caucasus_central_asia_political_1995

عصر ذهبي للعلاقات: تركيا وغرب البلقان خلال عهد حزب العدالة والتنمية

تعطي هذه المقالة لمحة عامة عن علاقات تركيا مع دول غرب البلقان خلال عهد حكومة حزب العدالة والتنمية. فمع أن البلقان الغربي كان دائمًا محور اهتمام تركيا، إلا أن العلاقات مع هذه المنطقة تقدمت ببطء وبشكل جزئي حتى منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة. لكن منذ ذلك الوقت فصاعدًا، تلاقت عدة عوامل، بما في ذلك التقدم الاقتصادي في تركيا ورؤية السياسة الخارجية النشطة لحزب العدالة والتنمية، ونمو المجتمع المدني وقطاع الأعمال، كما خلقت الظروف السياسية والاقتصادية الدولية المواتية فرصًا جديدة أمام تركيا في البلقان الغربية. ومِن ثَمّ فإنّ العلاقات بين تركيا ودول البلقان الغربية قد تطورت بشكل سريع، وبخاصة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية. لكن في الوقت نفسه، لا تزال تركيا بحاجة للتعامل مع بعض التحديات وأوجه القصور لتعميق العلاقات وترجمتها إلى نفوذ سياسي.
وبينما نشطت السياسة الخارجية التركية وأصبحت مؤثرة، واجهت في الآونة الأخيرة عددًا من التحديات في الشرق الأوسط، مما أدى إلى ادعاء النقاد بأنّ رؤية حكومة حزب العدالة والتنمية، «صفر مشاكل» مع الجيران، قد أخفقت . ومع ذلك، كانت علاقات تركيا مع دول البلقان الغربية مغايرة لادعاءات النقاد تمامًا. خلال العقد الماضي، لم تحافظ تركيا على علاقاتها الطيبة وحسن الجوار فقط ، بل عزّزت هذه العلاقات مع الدول في هذه المنطقة كافة.
تهدف هذه المقالة إلى تقديم لمحة عامة عن علاقات تركيا مع دول غرب البلقان خلال حكم حزب العدالة والتنمية. وتجادل بأنه مقارنةً بالتسعينيات، تحسنت العلاقات الدبلوماسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية مع دول المنطقة، على الرغم من أنّ مخاوف تركيا ظلت كما هي إلى حد كبير. وكان هذا التحسن بفضل تلاقي عدة عوامل؛ مثل النشاط الدبلوماسي التركي، والأداء الاقتصادي الناجح للحكومة التركية في مقابل أداء اللاعبين الإقليميين الآخرين، وكذلك تعزيز المجتمع المدني وقطاع الأعمال في تركيا، وتباطؤ أوربة دول البلقان الغربية. وقد لوحظ تحسن العلاقات بشكل لافت على المستوى الاقتصادي والاجتماعي. ومنذ أواخر العقد الأول من الألفية الثالثة فصاعدًا، بذلت الحكومة التركية جهودًا كبيرة لتحويل هذا إلى نفوذ سياسي. ومع ذلك، في أعقاب الربيع العربي، تراجع انخراط تركيا الدبلوماسي في تلك المنطقة. ومع أن النشاط الاقتصادي لتركيا في المنطقة لا يزال في ازدياد، إلا أن فرص بسط المزيد من النفوذ السياسي قد تكون ضئيلة في المستقبل.
سياسة تركيا تجاه غرب البلقان منذ التسعينيات
بعد الحرب الباردة
أظهرت كثير من جوانب السياسة التركية تجاه غرب البلقان استمرارية قوية منذ نهاية الحرب الباردة . وبما أن تركيا ظلّت تقريبًا معزولة عن تلك المنطقة بسبب الستار الحديدي لما يقرب من نصف قرن، فإنها لا تزال تسعى إلى (إعادة) إيجاد مكان لنفسها في منطقة البلقان على مدار عقدين من الزمن. فبما أن تفكّك الكتلة الشيوعية وظهور دول جديدة أدى إلى تغييرات وتحولات سريعة وجذرية في النظم الدولية والإقليمية، وخلقت تحديات وفرصًا جديدة بالنسبة لتركيا، فقد رأى صناع السياسة في أنقرة ضرورة وجود رؤية جديدة تجاه تلك المنطقة . ونظرًا إلى أجواء المرحلة الانتقالية والريبة، رأت تركيا ضرورة التحرك الاستباقي لمنع التهديدات الأمنية، والمساهمة في نشر السلام والاستقرار في المنطقة، وتعزيز أواصر الروابط الاجتماعية والاقتصادية مع دول البلقان، ومناطق أخرى محيطة.
بالإضافة إلى المخاوف الجيوإستراتيجية، دفعت المحفزات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، صناع السياسة التركية في أعقاب الحرب الباردة إلى وضع سياسة جديدة وأكثر نشاطًا في البلقان . وفقًا لذلك، عرضت تركيا إسهاماتها في مجال أمن ورفاهية المنطقة من خلال المشاركة في العمليات الأمنية، ولو بشكل متقطع، كما قدمت مبادرات سياسية للحوار، وأبرمت اتفاقات ثنائية وشجعت التجارة، وقدمت مساعدات تقنية وتعليمية وتنموية. ومع ذلك، فإنّ هذه الجهود لم تؤدِّ إلى إحداث تغيير سريع في مكانة تركيا السياسية والاقتصادية في دول البلقان الغربية. وبينما عرقلت الصراعات والتوترات المتتالية في المنطقة فرص وإمكانية التعاون الدولي، فإنّ المشاحنات السياسية، والأزمات الاقتصادية في تركيا طوال التسعينيات والأوام الأولى من الألفية الثالثة منعت تركيا من استغلال إمكاناتها والاقتصادية والاجتماعية لتجسيد طموحاتها السياسية. وبعبارة أخرى، لا الظروف السياسية في غرب البلقان ولا موارد تركيا السياسية والاقتصادية والاجتماعية سمحت لها بمزيد من الانخراط النشط مع المنطقة.
لكن من حيث العوامل المحلية والدولية والهيكلية، كانت الأعوام الأوائل من الألفية الثالثة نقطة تحول في علاقات تركيا مع دول غرب البلقاةن. في أعقاب حرب كوسوفو عام 1999، أطلق الاتحاد الأوروبي عملية الاستقرار والتضامن مع غرب البلقان، وفي قمة سالونيك عام 2003 عرض التكامل التام. ترى جميع الدول في المنطقة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي أولوية إستراتيجية، لذا أحدث حافز العضوية –نسبيًّا- جوًّا سلميًّا، وأدى إلى خطوات لتطبيع العلاقات بين الدول والمجتمعات. كما مكّنت زيادة الاستقرار حكومات غرب البلقان من التركيز أكثر على الإصلاح الداخلي، والتحرير الاقتصادي، والتعزيز المؤسسي. كل هذه الأشياء خلقت فرصًا جديدة أمام تركيا للانخراط في المنطقة وتعزيز علاقاتها معها. أيضًا تحسين العلاقات التركية اليونانية في مطلع الألفية الثالثة، وضع حدًّا للتنافس الذي طال أمده في منطقة غرب البلقان وجعلهما بدلًا من ذلك تشعران براحة تجاه نهجهما الأمني، وتنخرطان في المنطقة على أساس من الترابط الاقتصادي والقوة الناعمة. في تركيا، بعد سلسلة من الحكومات الائتلافية القصيرة الأجل، والتي استمرت لأكثر من عقد من الزمان، وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في انتخابات نوفمبر 2002، وبدأت حقبة جديدة في السياسة الداخلية التركية. في عهد حكومة حزب العدالة والتنمية كان الاستقرار السياسي والنمو الاقتصادي، والإصلاحات الهيكلية والديمقراطية بمثابة موارد لتركيا، وأمدتها بثقة أكبر في السياسة الخارجية. هذه التغيرات بدورها عزّزت المجتمع المدني ودور اللاعبين في مجال الأعمال، وبدأت هذه الأطراف تلعب دورًا كبيرًا في العلاقات الخارجية لتركيا.
