُعَدّ أحمد داود أوغلو من أبرز الشخصيات التي اكتشفت العلاقة الوثيقة بين الجيوسياسة الرسمية والعملية في تركيا بسبب هويته المزدوجة كأستاذ للعلاقات الدولية ووزير للخارجية. تهدف هذه الورقة، بتوظيف النهج الجيوسياسي الانتقادي، إلى مناقشة آراء داود أوغلو الجيوسياسية نحو الشرق الأوسط من خلال تحليل كتاباته وخطاباته لتوضيح الصورة الرئيسة والسرد الذي شكل الفهم الجيوسياسي لهذه المنطقة.

مقدمة

تحلل المقاربات الجيوسياسية الانتقادية كيفية تصور السياسة مكانيًّا وتهدف إلى الكشف عن السياسة خلف جغرافية الفضاء العالمي. تحقيقًا لهذه الغاية، يتم التمييز بين ثلاثة أنواع من المنطق الجيوسياسي: الجيوسياسة الرسمية تمثل المعرفة الجيوسياسية التي يتم إنتاجها في المعاهد الإستراتيجية ومؤسسات الفكر والرأي الـ(Think Tanks) والأوساط الأكاديمية. الجيوسياسة العملية تشير إلى الأشكال اليومية للمنطق الجيوسياسي الذي يستخدمه القادة السياسيون وموظفو الخدمة المدنية في شرح وإضفاء الشرعية على سياساتهم الخارجية والأمنية. وترتبط الجيوسياسة الشعبية بالسرد الجيوسياسي الموجود في وسائل الإعلام، والسينما، والروايات، والرسوم المتحركة. الفئتان الأُوليَان في غاية الأهمية، لأن معظم المنطق الجيوسياسي يحدث إما في المجالات الجيوسياسية الرسمية أو العملية. ويستخدم صناع القرار في السياسة الخارجية المنطق العملي الجيوسياسي عند محاولة جعل الآخرين يشعرون مكانيًّا بالعالم، وأيضًا يلجؤون إلى الأشكال الرسمية من المعرفة الجيوسياسية للتجاوب مع قضايا السياسة الخارجية بشكل فعال.

ومن الصعوبة الادعاء بأن الجيوسياسة الانتقادية بأنواعها الثلاثة للمنطق الجيوسياسي تنعكس بما يكفي على المناقشات الأكاديمية في تركيا. فمع أنه في الآونة الأخيرة كانت هناك زيادة ملحوظة في عدد الدراسات التي تحاول تحليل الخطابات الجيوسياسية في تركيا من خلال الاستفادة من النهج النقدي، إلا أن هذا المجال لا يزال تسيطر عليه الأفكار التقليدية، التي تميل إلى ربط الجيوسياسة بالمفاهيم الواقعية، مثل الأمن القومي و الإستراتيجية والمصالح، والسلطة[1]. إن انتشار هذا النهج الواقعي في الدراسات الجيوسياسية في تركيا أمر يبعث على الدهشة، ولاسيما عندما يأخذ المرء بعين الاعتبار النظريات النقدية التي أصبحت مؤثرة مثلها مثل تلك التقليدية في المجالات الرئيسة الأخرى من نظام العلاقات الدولية في الحياة الأكاديمية التركية. لذا من أجل الشروع في اتجاه مماثل في مجال الجيوسياسة، فإن هناك حاجة إلى تفكيك أو على الأقل إعادة تفسير بعض المواضيع والمفاهيم الجيوسياسية الشعبية التي يكثر العلماء وصناع السياسة التركية من استخدامها.

أحمد داود أوغلو الذي يشغل منصب وزير خارجية تركيا منذ عام 2009، هو شخصية بارزة ولاسيما من حيث التحليل النقدي لأشكال المنطق الجيوسياسي في تركيا. لأن أفكاره تمثل كلًّا من الجيوسياسة الرسمية والعملية بسبب هويته المزدوجة كأستاذ للعلاقات الدولية ووزير للشؤون الخارجية. بالمعنى الجيوسياسي الرسمي، كتابه العمق  الإستراتيجي: موقع تركيا الدولي (2001) لا يزال أحد أهم المصادر المؤثرة بالنسبة لعلماء ودارسي السياسة الخارجية التركية في فترة ما بعد الحرب الباردة. وبالمعنى الجيوسياسي العملي، فحتى قبل تعيينه في منصب وزير الخارجية، شغل داود أوغلو منصب كبير مستشاري السياسة الخارجية للحكومات التركية في عهد حزب العدالة والتنمية. كما أن تصريحاته وكتاباته، في هذا الصدد، تُعدّ مؤشرات مهمّة حول تطور الجيوسياسة التركية في العقد الماضي. وبتوظيف النهج الجيوسياسي الانتقادي، تهدف هذه الورقة الى استكشاف التداعيات الرسمية والعملية لأفكار وآراء داود أوغلو نحو الشرق الأوسط. وتحقيقًا لهذه الغاية، سيتم تحليل كتاباته وخطاباته بشكل نقدي، كما سيتم تحديد تصوراته التي تشكل فهمه الجيوسياسي لهذه المنطقة.

الجيوسياسة الرسمية والعملية والشعبية

تطورت نظرية “الجيوسياسة النقدية” بأفكار مجموعة من الجيوسياسيين العاملين في جامعات أمريكا الشمالية وأوروبا الذين يهتمون بأساليب تحليل خطاب ما بعد البنيوية لعلماء السياسة الفرنسية مثل جاك دريدا وميشيل فوكو[2]. ترفض الجيوسياسة النقدية وجهة النظر القطعية للنهج الجيوسياسي التقليدي الذي يرى أن الجغرافيا متغير مستقل تحكمه قوانين ثابتة غير قابلة للتغيير. بدلًا من ذلك، الجيوسياسة النقدية ترى أن الجغرافيا خطاب، وأن الافتراضات والتفاهمات الجغرافية تؤسَّس ثقافيًّا وتستمر سياسيًّا[3]. في هذا الصدد، فإنها تنتقد ميل النظريات التقليدية الجيوسياسية إلى اختزال الجغرافيا إلى مجرد شيء ينبغي أن يخضع للسيطرة. كما أنها ترفض تركيزها المفرط على الجيش/الجوانب الإستراتيجية للعلاقات بين الدول، وتدافع عن الفهم الجيوسياسي الجديد الذي يعكس التغيرات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية على العالم الكبير.

الهدف الأساسي للجيوسياسة النقدية هو فهم كيفية وضع “الحدود”، وكيف أن الانقسام بين “نحن وهم” مُتمثل في الناحية الجيوسياسية، حتى يتسنّى دراسة “الخريطة الجيوسياسية للعالم” والتصورات الجيوسياسية التي تؤثر في فهم تلك الخريطة[4]. لهذا الغرض، فإنها تقترح تحليل أشكال مختلفة من المنطق الجيوسياسي. أما الجيوسياسة الرسمية فترمز إلى المنطق الجيوسياسي الذي يتم إنتاجه من قبل المحللين والمثقفين والعلماء في الأوساط الأكاديمية والمعاهد  الإستراتيجية ومراكز التفكير. وتوجد الجيوسياسة العملية في الخطابات الجيوسياسية لممثلي الحكومات وبيروقراطيي السياسة الخارجية. بالنسبة للجيوسياسة الشعبية، فإنها تمثل السرد الشعبي في وسائل الإعلام، والسينما، والروايات، والرسوم المتحركة[5].

