رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

صعود وهبوط مبادرات السلام الكردية التي أطلقها حزب العدالة والتنمية

تحلل هذه الدراسة مبادرات السلام والمصالحة التي أطلقتها حكومات حزب العدالة والتنمية في الفترة الممتدة بين عامَي (2002-2017)، لإيجاد حل للمسألة الكردية، مع التركيز بشكل خاص على عملية المصالحة. كما تناقش الخطوات التي اتُّخِذت في جميع مراحل عملية المصالحة، ونقاط القوة والضعف فيها.

صعود وهبوط مبادرات السلام الكردية التي أطلقها حزب العدالة والتنمية

 ملخص تحلل هذه الدراسة مبادرات السلام والمصالحة التي أطلقتها حكومات حزب العدالة والتنمية في الفترة الممتدة بين عامَي (2002-2017)، لإيجاد حل للمسألة الكردية، مع التركيز بشكل خاص على عملية المصالحة. كما تناقش الخطوات التي اتُّخِذت في جميع مراحل عملية المصالحة، ونقاط القوة والضعف فيها. ويجادل البعض أن التحديات الرئيسة وأوجه القصور كانت تكمن في التحول في الأولويات السياسية للجهات الفاعلة السياسية الكردية، وتغيّر ميزان القوى داخل السياسة المحلية التركية، والفرص الجديدة التي ظهرت أمام الحركة الكردية جراء الحرب الأهلية السورية، وما واجهته تركيا من ضبابية بسبب هذه الحرب. وأبرز ما توصلت إليه هذه الورقة هو أن الاضطرابات الإقليمية، وبخاصة الحروب الأهلية الجارية في سوريا والعراق، هي العامل الرئيس الذي عرقل عملية المصالحة.

مقدمة

كانت المسألة الكردية من أهم القضايا التي تحظى بأولوية في السياسة الداخلية لحكومة حزب العدالة والتنمية AKP. وقد بُذلت جهود جادة في سبيل ذلك، وأطلقت حكومات حزب العدالة والتنمية AKP المتعاقبة مبادرتين رئيستين لإيجاد حل للمسألة الكردية. وكانت عملية المصالحة (2013- 2015) من أبرز الجهود التي بُذِلت، مع العلم أن الجهود السابقة مهدت الطريق لعملية المصالحة. وكان خطاب أردوغان في ديار بكر عام 2005 بمثابة تغير في الرأي بشأن هذه المسألة. وإضافة إلى الانفتاح الكردي (2009)، أُجرِي بعض التعديلات القانونية، وبُذِلَ العديد من الجهود من أجل التحول الديمقراطي لحل هذه المشكلة. بالطبع، لم تكن عملية المصالحة (Çözüm Süreci) ممكنة إلا في ظل هذه الجهود المبكرة. إن هذه الدراسة تحلّل مبادرات السلام والمصالحة لحكومات حزب العدالة والتنمية AKP (2002 - 2017)؛ لإيجاد حل دائم للمسألة الكردية، وتركز على عملية المصالحة، أو كما يقال بالتركية (Çözüm Süreci). وتُناقَش كذلك الخطوات التي اتُّخِذت خلال عملية المصالحة، ونقاط القوة والضعف فيها، في إطار المنطق العام لعمليات السلام.

مفهوم عملية السلام

تُعرَّف أية عملية سلام بأنها محاولة جادة لمنع الصراع وإدارته بين الدول وداخلها[1]؛ ومن أدنى متطلباتها إشراك الأطراف الرئيسة في العملية، ووقف العنف، وممارسة العملية السياسية، واتخاذ الخطوات السياسية التي من شأنها أن تحول دون عودة العنف مرة أخرى[2]. وفقاً لجون داربي، وروجر ماك جينتي لابدّ من وجود خمسة معايير لعملية السلام الناجحة، وهي: رغبة واستعداد الأطراف المتنازعة للتفاوض بحسن نية، وإشراك الجهات الفاعلة الرئيسة في هذه العملية، وتركيز المفاوضات على القضايا المركزية للنزاع، وعدم استخدام القوة لتحقيق الأهداف، وأن  يلتزم المتفاوضون بعملية مستمرة.[3]