نهج حزب العدالة والتنمية: مفاهيم وديناميات جديدة
منذ البداية، تبنت حكومة حزب العدالة والتنمية نهج أحمد داود أوغلو الطموح في سياستها الخارجية، الذي استثمر جميع الموارد والإمكانيات الجيوإستراتيجية في البلاد، بما في ذلك الموارد الاجتماعية والثقافية والتاريخية. ولا عجب أن البلقان كان من بين المناطق التي أولاها داود أوغلو أهمية كبرى. في كتابه العمق الإستراتيجي (Stratejik Derinlik )، يقدم داود أوغلو وصَفاته فيما يتعلق بسياسة تركيا تجاه البلقان عبر ثلاثة خطوط: أولًا، يرى أنه من أجل بسط النفوذ على المنطقة والحفاظ عليه في زمن السلم وفي حالات التوتر أو الصراع، يجب على تركيا في المقام الأول تعزيز العلاقات مع العناصر المرتبطة بتركيا “تاريخيًّا وعاطفيًّا” (يعني المسلمين) وأن تستدعي التراث الثقافي العثماني التركي إلى الواجهة. ثانيًا، يرى أن موارد تركيا الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية التي يمكنها ربط البلقان بمناطق أخرى قريبة، في غاية الأهمية. فبالنسبة له، التصرف كدولة محورية تربط البلقان بالشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى لن يسهم فقط في نشر السلام والاستقرار في هذه المناطق، ولكن سيعزز من نفوذ تركيا الدبلوماسي. ثالثًا، يرى داود أوغلو أنه من الضروري أن تحبط تركيا نفوذ القوى الخارجية الأخرى في منطقة البلقان من خلال الانخراط بنشاط في الحياة السياسية البينية، وإقامة علاقات أوثق مع جميع الجهات الفاعلة هناك .
بعدما وضع داود أوغلو وجهات نظره الجيوإستراتيجية فيما يتعلق بجوار تركيا القريب، طوّر أفكارًا ومفاهيم جديدة عندما انخرط بنشاط في عملية صنع السياسة الخارجية الجديدة. وكرؤية عامة، قدم مفهوم «صفر مشاكل» مع الجيران، الذي يهدف إلى تقليل الصراعات ،وتعظيم فرص التجارة والاستثمار للشركات التركية . وقد كان هدف هذه الإستراتيجية على المدى الطويل هو تطوير بيئة سلمية وشبكة من الترابط الاقتصادي متمحورة حول تركيا . من الواضح، أن هذا يعني أيضًا موقفًا سياسيًّا مركزيًّا لتركيا، حيث إنّ أي ترابط بين تركيا والدول الأصغر سيكون غير متناظر، وسيكون ضعف وحساسية الطرف الأخير أكبر .
خصيصًا من أجل غرب البلقان، دافع داود أوغلو عن مبدأين أساسيين، أيدتهما رسميًّا أيضًا وزارة الخارجية التركية . الأول هو الملكية الإقليمية، وهو ما يعني أن المشكلات التي تعاني منها أي منطقة يجب حلها بمشاركة وإرادة الجهات المعنية. وليس الهدف من هذا، التحقق فقط من تأثير القوى الخارجية السياسي في المنطقة، ولكن إبعاد منطقة غرب البلقان عن خلافات ومنافسات تلك القوى، والتي كان لها يد في الفتن والتوترات وعدم الاستقرار التي شهدتها المنطقة لقرنين على الأقل. والمبدأ الثاني هو الشمولية، أي مراعاة وجهات نظر جميع الأطراف عند محاولة تسوية النزاعات في المنطقة. وهو ما يعني أنه من خلال الحوار يمكن للجهات الفاعلة الإقليمية إعادة النظر في الترتيبات الحالية التي أدخلتها، وروجت لها جهات خارجية بنظرة أكثر توازنًا لإرضاء الأطراف المعنية مباشرة.
ومع أن الحكومات السابقة كانت قد وضعت مناهج استباقية وتكاملية مماثلة تجاه غرب البلقان، إلا أنها لم تتمكن من تنفيذها بشكل منهجي نظرًا للأسباب المذكورة آنفًا. لكن بأفضل الموارد وزيادة التعاون السياسي والاقتصادي للدولة مع الجهات الفاعلة المدنية والتجارية، تمكنت حكومة حزب العدالة والتنمية من استغلال كل هذه الموارد بشكل فعال وبطريقة عملية. بالإضافة إلى ذلك، وعلى عكس النظرة العامة للسياسة التركية ما بعد الحرب الباردة تجاه البلقان، تضمنت رؤية داود أوغلو عنصرًا رئيسًا، وهو الاستخدام المؤسسي للدين المشترك في الاقتراب من المسلمين في المنطقة. في الواقع، كان وجود مجتمع مسلم كبير يرتبط بالماضي العثماني المشترك عاملًا قويًّا، إن لم يكن أقوى العوامل التي شكلت اهتمام أعضاء حزب العدالة والتنمية وأسلافه في البلقان . أما بالنسبة لتعزيز الهوية الإسلامية وخاصة بين البوشناق والألبان، على أنه إستراتيجية لتسهيل وتسريع وجود تركيا في المنطقة، يشتكي داود أوغلو في العمق الإستراتيجي Stratejik Derinlik من أن الحساسيات والمخاوف العلمانية منعت تركيا من الانخراط في علاقة أقوى مع المسلمين في البلقان، ومِن ثَمّ الاستفادة من الموارد الاجتماعية والثقافية . وفقًا لذلك، في عهد حزب العدالة والتنمية، قامت مؤسسات الدولة بأدوار مهمّة، بنفسها أو بالتعاون مع المجتمع المدني، في مسائل مثل التعليم الديني و(إعادة) بناء المساجد. وفي مقابل توطيد النفوذ التركي الإسلامي، تراجعت التيارات الإسلامية الأخرى في المنطقة، ولاسيما السلفية التي يقوم عليها العرب، والتي لاقت رواجًا في التسعينيات، وعلى الجانب الآخر تعززت الروابط الاجتماعية والثقافية بين المجتمعات المحلية الإسلامية وتركيا. في غضون ذلك، أوضحت الحكومة التركية في مناسبات مختلفة أنها لا تنوي استبعاد غير المسلمين أو دعم مجتمع ديني أو عرقي ضد آخر. كما صرح داود أوغلو في عدة مناسبات، أن تركيا تربطها بجميع دول البلقان “روابط تاريخية واجتماعية وثقافية وإنسانية قوية”، وأكد على التعددية الثقافية . أيضًا الدبلوماسيون والبيروقراطيون الأتراك في المنطقة كثفوا من جهودهم لتطوير العلاقات مع صربيا، والجبل الأسود ومقدونيا سواء على مستوى الفاعلين السياسيين أم على مستوى الشعوب .
