130402-gaza-turkey

تنظير تحوّل السياسة الخارجية التركية

ملخص

أصبح تحوّل السياسة الخارجية التركية موضوعًا شائعًا يثير المناقشات حول الأسباب الأساسية والموارد والجهات الفاعلة والنتائج لطبيعة تقدم السياسة. هذا التغيير أوجد أيضًا تحديات جديدة لأولئك الذين تبنوا نماذج عامة لفهم وتفسير السياسة الخارجية التركية. ستتناول هذه المقالة بالتحليل الأسباب الرئيسة التي عقدت من دراسة السياسة الخارجية التركية خلال هذه الفترة، مثل التغيرات في طبيعة وتصور النظام الدولي، ونهاية العالم الأحادي القطب، وظهور مراكز قوى جديدة – وحدوث تغييرات داخلية في تركيا، بما في ذلك بسط السيطرة المدنية على الجيش، وظهور رأي عام يقظ في السياسة الخارجية.
ومن بين أبرز وأهم التطورات التي حدثت في عهد حزب العدالة والتنمية (AK Party) بعد مضي ما يقرب من عشر سنوات على توليه السلطة، هو فهمه الجديد ونشاطه في السياسة الخارجية. لقد أصبح تحوّل السياسة الخارجية التركية نقطة محورية تثير النقاشات حول أسباب وموارد ونتائج وطبيعة تقدمها. هذا التغيير أوجد تحديات جديدة أمام أولئك الذين تبنوا نماذج عامة لفهم وتفسير السياسة الخارجية التركية. وبينما واجه مراقبو السياسة الخارجية التركية في كثير من الأحيان صعوبات في أعقاب هذا التحول، إلا أن الدوائر الأكاديمية حاولت بقوة صياغة نماذج لتمثيل الطبيعة الجديدة للسياسة الخارجية التركية. سوف يتناول هذا المقال الأسباب الرئيسة التي عقدت من دراسة السياسة الخارجية التركية خلال هذه الفترة. وسيتم تأكيد التغييرات في طبيعة ومفهوم النظام الدولي؛ مثل نهاية العالم الأحادي القطب، وظهور مراكز قوى جديدة في العلاقات الدولية والتغيرات الداخلية في تركيا، بما في ذلك النهوض بالديمقراطية، وظهور رأي عام يقظ في السياسة الخارجية، وكذلك التحولات الهائلة في آليات صنع القرار – على أنها أبرز أسباب صعوبة دراسة السياسة الخارجية التركية خلال عهد حزب العدالة والتنمية.
عند محاولة فهم الأسباب الرئيسة لتحوّل السياسة الخارجية التركية خلال السنوات العشر الماضية، ركز العلماء على آليات وعوامل مختلفة، مما أدى إلى إنتاج دراسات معقدة نسبيًّا. وكان هذا التعقيد بسبب التغيرات المهمّة التي طرأت على مختلف مستويات العلاقات الدولية والصعوبات التي واجهت دراسة تحول السياسة الخارجية، مثل نقص الأدوات المنهجية والنظرية المهمّة في هذا المجال. ومع أنّه لم يتمّ ذكر ذلك حصريًّا، إلا أن العقد الأول من الألفية الجديدة كان “عقدًا طويلًا” من حيث تأثيره في النظام الدولي، ومن حيث التطورات في السياسة التركية والسياسة الخارجية. على سبيل المثال، كان من المتوقع أن يستمر النظام الدولي الأحادي القطب طويلًا، لكن ذلك لم يحدث وبدأت هيمنة الولايات المتحدة تواجه تحديات من زوايا مختلفة منذ التسعينيات. وبخاصة، في أعقاب حرب العراق والانهيار الاقتصادي في الولايات المتحدة في عام 2008، لذا حاول علماء العلاقات الدولية أن يستبدلوا بمفهوم “الأحادية القطبية” بدائلَ أخرى. خلال هذه الفترة، كان التحدي الأكبر للعلماء هو وصف وتحديد وتحليل سلوك السياسة الخارجية للقوى الصاعدة الإقليمية مثل تركيا. وأسفرت محاولات فهم سلوك مراكز الثقل الصاعدة هذه في العلاقات الدولية من خلال عدسة نظريات الحرب الباردة عن تفسيرات غير مكتملة وغير دقيقة.
بالإضافة إلى التغييرات التي طرأت على النظام الدولي، شهدت منطقة الشرق الأوسط تغيرات إقليمية كبيرة. فقبل وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، مهدت وفاة حافظ الأسد ووفاة الملك حسين الطريق لظهور قيادات شابة في الشرق الأوسط، وفي معظم الحالات، تمت إعادة تقييم ومراجعة السياسات الأمنية والوطنية الخارجية لدول المنطقة. أيضًا بعد الفوز الانتخابي لحزب العدالة والتنمية في نوفمبر 2002، شهدت منطقة الشرق الأوسط تغيرات هائلة. فأحدث غزو العراق “تصدعات” في الشرق الأوسط في كل المناطق التي تعاني من الاضطرابات العرقية والدينية في المنطقة، مما أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية التي استمرت لعقد من الزمان وما زالت مشتعلة في العراق حتى الآن، كما أسفر أيضًا عن ظهور الكيان الكردي الذي يتمتع بالحكم الذاتي في الشمال. وفي الوقت نفسه، شهدت المنطقة فوز حركة حماس في الانتخابات في فلسطين وإخفاق عملية السلام مرة أخرى. وخلال عهد حزب العدالة والتنمية، برزت تركيا لاعبًا مؤثّرًا في سياسة واقتصاد الشرق الأوسط. وحولت الاتفاقات التجارية، وزيادة التبادل الاقتصادي والاجتماعي مع دول الجوار ودول الخليج والانخراط الدبلوماسي التركي في صراعات المنطقة- تركيا إلى لاعب دولي مهمّ. وفي السنوات الأخيرة من حكم حزب العدالة والتنمية، ولَّدت الحركات الشعبية في الدول الاستبدادية في المنطقة دينامية جديدة، لا تزال تؤثر في المعادلة السياسية الإقليمية. فكان للربيع العربي وتداعياته، وبخاصة في شمال إفريقيا، والصراع في سوريا، بالغ الأثر في السياسة الخارجية لتركيا. فانتهت السياسات الانعزالية السابقة لتركيا وعدم التدخل في نزاعات الشرق الأوسط الإقليمية خلال هذه الفترة. في هذا السياق، أطلقت تركيا مبادرات مختلفة باستخدام أدوات السياسة الخارجية الجديدة، مثل القوة الناعمة والدبلوماسية العامة والدبلوماسية الاقتصادية، والمساعدات التنموية.
لم تكن التغيرات العالمية والإقليمية مجرد تطورات خلال هذا العقد، حيث حدثت تطورات مهمّة في السياسة الداخلية التركية كذلك. فبعد عشر سنوات من عدم الاستقرار السياسي بسبب الحكومات الائتلافية في التسعينيات، فاز حزب العدالة والتنمية فوزًا ساحقًا في انتخابات نوفمبر 2002، مشكلًا حكومة الحزب الواحد. وأطلق حزب العدالة والتنمية حزمًا من سياسات الإصلاح من أجل بدء مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك فرض السيطرة المدنية على الجيش. كما قدم صانعو السياسة الخارجية إستراتيجية متعددة الأبعاد لتحسين العلاقات مع مختلف المناطق والبلدان في نفس الوقت. وخلق مزيج الديمقراطية في تركيا والسياسة الخارجية الاستباقية رأيًا عامًا يقظًا حول قضايا السياسة الخارجية. وكان لهذا الرأي العام الجديد القدرة على الضغط والتأثير في صانعي القرار. وعلاوة على ذلك، مع تصاعد تأثير الرأي العام في السياسة الخارجية التركية، ازداد دور مختلف المنظمات غير الحكومية والجهات الفاعلة في القطاع الخاص، وأصبحت أكثر انخراطًا في عملية صنع القرار في السياسة الخارجية. وعملت المنظمات غير الحكومية ومنظمات الأعمال بشكل مستقل أو بالتعاون مع بعضها بعضًا في إطلاق مبادرات في مختلف البلدان. ومع تزايد الاهتمام الشعبي، بدأت وسائل الإعلام بالتغطية الإعلامية للتطورات الدولية. وبدأ النقاش حول قضايا السياسة الخارجية يظهر في وسائل الإعلام والصحافة في فترات الذروة السياسة وشغلت التطورات حيزًا كبيرًا من تغطية وسائل الإعلام التركية.
