19-k

كلمة رئيس التحرير العدد 19 الانقلاب الفاشل في تركيا

كلمة رئيس التحرير

مثًل الانقلاب الفاشل الأخير في تركيا مرحلة فارقة ومفصلية في تاريخ تركيا الحديث، إذ تمخّضت عنه صيرورة جديدة لشعب أبى أن تعود البلاد إلى سابق عهدها، وأن تعيش مجددًا مرارة الانقلابات العسكرية.

عندما تلوح الانقلابات في مخيلة الأتراك، فإنها تعود بهم إلى ذلك الماضي القريب الذي كانت البلاد تتذبذب فيه بين الاضطرابات الأمنية والاقتصاد المترهّل، فضلًا عن المعاناة الناتجة عن سلطة العسكر، وانعكاساتها على الواقعين السياسي والمجتمعي، وهو ما دفع بتركيا -في ذلك الوقت- إلى أن تعيش حالة من العزلة والاغتراب الهوياتي، وهي التي كانت تسودُ العالَم يومًا ما.

ولاشكّ أنّ انقلاب 15 تموز كان مغايرًا للانقلابات السابقة، فلم يكن عسكريًّا محضًا، ولم تكن قيادته تقتصر على زمرة من الجيش، بل اجتمعت عليه وتشابكت فيه جهات داخلية وخارجية، أرادت تركيع تركيا إقليميًّا ودوليًّا، والرجوع بها إلى الوراء خائبة، وكان على رأس هذه الجهات المتآمرة فتح الله غولن؛ مهندس الانقلاب ورأس حربته، ومن خلفه تنظيمه الإرهابي.

في موازاة ذلك حرصنا في هذا العدد الجديد من مجلة (رؤية تركية) أن نسبر أغوار هذا التنظيم الإرهابي الذي غلبت على تنظيمه السّريّة وعلى هيكليته الغموض، مع قدرة فائقة على التغلغل في هياكل الدولة ومفاصلها، على مدار أربعة عقود متتالية، في الوقت الذي كان الشعب التركي وحلفاؤه السياسيون ينظرون إليه على أنه شريكهم في الوطنية، إذ بدا لهم في ظاهره الرحمة، بينما كان يُخفي لهم في باطنه العذاب.

استثنائية هذا العدد تكمن في أنه جمع شتات هذا التنظيم الإرهابي، ووضعه تحت المجهر البحثي، في محاولة جادّة نحو الفهم، وقدّم حقيبة معلوماتية كبيرة عنه، رغم ما صنعه التنظيم الإرهابي حوله من الغموض والسرية؛ ليسهل عليه التوغل والانتشار والتمكين في الدولة التركية، فلا هو جماعة خدمية كما يعرّف نفسه، ولا حزب سياسي كما يُطلَب منه، بل تنظيم إرهابي يهدّد السِّلم والأمن المجتمعيّيَن.

وفي موازاة ذلك جاء اعتماد منظمة التعاون الإسلامي في الاجتماع التحضيري للدورة الثالثة والأربعين لمجلس وزراء خارجية الدول الإسلامية- مشروع قرار إدراج هذه الجماعة منظمة إرهابية، وهو ما أقرّه أيضًا مجلس التعاون الخليجي، ليضع المشهد الإقليمي بذلك اللمسة الأخيرة لنهاية هذا التنظيم الإرهابي الذي انتشر وانتفش في أنحاء متفرقة من العالم، إلا أن الشعب التركي الأكثر نضجًا وفهمًا ووعيًا كشف اللّثام عن وجه هذا التنظيم الإرهابي ومؤامراته الخبيثة، لا على المستوى الداخلي التركي فحسب؛ بل على المستوى الإقليمي والدولي أيضًا.

يبدأ هذا العدد بكلمة قيّمة للسيد إبراهيم قالن المتحدّث باسم رئاسة الجمهورية التركية، يقدّم فيها عرضًا مفصلًا عن اللحظات الأولى للانقلاب الفاشل، وخروج هذه الزمرة المتآمرة على الدولة والشعب في مشهد لاقى استهجان الكثيرين، وتصاعدت علامات الاستفهام حول تدفّق الدبابات ليلة 15 من يوليو إلى شوارع إسطنبول، واعتلائها جسر البوسفور… ويؤكّد استمرارية النهضة التركية ونجاحها على جميع الأصعدة، ويقدّم المتحدّث باسم رئيس الجمهورية إزاء ذلك معلومات متدفقة تؤصّل هذه الرؤية، مع استشراف للمستقبل، وتموضع للدولة التركية، سيكون له أثر كبير في تصدّر تركيا المشهد الإقليمي، بسبب ديناميكية القيادة السياسية الحالية، واصطفاف الشعب خلفها؛ لتكملة المنجز السياسي والحضاري لوجه تركيا الجديدة.