جوانب العلاقات خلال عهد حكومة حزب العدالة والتنمية
خلال أعوام العقد الأول من الألفية الثالثة ازدادت معدلات الحوار السياسي والمعاملات الاقتصادية والتفاعلات الاجتماعية والثقافية بين تركيا والمنطقة تدريجيًّا. وأصبحت الزيارات الرسمية، سواء على المستويات العالية أم المنخفضة أكثر كثافة وتتابعًا من قبل، الأمر الذي أدى بدوره إلى إبرام عدد من اتفاقيات التعاون الثنائية في مجالات التجارة والاقتصاد والشؤون الثقافية والتعليمية والصناعية والتقنية، بما في ذلك التجارة الحرة واتفاقات الإعفاء من تأشيرة الدخول.
وقد أسرع تطوران في عام 2008 من النهج التصاعدي في العلاقات بين تركيا ودول البلقان الغربية. أولًا، تأثير الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في دول البلقان الغربية؛ حيث كانت تلك الدول في أشد الحاجة إلى التدفقات الاستثمارية والنقدية. لذا بالنسبة لتلك الدول، أصبحت تركيا التي ظل اقتصادها سالمًا نسبيًّا بالمقارنة مع العديد من البلدان الأوروبية والمتوسطية الغربية، بديلًا للشراكة الاقتصادية. وثانيًا، بسبب كل من الأزمة وعدم إحراز تقدم سريع في الإصلاحات الداخلية في غرب البلقان، فتر حماس الاتحاد الأوروبي في إدماج المنطقة. نتيجة لذلك، بدأت دول البلقان الغربية في البحث عن خيارات سياسة خارجية أخرى. فأصبح تعميق العلاقات السياسية والاقتصادية مع تركيا وسيلة وبديلًا ضروريًّا للسياسة الخارجية. حتى حكومة صربيا، التي كانت حذرة تجاه تركيا منذ بداية التسعينيات، اقترحت شراكة إستراتيجية مع تركيا في مارس 2009.
سياسة تركيا «صفر مشاكل» في غرب البلقان، وطلبات التعاون والتجارة والاستثمارات أتاحت لتركيا الفرصة لتترجم الترابط الاقتصادي إلى نفوذ دبلوماسي . واستجابة لذلك، فإنّ تركيا التي خاب أملها بسبب عدم إحراز أي تقدم في مفاوضات العضوية مع الاتحاد الأوروبي، ضاعفت جهودها ليس لزيادة أنشطتها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية فقط، ولكن لتعزيز نفوذها السياسي في المنطقة.
الدبلوماسية المتزايدة
استثمرت تركيا فترة رئاستها لعملية التعاون في جنوب شرق أوروبا SEECP في الفترة 2009-2010، في تقديم الوساطة والحوار لتسوية النزاعات بين الدول والطوائف في البلقان الغربية. وكان الأكثر نجاحًا بين هذه الجهود محاولات عملية التشاور الثلاثي بين تركيا والبوسنة والهرسك، وصربيا. فبعد أن أخفقت عملية دايتون للسلام والمبادرات اللاحقة للولايات المتحدة وأوروبا في التوصل إلى أي نتائج ملموسة نحو تحقيق سلام دائم في البوسنة والهرسك، أخذت تركيا بزمام المبادرة وجمعت القيادات السياسية الصربية والبوسنية معًا على مائدة المفاوضات. وفي اجتماع القمة الأولى للآلية الثلاثية، وقع رؤساء الدول الثلاث إعلانًا يؤكد سلامة أراضي البوسنة والهرسك، وأكدوا ضرورة الحوار والتعاون المتبادل. وفي أثناء هذه العملية، وجدت تركيا أرضًا مشتركة بين الحكومتين حول مذبحة سربرينيتشا. وبينما حثت الحكومة الصربية على الاعتذار للمسلمين البوسنيين عن هذا الحادث الكارثي، أقنعت تركيا الحكومة البوسنية بقبول الاعتذار على الرغم من أنه لم تُوظَّف كلمة “الإبادة الجماعية” . وأدى هذا بدوره إلى المزيد من الخطوات لتطبيع العلاقات الدبلوماسية بين صربيا والبوسنة والهرسك. وفي قمة أنقرة مايو 2013، وافقت الدول الثلاث على تشكيل لجنة ثلاثية للنهوض بالتعاون الاقتصادي والتجاري بين بعضها بعضًا” .
في غضون ذلك، قادت تركيا آلية التشاور الثلاثي مع البوسنة والهرسك وكرواتيا وعملت أيضًا على تقريب وجهات نظر جميع الأطراف حول بعض القضايا الداخلية في البلقان؛ مثل النزاع بين الطائفتين المسلمتين في صربيا حول التمثيل الرسمي للمسلمين في البلاد والأزمة الحكومية في البوسنة والهرسك في الفترة 2010-2011 . وبينما أطلقت تركيا مبادرات فردية للوساطة والمصالحة، واصلت أيضًا تشجيع المشاركة في المؤسسات المتعددة الجنسيات والبعثات العاملة في غرب البلقان.
ولتحسين الأمن، والاستقرار السياسي، والازدهار الاقتصادي للمنطقة، شجعت تركيا ودعمت تكامل البلقان الغربي التام مع المجتمع الدولي. وأعربت تركيا عن رغبتها في رؤية البلقان “جزءًا لا يتجزأ” من أوروبا بدلًا من كونه دولًا محيطة بالاتحاد ، وبناءً عليه، عرضت الحكومة التركية تقديم الدعم التقني لدول غرب البلقان للوفاء بمعايير الاتحاد الأوروبي. كما دعمت تركيا انضمام البوسنة والهرسك وكذلك الجبل الأسود ومقدونيا إلى حلف شمال الأطلسي. وكذلك عملت تركيا على الاعتراف بكوسوفو والتكامل معها دوليًّا، منذ أن أعلنت استقلالها في فبراير 2008. ومن أجل هذا الهدف قادت “لوبي” ضغط في منظمة التعاون الإسلامي (OIC)، لتشجيع عدد من البلدان الإسلامية على الاعتراف بكوسوفو .
وفي الوقت نفسه، وفقًا لمبدئها “الملكية الإقليمية” أولت تركيا المبادرات الإقليمية بشأن التعاون والاستقرار أهمية قصوى. وشجعت على إضفاء الطابع المؤسسي على عملية التعاون في جنوب شرق أوروبا SEECP وتعزيز دورها وأنشطتها، والقيام تدريجيًّا بمهامّ المؤسسات الدولية وبعثات اللاعبين المحليين والاقليميين. وباتباع هذه السياسة، هدفت تركيا إلى كسر تأثير القوى الخارجية في البلقان وتمكين الجهات الفاعلة الإقليمية، بما في ذلك نفسها، من حل مشكلاتها الخاصة بأنفسها.
كما ذكر سابقًا، ازدياد معدلات زيادة التعاون والترابط الاقتصادي المتبادل مع المنطقة كان من بين الأهداف الرئيسة لتركيا. وفقًا لذلك، بذلت حكومة حزب العدالة والتنمية جهودًا كبيرة لتسهيل الأنشطة التجارية التركية في البلقان. وتضمنت “إستراتيجية التعاون والتنافس الإقليمي” التي تبنتها وزارة الاقتصاد التركية لمنطقة البلقان، إجراء حوار مستمر مع دول البلقان لتسهيل التجارة والاستثمار، والترويج للمنتجات والخدمات التركية، وتوعية أصحاب المشاريع الأتراك بفرص الأعمال، وتشجيع التعاون بين أصحاب المشاريع من الأتراك والمحليين وتوفير الدعم لمؤسسات الأعمال التركية وتمويل المؤسسات العاملة في المنطقة. ومنذ عام 2011، عقدت وزارة الاقتصاد التركية بانتظام مجموعة عمل خاصة بدول البلقان تضم ممثلين عن مختلف المؤسسات العامة والغرف التجارية والمنظمات غير الحكومية لمناقشة العلاقات الاقتصادية مع المنطقة ووضع المزيد من الإستراتيجيات. كل هذه الجهود أسهمت في زيادة الصادرات التركية والاستثمارات الجديدة في غرب البلقان (انظر الجداول2 و3).