لا شك أن أية عملية سلام دون توافر الظروف المذكورة أعلاه، ستكون فرص النجاح أمامها محدودة للغاية. إن عملية السلام الحقيقية ليست مجرد إنهاء الصراع المسلح أو العنف المباشر، بل إن عملية السلام هي إجراء شامل يهدف إلى التركيز على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والأمنية المتصلة بالنزاع. وكما يوضح يوهان جالتونغ[4]؛ فإن إنهاء العنف المباشر لا يمكن اعتباره الهدف النهائي لعملية السلام بأية وسيلة. قد يستغرق الأمر وقتًا طويلًا للتغلب على جميع جوانب الصراع والتعامل معها، ولا يمكن أبدًا الحصول على نتيجة شاملة في معظم الصراعات. ومع ذلك، طالما استمر عامل العنف، فلن يمكن أن تكون هناك أرضية خصبة لنجاح  الجوانب الأخرى. ربما يكون النتاج الأمثل للمفاوضات هو التوصل إلى حلّ يمنح العدالة الاجتماعية والتوافق، ويُرضي توقعات الأطراف المتصارعة كافة. ومع ذلك، فإن العديد من اتفاقات السلام التي مرت بمراحل تفاوض، قد انتهت قبل تحقيق هذا الوضع المثالي.

تشير عملية المصالحة التي يتمّ تحليلها في هذه الدراسة إلى الجهود البناءة المبذولة كافة بعد وقف إطلاق النار بهدف التوصل إلى حل سياسي للمسألة الكردية الطويلة الأمد. ويبدو أن عملية المصالحة عملية شاملة تتضمن أبعادًا قانونية واجتماعية واقتصادية لهذه المسألة. وكان للدبلوماسية العامة وإستراتيجيات التواصل أيضًا دور مهمّ في هذه العملية. وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار في بداية العملية، إلا أن وحدات حزب العمال الكردستاني PKK المنتشرة في الأراضي التركية لم تنسحب رغم وعدها بالانسحاب. وفي أثناء وقبيل عملية المصالحة، دخلت سلسلة من القوانين الشاملة حيّز التنفيذ فيما يتعلق بالاعتراف بالحقوق التي طالب بها الأكراد[5]. ومع ذلك، فإن التعديل الدستوري بشأن مطالب الحركة القومية الكردية[6] بالحكم الذاتي لم يتم إدراجه على جدول الأعمال. ورغم العقبات التي واجهتها العملية، فقد حُجِّمت العوائق النفسية والبيروقراطية التي تقف عائقًا أمام السلام الدائم خلال عملية المصالحة. بشكل عام، ترك مناخ السلام والاستقرار في هذه العملية آثارًا إيجابية في الذاكرة الجماعية لمختلف قطاعات المجتمع في تركيا، ولذلك، لا يمكن اعتبار هذه العملية بمثابة إخفاق كامل. من ناحية أخرى، فإن المرحلة الجديدة من الصراع التي اندلعت في يوليو 2015 غيّرت نموذج الحل، وأدت إلى خارطة طريق جديدة.

من الانفتاح الكردي إلى المصالحة

خالف رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بشكل كبير الخطاب الرسمي حول القضية الكردية، في خطابه في ديار بكر في 12 أغسطس 2005؛ حيث اعترف أردوغان بأخطاء الحكومات السابقة فيما يخص المسألة الكردية: "هناك أخطاء كثيرة في الماضي، ونحن أقوياء بما فيه الكفاية لحل هذه الأخطاء والمسائل"[7]. كما أكد أردوغان التزامه بحل (المسألة الكردية) من خلال التحوّل الديمقراطي والتقدم الاقتصادي. "المشكلة الكردية ليست مجرد مشكلة جزء من هذه الأمة؛ بل هي مشكلة بالنسبة للأمة جمعاء. كما أنها مشكلتي أيضًا... سنجد حلًّا لهذه المشكلة بمزيد من الديمقراطية، والمزيد من حقوق المواطنة، وبالمزيد من الثروة"[8].

كان خطاب أردوغان في ديار بكر في عام 2005 محاولة جريئة؛ لأنه كان من الصعوبة الشديدة التلفظ بما يتناقض مع الموقف الرسمي بشأن القضية الكردية في ذلك الوقت. ففي أوائل عام 2000 كان حزب العدالة والتنمية  موضع شك بالنسبة للمؤسسة العسكرية والقضائية. ولابد من الأخذ بالحسبان أنه في عام 2005، كان ميزان القوى يميل لمصلحة المؤسسة البيروقراطية ضد حكومة حزب العدالة والتنمية المنتخبة ديمقراطيًّا.