هذه الفئات الثلاث للمنطق الجيوسياسي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا ببعضها[6]. الأكاديميون والصحفيون على اتصال منتظم ببعضهم بعضًا، وكذلك المسؤولون الحكوميون والسلطات الحكومية الأخرى. مثل هذه الاتصالات المكثفة تساعد على تبادل الأفكار حول العديد من القضايا السياسية والاجتماعية. أيضًا الأطر الجيوسياسية التي تتشكل خلال هذا التبادل، تتناولها وسائل الإعلام وتخترق الثقافة الشعبية. فاستعارات: مثل “الستار الحديدي”، و”الدول المارقة” أو “محور الشر” تهدف الى تبسيط السياسة الدولية للجمهور وتساعد الشعوب على التمييز بين “نحن وهم” أو “الصديق والعدو” بطريقة سلسة. هذه التجريدات يستغلها السياسيون للدفاع عن سياسة معينة. في نفس الوقت، فهي تثير مناقشات عامة حول الجيوسياسة الشعبية.

بسبب التحسن السريع في تكنولوجيا الاتصالات، أصبحت الجيوسياسة الشعبية في الآونة الأخيرة موضوعًا مهمًّا لعدد متزايد من الدراسات الأكاديمية[7]. وحتى الآن، يجادل الكثيرون بأن المنطق الجيوسياسي في سياسة العالم لا يزال موجودًا في مجال الجيوسياسة الرسمي والعملي. الجيوسياسة الرسمية، التي تقوم على أعمال الأكاديميين والمفكرين ومراكز التفكير مرتبطة بـ”التفكير الجيوسياسي” أو “التقاليد الجيوسياسية”[8]. تستند التقاليد الجيوسياسية التي أثرت في السياسة العالمية منذ نهاية القرن التاسع عشر إلى كتابات الجيوسياسيين، بما فيهم فريدريش راتسل، ورودولف كيلين، وألفريد ماهان، وهالفورد ماكيندر، وكذلك مدرسة كارل هاوسهوفر الجيوسياسية الألمانية[9]. بعد الحرب العالمية الثانية، وقام بنقلها الكتّاب الأمريكان مثل جورج كينان ونيكولاس سبايكمان في العقود اللاحقة. وحافظت على تأثيرها في الفترة المعاصرة بكتب هنري كيسنجر ،وزبيجنيو بريجنسكي، المعروفين بمناصبهم الرسمية في بيروقراطية السياسة الخارجية للولايات المتحدة. هذا التقليد الجيوسياسي هو مركزية الدولة، ويرى أن الجغرافيا ثابتة، ويركز بقوة على الحجم والصفات المادية الأخرى، ويرى أن الجغرافيا يمكن أن يتم السيطرة عليها بعوامل القوة التقليدية مثل القوة العسكرية، ويقدم خريطة عالم مبسطة تقوم على الثنائيات مثل “الشرق مقابل الغرب” أو “القوة البرية مقابل القوة البحرية”. وكما تمّ ذكره في وقت سابق، الجيوسياسة النقدية ترفض هذا الافتراض هذا التقليد بأن الجغرافيا تخضع لقوانين الطبيعية، وتؤكد أن العمليات الاجتماعية والسياسية المعقدة لا يمكن اختزالها إلى مجرد حسابات جيوإستراتيجية.

على المستوى الوطني، التقاليد الجيوسياسية في غاية الأهمية؛ لأن كل دولة لديها تقليد جيوسياسي أو أكثر، يتطور وفقًا للملامح التاريخية والجغرافية أو الثقافية. هذه التقاليد تمثل أساسًا للمنطق الجيوسياسي للعلماء في ذلك البلد. كل تقليد، في هذا الصدد، يستند إلى تعريف مستقل للهوية الوطنية، والمصلحة العليا للدولة ويميز بين الصديق والعدو. غراهام سميث، على سبيل المثال، يشير إلى ثلاثة تقاليد جيوسياسية سائدة في الاتحاد الروسي: أحدها يرى أن روسيا جزء من أوروبا، وآخر يرى أن روسيا ليست بدولة أوروبية ولا آسيوية، وثالث يراها جسرًا بين القارتين[10]. كما أجرى والتر راسيل ميد دراسة مماثلة، يرى فيها أن اختلافات المصلحة الوطنية، وقاعدة الدعم الاجتماعي، والهوية الثقافية أنتجت أربعة تقاليد جيوسياسية منفصلة في الولايات المتحدة[11]. من ناحية أخرى، اكتشف تيموثي جارتون آش أربعة تقاليد جيوسياسية في المملكة المتحدة، والتي عرفت البلد على أنه بريطانيا الصغيرة وبريطانيا العالمية، وبريطانيا الأوروبية وبريطانيا الأمريكية[12].

أما الجيوسياسة العملية، الفئة الثانية في الجيوساسة النقدية، فترتبط ارتباطًا وثيقًا بالجيوسياسة الرسمية بسبب عاملين اثنين: أولًا، النظريات والإستراتيجيات التي خرجت من الجامعات ومؤسسات التفكير والرأي تهدف إلى تقديم الإرشادات إلى صانعي السياسات وكذلك إضفاء الشرعية على قراراتهم. الأمثلة الأكثر شهرة هي تلك التي تتحدث عن تأثير هاوسهوفر في سياسات هتلر و”سياسة الاحتواء” الخاصة بالولايات المتحدة خلال الحرب الباردة، والتي استندت إلى حد كبير إلى أفكار كينان وسبيكمان الجيوسياسية. ثانيًا، معظم العلماء الذين يساهمون في إنتاج المعارف الجيوسياسية الرسمية، عادة يعملون مستشارين أو وزراء في الحكومات الوطنية في بعض الأحيان. ماكيندر، على سبيل المثال، لم يكن أكاديميًّا فقط، بل كان عضوًا في البرلمان البريطاني أيضًا.

وبمعنى أعمق، تتضمن الجيوسياسة العملية الأشكال اليومية من التفكير الجيوسياسي الذي يستخدمه صناع القرار في السياسة الخارجية لشرح سياساتهم للجمهور. لذا فإن ما يسمى بـ”الشفرات الجيوسياسية” يختلف عن المعرفة المؤسسية أو  الإستراتيجية المنتجة في إطار الجيوسياسة الرسمية في أنه يقوم على حسن إدراك السرد الجيوسياسي[13]. ويتم تدريس هذا السرد عن طريق التعليم الرسمي في المدارس، ويستخدم كأدوات للتنشئة الاجتماعية من خلال فرض بعض أشكال الهوية/المفاهيم الجغرافية والتاريخية[14]. فهو يستخدم في التصريحات السياسية، ويظهر في الخطابات العادية والنمطية التي تستخدم مختلف الثنائيات. على سبيل المثال، تضمن خطاب “عبء الرجل الأبيض” لفترة الاستعمار ثنائيات مثل: “الحديث مقابل المتخلف” و”الغربي مقابل غير الغربي”[15]. وربطت عقيدة الرئيس الأمريكي هاري ترومان أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية بالحرية، والاتحاد السوفياتي وأوروبا الشرقية بالخوف والقمع وحكم الأقلية، بينما نسبت بعض المعاني إلى الجغرافيا باستخدام ثنائيات مماثلة[16]. وهناك مثال أكثر حداثة هو استعارة “محور الشر” لجورج دبليو بوش، الذي أعطى معنى جيوسياسيًّا جديدًا لدول مثل إيران والعراق وكوريا الشمالية في أعقاب هجمات 11 سبتمبر[17].