ولدفع عجلة التنمية في المنطقة، أرسلت تركيا باستمرار مساعدات تنموية لبلدان غرب البلقان. وبينما أظهرت مخصصات كل بلد تقلبات كبيرة إلى حد ما، إلا أن المبالغ الكلية المرسلة إلى غرب البلقان من سنة 2005 فصاعدًا كانت أكثر بكثير من ذي قبل (الجدول1).
الجدول1: المعونة الرسمية التركية للتنمية (الإجمالي، مليون دولار)
2002 2003 2004 2005 2006 2007 2008 2009 2010 2011 2012
ألبانيا 1,67 0,45 4,71 6,98 7,14 4,30 4,37 8,61 7,75 3,58 7,89
البوسنة والهرسك 6,42 0,66 5,79 18,62 25,19 15,86 15,92 32,75 25,90 17,94 21,30
كرواتيا 0,02 0,03 0,53 3,21 0,68 0,85 0,52 0,13 22,13 …. …
كوسوفو … … … … … … … 20,63 22,13 22,38
مقدونيا 0,52 0,32 4,09 6,57 5,17 9,18 9,86 6,00 28,28 6,76 12,08
الجبل الأسود … … …. … 1,46 1,19 5,25 2,82 10,10 2,87 2,75
صربيا … 0,21 0,51 4,07 0,03 1,88 31,01 3,33 3,75 3,91 6,03
الدول اليوغسلافية السابقة (غير محددة) 0,04 0,86 12,65 16,23 16,15 25,54 … … … … …
الإجمالي 8,67 2,53 28,28 55,68 55,82 58,80 66,93 74,27 98,33 57,44 70,05
المصدر: منظمة التعاون والتنمية OECD
المشاريع الاجتماعية والثقافية
واستجابة لدور القوى الاجتماعية المتنامي وقوة وأهمية إدارة التصور في العلاقات الدولية ، طورت ووظفت حكومة حزب العدالة والتنمية أدوات الدبلوماسية العامة والقوة الناعمة . وبالإضافة إلى الديناميات الدبلوماسية والاقتصادية، قامت بتنفيذ مشاريع اجتماعية وثقافية مختلفة في غرب البلقان. وكان للمؤسسات العامة دور في هذا الجانب من سياسة تركيا في البلقان:
وكالة التنمية والتعاون التركي (تيكا TİKA): هذه الوكالة مسؤولة عن تقديم الدعم التنموي والمشاريع الاجتماعية والثقافية في الخارج. وهي من بين أبرز ممثلي السياسة الخارجية لتركيا في البلقان الغربية، تعمل تقريبًا على أنها مؤسسة دبلوماسية موازية مسؤولة عن الجوانب الاجتماعية والاقتصادية لسياسة تركيا. وتقدم خدماتها إلى كل دول المنطقة الست. ومن بين مهامّها تنفيذ المشاريع التنموية، وخاصة في مجالات التعليم والصحة والزراعة، كما توفر الدعم لمشاريع البلديات، وترميم المباني والقطع الأثرية العثمانية وتنسيق أنشطة المنظمات التركية غير الحكومية والمحلية. وبينما يركز الجزء الأكبر من مشاريع التطوير على المجتمعات الإسلامية، تنفذ الوكالة أيضًا مشاريع لغير المسلمين على حد سواء لأسباب إنسانية ولتعزيز صورة تركيا .
رئاسة المواطنين الأتراك ومن في عدادهم في الخارج (YTB): أُسِّست في عام 2010 بوصفها مؤسسة عامة تابعة لرئاسة الوزارة. وبالإضافة إلى تقديم المساعدة للمواطنين الأتراك الذين يعيشون في الخارج، فإنّ مهمّتها أيضًا تعزيز علاقات تركيا الاقتصادية والثقافية، والتعليمية مع المجتمعات التركية والقريبة من الأتراك” . ومن بين المهامّ الرئيسة لهذه المؤسسة دعم وتنسيق المنظمات غير الحكومية وتوفير الأنشطة والمنح الدراسية للطلاب الدوليين. ويمكن للطلاب من دول البلقان الالتحاق بعدد من برامج المنح الدراسية المختلفة، ومنها منحة تقبل طلبات مواطني هذه المنطقة فقط.
رئاسة الشؤون الدينية (Diyanet): هذه المؤسسة مهمتها الأساسية توفير الخدمات الدينية والتعليمية وفقًا للأيديولوجية العلمانية للجمهورية التركية، وتعد قناة أخرى للعلاقات الخارجية التركية عن طريق إقامة اتصالات مع المجتمعات الإسلامية في الخارج. وقد كثفت رئاسة الشؤون الدينية من الحوار والتعاون مع المجتمعات الإسلامية في البلقان الغربية خلال عهد حزب العدالة والتنمية. وبفضل الدعم المالي، قامت هذه المؤسسة بدعم التعليم الديني في المنطقة، وشاركت في بناء وترميم المساجد.
معهد يونس أمره: أُسّس في عام 2007، معهد يونس أمره هو المسؤول عن تعزيز اللغة والثقافة التركية في الخارج. تعمل في غرب البلقان ثمانية فروع من مجموع 23 فرعًا، كما سيتم افتتاح فرعين جديدين قريبًا . وفي غضون بضع سنوات فقط من عمل المعهد بفروعه في المنطقة، أصبحت اللغة التركية محط اهتمام الكثيرين، ولاسيما في البوسنة والهرسك، حيث أصبحت التركية لغة اختيارية في المدارس الثانوية .
البلديات: تقوم عدد من البلديات في تركيا بتنظيم أنشطة اجتماعية وثقافية وتقدم مساعدات إنسانية، كما تقوم بأعمال بناء ومشاريع تجديد في منطقة البلقان الغربية، معظمها في أماكن تتسم بوجود روابط تاريخية أو اجتماعية مع السكان أو المناطق التي يقطنها الأتراك أو المسلمون.
مساهمة الجهات غير الحكومية
دينامية تركيا في البلقان الغربية تعود لانخراط المؤسسات التركية المدنية وقطاع الأعمال التركي على مدار عقدين. فأنشطتهم التي تدعمها الحكومة في كثير من الأحيان، لعبت دورًا مهمًّا في تعزيز العلاقات الاقتصادية والاجتماعية بين الشعوب في تركيا والبلقان، وتحسين صورة تركيا هناك.