في بداية 2009 تم إطلاق أول مبادرة سلام منهجية، وأُطلق عليها اسم (الانفتاح الديمقراطي) أو (الانفتاح الكردي)، ثم أُشير إليها لاحقًا بـ(بمشروع الوحدة الوطنية والأخوة). لكن هذه المبادرة ضعفت بعد العودة الاستفزازية لمقاتلي حزب العمال الكردستاني إلى تركيا من خلال معبر الخابور، وانتهت بعد هجوم الحزب  على مدينة توكات في 7 ديسمبر 2009. أُطلق على المبادرة الثانية عملية المصالحة. بدأت عملية المصالحة بإعلان النوروز من عبد الله أوجلان في نوروز عام 2013 (21 مارس). وبينما أخفقت المبادرة الأولى ودخلت البلاد فترة من الاضطرابات، توقفت المبادرة الثانية بسبب اندلاع العنف مرة أخرى في يوليو 2015.

شمل الانفتاح الكردي، بعض التغييرات الكبيرة في نهج الحكومة التركية تجاه المسألة الكردية، مدعومًا ببعض التشريعات الرئيسة. وفي المقابل، كان من المتوقع أن يترك حزب العمال الكردستاني السلاح ويغادر الأراضي التركية. وقد استند الانفتاح الكردي على عملية صنع القرار الجماعي التشاوري بمشاركة الأحزاب الثلاثة[9] والتركيز بوجه خاص على الدبلوماسية العامة والبعد التشاوري لعملية السلام. وبينما كان هناك دعم للانفتاح الكردي على المستوى البيروقراطي، كان الجمهور التركي أكثر تشككًا في العملية. كانت عملية المصالحة عملية من الأعلى إلى الأسفل، وشملت مفاوضات بين أوجلان نيابة عن الحركة القومية الكردية، والدولة التركية. على كل حال، تجادل هذه الدراسة بأن عملية المصالحة جاءت نتيجة الانفتاح الكردي.

في يناير 2010، أُطلق بشكل رسمي على الانفتاح الكردي اسم: (الانفتاح الديمقراطي: الوحدة الوطنية والأخوة). وعلى نطاق أوسع، تعامل الانفتاح مع المشكلة الكردية من ناحية التنمية الاقتصادية، وإرساء الديمقراطية والأمن. وبتنحية النهج القائم على الأمن جانبا لأول مرة في التعامل مع المشكلة، تم الوفاء بالعديد من الوعود في العدالة والحرية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد حُدِّدت الأهداف والمسارات التي يتعين اتخاذها لحل المسألة الكردية، مثل: تطوير نهج الدولة بحيث يحترم الحقوق والحريات في محاولتها منع الإرهاب، وتحقيق المواطنة، وأن تكون اللغة التركية اللغة الرسمية للدولة وفي نفس الوقت تتم إتاحة الفرص للغات والثقافات الأخرى في التعايش باعتبار أن الاختلافات تعد ثراءً ثقافيًّا، كذلك منع الشعور بـ(الآخر)، وإنهاء المناخ الذي يضفي الشرعية على الإرهاب، وحماية سلامة تركيا ووحدة أراضيها، كي تصبح بلدًا قويًّا على الساحة الدولية[10]. كانت هناك آمال في أن تحقق عملية الانفتاح الكردي هدفها المتمثل في القضاء على الإرهاب من خلال طريق التحول الديمقراطي. أيضًا، هدف الانفتاح إلى تحقيق الاندماج الوطني من خلال تطوير الحقوق والحريات الأساسية، ومعالجة مشكلات الهوية، ومنع التمييز، وتحقيق المشاركة السياسية العادلة[11].

خلال عملية الانفتاح الكردي، اتُّخِذت خطوات مهمّة على المستوى القانوني في مجال إرساء الديمقراطية، وأُنشِئت منصة مفاوضات واسعة النطاق، ضمت قطاعات واسعة من المجتمع. ومن خلال هذا المنبر، جرت محاولة إنشاء مجموعة دعم كبيرة. وكان إطلاق العملية من أولويات حزب العدالة والتنمية AKP وبذل قصارى جهده لتحقيق أهدافها[12].

شملت بعض التشريعات الرئيسة إنشاء مؤسسة مستقلة لحقوق الإنسان؛ وإنشاء لجنة للشكاوى ضد قوات الأمن التركية؛ وتشريع قانون يسمح باستخدام لغات غير التركية في الحملات الانتخابية والدعاية، والسماح للمسجونين بالتحدث بلغات غير التركية مع زوارهم؛ والسماح للمحطات التلفزيونية الخاصة بالبث بلغات غير التركية؛ وإطلاق قناة TRT 6 تي إر تي 6 التلفزيونية الرسمية التي تبث برامجها على مدار 24 ساعة باللغة الكردية، والموافقة للجامعات بتدريس اللغات الكردية والظاظية، وإعادة تسمية المناطق السكنية بما يتماشى مع مطالب السكان المحليين، والسماح بالحصول على الخدمات الاجتماعية والدينية بلغات غير التركية.

