600

سبب موجة المحبة العارمة لأردوغان في السودان

المصدر: صحيفة صباح – ترجمة وتحرير: أخبار تركيا

 برهان الدين ضوران

الخرطوم
كان السودان المحطة الأولى من الجولة الإفريقية الأخيرة لهذا العام للرئيس أردوغان، حيث يتواجد حاليا في تشاد محطته الثانية ومن المرتقب أن يختتم هذه الجولة في تونس غدا الأربعاء.
هدف الرئيس الرئيس من الجولة الإفريقية، تعميق الانفتاح التركي في القارة السمراء، وتطوير العلاقات الثنائية مع البلدان المذكورة في كافة المجالات، بدءاً من الاقتصاد وصولا إلى الدفاع. حيث تقرر في السودان تأسيس المجلس الأعلى للتعاون الاستراتيجي التركي السوداني. وتم التوقيع على 12 اتفاقية تعاون. وفي محطات جولته السودانية قُوبل أردوغان بموجة من المحبة والاهتمام في كل من الخرطوم، وبور السودان وجزيرة سواكن.
ومما كان ملفتاً للنظر وجود لافتات كُتب عليها: “أهلا وسهلاً بكم في بلدكم السودان”. فيما التكبيرات والتصفيقات لم تنقطع خلال كلمة أردوغان في مجلس الأمة السوداني. لا شك بأن هذه المحبة والود ليس سببه فقط العلاقات التاريخية بين البلدين. بل وأيضاً كون أردوغان هو أول رئيس تركي يزور السودان.
ومن بين التصريحات القيّمة لأردوغان هناك كان إعلانه استهدافهم رفع حجم التبادل التجاري من 500 مليون دولار إلى 10 مليارات دولار. كما لا يمكن تجاهل الدعم التركي للسودان خلال فترات فرض الحصار والعقوبات عليها.
لم ينتهِ الإقصاء وفرض العقوبات السياسية على السودان؛ على الرغم من انتهاء العقوبات الاقتصادية.
إلا أنه وإلى جانب كل هذا، كان الاهتمام الأكثر في السودان، متركزاً على المقاربة السياسية لأردوغان والدور القيادي الذي تولاه في السنوات الأخيرة. حيث كان أردوغان يسعى إلى نوع من التعاون قائم على “احترام حقوق السيادة” ورفض التحكم بالدول وتوجيهها. كما كان يناضل ضد الإمبرياليين المعاصرين. والأهم من ذلك مساعي أردوغان الدبلوماسية من أجل القدس، سواء خلال قمة منظمة التعاون الإسلامي بإسطنبول أو لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة. إذ أن عظمة أردوغان كانت تكمن في كونه رجل الدولة الذي رفض التوسع الإسرائيلي، وتطرق إلى أن الظلم هو مشكلة الإنسانية جمعاء، فضلاً إلى شخصيته القيادية المتمثلة في دعوة ترامب وبأعلى صوت إلى “التفكير جيداً والتراجع عن الخطأ.”
خلال كلمته في مجلس الأمة السوداني، تطرق أردوغان إلى أحقية الإنسانية، والمسلمين والمسيحيين بالقدس. وانتقد ترامب لاكتفائه بمشاهدة الظلم الإسرائيلي، واتخاذ قرار نقل سفارة بلاده إلى القدس وإعلانها عاصمة مزعومة لإسرائيل دون استشارة أحد. كما كرر أردوغان مقلوته: “العالم أكبر من خمسة، وأكبر بكثير من دولة واحدة”.
ليس من الصعب التكهّن بانزعاج واشنطن من انتقادات أردوغان تجاه ترامب. مع أن انتقادات أردوغان هذه بمثابة الصوت المشترك لقلق المجتمع الدولي، تماماً كما هي مثيلاتها من الانتقادات الموجهة إلى النظام الغربي. وهنا تكمن الحقيقة التي يعمل على إخفائها أولئك الذين يتهمون أردوغان لدى الإعلام الغربي بأنه “ساطٍ، وإسلامي، والقائد الذي عزل تركيا عن الغرب”.
أردوغان يعمل على إيجاد صيغة جديدة لمقولة “عالم أفضل وأكثر عدلاً”، وذلك عبر التطرق إلى “الإصرار على مواجهة الاستبداد مهما كان ثمن ذلك”. ومن الواضح أن انتقادات أردوغان تمنح تركيا القوة مع ازدياد موجات الفوضى حول العالم. وفي ظل تخلي الولايات المتحدة عن مسؤولياتها العالمية، واتخاذها القومية الاقتصادية أساساً لسياساتها، فإن انتقادات وخطابات أردوغان هذه تحمل أهمية أكبر تتجاوز حدود تركيا.
هذه الصيغة الجديدة لا تكتفي باقتراح نمو مرفّه للشعوب المطالبة بـ”علاقة قائمة على المساواة” مع الغرب. بل إنها تحذر في الوقت نفسه الولايات المتحدة والمجتمعات الأوروبية المتجهة نحو الانغلاق إلى الداخل، من الكارثة التي قد تحلّ مستقبلاً نتيجة تجاهل حقوق الآخرين انطلاقاً من مبدأ الاعتماد على القوة وحدها.
سنشهد في الفترات القادمة صراعات قوى متركزة على “الأمن الاقتصادي”، حيث سيتشكّل خلالها مقولات وخطابات كل دولة حول حجم وكِبَرِ تلك الدولة نفسها. وفي الحقيقة فإن بوتين سبق ترامب في اختيار هذا. لذا وفي ظل أوساط كهذه، فإن حديث أردوغان سيكون عبارة عن مساع لتركيا بصفتها قوة إقليمية، لزيادة تعاوناتها الاقتصادية. والرغبة في تحديد دور جديد لأنقرة ضمن أوساط القوى المنافسة.