أخيرًا، خضعت آليات صنع القرار في السياسة الخارجية لتغيرات كبيرة. فبالرغم من أن آلية صنع القرار لا تزال من أكثر المجالات غير المستكشفة في دراسات السياسة الخارجية التركية، إلا أن زيادة نفوذ المدنيين والمسؤولين المنتخبين في صنع السياسة الخارجية أصبح أكثر وضوحًا. ففي عهد حزب العدالة والتنمية، تراجعت تدريجيًّا البيروقراطية العسكرية وأصبحت الهيمنة للمدنيين والساسة المنتخبين في السياسة الخارجية والأمن القومي. كما ساعدت الإصلاحات في تركيا على تحقيق السيطرة المدنية على الجيش، وبرزت القيادة المدنية صانعةً للقرار السياسي، ومن ثَمّ أصبحت الفاعل الأكثر أهمية في السياسة الخارجية التركية. ولعبت القيادات السياسية المدنية دورًا حاسمًا في توجه السياسة الخارجية، وبدأ الرأي العام الدولي يلتفت إلى إجراءات وسياسات القادة المدنيين بدلًا من التركيز على تصريحات الجيش التركي.
وبملاحظة هذه التغييرات، أصبح من الصعب على محللي السياسة الخارجية فهم تحوّل السياسة الخارجية التركية. وفي نفس الوقت، فإنّ التغييرات المنفصلة أو المتصلة عبر مستويات متعددة جعلت أحيانًا من الصعوبة السيطرة على بعض المتغيرات في أثناء دراسة التحولات. فالمناهج “الجديدة التي يقال إنها تأخذ بعين الاعتبار هذه المستويات المتعددة، كانت إما نماذج قديمة تم تعديلها أو غير قادرة على الوصول إلى مرحلة النضج النظري. بالإضافة إلى ذلك، لم يأخذ العلماء بعين الاعتبار طبيعة ديناميكية وتفاعلات هذه المتغيرات في تحليلاتهم. وعلاوة على ذلك، فإنّ تطور السياسة الخارجية في السنوات العشر الأخيرة لم يكن مفهومًا بشكل تامّ، كما أن حزب العدالة والتنمية قدم سياسته الخارجية دون مراجعة أو تعديل.
كان هذا الموقف أكثر وضوحًا عندما تمّ إعادة تعريف العلاقات التركية الأمريكية. فقد أخفقت الدراسات حول التذبذب المستمر في العلاقات التركية الأمريكية في صياغة نموذج، وباستثناءات قليلة لم تفعل أكثر من مجرد تتبع صعود وهبوط الشؤون والعلاقات الثنائية. وقد أدى ذلك إلى تفسيرات زمنية بدلًا من إنتاج ابتكارات نظرية لتحليل تغير السياسة الخارجية. التسميات التي اخترعها صانعو السياسات لشرح العلاقات؛ مثل نموذج الشراكة، الشراكة الدائمة، والشراكة الإستراتيجية، والشراكة من أجل الديمقراطية، استخدمها العلماء في كثير من الحالات. وقد أدى ذلك إلى إخراج بحوث سياسية بدون قيمة نظرية.
التحول في النظام الدولي
تزامنت فترة حكم حزب العدالة والتنمية، في السنوات العشر، مع التحول العالمي للنظام الدولي. وأحدث النظام الصاعد حديثًا، جدلًا ساخنًا حول كيفية تعريفه. فخلال مرحلة الأحادية القطبية في العلاقات الدولية، ناقش العلماء في كثير من الأحيان كيفية تطوير العلاقات الدولية وكيفية تناول العلاقات الحكومية، وكيفية تشكيل تحالفات. وساعد انتصار الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة على ظهورها قوةً عظمى وحيدة. ومن خلال قوتها العسكرية والسياسية، أثبتت الولايات المتحدة أنها القوة العالمية الحقيقية في التاريخ البشري ، التي بإمكانها بسط نفوذها في أي مجال بما في ذلك السياسة، والاقتصاد والثقافة والقوة العسكرية. بالنسبة للبعض، كان هذا بمثابة بداية عصر يمكن أن يستمر لعقود . واعتقد العديد من الخبراء أن الولايات المتحدة قوة لا يمكن مواجهتها، أو صديقة لا تتطلب الموازنة المضادة. وكان مفهوم “القوة الحميدة” المفهوم الأكثر استخدامًا لتعريف القوة الأميركية .
في التسعينيات، قدم الأكاديميون الذين حاولوا شرح العلاقة بين القوى الإقليمية الأخرى والولايات المتحدة، بعيدًا عن رموز الحرب الباردة، مصطلحات جديدة، مثل التوازن الناعم ، والامتناع ، والابتزاز ، والتحوط . وجادل علماء العلاقات الدولية الواقعيين، خاصة في عدم وجود أي محاولة لموازنة القوة الأمريكية، بأن قوى أخرى في النظام الدولي ستأتي بطرق بديلة للتحكم في قوة الولايات المتحدة من خلال وسائل مختلفة وغير تقليدية، والتي من شأنها إتاحة الفرصة لدول أخرى لمقاومة بعض مطالب الولايات المتحدة . لم تهدف هذه الإستراتيجيات إلى مواجهة القوة العسكرية الأميركية مباشرة، لكن كما في حالة التوازن الناعم، حاولت مقاومة الولايات المتحدة في المؤسسات الدولية. كما ذكر ولت:
“التوازن الناعم لا يسعى أو يتوقع أن يغير التوزيع العام للقدرات. بل إن إستراتيجية التوازن الناعم تقبل بتوازن القوى الحالي، وتسعى إلى تحسين نتائجه. في العصر الحالي لهيمنة الولايات المتحدة، فإنّ التوازن الناعم هو التنسيق الواعي للعمل الدبلوماسي من أجل الحصول على نتائج مضادة لتفضيلات الولايات المتحدة، والتي لا يمكن الحصول عليها إذا لم يدعم الموازنون بعضهم بعضًا بشكل متبادل” .
في هذا النظام الدولي، لم يكن دور تركيا وموقفها بالنسبة للقوى الرئيسة في النظام الدولي واضحينِ. ومع ذلك يصف بعضهم تركيا بأنها بلد إستراتيجي ودولة محورية للولايات المتحدة الأميركية . لقد كانت الحكومة التركية في هذه السنوات منشغلة بأزمة الهوية الناشئة في العلاقات الخارجية. ومع أن صناع السياسة الخارجية أكدوا أهميتها الإستراتيجية لكلّ من الدول الغربية والنظام العالمي، إلا أنها كانت تشعر أنها منعزلة عن الكتلة الغربية بسبب الاستبعاد من عملية عضوية الاتحاد الأوروبي وزيادة الانتقادات الموجهة لها بشأن حقوق الإنسان وسجل الديمقراطية، فضلًا عن عدم دعم محاربتها لحزب العمال الكردستاني. وعلاوة على ذلك، فإنّ علاقاتها بإسرائيل وغياب الشفافية وتزايد الشكوك فيما يتعلق بطبيعة هذه الشراكة لم تسمح لتركيا بإنهاء عزلتها عن الشرق الأوسط. في الواقع، بينما تحول النظام الدولي في التسعينيات إلى الأحادية القطبية، لم يتغير التصور التركي للعلاقات الخارجية كثيرًا. أيضًا أدى عدم الاستقرار في النظام السياسي التركي بالإضافة إلى الحكومات الائتلافية الهشة التي لم تدم طويلًا إلى الإخفاق في التكيف مع الظروف المتغيرة في العلاقات الدولية.