في السنوات القليلة الماضية، على وجه الخصوص، جذبت الجيوسياسة العملية على نحو متزايد أنظار العلماء الأتراك الذين يسعون إلى استكشاف الديناميات التي تقف وراء نشاط السياسة الخارجية التركية خلال عهد حزب العدالة والتنمية. وبالتركيز على الخطاب الجيوسياسي لقادة حزب العدالة والتنمية، بدأ بعض العلماء يجادل بأن السياسة الخارجية التركية تسير في ضوء “تصور جيوسياسي جديد” رافق تحولات اقتصادية وسياسية واجتماعية ملحوظة تحدث في المشهد المحلي التركي[18]. وبربطه بالهوية المحافظة الديمقراطية لزعماء حزب العدالة والتنمية، فإن هذا التصور الجيوسياسي، أولًا وقبل كل شيء، ينطوي على “سلوك في السياسة الخارجية النشطة” في جوار تركيا الإسلامي، الذي نظرت إليه نخب السياسة الخارجية التركية العلمانية في السابق على أنه مصدر للفوضى وعدم الاستقرار[19].

تدعم هذه الحجة دراسات أخرى، أجرت تحليلات مهمّة حول تصريحات السياسة الخارجية لرموز حزب العدالة والتنمية البارزين، ووجدت أن “التصورات والنظم العقائدية لصانعي السياسات فيما يتعلق ببيئاتهم الداخلية والخارجية هي متغيرات مهمّة بالأخذ بعين الاعتبار تحول السياسة الخارجية[20].”وبما أن معظم نخب حزب العدالة والتنمية قدموا من خلفية سياسية محافظة/إسلامية، فإن شفراتهم ورموزهم الجيوسياسية التي يستخدمونها للتعبير عن مكانة تركيا في السياسة العالمية، تركز على العالم الإسلامي والفضاء الجيوثقافي العثماني بما في ذلك الشرق الأوسط[21]. هذه الشفرات الجيوسياسية أفضل خطاب أوضحها هو خطاب داود أوغلو، الذي تكون وتشكل بهويته المزدوجة كأستاذ للعلاقات الدولية (الجيوسياسة الرسمية) ووزير للخارجية (الجيوسياسة العملية).

التمثيلات الجيوسياسية في الشرق الأوسط في العمق  الإستراتيجي لداود أوغلو

على الرغم من أن مساعي داود أوغلو لإعادة تصور العلاقات الدولية يمكن تتبعها منذ أوائل التسعينيات، إلا أن كتابه العمق  الإستراتيجي (2001)، الذي يُعَدُّ بمثابة إعادة تقييم للنظريات الجيوسياسية الغربية والشرقية التقليدية من وجهة نظر تركية، يقدم أهم قرائن حول أفكاره بشأن السياسة العالمية. أيضًا يدعو هذا الكتاب بجرأة صناع السياسة التركية للتصالح مع الماضي العثماني للبلاد وجذوره الإسلامية[22]. وقد دفع هذا العديد من المحلّلين السياسيين في تركيا وخارجها إلى الادعاء بأن داود أوغلو يمثل الرؤية الجيوسياسية “العثمانية الجديدة Neo-Ottomanist ” – وهي الرؤية التي ارتبطت عادة بالرئيس التركي تورغوت أوزال[23]. لكن داود أوغلو، مع ذلك، رفض بشدة هذه المزاعم[24].

ولفت عدد من العلماء الانتباه إلى اهتمام داود أوغلو الخاص بالديناميات الجيوثقافية في السياسة العالمية، وجادل بأن خطابه يستدعي “الجيوسياسة الحضارية” وليس العثمانية الجديدة. ويوضحون أن مثل هذا الخطاب يستفيد من ثنائيات “نحن في مواجهتهم” من خلال تأكيد الاختلافات الدينية ليس فقط بين تركيا والغرب، ولكن أيضًا مع بعض البلدان غير المسلمةن مثل أرمينيا وإسرائيل[25]. هنا، الدين لا يعني بالضرورة أنه يلعب دورًا سلبيًّا، بل إنه يستخدم باعتباره أداة جديدة لتبرير ما يسمى بـ”الأهمية الجيوسياسية الاستثنائية” لتركيا[26]. ومع ذلك، يجب ذكر أن هذا  الاستثناء في فكر داود أوغلو يقوم على هوية تركيا الإسلامية والتراث العثماني، اللذين يشكّلان معًا أُسس أفكاره حول دور تركيا كـ”دولة مركزية” في السياسة العالمية[27].

التركيز على الحضارة الإسلامية والإمبراطورية العثمانية قوي أيضًا في تصوير داود أوغلو الجيوسياسي للشرق الأوسط. في العمق  الإستراتيجي، يرى داود أوغلو أن هناك سمتين أساسيتين للمنطقة هي “التفافها وتوحدها حول الدين الإسلامي والتراث التاريخي المشترك للعثمانيين”[28]. بالنسبة له، انتشار الإسلام في الشرق الأوسط جعل التضامن الجيوثقافي – أكثر من مجرد تضامن جغرافي” في منطقة حافظت الإمبراطورية العثمانية على تضامنها ووحدتها لمدة خمسة قرون تحت مظلة نظام عريق وبأقل المخاطر السياسية[29]. ويبدو أن إعجابه بهذا النظام الثقافي والسياسي هو السبب الرئيس في تكريسه قسمًا مطولًا عن منطقة الشرق الأوسط مقارنة بالمنطقتين المجاورتين -البلقان والقوقاز– اللتين تشكلان ما يسميه “الحوض البري القريب” من تركيا[30].

وعلى الرغم من التركيز الشديد على الإسلام والتراث العثماني، يبدو أن حب داود أوغلو للنظريات الجيوسياسية الغربية التقليدية أثر بشكل كبير في أفكاره الجيوسياسية حول الشرق الأوسط. ومع أنه يعتقد أن “نوعًا جديدًا من الجيوسياسة” قد ظهر في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي،إلا أنه على ما يبدو لا يشير إلى المناهج الجيوسياسية النقدية، حيث إن وجهات النظر الجيوسياسية التي طرحها في كتابه تستند في معظمها إلى أعمال المنظرين الجيوسياسيين التقليديين، مثل: ماكيندر، ماهان، وهاوسهوفر وسبايكمان. في هذا الصدد، فإن وجهات نظره حول الجغرافيا، والتي يعتقد أنها من بين العوامل الأكثر “ثباتًا” في صياغة السلطة في أي بلد، هي في الواقع قطعية[31]. لذا، فإنه ليس من المستغرب أنه في كثير من الحالات يشير إلى منطقة الشرق الأوسط في العمق  الإستراتيجي، ويلجأ إلى المفاهيم الجيوسياسية التقليدية والاستعارات، التي تعامل المنطقة باعتبارها “مفتاحًا” لسيادة العالم. في إحدى النقاط على سبيل المثال، يشبه الشرق الأوسط بـ”العقدة المستعصية” التي يتحتّم على أي قوة عظمى تسعى للسيطرة على أفرو أوراسيا أن تحلّها[32].