أ. المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية
قبيل التسعينيات، كانت الدولة وحدها في تركيا تخطط للعلاقات الخارجية، ليس فقط لأن المجتمع المدني كان ضعيفًا جدًّا وغير راغب في الإسهام في السياسة الخارجية، ولكن أيضًا لأن الدولة لم تكن مستعدة أو مرحبة بمثل هذا الإسهام. ومع ذلك، تغير هذا الموقف بسرعة في أعقاب الحرب الباردة. وخاصة بعد أن زادت حرب البوسنة من وعي المجتمع التركي بالبلقان؛ وأقامت المنظمات غير الحكومية بالتعاون مع بعض البلديات مؤتمرات . ومنذ أوائل التسعينيات فصاعدًا، ازدادت أعداد جمعيات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في تركيا وغرب البلقان، وانتشرت تدريجيًّا في جميع أنحاء المنطقة. تنتمي هذه المنظمات والجمعيات إلى جماعات دينية، وتقوم بالعديد من الأنشطة الخيرية، وبخاصة في مجال التعليم. فقامت بإنشاء الجامعات والعشرات من المدارس الابتدائية والثانوية، وتقديم المنح الدراسية للطلاب من جميع المستويات. كذلك قامت بمجموعة واسعة من المشاريع الاجتماعية والثقافية. كما انخرطت في الجهود التعاونية مع مؤسسات الدولة: مثل تيكا، ورئاسة المواطنين الأتراك ومن في عدادهم في الخارج YTB، ومركز يونس أمره YEE، هذه الجمعيات والمنظمات قامت عادة بأنشطتها بشكل فردي ووفقًا لرؤيتها الخاصة بها وجداول أعمالها.
ب. رجال الأعمال والشركات
بعد سقوط الأنظمة الشيوعية، أصبح رجال الأعمال الأتراك أكثر اهتمامًا بالمنطقة، حيث اتجهت دول البلقان بسرعة نحو سباق التحرر من خلال فتح أسواقها لرؤوس الأموال الأجنبية والخصخصة التدريجية للشركات المملوكة للدولة. لكن بسبب بطء وتيرة التحرير في غرب البلقان ونقص موارد وخبرات الشركات التركية للمنافسة في الساحة الدولية، ظلت الاستثمارات التركية الجديدة والتبادل التجاري محدودين، سواء من الناحية الجغرافية أم من ناحية حجمهما خلال التسعينيات. وفي السنوات التالية، بفضل وتيرة التحرير السريعة في المنطقة وفقًا لمتطلبات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والنمو الاقتصادي وديناميات الأعمال في تركيا، وإبرام اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية، وتشجيع الحكومات، ازدادت الأنشطة التجارية التركية في غرب البلقان وأصبحت الاستثمارات الجديدة والتجارة أكثر تنوعًا من حيث الجغرافية والقطاعات. ونتيجة لذلك، فإنّ حجم التجارة بين تركيا ودول البلقان الغربية ارتفع بنسبة 307 في المئة بين عامي 2002 و2012.
الجدول 2: التجارة الخارجية لتركيا مع دول البلقان (مليون €)
2002 2008 20012 2002 -2012 2008- 2012
الدولة الصادرات الواردات الصادرات الواردات الصادرات الواردات نسبة تغير الصادرات% نسبة تغير الواردات% نسبة تغير الصادرات% نسبة تغير الواردات%
ألبانيا 84,1 4,3 207,6 24,2 198,6 77,4 +211,7 +1800,0 -4,3 +219,8
البوسنة والهرسك 45,6 6,8 382,1 16,8 195,8 86,5 +329,4 +1272,1 -48,8 +414,9
كرواتيا 45,5 10,1 224,8 71,8 155,7 162,8 +242,2 +1611,9 -30,7 +126,7
كوسوفو … … 190,5 3,5 198,3 7,1 … … 4,1 +102,9
مقدونيا 106,8 15,9 201,7 19,9 213,7 79,7 +100,1 +501,3 5,9 +300,5
الجبل الأسود … … 32,7 1,0 22,7 13,9 … … -30,6 +1290,0
صربيا … … 310,2 41,6 296,0 160,5 … … -4,6 +285,8
يوغوسلافيا 128,9 11,4 … … … … +301,1* +1592,1* … …
الإجمالي 410,9 48,5 1549,6 178,8 1280,8 587,9 +211,7 +1112,2 -17,3 +228,8
المصدر: معهد الإحصاء التركي
(*المبلغ الكلي للتجارة مع كوسوفو والجبل الأسود وصربيا لعام 2012).
حتى عام 2004، كان تدفق استثمار تركيا الأجنبي المباشر (FDI) إلى البلقان محصورًا على بلغاريا ورومانيا. لكن منذ ذلك العام فصاعدًا، بدأت الاستثمارات التركية الجديدة في التدفق على غرب البلقان أيضًا، بسبب سرعة وتيرة التحرير في هذه البلدان والاتفاقات الثنائية مع تركيا. أيضًا بينما كانت حكومات غرب البلقان تدعو وترحب بالاستثمار الأجنبي لتشجيع اقتصاد ليبرالي وتنافسي، الذي هو من بين المعايير الرئيسة لعضوية الاتحاد الأوروبي، كانت الشركات التركية تسعى إلى الاستفادة من الثغرات الموجودة في الأسواق والصناعة، وعدم وجود تدفق حر لرؤوس الأموال والعمالة بين هذه الدول وأوروبا. حاليًّا هناك أكثر من 1000 شركة تركية تعمل في البلقان بإجمالي استثمارات 4.9 مليار دولار . وبدءًا من عام 2011، كانت تركيا خامس دولة تمتلك أكبر حصة في الاستثمار الأجنبي المباشر في ألبانيا ، في حين أنه بدءًا من مارس 2013 كانت تركيا أكبر ثالث بلد لديه استثمارات في كوسوفو بعد سلوفينيا وألمانيا . أما حصة الأسهم التركية في باقي دول البلقان فهي أقل نسبيًّا.
وقد تنوعت الاستثمارات التركية الجديدة في دول البلقان الغربية في مختلف القطاعات؛ ومنها القطاعات الإستراتيجية، مثل الاتصالات السلكية واللاسلكية والطاقة والنقل والتمويل. وبعض مرافق المطارات التي بناها أو تديرها شركات تركية، ومنها مطارا سكوبي وبرشتينا الدوليان . وشركة الاتصالات العامة بألبانيا ألب تيليكوم ALBtelecom التي حصلت عليها شركة تركية في عام 2007. أيضًا البنوك التركية ظلت تعمل في دول البلقان الغربية منذ أوائل التسعينيات وأصبحت أكثر نشاطًا خلال السنوات الأخيرة . بعض الشركات التركية والاتحادات- قامت بمشاريع تشييد وإسكان واسعة، في حين يعمل عدد أكبر من الشركات التركية الصغيرة في قطاعات التصنيع والخدمات.
الجدول 3: تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر سنويًّا من تركيا (مليون دولار)
2008 2009 2010 2011 2012
ألبانيا 3 0 3 5 5
البوسنة والهرسك 10 21 61 22 7
كرواتيا 0 15 3 47 103
كوسوفو 17 11 4 26 53
مقدونيا 1 0 8 71 12
الجبل الأسود 6 0 4 0 0
صربيا 22 3 3 0 7
الإجمالي 59 50 86 171 187

المصدر: البنك المركزي التركي، إحصائيات وكالة كوسوفو. تم تحويل أرقام كوسوفو من اليورو إلى الدولار الأمريكي وفقًا للمعدلات السنوية المقدمة من قبل مصلحة الضرائب.
وبينما يوضح العديد من المراقبين والسياسيين في المنطقة أن تركيا لم تستغل إمكاناتها الصناعية والاقتصادية في المنطقة بعد، وأنها تتوقع المزيد من الاستثمارات والتجارة ، إلا أن التقدم في النشاط الاقتصادي التركي في غرب البلقان في العقد الماضي مثير للإعجاب. لكن على كل حال، الوجود الاقتصادي التركي جديد نسبيًّا بالمقارنة مع كبار المستثمرين والشركاء التجاريين في المنطقة، كما أن سرعة الاستثمارات والتجارة الخارجية تعتمد على عدد من العوامل المختلفة بما في ذلك الحسابات الرشيدة للشركات والشروط السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن اللوائح الموجودة في البلدان المستقبلة. ولتفادي حدوث أزمة اقتصادية أو مالية غير متوقعة في تركيا، فمن المتوقع أن تستمر السلع التركية في التدفق إلى اقتصاد المنطقة.