ومع ذلك ، فإنّ الأحادية القطبية للنظام الدولي لم تدم طويلًا . خلافًا للتوقعات حول قدرة الأحادية القطبية على التحمل، واجه النظام تحديات في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة. وفي عام 2003، لمّح أصحاب النظريات مثل تشارلز كوبشان ، وإيمانويل فولرشتاين وغيرهما إلى نهاية هيمنة الولايات المتحدة، وتوقعوا آفاق نظام دولي جديد. وبعد الحرب العراقية، تعززت هذه الحجج، حيث إنّ الحرب التي طال أمدها أضحت “متلازمة فيتنام” أخرى في الولايات المتحدة. فبينما كانت الولايات المتحدة في خضم الحرب الأهلية المتصاعدة في العراق، بدأ العالم يتحدى مدى شرعية الغزو الأمريكي للعراق، وظهرت انتقادات دولية ومحلية. أما حجة “القوة العظمى الحميدة” في التسعينيات، فحلت محلّها قوة الولايات المتحدة التي بدأت باستخدام قوتها العسكرية بشكل متزايد، وأصبحت أكثر إقصائية في سياستها الخارجية وخطاب أمنها القومي. العبارات التي استخدمها صانعو السياسة الخارجية الأميركية في منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة: مثل “إما معنا أو ضدنا، ومحور الشر، وتحالف الراغبين” عُدَّت العوامل الرئيسة وراء القضاء على الصورة الإيجابية للولايات المتحدة. في كتابه الصادر عام 2008 بعنوان، حدود القوة الأميركية Limits of American Power,، يدعي أندرو باسيفيتش أنّه بسبب السياسات الأمريكية قبل وفي أثناء حرب العراق، وصلت القيادة الأميركية إلى نهاية ما يسمى القرن الأميركي .
ظهرت بوادر التغيير على السياسة الخارجية التركية خلال هذه الفترة من خلال علاقاتها بالولايات المتحدة. أولًا، بسبب رفض البرلمان السماح للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي التركية لغزو العراق، تأزمت العلاقات التركية الأمريكية بشكل لم يسبق له مثيل. وبعد غزو العراق واشتعال الحرب الأهلية، انتقدت الحكومة التركية تصرفات الولايات المتحدة في العراق، وهو الأمر الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ العلاقات بينهما. كما أن الصور التي خرجت من سجن أبو غريب، وزيادة أعداد الضحايا في العراق، بالإضافة إلى ذلك، زادت ردود أفعال أعضاء وقادة حزب العدالة والتنمية من حدة توتر العلاقات الثنائية المتوترة أصلًا. علاوة على ذلك، اقتربت تركيا من دول مثل سوريا وإيران خلال هذه الفترة، على الرغم من احتجاجات وضغوط بعض الدوائر في واشنطن، ولم ترضخ تركيا لبعض سياسات الولايات المتحدة في المنطقة. وهكذا، أثبتت السياسة الخارجية المستقلة لتركيا أن هناك تغيرات في طبيعة العلاقات الثنائية. وكان هذا بمثابة فقدان المصداقية والشرعية الدولية للتفوق الأمريكي غير المشروط في العلاقات الدولية، وصعود تركيا في الشرق الأوسط لاعبًا مستقلًّا. ومع أن بعض الدراسات في السياسة الخارجية التركية رأت علاقة بين الأزمة في العلاقات الثنائية خلال الأزمة القبرصية، والأزمة العراقية، إلا أن هدف السياسة الخارجية الدائم والطويل الأجل كان مراجعة السياسات في الشرق الأوسط وكذلك تغير طبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة بعد الحرب على العراق. في هذا السياق، كان هناك تغيير في تصور الشرق الأوسط وتقييم العلاقات الثنائية مع الولايات المتحدة. وهكذا، كان لا بد من إعادة النظر في دور تركيا في النظام الدولي والإقليمي.
الأزمة الاقتصادية العالمية، التي بلغت ذروتها في عام 2008 بإفلاس بنك ليمان براذرز، كانت نقطة تحول رئيسة بالنسبة للنظام الدولي القائم حاليًّا. بدأ الخبراء الأمريكيون الذين راقبوا بحذر النهضة الاقتصادية في الصين منذ التسعينيات في نشر أعمال تنبئ بنهاية النظام العالمي الأحادي . هذا النموذج الجديد أثار جدلا كبيرًا فيما يتعلق بالنظام العالمي. على الرغم من أن الغالبية العظمى من المناقشات ركزت على النظام العالمي في مرحلة ما بعد النظام الأحادي، إلا أنّه لا تزال هناك مجموعة تعرف نفسها بأنها مناهضة التراجع “antideclinist” وتؤمن بهيمنة الولايات المتحدة، ولا تقبل بأن القوى الصاعدة قادرة على مواجهة الولايات المتحدة. ويرون أن معظم القوى الصاعدة، غير قادرة على حل قضاياهم الداخلية أو عرض مشروعهم على الساحة الدولية. ومع أن هناك من يزعم وجود ركود للولايات المتحدة، إلا أن المناقشات تركز على شكل النظام العالمي الجديد.
من ناحية، هناك علماء ومراقبون للنظام الدولي يعتقدون أن النظام الصاعد سيكون نظامًا ذا قطبين، بقيادة الولايات المتحدة والصين . ومن ناحية أخرى، تتمسك مجموعة أخرى من المحللين بالنهج الذي حددته آراء غولدمان ساكس التي تتوقع ظهور نظام عالمي متعدد الأقطاب. في خضم كل هذه الأشياء، ظهر اسم تركيا في إطار توقعات سياسية واقتصادية مختلفة لكونها قوة صاعدة في النظام الدولي. ومع أن غالبية المناقشات حول القوى الصاعدة تركز على بلدان بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا) على أنها مركز الاقتصاد والسياسة العالمية ، إلا أن بعض كبار الخبراء بدأوا أيضًا يعبرون عن تصور جديد لدور تركيا. وأكد العديد من كبار الخبراء أن دور تركيا الجديد سيكون دور قوة إقليمية بالإضافة إلى اقتصادها الصاعد. من بين هؤلاء، توقع جاك جولدستون أن دول TIMBI (تركيا وإندونيسيا والمكسيك والبرازيل والهند) ستكون المجموعة القادمة من مراكز الثقل في النظام الدولي الجديد ، بينما صاغ الخبير الاقتصادي جيم أونيل مصطلح MINT (المكسيك، وإندونيسيا، ونيجيريا، وتركيا) وجادل بأن هذه الدول لا دول البريكس ستكون عمالقة الاقتصاد في العقد المقبل . وفي دراسة أخرى، عَدّ مركز CNAS وصندوق مارشال الألماني أن دولًا مثل تركيا والبرازيل، والهند، وإندونيسيا، هي حجر الأساس المحتمل لظهور نظام دولي جديد فاعل . وبملاحظة إمكانات تركيا الاقتصادية ونفوذها السياسي، وتركيبتها السكانية، فإنّ غولدمان ساكس الذي جاء بفكرة بريكس، وضع تركيا ضمن قائمة من 11 دولة، يُطلق عليها اسم “الإحدى عشرة القادمة”، ورأى أنها ستكون دولًا لاعبة مؤثرة ذات نفوذ في النظام الدولي في الحقبة القادمة .
