nahwa-tayyar-asasy

طارق البشري..نحو تيار أساسي للأمة

عرض: مــازن النجـار

يقصد بالتيار السياسي الأساسي الإطار الجامع لقوى الجماعة الوطنية والحاضن لها. وهو الذي يجمعها ويحافظ على تعددها وتنوعها في الوقت نفسه. إنه التيار الذي يعبر عن وحدة الجماعة من حيث الخطوط العريضة للمكون الثقافي العام، ومن حيث إدراك المصالح العامة لهذه الجماعة دون أن يخل ذلك بإمكانات التعدد والتنوع والخلاف داخل هذه الوحدة. يكون هناك تيار سياسي أساسي عندما تكون لديه القدرة والصياغات الفكرية والتنظيمية التي تمكن تأليف أكثر ما يمكن تأليفه من خصائص كافة القوى والفئات الثقافية والسياسية الاجتماعية، فضلا عن الطوائف والمهن والجامعات المختلفة ذات الثقل، ويكون سائدا عندما تكون لديه القدرة أيضا على وضع صيغة للتوازن بين مختلف القوى والجماعات. بهذا المعنى يمكن القول بأن فكرة التيار الأساسي تعد بوجه من الوجوه امتدادا لحركة المشروع الوطني العام الذي تمت بلورته عن طريق الاستخلاص من الواقع الحي للحركة السياسية والثقافية القائمة في المجتمع.

يعتبر المؤرخ والمفكر المصري طارق البشري أن كتابه: «نحو تيار أساسي للأمة» لا يتكلم عن توصيف التيار الأساسي للأمة أو أيديولوجية هذا التيار السياسي، بل يتناول الكيفية التي ينبغي أن نفكر بها ليكون هناك تيار أساسي للأمة والكيفية التي يصنع بها هذا التيار، وكيف يصنع أهل كل جيل هذا الأمر في جيلهم وزمانهم.

التعددية .. تضارب أم تكامل؟

يرى المؤلف أن فكرة التيار الأساسي للأمة فكرة أساسها فيما يقدمه هذا الكتاب أن هناك ما يوحدنا وهناك ما نتنوع بشأنه ونتعدد وأنه أحيانا التعددية تشغلنا عما هو مشترك بيننا، وعما ينبغي أن نقف بشأنه معا لندافع عنه ونحفظه ونحميه، وأننا علينا في تعاملنا مع تنوعاتنا المختلفة ومع تعدداتنا المختلفة ومع اختلافنا في أشياء كثيرة علينا أن يكون هناك ما يضمنا. فنعرف في كل لحظة أن هناك إطارا عاما يضمنا ويحمينا ويحمي هذه الخصائص المتنوعة المتعلقة بنا، وعلينا أن نحفظه من المخاطر الخارجة عليه ومن توغل التوازنات الداخلية بشأنه، حتى لا تقضي فكرة على فكرة أخرى مما هو موجود.

جاءت فكرة هذا الكتاب للمؤلف وهو يقوم بدراساته التاريخية؛ فكان يلاحظ أنه في فترات معينة من مراحل التاريخ أن الناس انقسموا شيعا وأحزابا حول عدد من الأهداف، بعضهم يهتم مثلا بالمسألة الوطنية، وبعضهم الآخر يهتم مثلا بموضوع الديمقراطية، وبعضهم يهتم بالتطور الاقتصادي، وكل منهم أخذ هذه الفكرة فكرته الخاصة به، ودافع عنها في مواجهة الآخرين رغم أنهم كان ممكن أن يتكاملوا، وأنهم إذا تكاملوا سيكون المشترك بينهم كبيرا جدا، والخصائص الذاتية والمتنوعة بالنسبة لهم تبقى محدودة، ويمكن تداركها وعمل حسابها في نهاية المطاف.

ووجد المؤلف أيضا أنهم لو كانوا قد تداركوا هذا الأمر، لكانوا وحدوا قواهم مع بعضهم البعض بدلا من أن تكون هذه القوى متناحرة وتنتقص من بعضها البعض. وإن كنا عندما نقول خمسة «زائد» خمسة يساوي عشرة، لكن لو وضعنا فكرة «الناقص» بدل الزائد، ستكون المعادلة خمسة «ناقص» خمسة يساوي صفر، يعني التعدد عندما يتكامل يصبح قوة كبيرة، وعندما يتضارب يصبح صفرا أو دون الصفر أيضا. ووجد المؤلف أن هذه الحالة من التضارب قد وجدت في مراحل تاريخية عندنا، وأعاقت الحركة التاريخية من أن تؤتي ثمارا جيدة في تواريخنا المختلفة بسبب تناحر بين أفكار كان يمكن لها أن تتكامل مع بعضها البعض، وأن هذا المدى من الاختلاف بينهم كان يمكن حصره في نطاق ضيق، ويبقى هذا الخلاف موجودا لكنه محصورا أو محدودا، وهذه كانت الفكرة.