وبما أن مفهوم أفرو أوراسيا يشبه مفهوم هالفورد ج ماكيندر “جزيرة العالم” (أي القارة العملاقة التي تتكون من أوروبا، وآسيا، وإفريقيا، فمن الممكن ادعاء أن الشرق الأوسط أصبح “قلب الأرض Heartland” في التفكير الجيوسياسي لداود أوغلو[33]. ويجب الإشارة في هذا الصدد إلى أنه يدعي أن منطقة الشرق الأوسط هي منطقة رئيسة لجيوسياسة الأرض (قلب الأرض) وجيوسياسة البحر (rimland) ويعرفها بأنها “تقاطع القارات الرئيسة في العالم، ويقول: إن “الهيكل الجيوسياسي للشرق الأوسط مرتبط مباشرة بموقعه المركزي في القارة الأفرو أوروآسيوية”[34].

يبدو أن آراء داود أوغلو تجاه الشرق الأوسط قد تأثرت بأفكار ألفريد ت. ماهان الجيوسياسية، التي شددت على الأهمية  الإستراتيجية لـ”نقاط الاختناق” (الممرات المائية الضيقة) للسيطرة على بحار العالم. في أجزاء متفرقة من كتاب العمق  الإستراتيجي، يشير داود أوغلو إلى أهمية نقاط الاختناق الجيوسياسية، والتي يعتقد أن معظمها تقع داخل حدود الدول التي يقطنها المسلمون[35]. ويذكر، على وجه التحديد، أن أكثر من خمسة من أصل تسعة من نقاط الاختناق الإستراتيجي في العالم موجودة في منطقة الشرق الأوسط -وهي الميزة التي تجعل المنطقة في غاية الأهمية لداود أوغلو من الناحية الجيوسياسية التقليدية[36].

في الواقع، يمكن الادعاء بأن هناك بعض العناصر الجيوسياسية النقدية في أفكار داود أوغلو تجاه الشرق الأوسط، حيث إنه يؤكد على عدم التوافق بين الحدود السياسية الحالية والخطوط الجيوسياسية في المنطقة[37]. ويذكر على سبيل المثال أن “الحدود في الشرق الأوسط تشبه الحائط الذي تم بناؤه بطريقة سيئة للغاية”، مشيرًا الى الطريقة الجيوسياسية التي أعاد بها الحكام البريطانيون والفرنسيون رسم الحدود في المنطقة في بداية القرن العشرين[38]. ومع ذلك، يعود على الفور إلى التفكير الجيوسياسي التقليدي عندما يطلق على الشرق الأوسط “المناطق النائية التي لا مفر منها” أو منطقة نفوذ تركيا[39]. في هذا الصدد، يبدو أن السبب الرئيس لانتقاده طريقة إعادة رسم الحدود في الشرق الأوسط ترتبط بانفصال المنطقة عن الإمبراطورية العثمانية بدلًا من تقييم نقدي لرسم الحدود من قبل القوى الغربية.

“تركيا الوريث التاريخي لتضامن المنطقة الجيوسياسي، والجيوحضاري والجيواقتصادي، لا تزال بحاجة إلى إيجاد نهج إستراتيجي للتغلب على التفكك الجيوسياسي والجيوحضاري والجيواقتصادي، واحتضان المنطقة برمتها، وتنفيذ هذا النهج تدريجيًّا وبمرونة تكتيكية. مثل هذا النهج  الإستراتيجي لن يزيد فقط من تأثير تركيا في المنطقة، بل سيساعدها أيضًا على أن يكون لها دور بين الموازين العالمية والإقليمية، التي لا يمكن أن يتجاهلها أي لاعب”[40].

كما يتضح من الفقرة السابقة، فإن وجهات نظر داود أوغلو حول الجغرافيا، بشكل عام، ودور تركيا في الشرق الأوسط بوجه خاص، متأثرة بعقلية جيوسياسية تقليدية تقوم على مفاهيم مثل التوازن، والمحاور، والأطراف. ومع أنها سطحيًّا تنقد بشكل حضاري جريء الأنماط الجيوسياسية للسياسة العالمية المعاصرة.

التداعيات الجيوسياسية لخطاب داود أوغلو حول الشرق الأوسط

 ليس من السهل رسم خط واضح بين التداعيات الجيوسياسية الرسمية والعملية لخطاب داود أوغلو. كما ذكر في وقت سابق، فإن هويته المزدوجة كأستاذ للعلاقات الدولية وصانع قرار في السياسة الخارجية أصبحت متشابكة إلى حد كبير منذ عام 2002، عندما أصبح كبير مستشاري السياسة الخارجية لحكومة حزب العدالة والتنمية. وليس من المستغرب أنه صدر منشور مؤخرًا، يجمع خطب ومقابلات داود أوغلو عن السياسة الخارجية التركية بين عامي 2002 و2009، تحت عنوان من النظرية إلى التطبيق From Theory to Practice. يمكن أن يُعَدّ اعترافًا بأن الآثار الجيوسياسية العملية لخطابه السياسي لا تقتصر على الفترة التي بدأت في مايو 2009 عندما عُيّن رسميًّا وزيرًا لخارجية تركيا.

تبوَّأ الشرق الأوسط موقعًا مركزيًّا في كثير من خطب وكلمات داود أوغلو في العقد الماضي، كما يوضح النص الآتي، المقتبس من إحدى مقابلاته في عام 2002.

    “لذلك، على تركيا أن تقيم علاقاتها مع كل القوى العالمية من خلال الشرق الأوسط. وبعبارة أخرى، فإن الشرق الأوسط سيصبح أبرز معالم [تصوير] الدولة المركزية. كلما أصبحت تركيا أكثر تأثيرًا في الشرق الأوسط، ازدادت قدرتها على المساومة في مواجهة القوى الأخرى. وكلما أصبحت مكانتها مركزية في الشرق الأوسط، أصبحت أكثر إقناعا للآخرين”[41].

ليس من المستغرب أن نعرض في هذا السياق أن السياسة الخارجية التركية تحت إشراف داود أوغلو أصبحت على نحو متزايد منخرطة في دول الشرق الأوسط خاصة في النصف الثاني من العقد الأول في الألفية الثالثة. هذا هو السبب وراء توصل محللي السياسة والعلماء إلى مفاهيم جديدة مثل “الشرقنة الأوسطية  Middle Easternization” و “تحول المحاور” من أجل تفسير الاتجاهات الرئيسة للسياسة الخارجية التركية خلال عهد حزب العدالة والتنمية[42]. ومن الناحية الجيوسياسية العملية، يمكن القول إن هناك ثلاثة موضوعات رئيسة تتكرر في خطاب داود أوغلو حول الشرق الأوسط: الطابع الاصطناعي للحدود القومية الحالية التي تقف في طريق التكامل الاقتصادي والسياسي والإقليمي، وتشبيه “الزلازل” الذي يستخدم لشرح التحولات السياسية التي تحدث في المنطقة، و”القوة الناعمة” لتركيا ودور القيادة الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط[43].