هذه هي المرة الأولى التي تصنف فيها تركيا في مكانة بارزة في السياسة العالمية، وهو ما يتطلب صياغة مفهوم جديد للعلاقات بين تركيا والولايات المتحدة، وعلاقات تركيا مع القوى الصاعدة والجهات الفاعلة الإقليمية الأخرى في الشرق الأوسط. وكان من بين خبراء العلاقات الدولية من ادعى أنّه في أعقاب حقبة القطب الواحد، فإنّ النظام الجديد سيكون غير قطبي ، الأمر الذي يستلزم شكلًا جديدًا من أشكال تنظير أنماط العلاقات في العلاقات الدولية. علاوة على ذلك، التطور السريع للنظام والعجز الدولي في التنبؤ زاد من تعقيد المسألة. ومؤخرًا، بدأت النظريات التي زعمت أن النظام العالمي الجديد يظهر بشكل مختلف عما سبق تلقى رواجًا. على سبيل المثال، النظام العالمي الأحادي والمتعدد الأقطاب الذي اقترحه هنتنجتون في التسعينيات بدأ يكتسب زخمًا ويلفت أنظار الكثير من المراقبين، بما فيهم فريد زكريا بسبب القوة التفسيرية . ومع ذلك، لم يقدم أيٌّ من المفاهيم النظرية القائمة أيَّ نهج فعال ديناميكي لشرح أنماط العلاقة المحتملة بين القوى الصاعدة والولايات المتحدة، فضلًا عن علات القوى الصاعدة فيما بينها. بمعنى أوسع، كان هذا بمثابة مشكلة فيما يتعلق بدراسات السياسة الخارجية حول جميع القوى الإقليمية الرئيسة والصاعدة في عصر تراجع الولايات المتحدة.
خلال هذه الفترة، بالرغم من أنّه لم تكن هناك صياغات نظرية كافية حول سياسة تركيا الخارجية كقوة إقليمية، ظهر نقاش جديد حول السياسة العالمية والإقليمية والدور التركي الدولي المتطور. وأخذ هذا النقاش بعين الاعتبار عدة افتراضات، كمعايير الشراكة الجديدة مع الولايات المتحدة. وبين العلماء أن طبيعة العلاقات غير واضحة. حيث إن المتغيرات المختلفة؛ مثل الدور المحتمل للقوى الإقليمية الثانوية في العلاقات الثنائية بين تركيا والولايات المتحدة، قد تؤثر في تحليلات السياسة الخارجية التركية. فبعد الحرب العراقية، زادت المراجعات الإستراتيجية والجيوسياسية التي نفذتها الولايات المتحدة وخصوصًا في ظل إدارة أوباما- الوضع تعقيدًا. فبينما حثّ أوباما قوى عالمية أخرى على تحمل مسؤولية سياسية واقتصادية عالمية في إطار “عقيدة المسؤولية” ، حوّل الرئيس الأمريكي تركيز السياسة الخارجية للولايات المتحدة على منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وأعاد توزيع القوة العسكرية الأمريكية بتنفيذ عقائد دفاع جديدة . ولتجنب فقدان المزيد من الوقت، حثت الإستراتيجية الجديدة جميع أصحاب المصالح الإقليمية، وبخاصة في الشرق الأوسط، على إعادة النظر في السياسة الخارجية. في هذه الفترة أكدت القوى الإقليمية بشكل متزايد استقلاليتها في السياسة الخارجية، وهكذا أصبحت أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة من حيث الاقتصاد والسياسة على حد سواء.
علاقات تركيا مع الولايات المتحدة في هذه الفترة تطورت من تحالف الحرب الباردة إلى خريطة شراكة. وعلى الرغم من أن بعض الخبراء رأوا أن الخلاف بين الولايات المتحدة وتركيا في الشرق الأوسط هو مجرد “تمنُّع” أو “توازن ناعم” ، إلا أن التغيير التدريجي في القوة النسبية وتباين المصالح الوطنية بين البلدان جعل من الصعب على دراسات الحرب الباردة أو مفاهيم الأحادية القطبية شرح العلاقات بينهما بشكل تام. القوة النسبية بين تركيا والولايات المتحدة، وظهور تركيا قوةً سياسية إقليمية وتزايد استقلال تركيا الاقتصادي منع إقامة توازن في العلاقات الثنائية وعزز الثقة في تركيا. وعانت النظريات التي حاولت خلال هذه الفترة شرح العلاقات الأمريكية التركية من التناقض والقصور. على سبيل المثال، “نموذج الشراكة” المقترح من قبل أوباما خلال زيارته إلى تركيا في عام 2009 استُخدم لوصف العلاقات الثنائية، حتى تصويت تركيا ضد فرض عقوبات إضافية على إيران في مجلس الأمن الدولي، مغيرة الوصف من “شراكة نموذجية إلى “توازن لين”. وفي أعقاب الربيع العربي، تم تعزيز العلاقات، لكن فيما يتعلق بسوريا، فإنّ التوتر الطفيف في علاقات الثقة، نتيجة لتباين الآراء بشأن كيفية حل الصراع، قلل من أهمية هذه المفاهيم مرة أخرى.
في هذا السياق، عدم وضوح الرؤية في المجال العالمي جعل من الصعب تفسير تداعيات النظام الدولي على السياسة الخارجية التركية وتقييم العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة. علاوة على ذلك، فإنّ أدب العلاقات الدولية -وبخاصة الدراسات حول طبيعة وظهور القوى الإقليمية وعلاقاتهم مع القوى العالمية والإقليمية الأخرى، وكيف ينعكس هذا على النظام الدولي- أثبت أنّه غير كاف وبرز على أنه تحدٍّ آخر أمام دراسة هذا المجال. وفي المستقبل، ستكون هناك حاجة لبحث النظريات والمقاربات الأكثر ديناميكية وأقل ثباتًا والمناهج في المناطق المنفتحة على التحول، وبخاصة في الشرق الأوسط. وتدل هذه الثغرة على أن عدم الوضوح والمناقشات المحيطة بتداعيات النظام على السياسة الخارجية سوف تستمر. في النماذج المقترحة، من أهم النقاط التي يجب أخذها بعين الاعتبار هي أن الوضع الحالي قد لا يكون انتقاليًّا، وقد يستمر على المدى الطويل. وهذا يظهر أن هناك حاجة إلى أساليب جديدة ومبتكرة لإعادة النظر في الأدب واللغة المستخدمتينِ لتعريف وتصنيف السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية، فضلًا عن علاقات تركيا مع الولايات المتحدة.
التحولات في السياسة الداخلية
بالإضافة إلى التحولات في السياسة العالمية والإقليمية، شهدت السياسة الداخلية التركية -المستوى الثاني من مستويات تحليل السياسة الخارجية- تحوّلًا كبيرًا في غضون السنوات العشر الماضية. هذه التحولات –البعيدة في بعض الأحيان عن التطورات على المستوى البنيوي، وأحيانًا المتعلقة بالتطورات الخارجية والإقليمية: مثل الربيع العربي وعملية التكامل الأوروبي– جعلت من الصعب تحليل السياسة الخارجية التركية. كما أن الصعوبة في السيطرة على المتغيرات الخارجية والداخلية جعلت من الممكن دراسة ووصف السياسة الخارجية التركية بالطرق العامة والنماذج التقليدية. لكن التطورات والتغيرات التي تحدث على مستويات متعددة، أحدثت الكثير من الربكة والحيرة وأدت إلى تفسيرات خاطئة في الأوساط الأكاديمية وكذلك في الدوائر السياسية في واشنطن عند محاولة فهم المناورات المختلفة للسياسة الخارجية التركية.