نحو مشروع وطني متكامل

يرى المؤلف أن التجدد المؤسسي كان يتم مثلا أيام محمد علي باشا وأيام السلطان العثماني محمود الثاني، في مجال بناء الدول وفي بناء الاقتصاد. وكان هناك تجدد فكري يتم عن طريق الدعوات الإصلاحية كدعوة محمد بن عبد الوهاب وعن طريق غيره من المجددين، ومن سماهم الدكتور أحمد أمين زعماء الإصلاح الفكري في ذلك العصر. مع ذلك، تضارب التجدد المؤسسي مع التجدد الفكري، رغم أنه كان من الممكن لهما أن يتكاملا، وضرب بعضهم بعضا، وانفصلت الفكرة عن الدولة في الوقت المبكر جدا في تاريخنا.

ونجد مثلا أنه في فترة من الفترات حصل الخلاف داخل الفكر الإسلامي، ما بين المحافظين وما بين المجددين، والمحافظون لهم وظيفة كان يجب أن يقوموا بها دفاعا عن أصول هذا الدين وأصول العقائد الموجودة في بلادنا  في مواجهة أفكار تريد أن تجتثها من خارج البلاد ومن الثقافات الأخرى والحضارات الأخرى. فكانت المحافظة مهمة ولا بد من إبقائها وإبقاء وظيفتها. والتجديد لا بد منه أيضا لإبقاء الفكرة، ولكي تجاري متغيرات وإيقاع الحياة وتحل مشكلات الناس. ومع ذلك تضارب هذان التياران، تضارب هذان التياران في أوائل القرن العشرين، وأنقص كل منهما من فاعلية الآخر ومن قدرته على الفعل الإيجابي.

ولم نستطع أن نتدارك هذا الأمر إلا في الثلث الأخير من القرن العشرين بعد أن صارت المحافظة والدفاع عن أصول الدين في نفس الوقت هي في قلب حركة التجديد الفكري والديني في ذات الوقت. نكون بذلك قد أخذنا 75 سنة أو على الأقل 60 سنة حتى نصل إلى هذا الأمر. ووجدنا أصلا الحركات الوطنية، حركات وطنية تبدأ بالاستقلال على أساس مرجعية دينية، وحركات وطنية تبدأ بالاستقلال على أساس مرجعية وضعية أو مرجعية علمانية، وكلاهما يبغي استقلال الوطن. لكنهما يتضاربان مع بعضهما البعض، ويؤدي هذا إلى أن يفل كل منهما قوة الآخر، (بدل أن يعززه ويعضده)، وبرغم أن هدفهم واحد.

صياغة التيار الأساسي

فلا بد إذن من أن تكون هناك صياغة عامة لـ«تيار أساسي للأمة»، بحيث أن نحدد بهذه الصيغة العامة كيفيتها، وفي داخلها يعرف كل منا وظيفته وفاعليته ومجال الاختلاف يبقى موجودا ونحميه معا ويكون في قدرتنا مثلا، (وهذه تنفعنا كثيرا) فكرة إظهار ما في بلادنا من تعدد طائفي وتعدد قبلي وتعدد إقليمي وتعدد أحيانا في اللغات والثقافات، وغيرها بالنسبة للقوميات الموجودة في بلادنا، مما لا بد له من أن يوضع في النهاية في إطار عام للسياسات المختلفة والموازين المختلفة التي تتحرك فيها الجماعة مع بعضها بحكم هذا الأمر.

إذن بناء على هذه الاعتبارات، نحن لن نجلس في بيوتنا أو في المقاهي أو في المكاتب، ونكتب إطارا فكريا للتيار الأساسي للأمة، إنما نحن نستخلصه من حركة الواقع القائم ذاته. فننظر في التيارات الفكرية الموجودة والتيارات السياسية الموجودة وأهدافها، وما يتصور أنه تحديات تقابل الأمة في مجموعها وتقابل كل تيار من داخله، وننظر في إمكانيات ما يجمع المشترك العام والقاسم المشترك العام بين هذه التيارات بعضها وبعض، وبين ما تختلف فيه وما تتفق فيه، فنصبح على دراية بماهية حدود المشترك وماهية حدود التنوع في هذا الشأن بدراسات واقعية، تستشرف الواقع الموجود، وتستقرئ من حالة الأمة ومن تياراتها وأوضاعها ما يكفل وضع هذا الأمر من خلال نقاش واسع وحوار واسع في هذا الشأن.