وكما تم تأكيده أيضًا في العمق الإستراتيجي، فإن داود أوغلو يعتقد أن الطابع المصطنع للحدود هو قضية جيوسياسية حيوية تحتاج إلى أن تُحلّ في الشرق الأوسط[44]. ويُلقي معظم اللوم على عاتق بريطانيا وفرنسا ويتهمهما برسم الخرائط التي قسمت المنطقة خلال الحرب العالمية الأولى. ويتم تسليط الضوء، بشكل خاص، على اتفاقية سايكس بيكو السرية بين فرنسا وبريطانيا عام 1916. ومع أن داود أوغلو يعتقد أن التقسيم المصطنع لمنطقة الشرق الأوسط عززته الديناميات الجيوسياسية للحرب الباردة، فضلًا عن انتشار الأيديولوجيات القومية بشكل متبادل. لذا فإنه من أجل بناء مستقبل جديد في الشرق الأوسط، يقترح أولًا إعادة ترسيم الحدود:

“لا يمكن بناء المستقبل على مفاهيم دولة ناشئة أتت أولًا بخرائط سايكس بيكو، ثم لاحقًا بخرائط مرسومة بشكل مصطنع صادرة عن حكومات استعمارية… نحن سنكسر هذا النمط الذي رسمته لنا [اتفاقية] سايكس بيكو”[45].

يرى داود أوغلو أن النهوض بالتكامل السياسي والاجتماعي والاقتصادي بين بلدان الشرق الأوسط هو أفضل وسيلة للتغلب على الحدود المصطنعة وجمع الشمل، على سبيل المثال، بين مدن مثل ماردين وأورفة في جنوب شرق الأناضول مع بقية بلاد ما بين النهرين:

“عندما تنظر إلى بلاد ما بين النهرين من أحد المنازل في ماردين، بإمكانك أن تفهم أين تبدأ الحدود التركية السورية. ذلك السهل يمتد إلى ما لا نهاية. كانت هذه الأراضي الشاسعة موحدة على مر التاريخ وستستمر كذلك. لن يستطيع أحد أن يدّعي أن هذه الحدود ستكون دائمة، فقط لأنّ شخصًا ما رسم حدودًا هناك”[46].

في مجال السياسة الخارجية العملي، كانت فكرة التكامل الإقليمي مؤثرة جدًّا في إقامة تعاون إستراتيجي رفيع المستوى بين تركيا وحكومات العراق وسوريا، ولبنان. كما أسست تركيا مجلس تعاون رباعي رفيع المستوى مع سوريا، والأردن، ولبنان لتسهيل منطقة اقتصادية حرة فضلًا عن التعاون في مجالات، مثل النقل والطاقة والسياحة. كما كان الإلغاء المتبادل للتأشيرات بين هذه الدول عنصرًا مهمًّا في رؤية داود أوغلو لجمع شمل المنطقة هذا العام.

يشبّه داود أوغلو إعادة الوحدة السياسية والاقتصادية والثقافية بين بلدان الشرق الأوسط إلى “إغلاق أقواس يبلغ عمرها قرنًا من الزمان”[47]. مثل هذه التشبيهات في غاية الأهمية لفهم خطابه الجيوسياسي. في هذا الصدد، أهم تشبيه يستخدمه لشرح السياسة العالمية في فترة ما بعد الحرب الباردة هو تشبيه “الزلزال”. فيعتقد أنه كانت هناك ثلاثة زلازل عظيمة في السياسة العالمية في الثلاثة والعشرين عامًا الماضية. الأول كان الزلزال الجيوسياسي الذي وقع مع انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991. والثاني كان الزلزال الأمني في أعقاب هجمات 11 سبتمبر عام 2001. ويرى داود أوغلو، أنّ الزلزال الثالث سياسي واقتصادي بطبيعة الحال، وتمثل في الأزمة المالية العالمية في فترة ما بعد عام 2008، والثورات والانتفاضات العربية التي وقعت في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا[48].

ويعتقد أنه على قدر قوة الزلزال الثالث، سيكون المستقبل أفضل للشرق الأوسط والانتفاضات العربية، وينبغي عدُّ ذلك عملية “تطبيع”[49]. ويعتقد أن هذه العملية لن يكون لها أثر إيجابي على الدول العربية في الشرق الأوسط فحسب، بل على تركيا أيضًا التي فصلتها القوى الغربية بالقوة عن المنطقة، في أعقاب الحرب العالمية الأولى. ويرى أن نهاية الفترة العثمانية كانت بمثابة إبعاد شعوب الشرق الأوسط عن بعضها، وهي الحجة التي تفتخر مرة أخرى بالتراث العثماني في المنطقة[50]. وفي العهد الجديد الذي سيبدأ في أعقاب الانتفاضات العربية، يعتقد داود أوغلو أن تركيا ستحلّ محلّ الإمبراطورية العثمانية باعتبارها “حامية” شعوب الشرق الأوسط:

“يولد شرق أوسط جديد. وسوف نستمر أن نكون أصحابه، نكون روادًا وخُدّامًا لهذا الشرق الأوسط الجديد. وبدلًا من الطغيان والظلم والدكتاتوريات، فإن إرادة الشعوب وصوت الحق سيسودان في هذا الشرق الأوسط الجديد. ستكون تركيا الداعم القوي لهذا الصوت في كل مكان”[51].

 تصوير تركيا على أنّها رائدة رياح التغيير في الشرق الأوسط هو الموضوع المتكرر الرئيس الثالث في خطاب داود أوغلو تجاه المنطقة. ويستند هذا الوصف إلى دعامتين: الأولى ما يسميها داود أوغلو بـ”المسؤولية التاريخية”، التي تتضمن مرة أخرى إشارة واضحة إلى الماضي العثماني[52]. أما فيما يتعلق بالنقطة الأخيرة فهو يعتقد أن على تركيا انتهاز هذه الفرصة لجمع شمل “المواطنين التاريخيين” في الشرق الأوسط. فهو يصف المواطنة التاريخية بأنها أقوى من مجرد مواطنة، حيث إنه يتم تعريفها في إطار الروابط الثقافية كما أنها تربط مصير تركيا بمصير شعوب المنطقة[53].

تستند الركيزة الثانية في تصوير داود أوغلو لتركيا على أنّها قائد إقليمي في منطقة الشرق الأوسط إلى “القوة الناعمة لتركيا”، التي لها أبعاد اقتصادية واجتماعية وإقليمية. في المجال الاجتماعي، يعتقد داود أوغلو أنه “في جميع المجتمعات في الشرق الأوسط، لا ينظر إلى تركيا على أنها دولة صديقة وشقيقة فقط، بل كزعيم لفكرة جديدة ونظام إقليمي، وأن لديها القدرة على تحديد المستقبل”[54]. وهذا في نفس الوقت اعتراف بأن “نجاح تركيا لا يحدده الدور الذي تتخيله تركيا لنفسها في المنطقة، لكن بكيفية تصور المنطقة لدور تركيا”[55].