وعلاوة على ظهور حكومة حزب العدالة والتنمية على أنها حكومة الحزب الواحد بعد تحقيقها فوزًا انتخابيًّا ساحقًا، شهدت السياسة التركية بعض التطورات الرئيسية. على الجبهة الداخلية، عجلت حكومة حزب العدالة والتنمية من عملية التكامل الأوروبي عن طريق تمرير حزم من الإصلاحات المهمّة. ولم تمهد هذه الحزم الإصلاحية الطريق للسيطرة المدنية على الجيش فحسب، بل شملت أيضًا إزالة المعوقات التي وقفت في طريق الحريات الأساسية والحريات في الدستور، كما أطلقت أيضًا مبادرة جديدة بين صناع السياسة الخارجية لدفع علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي. وكانت قمة لوكسمبورغ (للاتحاد الأوروبي) أحد أبرز مصادر عزلة السياسة الخارجية التركية في التسعينيات، حيث استثنت تركيا من بلدان أوروبا الشرقية والوسطى الراغبة في الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي. وأدى هذا الاستبعاد إلى زيادة التشكك بين الرأي العام التركي نحو أوروبا، وأحبط أي محاولة لدفع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. ثم تقاعست السياسة الخارجية التركية عن النهوض بالعلاقات الثنائية مع البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في أواخر التسعينيات. ومع ذلك، فإنّ قمة هلسنكي وعملية الإصلاح، التي ساعدت تركيا على بدء مفاوضات الانضمام، عززت الرغبة والحوافز لاتباع علاقات متعددة الأبعاد مع الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه. وعلاوة على ذلك، فإنّ استمرار التقارب مع دول الجوار مثل سورية، والانفتاح نحو الشرق الأوسط زاد ثقة مؤسسة السياسة الخارجية التركية بنفسها.
في السنوات العشر الماضية، ازداد الوعي العام والاهتمام بالشؤون الخارجية، مما جعل الرأي العام التركي عاملًا مهمًّا في تشكيل السياسات الخارجية. وكما سبق ذكره، تجلى هذا بوضوح في عام 2003 عندما اضطر البرلمان التركي، تحت ضغط الرأي العام التركي، إلى التصويت ضد السماح لقوات الولايات المتحدة باستخدام الأراضي التركية لغزو العراق. وأفرزت زيادة اهتمام الرأي العام التركي بالسياسة الخارجية والبحث عن الأخبار والمعلومات جيلًا جديدًا من خبراء السياسة الخارجية من المدنيين. وفي الأوساط الأكاديمية، أدى هذا الطلب إلى إجراء المزيد من الأبحاث الموجهة نحو السياسات في أقسام العلاقات الدولية، وركزت وسائل الاعلام في برامجها على الشؤون الخارجية. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ التحول في العلاقات المدنية العسكرية جعل المدنيين يتحملون مسؤولية قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي، الأمر الذي حجّم من الإفراط في استخدام النهج الذي يركز على السياسة الخارجية الأمنية. هذه التحولات توضح أن أولئك الذين حاولوا تفسير العلاقات الخارجية التركية من الخارج، سيكون عليهم النظر إلى دور الرأي العام على أنّه لاعبٌ جديد في صياغة السياسة الخارجية التركية، حيث أصبح القادة أكثر خضوعًا للمساءلة عند اتخاذ قرارات في السياسة الخارجية والأمن القومي.
أدت هذه التغيرات الدراماتيكية في السياسة الداخلية إلى ظهور متغيرات ديناميكية مختلفة والتي تحتاج إلى أن تُلحَظَ من أجل فهم التحولات التي طرأت على السياسة الخارجية التركية. خلال عهد حكم حزب العدالة والتنمية، حدثت معظم هذه التطورات باستمرار نتيجة السياسة الداخلية الصاعدة. لذا أصبح من الخطأ أخذ لقطة من فترة معينة خلال هذه السنوات، وتقديمها من خلال التعميم. في الواقع، أثارت المتغيرات المحلية والتنوع الواسع النطاق خلافات حول السياسة الخارجية.
وبالإضافة إلى صعوبات تحليل طبيعة التفاعل بين السياسة الداخلية والخارجية، فإنّ التحولات المتعددة الاتجاهات والتنمية في تركيا على مدار عشر السنوات الماضية أوجدت تحديات كبيرة أمام تحليل السياسة الخارجية. على سبيل المثال، في إطار متغير واحد، مثل تداعيات الرأي العام على السياسة الخارجية التركية، نرى تحولات على مختلف المستويات. وعلى الرغم من أن الجمهور أعرب عن بعض وجهات نظره، وشارك في السياسة الخارجية في ظل الإدارات السابقة، إلا أن آخر عشر سنوات، كانت ثورية من حيث توسيع مشاركة صفوف أوسع من المواطنين الأتراك.
من أجل فهم الأثر الحقيقي لهذا التغيير على الرأي العام/ وعلى علاقات السياسة الخارجية يحتاج المرء إلى تحليل الأبعاد المختلفة للرأي العام. منظرو السياسة الخارجية -مثل روسنو- يؤكدون أن مفهوم الرأي العام يمكن تصنيفه بطرق مختلفة. ففي أعلى قمة هرم روسنو تأتي النخبة، بما في ذلك الجهات الفاعلة من الإدارة العامة والإعلام، يلي ذلك مجموعة نشطة من رجال الأعمال والمثقفين، ثم عامة الناس في الأسفل . التغيرات التي حدثت متزامنة عبر كل مستويات الخلاف في السنوات العشر الماضية جعلت الحالة التركية في غاية الأهمية. وفي جميع مستويات هذا الهرم، يلاحظ أن التركيز والاهتمام، ووزن الرأي العام تغير بشكل كبير خلال عشر السنوات الماضية.
خلال سنوات حكم حزب العدالة والتنمية، مع أن قمة الهرم، أي النخبة، استمرت في الانخراط بنشاط في السياسة الخارجية، فقد كانت هناك تحولات كبيرة في البنية الاجتماعية وتشكيلة أعضاء نخبة السياسة الخارجية. فحل المسؤولون المدنيون المنتخبون محل النخبة العسكرية وبيروقراطيو السياسة الخارجية، الذين هيمنوا على عملية صنع السياسة الخارجية. وأصبحت قضايا السياسة الخارجية خاضعة للمناقشات البرلمانية والسياسية بين الأحزاب السياسية. وأنشأ حزب العدالة والتنمية، على وجه الخصوص، وحدة منفصلة، للتعامل مع القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية على مستوى الحزب. ومؤخرًا، أحزاب المعارضة مثل حزب الشعب الجمهوري، بدأت تولي اهتمامها بمسائل السياسة الخارجية. وأصبح خبراء السياسة الخارجية والبرلمانيون من أصحاب الخبرة في السياسة الخارجية أكثر ظهورًا في الفضاء العام وطمحوا في لعب أدوار فاعلة. وعلاوة على ذلك، فإنّ المجموعات الضيقة من الفاعلين في وسائل الإعلام، اتسعت لتشمل قطاعات ومجموعات من الهيئات الصحفية. وأسفرت التغييرات في وسائل الإعلام عن زيادة في البرامج التلفزيونية والمقالات التي تغطي قضايا السياسة الخارجية، وبهذا اتسع تدفق المعلومات إلى الجمهور. كما أن زيادة المطالب الشعبية بالحصول على معلومات عن الشؤون الخارجية زادت هذه العملية قوة.