السياق والديناميات التي تقوم عليها عملية المصالحة

في 16 ديسمبر، 2012، التقى هاكان فيدان، رئيس منظمة الاستخبارات الوطنية التركية، مع زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون عبد الله أوجلان في جزيرة إمرالي، حيث يقضي أوجلان فترة عقوبته. ثم أعلن رئيس الوزراء رجب أردوغان عن هذا الاجتماع بعد أسبوعين في 29 ديسمبر. وقبل يوم من الإعلان؛ أي في 28 ديسمبر، عندما سُئل أردوغان عن القضية الكردية خلال مقابلة تلفزيونية على قناة تي آر تي التابعة للدولة: "هل هناك أي اجتماع في الوقت الحاضر؟" رد أردوغان قائلًا: "لا يزال هناك بعض الاجتماعات الجارية وننتظر النتائج. طالما نرى الضوء، فسوف نستمر في اتخاذ خطوات نحو تحقيق هذا الهدف، لكننا سنوقف الاجتماعات إذا لم نجد أي ضوء". وفي يناير 2013، توجه وفد من أعضاء حزب السلام والديمقراطية إلى جزيرة إمرالي لمقابلة أوجلان. وتم التنسيق لمبادرة السلام الجديدة والتي أُطلق عليها (عملية المصالحة) بالتركيز على التفاوض مع أوجلان، ولهذا يُشير البعض إليها أيضًا باسم عملية إمرالي. ومن أجل إنهاء الصراع، وُضِعت خطة من ثلاث مراحل تشمل ما يأتي:

  • المرحلة الأولى: الانسحاب التدريجي لقوات حزب العمال الكردستاني من الأراضي التركية.
  • المرحلة الثانية: الإصلاحات الديمقراطية من جانب الحكومة.
  • المرحلة الثالثة: إدماج حزب العمال الكردستاني في الحياة السياسية والمدنية بعد نزع سلاحه[13].

وفي غضون هذه الفترة، أُجرِيت سلسلة من المفاوضات مع أوجلان من خلال ممثلين. ولأول مرة في تاريخ الجمهورية، تعترف الدولة بإجرائها مفاوضات مباشرة مع أوجلان، وإجراء مفاوضات غير مباشرة مع القيادة الكردية في قنديل، وكذلك مع ممثلي حزب العمال الكردستاني الموجودين في أوروبا، ومنظومة المجتمع الكردستاني، وهي تجمّع يعمل بوصفه مظلة، وتضم حزب العمال الكردستاني. ساعدت هذه العملية أيضًا على إضفاء الشرعية على المفاوضات الجارية بين الحكومة ووكلاء حزب العمال الكردستاني. وخلال هذه الفترة، لوحظ التطبيع في المنطقة للمرة الأولى على مدار السنوات الثلاثين الماضية. وتم التغلب على معظم العوائق النفسية التي تعترض سبل السلام خلال هذه العملية، وقد مهد هذا المناخ الجديد السبيل لإجراء مناقشات حقيقية من أجل سلام دائم.

وبالرغم من كل هذا، وصلت العملية إلى نهايتها في 22 يوليو 2015، عندما أطلق حزب العمال الكردستاني النار على اثنين من ضباط الشرطة في جيلان بينار، شانلي أورفا. وتصاعد مستوى العنف بوتيرة سريعة بعد هذا الهجوم. وعلى الرغم من تعليق العملية بشكل غير متوقع، فقد وُصِفت بأنها من أبرز وأهم محاولات إحلال السلام في القضية الكردية الشائكة. كانت عقلية عملية المصالحة مختلفة تمامًا عن عقلية المبادرة الكردية[14]؛ لكن من الممكن القول إن الانفتاح الكردي مهّد الطريق لعملية المصالحة.