ويأتي الإجماع على عدِّ منظمة غولن إرهابية بمثابة السمة العامّة التي تمخّضت عن الانقلاب الفاشل في الداخل التركي، وهو خلاصة تداعياته محلّيًّا ودوليًّا, وهذا ما تناوله الكاتب المخضرم فخر الدين ألطون في مقالته (الديناميكيات السياسية الاجتماعية لتنظيم غولن الإرهابي ومحاولة انقلاب 15 تموز)، وتتمثّل أهمية هذا العمل في غوصه على أعماق هذا التنظيم الإرهابي، وبخاصة آلياته التي وظّفها لخدمة أغراضه من التمكين والتغلغل في مفاصل الدولة إلى الانقلاب على الدولة، في المشهد الذي رسمه التنظيم بدقة، بالتنسيق مع زمرة من الجيش ليتبلور في هذا الشكل الانقلابي الذي ظهر في ليلة 15 تموز، ولم يغفل الباحث ألطون عن تحليل ردّة فعل الدول الغربية -ولاسيّما الولايات المتحدة الأمريكية- وكيفيةِ تعاطيها مع الحدث، والرسالة التي فهمتها السلطة السياسية التركية منها، والإستراتيجية التي تبنتها تركيا فيما بعد، ردًّا على هذه المواقف… وفي النهاية قدّم الباحث توصيّات جديرة بالتأمل، تتناول إعادة الهيكلة التي جرت في تركيا، وما أقدمت عليه السلطة، ومبررات ذلك.

ثم تأتي نتائج هذه المحاولة الانقلابية الفاشلة في سياق علاقة (السياسة-الجيش)، وفكّ الاشتباك حول جدلية العلاقة بينهما، وهو ما استعرضه الباحث ويسل كورت في بحثه: (محاولة انقلاب 15 تموز ونتائجها في سياق علاقة (السياسة– الجيش). ومن السياسة إلى المؤثّر الفاعل في المشهد المجتمعي ضمن سياقات تداعيات انقلاب 15 تموز، وهو ما تكفل به الأكاديمي القدير نبي ميش، في دراسته التي هي خلاصة عمل ميداني يعكس جهدًا كبيرًا بُذِل من أجل الخروج بمنتوج حقيقي يبعد عن النتائج غير الدقيقة، وهو ما يعطي هذا العمل الذي عنوانه: (التصوّر المجتمعي لمحاولة انقلاب 15 تموز في تركيا) بعدًا مجتمعيًّا مميّزًا.

ومن الطبيعي أن تسعى الدولة التركية عقب الانقلاب الفاشل إلى ترتيب أوراقها داخليًّا وخارجيًّا، وكانت السياسة الخارجية أحد أهم تلك المحاور والرؤى التي انتهجتها الدولة عقب دحر انقلاب 15 تموز وإحباطه، وهذا ما يرسم ملامحه الباحث علي باكير، مع رصد حجم تلك التحولات إزاء الدول الإقليمية، وبخاصة إسرائيل والدول العربية ذات الموقع المؤثّر والحسّاس.

ويشرح جسد فتح الله غولن وتنظيمة الإرهابي كلٌّ من مصطفى أوزترك، وإسماعيل ياشا، وممدوح الشيخ- بشكل تفصيلي من حيث التنظيم الهرمي والهيكلية، من زاوية مغايرة عن الشروح السابقة، تقترب من نتيجة مفادها اتساق هذا الكيان الإرهابي إلى حدّ كبير مع التنظيمات الماسونية والكهنوتية التي يغلب عليها طابع السّريّة والغموض، كمثيلاتها من التنظيمات الباطنية التي عرفها التاريخ، مع إعطاء صورة بانورامية لمواقف ذلك التنظيم الإرهابي المتباينة تُجاه القضايا الإسلامية المتنوعة، فضلًا عن بيان موقف النخبة العربية من التنظيم ورأسه فتح الله غولن.

ومن السياسة إلى الاقتصاد حيث يقدّم كلّ من صادق أوناي وشريف ديلاك بحثهما عن الاقتصاد السياسي لمحاولة انقلاب 15 تموز الفاشلة، يتبعهما أحمد يوسف في رصد وتحليل المواقف العربية تجاه محاولة الانقلاب الفاشلة، ويُختَم العدد ببحث كتبه مراد يشيل تاش ونجدت أوزتشليك بـعنوان: (محاولة الانقلاب التي أُجهِضت في تركيا: العملية والردود والآفاق).