في السنوات العشر الماضية، أصبحت الطبقة الثانية (التي تتكون من رجال الأعمال والمثقفين) منخرطة على نحو متزايد في السياسة الخارجية. مجموعات رجال الأعمال، الذين اعتادوا مرافقة رؤساء الدول في رحلاتهم، وكانوا جزءًا مهمًّا من حاشية الرئاسة، حل محلَّهم أصحابُ المشاريع المستقلة النشطون، القادرون على تقديم المشورة وتوجيه صناع السياسات في الشؤون الخارجية. وبطبيعة الحال، فإنّ انتقال السياسة الخارجية التركية من النهج الموجه أمنيًّا إلى نهج “الدولة التجارية” قد لعب دورًا مهمًّا في هذا التحول العام. كما أن ظهور رؤية في السياسة الخارجية تؤكد أهمية التكامل الاقتصادي الإقليمي. والتجارة الدولية مكنت دوائر الأعمال ولعبت دورًا مهمًّا في تيسير العلاقات الاقتصادية الدولية. وبدأت الدولة التركية في بناء العلاقات، ليس فقط لتوفير الأمن، ولكن للنهوض بالتكامل الاقتصادي في المنطقة، والذي خلق العديد من الفرص لرجال الأعمال الأتراك.
وقد أدى تغير نهج السياسة الخارجية إلى زيادة في الأنشطة البحثية بين المثقفين والأكاديميين، فضلًا عن زيادة التسامح مع النماذج والأفكار البديلة من مؤسسة الدولة. وركز هؤلاء الأكاديميون والباحثون على القضايا المتعلقة بالسياسة الخارجية والدراسات والسياسة الخارجية العملية في الدوائر والمراكز التي أقاموها. وأصبحت هذه البحوث الموجهة سياسيًّا أكثر مؤسسية مع زيادة مراكز الفكر والمعاهد التي تدرس السياسة الخارجية. على مستوى الطبقة الثانية، كانت هناك تغييرات كبيرة أيضًا من حيث الاهتمام والتغطية الإعلامية. في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية التركية، القضايا والمناطق التي تم تجاهلها في الماضي بدأت تحظى باهتمام كبير. فالتركيز المكثف على آسيا الوسطى والقوقاز خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة، وكذلك العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وتركيا في أثناء عملية العضوية، تم استكمالها بمناطق جغرافية جديدة وتطلعات القوة الناعمة في مناطقَ مثل إفريقيا وأمريكا اللاتينية.
كان للتحولات في الطبقات الأولى والثانية من هرم الرأي العام، تداعيات كبيرة على التغييرات في السياسة الخارجية للطبقة الثالثة، الجمهور العام. بدلًا من الرد على أزمات السياسة الخارجية من خلال ردود أفعال تاريخية، بدأ الرأي العام في تبني مواقف المدى الطويل في إستراتيجيات السياسة الخارجية وفي نفس الوقت، طور القدرة على الدفاع عن تلك المواقف. أيضًا زيادة ظهور قضايا السياسة الخارجية في وسائل الإعلام كانت استجابة لزيادة الطلب العام للحصول على المعلومات المتعلقة بالقضايا الخارجية. بالإضافة إلى ذلك، تزايدُ نفوذِ المنظمات غير الحكومية في مختلف المناطق الجغرافية جعلَ الرأي العام على دراية بالقضايا العالمية الراهنة والمسائل الخارجية. على وجه الخصوص، الاهتمام بمجال المساعدات الإنسانية جعل الرأي العام يتفاعل بوعي مع قضايا مثل الفقر في الصومال، والمذابح في راخين، والصراع العرقي في تركستان الشرقية، والأزمة في فلسطين. ودعمت ردود الأفعال هذه سياسات حزب العدالة والتنمية في هذه المناطق وكانت أساسًا لمواقف الحكومة فيما يتعلق بهذه القضايا. عندما كان هناك احتمال أن تقدم تركيا الدعم للولايات المتحدة في حرب العراق، لعبت الاحتجاجات الشعبية دورًا في تحديد نهج البرلمان وأثبت أن الرأي العام لديه القدرة على تشكيل السياسة الخارجية لإدارته. وفي الآونة الأخيرة، انتشار استخدام وسائل التواصل الاجتماعي واتساع المناقشات حول قضايا السياسة الخارجية مثل سوريا، أظهرت رغبة واستجابة الجمهور في اتخاذ المواقف وأوضحت عقلانيته ووعيه في أن يصبح صوته مسموعًا في تركيا المتغيرة. ومع ذلك، فإنّ زيادة تأثير الرأي العام يجعل أيضًا من الصعب على الباحثين متابعة وتفسير السياسة الخارجية التركية.
في هذا السياق، التحولات الأخرى التي وقعت على الصعيد المحلي كانت هي التصور لدور تركيا النشط على المنصة الدولية. أيد الرأيُ العام وصانعو السياسة الخارجية هذا التحول، والابتعاد عن كل السياسات السلبية والدفاعية في مقابل اعتماد إستراتيجيات استباقية. ومن أبرز علامات هذا التحول؛ تحول الشؤون الخارجية من التركيز على النزاعات مع الدول المجاورة إلى إستراتيجية تصفير المشكلات. ورغب صانعو السياسات والجمهور على حد سواء في ألا تكون تركيا مجرد لاعب من اللاعبين، بل تكون محرِّكة اللعبة، وألا تكون طرفًا فاعلًا يتبنى معايير، بل أن تكون صانعة تلك المعايير. ومن بين أبرز الأسباب الرئيسة لهذا الرأي، زيادة الثقة بالنفس بعد التعافي من الأزمة الاقتصادية لعام 2001 وعدم الاستقرار السياسي في التسعينيات وارتفاع معدلات التضخم في الثمانينيات. كما جعل النجاح الاقتصادي تركيا من بين الـ20 بلدًا الأوائل في العالم من حيث إجمالي الناتج المحلي. بالإضافة إلى ذلك، رجال الأعمال ومؤسسات الفكر والرأي التي أُسِّست حديثًا أعطت القيادة رؤية في السياسة الخارجية، واتسعت دوائر الأعمال في مختلف المناطق الجغرافية، مما أدى إلى تحسن العلاقات التجارية، وبدأت المنظمات غير الحكومية القيام بأنشطة المساعدات في جميع أنحاء العالم. أدت هذه التطورات إلى فهم جديد للسياسة الخارجية على الجبهات المحلية والعالمية، وأوجدت حلولًا بناءة للمشكلات، وعززت مكانة تركيا على الساحة الدولية. أيضًا حجم الاهتمام والدعم على مستويات المجتمع كافة أظهر أن الرأي العام يعمل على تعديل دور تركيا الدولي.
خرجت المناقشات حول دور تركيا في المسرح العالمي على السطح عندما ظهرت مصطلحات “القوى الإقليمية” و”القوى الصاعدة” في أدب العلاقات الدولية، وكشفت بعدًا جديدًا على الساحة الدولية. وفي المناقشات، بينما كان يتم النظر إلى تركيا على أنها لاعب دولي مهمّ، فإنها كانت تقوم بدور وفقًا لمتطلبات الرأي العام. على سبيل المثال، بريجنسكي الذي أطلق على تركيا فيما سبق “لاعب جيوإستراتيجي عالمي مهمّ”، كرر وجهات نظره، وجادل بأن تركيا يجب أن تندمج وتتكامل مع العالم الغربي، مؤكدًا أهمية الدور الذي بإمكانها أن تلعبه في النظام العالمي في المستقبل . ونتيجة لذلك، فإنّ التغيرات في المجال العام وتصورات الرأي المحلي حولت، إلى حد كبير، التفاعل بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية. وبالمقارنة مع التسعينيات، يلاحظ ظهور بنية متعددة الأبعاد ومتعددة اللاعبين، حيث لعب الجمهور التركي دورًا مؤثرًا وأكثر استجابة وانخراطًا في الشؤون الخارجية.