مثل المواطنة التاريخية، فإن الصورة الإيجابية لتركيا في الشرق الأوسط في غاية الأهمية في تفكير داود أوغلو، حيث إنه يفترض أنه من الصعب جدًّا تغيير هذه الروابط العاطفية مقارنة بموازين القوى الإقليمية القابلة للتغيير بسهولة[56]. بالرغم من أن هذا الافتراض يحمل تلميحًا للجيوسياسة النقدية، إلا أنه ينبغي توضيح أن مفهوم “القوة الناعمة” في أفكار داود أوغلو شكلته إلى حد كبير المصالح الاقتصادية. في هذا الصدد، يشير باستمرار إلى تحسين العلاقات التجارية بين تركيا ودول الشرق الأوسط، وعلى وجه الخصوص يسلط الضوء على الركود في العلاقات الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي في فترة ما بعد عام 2008، ويرى أن تعزيز المصالح الاقتصادية التركية في الشرق الأوسط ضروري لـ”تعويض الخسائر” التي نتجت بسبب الثورات العربية[57]. وبقدر الليبرالية التي تبدو، إلا أن هذا الانشغال بتعزيز “مجال نفوذ” تركيا في المنطقة، يجعل خطاب داود أوغلو الجيوسياسي حول الشرق الأوسط أقرب إلى التقليدي لا النهج الجيوسياسي النقدي.

الخاتمة

في العقد الماضي، حظيت منطقة الشرق الأوسط بأهمية جيوسياسية كبرى في خطاب السياسة الخارجية لحكومات حزب العدالة والتنمية. أولًا، بسبب تصورات نخب حزب العدالة والتنمية للهوية، التي شكلتها إلى حد كبير المعتقدات الدينية (أي الإسلامية) والحنين إلى الماضي العثماني لتركيا. وجاء الشرق الأوسط بطبيعة الحال إلى الواجهة في إطار هذه التصورات نظرًا إلى أهميته المحورية في التعريف التقليدي لما يسمى بحدود “العالم الاسلامي” و” فضاء ما بعد العثمانية”. وأصبح تصوير تركيا على أنّها “زعيم إقليمي” أو “حامي إقليمي” في الشرق الأوسط أحد الرموز الجيوسياسية البارزة في السياسة الخارجية التركية لقادة حزب العدالة والتنمية[58]. والأهم من ذلك، أنه مع أن علاقة تركيا مع دول المنطقة كانت تُعَدّ حجر الزاوية للتنفيذ الناجح لإستراتيجية “الدولة المركزية” والتي تسمى أحيانًا “عقيدة العمق الإستراتيجي” أو “عقيدة داود أوغلو”[59]. هذه المسميات، هي دلالة واضحة على تأثير أفكار وزير الخارجية داود أوغلو القوي في التمثيلات الجيوسياسية للشرق الأوسط في تركيا خلال عهد حزب العدالة والتنمية.

كما ذكر من قبل علماء مثل ووكر، فإن المغزى الرئيسي للعمق الإستراتيجي لداود أوغلو بالنسبة للسياسة الخارجية التركية هو أنه “يسعى إلى إعادة تركيا من هامش العلاقات الدولية إلى المركز، على أنها لاعب يجلس عند تقاطع مناطق متعددة”[60]. ومن المنظور الجيوسياسي النقدي، هذا يعني أن مكانة تركيا السابقة في السياسة العالمية حلت محلها مكانة جديدة، توصف بأهميتها الجغرافية على أنّها “دولة مركزية بهويات إقليمية متعددة”[61]. “ويجب توضيح أن استعارة “الدولة المركزية” تشير إلى “الدينامية”، على نقيض التصوير الجيوسياسي “السلبي” لتركيا بصفتها “دولة غربية” أو “جسرًا” بين أوروبا وآسيا. الأخير، على وجه الخصوص، هو رمز جيوسياسي مهمّ وضعه صانعو السياسة الخارجية التركية في فترة ما بعد الحرب الباردة. في هذا الصدد، يمكن القول إن الشرق الأوسط أصبح محورًا رئيسًا في السياسة الخارجية التركية في عهد حزب العدالة والتنمية بسبب حدوث انفراجة حقيقية في علاقات تركيا مع دول المنطقة، على نقيض السياسات السابقة، وأيضًا بسبب الفرص الرائعة أمام تركيا للعب دور جديد أو أدوار جديدة في السياسة الإقليمية والعالمية.

عادة يتم تقييم رؤية داود أوغلو الموجهة نحو الشرق الأوسط ضمن إطار “المنظور البديل” الذي يقوم على انتقاد سياسة تركيا الخارجية السابقة التقليدية التي توصف بالانعزالية والسلبية نحو المنطقة[62]. ويمكن القول إن هذا المنظور مبني من الناحية الجيوسياسية على دعامتين أساسيتين. الركيزة الأولى هي النهج الحضاري الذي يَعدّ الإسلام القوة الدافعة الرئيسة في المنطقة. ويرتبط هذا ارتباطًا وثيقًا بالركيزة الثانية، التي تصور منطقة الشرق الأوسط على أنها “قلب الأرض” للمملكة العثمانية الجيوحضارية. يتشابك الإسلام والتراث العثماني في أفكار داود أوغلو الجيوسياسية حول الميزات الدينية/الثقافية للشرق الأوسط.

ومع ذلك، ينبغي الإشارة إلى أن “البديل” لا يعني “النقدي” في خطاب داود أوغلو الجيوسياسي. على العكس، كما يزعم علماء مثل بلجين، فإن “حجة داود أوغلو ليست أقل حتمية من المناهج السائدة لتحليل السياسة الخارجية… الفرق الوحيد بين اعتبارات داود أوغلو والمناهج السائدة لتحليل السياسة الخارجية هو وضع الثقافة والهوية مكان التهديد العسكري[63]. وقد يوحي التركيز القوي على العوامل الجيوحضارية في خطابه من الوهلة الأولى بأن أفكار داود أوغلو هي أكثر انسجامًا مع الجيوسياسة النقدية. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذا الخطاب “الجيوحضاري” يهدف الى إعادة إنتاج السرد الجيوسياسي التقليدي مثل “توازن القوى”، و”النفوذ”، “وقلب الأرض” و”المناطق النائية”.



[1] للاطلاع على بعض الدراسات التي تعكس وجهات النظر الجيوسياسية انظر بينار تانك، Pınar Tank, “Dressing for the Occasion: Reconstructing Turkey’s Identity,” Southeast European and Black Sea Studies, Vol. 6, No. 4 (2006), pp. 463-478; Pınar Bilgin, “‘Only Strong States Can Survive in Turkey’s Geography’: The Uses of ‘Geopolitical Truths’ in Turkey,” Political Geography, Vol. 26, No. 7 (2007), pp. 740-756; Lerna Yanık, “The Metamorphosis of Metaphors of Vision: ‘Bridging’ Turkey’s Location, Role and Identity after the End of the Cold War,” Geopolitics, Vol. 14, No. 3 (2009), pp. 531-549.

[2] من أوائل الدراسات التي أشارت إلى “الجيوساسة النقدية”  أطروحة دكتوراه كتبها Gearóid Ó Tuathail في عام 1989 تحت إشراف جون أجنيو في جامعة سيراكيوز. انظر V. D. Mamadouh, “Geopolitics in the Nineties: One Flag, Many Meanings,” Geojournal, Vol. 46, No. 4 (1998), p. 244.