باختصار، المجتمع المدني ورجال الأعمال والجهات الفاعلة، قامت بلعب دور مهمّ في تعزيز موقف تركيا في دول البلقان الغربية. فأنشطتهم وزيادة التعاون مع المؤسسات العامة قامت بدور مهمّ في تطوير وتنفيذ أكبر المشاريع، فضلًا عن الاختراق السريع والكبير لرجال الأعمال الأتراك في المنطقة. كل هذا عزز الروابط الاجتماعية والثقافية، والاقتصادية بين تركيا ودول البلقان الغربية.
تداعيات السياسة: تقييم عصر «صفر مشاكل»
خلافًا للادعاءات التي تقول إنّ رؤية السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية «صفر مشاكل» مع الجيران قد أخفقت، فإنّ علاقات تركيا مع غرب البلقان – كانت في عصرها الذهبي منذ سنة 2005. وخلال هذه السنوات، تعمقت العلاقات المشتركة بين الحكومات، وتضاعف حجم التجارة، وقويت العلاقات الاجتماعية، وأصبحت صورة تركيا في أعين الناس في البلقان أكثر إيجابية من أي وقت مضى. لكن بالتأكيد، وجود بعض المشكلات والتوترات الطفيفة مع الدول والمجتمعات المجاورة أمر طبيعي، وقد كانت هناك بعض الخلافات البسيطة بين تركيا وحكومات دول البلقان الغربية. ومع ذلك، كما يشير داود أوغلو ، فإنّ «صفر مشاكل» من حيث المبدأ كان وسيلة “للقضاء على الحواجز التي تحول دون إعادة تكامل تركيا مع جيرانها و”تعزيز فرص التعاون” . وفقًا لذلك، تم تجنب المشاجرات وتضارب المصالح، أو تم تنحيتها جانبًا إذا كانت موجودة بالفعل، وبذلت الجهود من أجل التفاهم والتعاون المتبادل في مجالات بديلة. وإذا تم تقييم العلاقات التركية مع دول غرب البلقان من هذه الناحية، فإنه يمكن القول إن تركيا قد نفذت بنجاح إستراتيجية «صفر مشاكل» في هذه المنطقة حتى الآن. وبينما لم تحدث أي أزمة خطيرة بين تركيا وحكومات دول البلقان الغربية في السنوات الأخيرة، تعززت العلاقات الاقتصادية وتحسنت صورة تركيا إلى حد كبير – ربما باستثناء ألبانيا (الجدول رقم4) . علاوة على ذلك، ازداد الاهتمام بالثقافة التركية ، وعلى الرغم من بعض التقلبات العابرة، زار عدد كبير من السياح من دول المنطقة تركيا في السنوات الأخيرة (الجدول5).
الجدول 4: موقف الجمهور تجاه تركيا (٪)
2008 2011
ودية عدائية ودية عدائية
ألبانيا 80,0 0,5 69,2
البوسنة والهرسك 41,0 20,8 51,6 8,6
كرواتيا 23,4 9,1 33,5 3,4
كوسوفو 79,3 3,3 92,792,7 1,0
مقدونيا 77,9 1,5 70,3 1,0
الجبل الأسود 22,2 9,2 30,4 9,6
صربيا 12,9 22,822,8 17,4 19,0

الجدول 5: زيارات مواطني غرب البلقان لتركيا
1997 2002 2007 2012
ألبانيا 31.508 29.221 57.601 59.565
البوسنة والهرسك … 32.490 50.437
كرواتيا … 14.826 29.470 47.144
كوسوفو … … … 70.156
مقدونيا … 120.989 93.705 137.579
الجبل الأسود … … … 16.559
صربيا … … … 157.568
الإجمالي 182.233 385.653 368.313 550.422
المصدر: وزارة الثقافة والسياحة التركية
في غرب البلقان، التزمت حكومة حزب العدالة والتنمية بعقيدة «صفر مشاكل». سياسيًّا، أعطت تركيا الأولوية لخدمة السلام والاستقرار، وتكثيف التعاون الإقليمي وحل النزاعات من خلال الحوار. واقتصاديًّا، هدفت إلى زيادة صادراتها واستثماراتها ولجأت إلى ابرام اتفاقات ثنائية لتعزيز التجارة. كما استغلت الحكومة التركية أيضًا على نطاق واسع أدوات القوة الناعمة لتعزيز التعاون ولتحسين صورتها. لجميع هذه الأسباب، سعت الحكومة لتسهيل وتشجيع أنشطة المجتمع المدني والجهات الفاعلة الأعمال.
وقد لاقت عقيدة «صفر مشاكل» حتى الآن نجاحًا في غرب البلقان بالمقارنة مع المناطق الأخرى المحيطة، وبخاصة الشرق الأوسط. وهذا بسبب حقيقة أن تجسيد رؤى وإستراتيجيات السياسة الخارجية يتجاوز القدرات، ويعتمد على الظروف الدولية والإقليمية. في الشرق الأوسط، الديناميات الداخلية والعوامل الهيكلية والظرفية، مثل الثورات العربية التي لم تكن متوقعة والحرب الأهلية التي طال أمدها في سوريا، والتحالفات بين القوى الإقليمية والعالمية أدت إلى موقف غير متوقع لتركيا. فيما يتعلق بغرب البلقان، استفادت تركيا من اهتمامات وأهداف دول المنطقة في ذلك الوقت، فضلًا عن مساهمة المنظمات الدولية للاستقرار الإقليمي.
مع أن الديناميات الاجتماعية والسياسية للمنطقة ظهرت على السطح بعد نهاية الحرب الباردة، إلا أن غرب البلقان ظل إلى حد كبير تحت تأثير بعض القوى الدولية. ومن أجل وقف المأساة الإنسانية وإيجاد حل لعدم الاستقرار السياسي الناجم عن حروب البوسنة وكوسوفو، أولًا انخرطت الولايات المتحدة ثم الاتحاد الأوروبي في السياسة الإقليمية. خصوصًا عمل الأخير على تحقيق الاستقرار الدائم في منطقة البلقان الغربية وتكاملها مع المجتمع الدولي من خلال حوافز عضوية الاتحاد الأوروبي. هذه الجهود التي استمرت منذ السنوات الأولى من الألفية الثالثة، كان لها بالغ الأثر في اختيارات الفاعلين السياسيين، ومن ثَمّ في السياسة المحلية والدولية على حد سواء في منطقة البلقان الغربية. بالإضافة إلى ذلك، عزز الاتحاد الأوروبي من مكانته كلاعب رئيس في جغرافية البلقان بعضوية كل من بلغاريا ورومانيا ومؤخرًا كرواتيا.