التحولات في آليات صنع القرار
فترة عشر السنوات لإدارة حزب العدالة والتنمية كانت في غاية الأهمية أيضًا بسبب التحديات في الطبقة الثالثة من تحليل السياسة الخارجية: التغييرات في آليات صنع القرار في الشؤون الخارجية. دراسة آليات صنع القرار في السياسة الخارجية من أهم المجالات الفرعية لتحليل السياسة الخارجية. فعندما تؤخذ بعين الاعتبار الدول بمختلف الهياكل الحكومية، والثقافات، والجهات الفاعلة، يمكن للمرء تحديد أشكال آليات صنع القرار. يصنف علماء السياسة الخارجية وصنع القرار هذه الفئات إلى ثلاثة أشكال مختلفة. في “نموذج الزعيم المهيمن” يتم اتخاذ القرارات في السياسة الخارجية في إطار مبادرة الزعيم الواحد الذي يخصص موارد الأمة نحو هدف معين للسياسة الخارجية. في المجموعة الثانية، “نموذج المجموعة الواحدة” يتم اتخاذ قرارات السياسة الخارجية من قبل مجموعة من الأفراد الذين يتشاورون مع بعضهم بعضًا للوصول إلى النتائج المرجوة. عدد الأشخاص ضمن أي مجموعة قد يكون واحدًا او اثنين أو قد يصل إلى المئات. أما في “نموذج التحالف” فيتم اتخاذ القرارات في السياسة الخارجية من قبل ائتلاف مجموعات متعددة، منظمات، أو أشخاص. وخلافًا لنموذج المجموعة، الجهات الفاعلة في التحالفات تمثل منظمات مختلفة ومستقلة، من دون هيمنة منظمة على أخرى .
كما تم ذكره في القسم السابق، آليات صنع القرار في السياسة الخارجية التركية تجاوزت المعايير التقليدية بتحول العلاقات المدنية العسكرية على مدار السنوات العشر الماضية. في السياسة الخارجية التركية الكلاسيكية، تألفت آليات صنع القرار من مجموعة من المسؤولين المعينين، والتي شملت جميع كبار الجنرالات العسكريين وبيروقراطي السياسة الخارجية. ولم يكن آنذاك للقادة المنتخبين والسياسيين المدنيين رأي في المسائل المهمّة في السياسة الخارجية أو الأمن القومي التركي. عَدّت الجهات العسكرية مسائل الأمن القومي في غاية الأهمية بحيث لا يمكن تركها للمسؤولين المدنيين. على هذا النحو، هيمنت الجهات العسكرية على المسائل الأمنية الوطنية المهمّة وحولت مسار وتوجه السياسة الخارجية التركية. وفي سنوات الحرب الباردة، بسبب أولوية القضايا الأمنية في علاقة تركيا مع العالم الغربي، برز الجيش بصفته فاعلًا رئيسًا. وبالنسبة للمسؤولين المدنيين المنتخبين، أصبح توجيه الجيش في هذه الأمور أمرًا لا مفرّ منه تقريبًا. وتم إضفاء الطابع المؤسسي على هذا الوضع بعد انقلاب 1980 وإنشاء مجلس الأمن القومي (NSC)، حيث كانت الغلبة فيه للأعضاء العسكريين مما عزز سلطات الجيش. ومع مرور الوقت، فإنّ تقييم جميع إستراتيجيات السياسة الخارجية والتهديدات من قبل مجلس الأمن القومي بطريقة غير شفافة، حول الفاعلين المدنيين، بمن فيهم وزراء الخارجية إلى موظفين مضطرين إلى قبول وتنفيذ القرارات السياسية.
التحديات الأمنية التي واجهت تركيا في التسعينيات، بما في ذلك صعود حزب العمال الكردستاني، والأزمة مع اليونان بشأن قبرص وغيرها من الجزر في بحر إيجة، والنزاع على المياه الإقليمية، جعل المسائل الأمنية تطغى على السياسة الخارجية. خلال هذه السنوات، عدم الاستقرار السياسي في تركيا ومشكلات الحكومات الائتلافية، منع القادة السياسيين المدنيين من الظهور. على سبيل المثال، وقع القادة العسكريون في معظم الأحيان اتفاقيات التعاون العسكري والأمني بين تركيا وإسرائيل متجاوزين الرقابة البرلمانية. هذه الظروف عززت من حضور الجيش في السياسة التركية. وعلى مدار سنوات عديدة، ظلت المؤسسة العسكرية أقوى مؤسسة بالدولة التركية. وحجم التحالف القوي بين الجيش وبيروقراطية السياسة الخارجية من صلاحيات أي زعيم مدني منتخب، كما هيمنت السياسة الخارجية الموجهة أمنيًّا على خارطة طريق السياسة الخارجية للحكومة التركية.
وبعد فوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات نوفمبر عام 2002، بدأ نموذج جديد في الظهور. فوضعت الانتخابات حدًّا للتكهنات والتوقعات التي ترى أن الوصاية العسكرية ستستمر إلى أجل غير مسمى. وكما هو الحال مع أي انتخابات تجري بعد انقلاب عسكري، اختار الشعب حزبًا بعيدًا عن الجيش ردًّا على تصرفات الجيش السابقة في السياسة. في نفس الوقت، عجلت عملية عضوية الاتحاد الأوروبي من الإصلاحات التي أرادتها لجنة الاتحاد الأوروبي في مجلس الأمن القومي، والتي خفضت من عدد الجهات العسكرية الحالية. كانت كل هذه التطورات جديدة بالنسبة لتركيا. وبعد فوز حزب العدالة والتنمية، قام رئيس الحزب رجب طيب أردوغان بجهود كبيرة وأصبح شخصية سياسية دولية، وتلقى دعوات من جميع أنحاء العالم بوصفه “كبير الدبلوماسيين” على الرغم من عدم قيامه بأدوار رسمية عامة. وأصبح هذا أكثر وضوحًا خلال المفاوضات بين الولايات المتحدة وتركيا فيما يتعلق بمسألة غزو العراق. وبعد شهرين فقط من توليه منصب رئيس الوزراء، كانت الإدارة المدنية مهيمنة إلى حد كبير في عملية التفاوض، من خلال إدراج الوزراء، إلى جانب مستشاري رئيس الوزراء. وعندما سئل الجنرال أوزكوك عن العلاقات مع إدارة أردوغان، قال إنهم يعملون في وئام كبير. علاوة على ذلك، قبيل تصويت 1 مارس في البرلمان التركي، أقر مجلس الأمن القومي أن البرلمان هو الجهة المخولة باتخاذ القرار النهائي بشأن كيفية المضي قدمًا. هذا القرار لم يكن متوقعًا لبعض القادة في الولايات المتحدة: مثل نائب وزير الدفاع بول ولفويتس، الذي، اتهم في مقابلة مع محمد علي بيراند، الجيش التركي بعدم القدرة على القيادة الفعّالة. خلال هذا الوقت، كانت آليات صنع القرار تتحول تدريجيًّا نحو نموذج التحالف، حيث يتخذ المدنيون، إلى جانب الجيش قرارات السياسة الخارجية. وعلى الرغم من استمرار انخراط الجيش في مسائل الأمن القومي، إلا أن إدارة حزب العدالة والتنمية والاعتراف الدولي برجب طيب أردوغان جعل القادة المدنيين أطرافًا فاعلة مهمّة في السياسة الخارجية التركية.