[3] Gearóid Ó Tuathail, Critical Geopolitics: The Politics of Writing Global Space (London: Routledge, 1996), p. 46; Klaus Dodds and David Atkinson, Geopolitical Traditions: A Century of Geopolitical Thought (London, New York: Routledge, 2000), p. 9.

[4] ممدوح، الجيوسياسة في التسعينيات، Mamadouh, “Geopolitics in the Nineties,” p. 244.

[5] Gearóid Ó Tuathail, “Understanding Critical Geopolitics: Geopolitics and Risk Society,” Journal of Strategic Studies, Vol. 22, No. 2/3 (1999), pp. 107-124

[6] See for example James Derrick Sidaway, “What is in a Gulf?: From the ‘Arc of Crisis’ to the Gulf War,” Gearóid Ó Tuathail and Simon Dalby (eds.), Rethinking Geopolitics (London, New York: Routledge, 1998), pp. 224-239.

[7] See Joanne Sharp, “Refiguring Geopolitics: The Reader’s Digest and Popular Geographies of Danger at the End of the Cold War,” Klaus Dodds and David Atkinson (eds.), Geopolitical Traditions: A Century of Geopolitical Thought (London, New York: Routledge, 2000), pp. 332-352; Klaus Dodds, “Licensed to Stereotype: Popular Geopolitics, James Bond and the Spectre of Balkanism,” Geopolitics, Vol. 8, No. 2 (2003) pp. 125–156.

[8] Ó Tuathail, “Understanding Critical Geopolitics,” p. 111.

[9] يجادل البعض بأن نماذج الجيوسياسة الرسمية تراجعت بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك أساسًا بسبب أن النظريات الجيوسياسية لهاوسهوفر Haushofer كانت مرتبطة بجرائم ألمانيا النازية ضد الإنسانية. John Agnew, Geopolitics: Revisioning World Politics (London, New York: Routledge, 1998), p. 29.

[10] Graham Smith, “The Masks of Proteus: Russia, Geopolitical Shift and the New Eurasianism,” Transactions of the Institute of British Geographers, Vol. 24, No. 4 (1999), pp. 481-500.

[11] Walter Russell Mead, Special Providence: American Foreign Policy and How It Changed the World (New York: Routledge, 2002), p. xvii.

[12] Timothy Garton Ash, Free World: Why A Crisis of the West Reveals the Opportunity of Our Time (London: Allen Lane, 2004). Also see Klaus Dodds, Geopolitics: A Very Short Introduction (Oxford: Oxford University Press, 2007), p.47.

[13] P. J. Taylor, “Geopolitical World Orders,” P. J. Taylor (ed.), Political Geography of the Twentieth Century: A Global Analysis (London: Belhaven, 1993), p. 36

[14] Ó Tuathail, “Understanding Critical Geopolitics,” p. 114.

[15] John Agnew and Stuart Corbridge, Mastering Space: Hegemony, Territory and International Political Economy (London, New York: Routledge, 1995), p. 48.

[16] Gearóid Ó Tuathail and John Agnew, “Geopolitics and Discourse: Practical Geopolitical Reasoning in American Foreign Policy,” Gearóid Ó Tuathail, Simon Dalby and Paul Routledge (eds.), The Geopolitics Reader (London, New York: Routledge, 1998), pp. 81-82.

[17] Klaus Dodds, Global Geopolitics: A Critical Introduction (Essex: Pearson Education Ltd., 2005), pp. 4-5.

[18] انظر بولنت أراس وحقان فيدان، تركيا وأوراسيا: حدود الخيال الجغرافي الجديد،

Bülent Aras and Hakan Fidan, “Turkey and Eurasia: Frontiers of a New Geographic Imagination,” New Perspectives on Turkey, No. 40 (2009) pp. 202-203. Also see İbrahim Kalın, “Debating Turkey in the Middle East: The Dawn of a New Geo-Political Imagination?,” Insight Turkey, Vol. 11, No. 1 (2009), pp. 83-96.

[19] Ali Aslan, “The Foreign Policy-Hegemony Nexus: Turkey’s Search for a ‘New’ Subjectivity in World Politics and Its Implications for US-Turkish Relations,” Perceptions, Vol. 17, No. 4 (2012), p. 164; Fuat Keyman, “Globalization, Modernity and Democracy: In Search of a Viable Domestic Polity for a Sustainable Turkish Foreign Policy,” New Perspectives on Turkey, No. 40 (2009), p. 9.

[20] Bülent Aras and Aylin Görener, “National Role Conceptions and Foreign Policy Orientation: The Ideational Bases of the Justice and Development Party’s Foreign Policy Activism in the Middle East,” Journal of Balkan and Near Eastern Studies, Vol. 12, No. 1 (2010), p. 74.

[21] Yeşiltaş positions the “conservative and Islamist” geopolitical discourse of the AKP leaders against what he calls the “defensive geopolitics” of the secular-minded Turkish ruling elite of the previous period. See Murat Yeşiltaş, “The Transformation of the Geopolitical Vision in Turkish Foreign Policy,” Turkish Studies, Vol. 14, No. 4 (2013), p. 679.

[22] “يجادل داود أوغلو بأن تركيا هي الوريث الطبيعي للدولة العثمانية التي وحدت العالم الإسلامي، ولديها القدرة على أن تصبح قوة من خلال الإقليمية، وتساعد على إقامة وحدة وقيادة العالم الإسلامي مرة أخرى”.

 Joshua W. Walker, “Turkey’s Global Strategy: Introduction: The Sources of Turkish Grand Strategy – ‘Strategic Depth’ and ‘Zero-Problems’ in Context,” Nicholas Kitchen (ed.), IDEAS Reports – Special Reports, London: LSE IDEAS (2011), p. 7.

[23] See for example Ali Erken, “Re-Imagining the Ottoman Past in Turkish Politics: Past and Present,” Insight Turkey, Vol. 15, No. 3 (2013), p. 179.

[24] See Today’s Zaman, November 25, 2009.

[25] بينار بيلجين وعلي بيلجتش، السياسة الخارجية الجديدة لتركيا تجاه أوراسيا،

 Pınar Bilgin and Ali Bilgiç, “Turkey’s ‘New’ Foreign Policy toward Eurasia,” Eurasian Geography and Economics, Vol. 52, No. 2 (2011), pp. 180 and 192.

[26] Lerna Yanık, “Constructing Turkish ‘Exceptionalism’: Discourses of Liminality and Hybridity in Post-Cold War Turkish Foreign Policy,” Political Geography, Vol. 30, No. 2 (2011), p. 86.

[27] انظر أيضا شعبان قارداش، هل تغيرت بوصلة السياسة الخارجية التركية،                                                                                                                         Also see Şaban Kardaş, “Türk Dış Politikasında Eksen Kayması mı?,” Akademik Ortadoğu, Vol. 5, No. 2 (2011), p. 30.

[28] أحمد داود أوغلو، العمق الإستراتيجي،

Ahmet Davutoğlu, Stratejik Derinlik: Türkiye’nin Uluslararası Konumu (Istanbul: Küre, 2001), p. 132.

[29] نفس المصدر، ص132، 131.