وبما أن دول البلقان الغربية محاطة بالاتحاد الأوروبي، فليس لديها رؤية سياسية بديلة للتكامل مع المؤسسات الأوروبية الأطلسية، وبخاصة مع الاتحاد الأوروبي. هذا الهدف المشترك لعب دورًا رئيسًا في الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة. وبينما أصبحت التوترات السياسية والعرقية والدينية أقل بكثير مما كانت عليه في التسعينيات، فإنّ الحوار والتعاون بين الجهات الفاعلة الإقليمية ازداد بشكل ملحوظ. ولم يؤثر هدف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي فقط في العلاقات بين الدول، ولكن أثر أيضًا في السياسة الداخلية لبلدان غرب البلقان، حيث أصبحت الحكومات تحترم مبدأ الحكم الرشيد العادل أكثر مما مضى، واقتربت البرامج السياسية والاقتصادية للفصائل السياسية المتنافسة إلى حد كبير. كل هذه التطورات عززت السلام والاستقرار في منطقة غرب البلقان. أما تركيا، فمن ناحية قامت بدعم وتشجيع عمليات التكامل، ومن ناحية أخرى استفادت من حالة الهدوء لتعزيز علاقاتها الاجتماعية والاقتصادية. وبفضل عدم وجود أزمات في المنطقة، تجنبت تركيا الانقسامات والمواجهات الحادّة، وأيضًا من خلال سياسة متوازنة وتعاونية حافظت على علاقات جيدة مع جميع الحكومات في المنطقة.
كما كانت الظروف الاقتصادية في السنوات الأخيرة لصالح تركيا. فبينما استطاعت تركيا الحفاظ على انضباطها المالي وتقدمها الاقتصادي في ظل حكم حزب العدالة والتنمية، فإنّ الأزمة المالية والصعوبات الاقتصادية المصاحبة في منطقة اليورو وفي اليونان بوجه خاص، والتي تطمح في أن تكون قوة إقليمية أخرى، فتحت فرصًا جديدة أمام المستثمرين الأتراك، وازدادت طلبات دول غرب البلقان للتعاون الاقتصادي الأوثق مع تركيا . تقريبًا جميع الجهات السياسية الفاعلة في دول غرب البلقان الستة، بغض النظر عن إيديولوجياتهم السياسية، عبروا عن استعدادهم للتعاون مع تركيا في المسائل الاقتصادية .
هل العصر الذهبي في تراجع؟ التحديات وأوجه القصور
على الرغم من التقدم الكبير في علاقات تركيا مع دول غرب البلقان، إلا أن مستقبل هذا الاتجاه غير واضح إلى حد ما. في الواقع، تباطأ النشاط الدبلوماسي لتركيا في البلقان الغربية بعد اندلاع الربيع العربي والأزمات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط لاحقًا. فبسبب الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والإنسانية ركزت السياسة الخارجية التركية في السنوات القليلة الأخيرة على شؤون الشرق الأوسط. نتيجة لتراجع اهتمام تركيا بسياسة البلقان ولعوامل أخرى، لم تحرز المبادرات الدبلوماسية التي أطلقتها تركيا قبل سنوات قليلة اي تقدم كما كان متوقعًا. الآلية الثلاثية بين تركيا والبوسنة والهرسك، وكرواتيا ارتدت بسبب انضمام كرواتيا إلى الاتحاد الأوروبي. وبدءًا من عام 2011 فصاعدًا، لعب الاتحاد الاوروبي دورًا كبيرًا في عملية التطبيع بين صربيا وكوسوفو، من دون أن يترك لتركيا مجالًا للقيام بدور الوساطة. ولم يتم التوصل إلى حل لمشكلة القيادة الإسلامية في صربيا نظرًا لعدم رغبة جانبي النزاع في تقديم تنازلات، كما أن وساطة تركيا بين الجانبين لم تسفر عن أيّ نتائج سوى خيبة أمل الطرفين . أخيرًا، فإنّ عملية الحوار الثلاثي، التي تضم البوسنة والهرسك وصربيا توقفت بعد أن أعلن الرئيس الصربي في ديسمبر 2013 أنه لن يحضر الاجتماع المقبل للآلية . هذا القرار كان رد فعل على خطاب ألقاه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في كوسوفو في أواخر أكتوبر 2013، وجاء فيه أن “كوسوفو هي تركيا، وتركيا هي كوسوفو” للتعبير عن الروابط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلدين . الحكومة الصربية، التي عَدّت هذه الكلمات إهانة لسيادة صربيا، طلبت اعتذارًا رسميًّا من تركيا، وقررت إلغاء عدد من الاتفاقات الثنائية الصغيرة وتعليق الحوار الدبلوماسي الرفيع المستوى مع تركيا.
مع أن خطاب أردوغان في كوسوفو كان على ما يبدو سبب فتور العلاقات مع صربيا، إلا أنه بالنسبة للكثير من الصرب كان القشة التي قصمت ظهر البعير. فعلى الرغم من التحسن الملحوظ في العلاقات الثنائية وتحسن صورة تركيا في صربيا، إلا أن الحكومة الصربية، والأحزاب السياسية والرأي العام لم يشعروا بالارتياح بسبب الضغوط التركية للاعتراف باستقلال كوسوفو، فضلًا عن الحوار التفضيلي للمسلمين والدعم للبوشناق في البوسنة والهرسك . كل هذه الأشياء بالإضافة إلى الإشارات المتكررة للسياسيين الأتراك إلى “الأخوة” التي تجمعهم بالمسلمين في سراييفو، وسكوبي، وكوسوفو، أدت إلى تزايد شكوك الصرب نحو تركيا، ولاسيما بين القوميين والمحافظين الصرب، سواء في صربيا أم خارجها، واعتقدوا أن “حزب العدالة والتنمية ينتهج “العثمانية الجديدة neo-Ottomanism”، وهي مزيج من القومية الإسلامية والتوسع في البلقان . وهكذا عرقلت المخاوف من “العثمانية الجديدة” تعميق العلاقات السياسية مع صربيا. أيضًا على الرغم من تحسن صورة تركيا في السنوات الأخيرة في البلقان، إلا أن جزءًا لا بأس به من غير المسلمين في البلقان الغربية لا يزالون يرون أن تركيا بلد غير صديق .
سواء أكانت تركيا قادرة أم غير قادرة على تعظيم موقف قوتها المالي والاستقرار في سياق الأزمة الاقتصادية فإنّ هذا الأمر مشكوك فيه. كما رأينا في الجدول2 فيما سبق، في حين أن حجم التجارة بين تركيا ودول البلقان الغربية تزايد بشكل مستمر منذ عام 2002، إلا أنه لم يكن ثابتًا. بين عامي 2008 و2012، على الرغم من الزيادة في واردات تركيا من المنطقة، انخفضت كمية الصادرات التركية بنحو 17 في المئة، بما في ذلك انخفاض كبير في الصادرات إلى البوسنة والهرسك، والجبل الأسود، وكرواتيا. ومع أن الأسباب الرئيسة لهذا التراجع يرجع إلى الانكماش السريع في اقتصادات دول غرب البلقان، فإنّ تركيا التي كانت أقل تأثرًا بالأزمة بالمقارنة مع العديد من الشركاء التجاريين، كان بإمكانها الاستفادة أكثر من الظرف الاقتصادي وتوسيع حصتها في الأسواق الإقليمية. يوضح الجدول رقم6 هذا، باستثناء كوسوفو ، فتركيا لم تصبح مصدرًا رئيسًا لأي بلد في غرب البلقان. وبينما تَعُدّ أيّ زيادة في حجم التجارة بين تركيا ودول البلقان الغربية أن الترابط الاقتصادي يتعزز بين هذه الدول، فإنه لابد من ملاحظة أنه من المرجح أن يجد المصدرون الأتراك المزيد من المنافسين في المنطقة، حيث إنّ آثار الأزمة الاقتصادية العالمية ستتلاشى. وبالمثل، فبمجرد تعافي الاقتصادات الأوروبية من الأزمة الحالية، فإنّ على المستثمرين الأتراك الدخول في منافسة شرسة مع نظرائهم الأوروبيين، بالإضافة إلى غيرهم من دول مثل روسيا والصين والإمارات العربية المتحدة وأذربيجان، الذين يهتمون بالمنطقة. في هذه الحالة، فإنّ ضمان مكانة اقتصادية قوية في البلقان الغربية، ربما يصبح مهمة أكثر صعوبة بالنسبة لتركيا في المستقبل.