بينما توترت العلاقات مع الولايات المتحدة خلال السنوات الأولى لحكومة حزب العدالة والتنمية، بدأت تركيا تتخذ خطوات مهمّة نحو عضوية الاتحاد الأوروبي. وبالرغم من تدخلات الجيش، كان القادة المدنيون المنتخبون هم من يقود دفة الائتلاف. وفي السنوات التالية، عززت “سياسة تصفير المشكلات” مع الجيران دور “المدنيين” في السياسة الخارجية. قَبعت الجهاتُ العسكرية وبيروقراطيةُ السياسة الخارجية في تركيا، التي أقامت في السابق علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل- خلف القادة المدنيين من حيث وضع سياسات مع دول أخرى في الشرق الأوسط. وفي سوريا والأردن بشكل خاص، تعزز نفوذ وتأثير رئيس الوزراء والمستشارين المقربين في السياسة الخارجية خلال ذلك الوقت.
في عام 2007، عاد نفوذ الجيش إلى السياسة إلى الظهور مرة أخرى بالمذكرة الإلكترونية، إلا أن بُعد السياسة الخارجية لانقلاب ما بعد الحداثة في 28 فبراير كان غائبًا. ففي انقلاب 28 فبراير، زادت التوترات بين القادة المدنيين والعسكريين بسبب الخلافات حول السياسة الخارجية التركية. وأحدث مسار العلاقات التركية الإسرائيلية على وجه الخصوص، شرخًا كبيرًا وأصبح أحد المحفزات لتدخل الجيش في السياسة. في السابق، وُجهت انتقادات إلى رحلات رئيس الوزراء أربكان إلى الخارج ورؤيته وعُدّت انحرافًا عن مسار السياسة الخارجية، لكن مذكرة أبريل 2007 ركزت في المقام الأول على السياسة الداخلية.
أيضًا في عام 2007، اختار الناخبون مرة أخرى حزب العدالة والتنمية، الذي استهدفه الجيش في تدخلاته في العمل السياسي. لكن بعد الفوز الانتخابي، تحولت مرة أخرى آليات صنع القرار في السياسة الخارجية تدريجيًّا من نموذج التحالف إلى نموذج المجموعة الواحدة. وأصبحت اليد العليا لرئيس الوزراء أردوغان ومستشاريه في صياغة وتنفيذ السياسة الخارجية. خلال هذه الفترة، أصبحت الإدارة المدنية أكثر استقلالية في آليات صنع القرار في السياسة الخارجية، وتراجعت شرعية الجيش، وبخاصة بعد محاكمات أرغنكون. وبتراجع دور الجيش، دخلت السياسة الخارجية التركية مرحلة “التطبيع”.
في السنوات اللاحقة، مع تصاعد السلطة الكاريزمية لرئيس الوزراء أردوغان وتزايد علاقاته الشخصية والدبلوماسية، تحركت آليات صنع القرار في السياسة الخارجية ما بين نموذج المجموعة الواحدة ونموذج الزعيم المهيمن. وأصبح أردوغان الزعيم الأكثر شعبية في الشرق الأوسط، وبدأ يلعب دورًا فاعلًا بالتوسط في الصراعات السياسية في المنطقة. أيضًا محادثات السلام التي قام بها أردوغان مع الأسد وأولمرت، قبل العملية الإسرائيلية على قطاع غزة، كانت دليلًا على أنّه صاحب رؤية دبلوماسية رفيعة المستوى. ثم تطورت آليات صنع القرار إلى نموذج يقوم فيه مجموعة من المستشارين بتطوير السياسة الخارجية ويتخذ رئيس الوزراء القرارات النهائية.
في العقد الماضي في ظل إدارة حزب العدالة والتنمية، شهدت الجبهة الداخلية لآليات السياسة الخارجية تحولات كبيرة. وفقد الجيش ميزاته، وتحولت آليات صنع القرار من نموذج الائتلاف إلى نموذج المجموعة. وفي الآونة الأخيرة، تنقل النظام بين نموذج المجموعة ونموذج الزعيم المهيمن. وبجانب التحول المنهجي والتغيرات في السياسة الداخلية، خلقت التحولات في آليات صنع القرار تحديات لأولئك الذين يحاولون شرح سياسة حزب العدالة والتنمية الخارجية خلال هذه الفترة.
الخاتمة
التحولات في الطبقات الثلاث لتحليل السياسة الخارجية التي حدثت في تاريخ تركيا الحديث تمثل تحديات أمام تحليل وفهم السياسة الخارجية التركية. لقد كانت التحولات عملية تدريجية، مما أدى إلى الحاجة إلى نماذج بديلة. ولجعل هذه النماذج الجديدة متماشية مع النظام الدولي، كان هذا بمثابة تحدٍّ آخر. ومع أن وجهات نظر مختلفة ظهرت لشرح العلاقات السياسة الداخلية والخارجية والتفاعلات بين مختلف الجهات الفاعلة في السياسة الخارجية، إلا أن النماذج الحالية غير كافية وسوف تحتاج إلى مراجعة لشرح السياسات الخارجية للقوى الصاعدة.
تُعَدّ نظرية الواقعية الكلاسيكية الجديدة التي تم توظيفها في كثير من الحالات هي الأكثر نجاحًا بين النظريات الأخرى. النهج الواقعي الكلاسيكي الجديد الذي تحدِّد فيه عواملُ النظام الدولي المُقيدة والسياسةُ الداخلية السياسةَ الخارجية للأمة- يمكن عدّه تحسينًا للنظريات التي تهمل البنية السياسية والاقتصادية للأمة في السياسة الخارجية. ومع ذلك، فإنّ قلة الدراسات التي تستخدم هذه النظرية تمنع التقدم والتراكم المعرفي في هذا المجال. بالإضافة إلى ذلك، عدم وضوح الرؤية في إطار النظام الدولي يمثل تحديًا أمام تطبيق الواقعية الكلاسيكية الجديدة. في المستقبل، تطبيق مثل هذه النظريات قد يساعد ويُسهم في مجال دراسة السياسة الخارجية التركية.
بالإضافة إلى الواقعية الكلاسيكية الجديدة، فإنّ أحد فروع دراسة السياسة الخارجية الأكثر تخلفًا هو ما كتب عن “تغير السياسة الخارجية”. حتى الآن، النماذج التي هدفت إلى شرح تحول السياسة الخارجية واجهت العديد من القيود. كما هو الحال مع الواقعية الكلاسيكية الجديدة، فإنّ معظم هذه النظريات لم يتم اختبارها ولم يحدث تراكم معرفي حولها. ومع ذلك، فإنّ دراسة أدب السياسة الخارجية قد يمهد الطريق لإجراء دراسة أشمل لتحول السياسة الخارجية التركية. أخيرًا، قد يكون التصنيف الدوري للسياسة الخارجية التركية ضروريًّا من أجل فهم تأثير المتغيرات المختلفة. فعلى مدار السنوات العشر الماضية، لم يتبع حزب العدالة والتنمية نفس السياسة الخارجية، بل تطورت مع مرور الوقت. وقد يكون تقسيم السياسة الخارجية إلى فترات مفيدًا لدراسة هذا التحول. في هذا السياق، يحتاج تحوّل السياسة الخارجية، ونظريات الواقعية الكلاسيكية الجديدة وتصنيف السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية، إلى دراسة متأنية. علاوة على ذلك، بالنظر إلى ديناميات الدول الصاعدة وسياساتهم، يلاحظ أن هناك حاجة إلى تطوير نهج نظرية ديناميكية وتطبيقها على حالات مختلفة، وهذا قد يساعد على فهم أعمق وشرح أفضل للسياسات الخارجية التركية.