[30] كرس 130 من صفحات الكتاب للشرق الأوسط وحده، في حين أن دول البلقان وآسيا الوسطى وأوروبا شغلت 125 صفحة فقط من صفحات الكتاب.

[31] داود أوغلو، العمق الإستراتيجي، ص17

[32] نفس المصدر، ص131.

[33] Halford J. Mackinder, Democratic Ideals and Reality: A Study in the Politics of Reconstruction (Middlesex: Penguin Books, 1944), p. 113.

[34] داود أوغلو، العمق الإستراتيجي، Davutoğlu, Stratejik Derinlik, pp. 132 and 324-325.

[35] نفس المرجع، ص162 و255، نفس الحجة موجودة في إحدى مقالات داود أوغلو السابقة، انظر

 Ahmet Davutoğlu, “The Clash of Interests: An Explanation of the World (Dis)Order,” Intellectual Discourse, Vol. 2, No. 2 (1994), pp. 114-115.

[36] هذه النقاط هي: البوسفور، الدردنيل، باب المندب، مضيق هرمز، وقناة السويس. داود أوغلو، العمق الإستراتيجي، Stratejik Derinlik، ص326.

[37] نفس المصدر، ص140

[38] نفس المصدر، ص323

[39] نفس المصدر، ص129

[40] نفس المصدر، ص451

[41] أحمد داود أوغلو، من النظرية إلى التطبيق، خطب السياسة الخارجية، Ahmet Davutoğlu, Teoriden Pratiğe: Türk Dış Politikası Üzerine Konuşmalar (Istanbul: Küre, 2013), p. 83.

[42] انظر على سبيل المثال، طارق أوغوزلو، Tarık Oğuzlu, “Middle Easternization of Turkeys Foreign Policy: Does Turkey Dissociate from the West?,” Turkish Studies, Vol. 9, No. 1 (2008), pp. 3-20; Burhanettin Duran, “Türk Dış Politikası Ortadoğululaşıyor mu?,” Kemal İnat, Muhittin Ataman and Burhanettin Duran (eds.), Ortadoğu Yıllığı 2009 (Istanbul: Küre, 2009), pp. 385-402; Cengiz Çandar, “Türk Dış Politikasında ‘Eksen’ Tartışmaları: Çok Kutuplu Dünya İçin Yeni Bir Vizyon,” SETA Analiz, No. 10 (January 2010).

[43] في دراسة حول الآثار الجيوسياسية العملية لخطاب داود أوغلو حول منطقة الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا (BMENA)، يؤكد جوناي وماناجي أربعة رموز جيوسياسية: أ) المشاركة الاستباقية في تأمين منطقة الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا BMENA بصفتها القوة الناعمة، ب) تركيا على أنها  ’ de-securitizer’ و”تصفير المشكلات مع الجيران”، ج) تركيا على أنها ـ”حامٍ إقليمي للشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا BMENA د) تركيا على أنها “مروج للديمقراطية ‘ و’قوة تكاملية” في الشرق الأوسط الكبير BMENA. إيلين جوني ونظيف مانداجي،

Aylin Güney and Nazif Mandacı “The Meta-Geography of the Middle East and North Africa in Turkey’s New Geopolitical Imagination,” Security Dialogue, Vol. 44, No. 5-6 (2013), pp. 437-441

[44] انظر أيضا أحمد داود أوغلو، الضيق الدولي، خطب 11 سبتمبر،                                                                                         Also see Ahmet Davutoğlu, Küresel Bunalım: 11 Eylül Konuşmaları (Istanbul: Küre, 2002), p. 121.

[47] كلمة داود أوغلو في جامعة دجلة بديار بكر

[48] Ahmet Davutoğlu, Speech at the Plan and Budget Commission of the Turkish Parliament (November 6, 2012), retrieved September 20, 2013. http://www.mfa.gov.tr/disisleri-bakani-davutoglu_nun-tbmm-plan-ve-butce-komisyonunda.tr.mfa

[49] كلمة أحمد داود أوغلو في مؤتمر “نحو تركيا أفضل” 26 مارس 2011،

“Toward Greater Turkey” Symposium (March 26, 2011), retrieved September 20, 2013 from http://www.mfa.gov.tr/disisleri-bakani-sayin-ahmet-davutoglu_nun-turk-ocaklari_nin-kurulusunun-100_-yilini-kutlama-etkinlikleri-kapsaminda-duzenlenen.tr.mfa.

[50]  نفس المصدر

[51] كلمة أحمد داود أوغلو، في الجلسة العامة للبرلمان التركي (26 أبريل 2012)

retrieved September 20, 2013 from http://www.mfa.gov.tr/disisleri-bakani-sayin-ahmet-davutoglu_nun-tbmm-genel-kurulu_nda-suriye_deki-olaylar-hakkinda-yaptigi-konusma_-26-nisan-2012.tr.mfa.

[52] Murat Yeşiltaş and Ali Balcı, “A Dictionary of Turkish Foreign Policy in the AK Party Era: A Conceptual Map”, SAM Papers, No. 7 (2013), p. 21.

[53] Davutoğlu, Speech at the “Toward Greater Turkey” Syposium.

[54] كلمة داود أوغلو، في الجلسة العامة للبرلمان التركي.

[55] Güney and Mandacı, “The Meta-Geography of the Middle East and North Africa,” p. 438.

[56] كلمة أحمد داود أوغلو، في مؤتمر السفراء الرابع (23 ديسمبر 2011)،

retrieved September 20, 2013 from http://www.mfa.gov.tr/disisleri-bakani-sn_-ahmet-davutoglu_nun-iv_-buyukelciler-konferansi-acis-konusmasi_-23-aralik-2011.tr.mfa..

[57] خطاب أحمد داود أوغلو، في مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية، 9 مارس 2013،

retrieved September 20, 2013 from http://www.mfa.gov.tr/disisleri-bakani-sayin-ahmet-davutoglu_nun-dis-ekonomik-iliskiler-kurulu-tarafindan-duzenlenen-toplantida-yaptiklari-konusma_-9.tr.mfa.

[58] See Emel Parlar Dal, “The Transformation of Turkey’s Relations with the Middle East: Illusion or Awakening?,” Turkish Studies, Vol. 13, No. 2 (2012), p. 253.

[59] See Alexander Murinson, “The Strategic Depth Doctrine of Turkish Foreign Policy,” Middle Eastern Studies, Vol. 42, No. 6 (2006), pp. 945-964; Ioannis N. Grigoriadis, “The Davutoglu Doctrine and Turkish Foreign Policy,” Hellenic Foundation for European and Foreign Policy Working Paper, no. 8 (2010).

[60] Walker, “Turkey’s Global Strategy,” p. 6.

[61] See Aslan, “The Foreign Policy-Hegemony Nexus,” p. 164. Also see Ahmet Davutoğlu, “Turkey’s Foreign Policy Vision: An Assessment of 2007,” Insight Turkey, Vol. 10, No. 1 (2008), p. 78.

[62] Meliha Benli Altunışık, “Worldviews and Turkish Foreign Policy in the Middle East,” New Perspectives on Turkey, No. 40 (2009), p. 180.

[63] Pınar Bilgin, “Securing Turkey through Western-oriented Foreign Policy,” New Perspectives on Turkey, No. 40 (2009), p. 120.