الجدول6: النسبة المئوية لحصة تركيا في التجارة الخارجية لبلدان غرب البلقان (2012)
الواردات الصادرات
ألبانيا 5,7 4,7
البوسنة والهرسك 3,5 2,5
كرواتيا 1,3 1,3
كوسوفو 8,0 4,1
مقدونيا 4,9 2,2
الجبل الأسود 2,3 3,9
صربيا 2,1 1,7

المصدر: المفوضية الأوروبية، وكالة إحصائيات كوسوفو، مكتب الجبل الأسود الإحصائي
من بين التحديات الأخرى المحتملة أمام تركيا حقيقة أن دول غرب البلقان لا تزال عرضة للاستقطاب والنزاع. فبينما ساد الاستقرار بشكل عام في المنطقة منذ نهاية التسعينيات، إلا أن التنافس مستمر بين الجماعات المختلفة ولا تزال ذكريات الحرب ماثلة في الأذهان. لذا فإنه من السابق لأوانه القول بأنّ احتمال نشوب نزاع قد اختفى تمامًا. على العكس من ذلك، وفقًا لاستطلاع أجراه مركز غالوب في سبع دول في البلقان الغربية في عام 2012، فقد توقع ربع المشاركين تقريبًا نشوب نزاع مسلح في المنطقة في غضون خمس سنوات . عمومًا، لقد نعمت الحكومة التركية بمناخ من الاستقرار في المنطقة لتعميق العلاقات المتعددة الأطراف وممارسة القوة الناعمة، وحرصت على عدم الانحياز علنًا إلى طرف إقليمي ضد آخر. حتى لو انحازت نحو أحد الأطراف في أي نزاع إقليمي، فإنها حرصت على عدم إقصاء أو تنفير الطرف الآخر وحثت كلا الجانبين على الحوار. ونتيجة لذلك، ظلت علاقات تركيا إلى حد كبير جيدة مع جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة. وفي حالة وجود أزمة سياسية واسعة النطاق أو صراع، فإنّ اعتبارات تركيا الأخلاقية والإستراتيجية قد تحملها على اتخاذ موقف معين، كما فعلت مؤخرًا في الشرق الأوسط . لذا عدم تفعيل إستراتيجية «صفر مشاكل» في غرب البلقان يمكن أن يؤدي بدوره إلى انخفاض حاد في علاقات تركيا مع بعض الجهات الفاعلة في المنطقة وإشعال المشاعر المعادية لتركيا والدعاية.
الخاتمة
تقييم السياسة الخارجية لتركيا في ظل حكومة حزب العدالة والتنمية بصفة عامة، يبين أن دول غرب البلقان كانت قصة نجاح للسياسة التركية، وبرهنت على مدى فاعلية إستراتيجية داود أوغلو «صفر مشاكل» في إطار بيئة دولية مستقرة. ويرجع هذا جزئيًّا إلى وجود ظروف سياسية واقتصادية مواتية، وإلى نهج الحكومة المتوازن والتعاوني. وبما أنه لم تحدث أزمات واسعة النطاق في منطقة غرب البلقان على مدار العقد الماضي، فقد استطاعت تركيا تجنب حدوث انقسامات ومواجهات حادة، في الوقت الذي أتاح فيه الوضع الاقتصادي في المنطقة فرصًا جديدة للشركات التركية. في ظل هذه الظروف، فضلت الحكومة التركية التعاون والحوار على المواجهة والاستقطاب. ومع أن الدوافع على أساس الهوية كانت دائمًا حاضرة في انخراط تركيا في دول غرب البلقان، إلا أن الحكومة كانت حريصة على الحفاظ على النهج المتوازن، مؤكدة الروابط والعلاقات التاريخية والدينية مع المنطقة من دون التخلي عن المصالح الاقتصادية. كما أنها أيضًا سعت إلى المساهمة في حفظ السلام والنظام، وحل النزاعات، وتحقيق الإصلاحات الهيكلية وتطوير المنطقة بأسرها. ومن هنا، استطاعت تركيا دفع علاقاتها إلى الأمام مع مجموعة كبيرة من الجهات الفاعلة، واستطاعت تحسين صورتها وتعزيز موقفها الاقتصادي في منطقة البلقان الغربية.

وفي مطلع العقد الحالي، ظهر أن تركيا تكتسب دورًا سياسيًّا أقوى في غرب البلقان، بسبب نشاطها وتراجع اهتمام الاتحاد الأوروبي بالمنطقة. وعلى عكس التوقعات، فإنّ نفوذ تركيا السياسي وقدرتها على التأثير في السياسة الإقليمية قد زاد بشكل ملموس. لكن لا المبادرات الإقليمية لتركيا، ولا دعواتها لتعزيز الدور السياسي ودور عملية التعاون في جنوب شرق أوروبا SEECP قد أسفرت عن أيّ نتائج مهمّة. وعلاوة على ذلك، فإنه على مدار السنوات القليلة الماضية، حولت مشاغل السياسة الخارجية الأخرى تركيز تركيا بعيدًا عن غرب البلقان، وأصبح من الصعوبة التنبؤ بما إذا كانت ستستأنف نشاطها هناك مرة أخرى في المستقبل القريب أم لا. وبالنظر إلى أن عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لبلدان غرب البلقان تتواصل، وأن آفاق عضوية تركيا لا تزال في طي النسيان، لذا من المرجح أن يظل النفوذ السياسي لتركيا على غرب البلقان محدودًا. في ظل هذه الظروف، سيكون من الحكمة لتركيا الحفاظ على نهجها المتوازن «صفر مشاكل» و(إعادة) إيجاد مكان لنفسها من الناحية الاقتصادية والثقافية مستفيدة من عضويتها في حلف شمال الأطلسي والمؤسسات الدولية والإقليمية الأخرى كمصدر للسلطة السياسية والنفوذ.
وأخيرًا، فإنه ينبغي تأكيد أن مكانة تركيا في غرب البلقان على المدى الطويل ستعتمد إلى حد كبير على درجة الثقة والمصداقية . بناءً على استطلاعات الرأي العام، فإنّ الزيادة في الأنشطة الثقافية والتعليمية والسياحية تدل على أن الصورة التركية في غرب البلقان تتحسن، وعمومًا على الدولة التركية والجهات الفاعلة غير الحكومية الحفاظ على هذا الاتجاه الإيجابي. لكن على الرغم من ذلك، سيستمر انعدام الثقة والشكوك نحو تركيا، وخاصة بين غير المسلمين، إذا استمر المسؤولون الأتراك في الخطابات العاطفية التي تعزف على وتر الماضي العثماني أو إذا تخلت تركيا عن النهج المتوازن تجاه المنطقة. ومن الممكن أيضًا أن تفقد تركيا أيضًا مصداقيتها، حتى بين المسلمين، إذا قطعت السلطات التركية، والجهات المدنية ورجال الاعمال وعودًا تتجاوز قدراتهم . ومن ناحية أخرى، فإنّ الشعور القوي بالثقة والمصداقية، سيضمن لتركيا علاقات وثيقة مع دول غرب البلقان ويضع حجر الأساس للتكامل الإقليمي الذي تسعى تركيا لتحقيقه.