تصميم العملية وإستراتيجيات التواصل

عُدَّ تاريخ 21 مارس 2013 البداية غير الرسمية لعملية المصالحة. ففي ذلك اليوم، خلال احتفالات النوروز في محافظة ديار بكر، قرأ نائب حزب السلام والديمقراطية سري سوريا أوندر رسالة صاغها أوجلان، تدعو لإيجاد حل سلمي وديمقراطي للمسألة الكردية. وجاء في الرسالة: "وصلنا مرحلة يجب أن يصمت فيها السلاح، وتتحدث فيها الأفكار. لقد أفلس براديغما الحداثة (نموذج الحداثة) الذي يتجاهل، وينكر ويبعد. فالدم يسقط من قلب هذه الأرض، بغض النظر عما إذا كان تركيًّا أو كرديًّا أو لازيًّا أو شركسيًّا. تبدأ الآن حقبة جديدة؛ تأتي السياسة في المقدمة، لا الأسلحة. حان الوقت لأن تتحرك عناصرنا المسلحة خارج الحدود [حدود تركيا]"[15]. وأكدت الرسالة الأخوة بين الأتراك والأكراد.

وفي أعقاب خطاب أوجلان، أعلن حزب العمال الكردستاني عن وقف إطلاق النار من جانب واحد في 23 مارس. وفي مايو 2013، بدأ الحزب في سحب قواته من داخل تركيا إلى شمال العراق، ولكن في نهاية المطاف، انسحبت نسبة محدودة فقط من قواته من الأراضي التركية[16]. ثم توقفت عملية الانسحاب في سبتمبر 2013، حيث أعرب حزب العمال الكردستاني عن خيبة أمله؛ بحجة أن الحكومة أخفقت في اتخاذ الإجراءات الكافية من حيث الإصلاحات التي وعدت بها[17]. لذلك، لم تكتمل المرحلة الأولى من العملية، ومن ثَمّ تعرقلت المراحل التالية.

قامت العملية على الاتصالات المباشرة وغير المباشرة مع زعيم الحركة القومية الكردية أوجلان، الذي كان العامل الأول في العملية برمتها. وقد أدمجت الحركة القومية الكردية جميع الجهات الفاعلة في العملية. وفي إطار العملية، توقفت العمليات العسكرية وأُسنِد استخدام قوات العمليات الخاصة وأركان الحرب إلى السلطات المدنية والحكام المدنيين. كما أُشرِك الجمهور في المناقشات من خلال لجنة حكماء الشعب. وقد شُكِّلت لجنة الحكماء من أجل مشاركة الشعب في تفاصيل عملية السلام وتعزيز الدعم الشعبي لهذه العملية. في 3 أبريل 2013، أعلن رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان عن قائمة (العقلاء)، التي تتألف من 63 عضوًا (41 رجلًا و 12 امرأة)[18]. وكان جدول أعمال اللجنة مكتظًّا بالأعمال لأكثر من شهرين. ضمت اللجنة سبع مجموعات، مارست أنشطتها في سبع مناطق في البلاد.

في الواقع، لم تُشكَّل اللجنة لشرح خطط الحكومة لحل المسألة الكردية للشعب[19]، بل صُمِّمت بصفتها مبادرة مدنية حقيقية، شملت شخصيات عامة، مثل الفنانين والكتاب والأكاديميين وقادة المجتمع المدني والناشطين، ونحوهم. وقد عملت اللجنة بوصفها آلية للحوار والمداولات العامة سعيًا إلى تلبية توقعات الشعب بشأن عملية المصالحة، وأخذت بعين الاعتبار التحفظات والانتقادات التي وجهها الشعب بشأن هذا الموضوع. وقد حظيت اللجنة بشفافية خلال أنشطتها. وقدمت المجموعات السبع التابعة للجنة تقاريرها النهائية إلى رئيس الوزراء، وبعضها كان متاحًا للجمهور.

لكن رغم جهود لجنة الحكماء، لم تُنقَل هذه العملية بشكل كاف للشعب، ولم يُشرَك ممثّلو أحزاب المعارضة في البرلمان في العملية. ولهذا السبب، كانت هناك انتقادات مختلفة بشأن شمولية العملية وشفافيتها. وفي أثناء العملية، أُطلِق سراح عدد من السجناء السياسيين، الذين حُكِم عليهم بالسجن في إطار محاكمة منظومة المجتمع الكردستاني KCK. واتُّخِذت أيضًا عدة ترتيبات قانونية حاسمة لإيجاد حل سياسي. وبينما ساد مناخ الأمل في مناطق شرق وجنوب شرق البلاد، ساد الخوف والشك في مناطق أخرى. وفي إطار هذه العملية، ازدهرت السياحة والأنشطة الاقتصادية الأخرى بسبب تأثير هذا المناخ الإيجابي[20].

في واقع الأمر، لم تُشرَك المنظمات غير الحكومية خارج الحركة القومية الكردية، ولا الأحزاب السياسية الأخرى، ولا القادة المهمّون من مختلف جماعات الرأي والمثقفين المستقلين في هذه العملية؛  لذا اشتكت هذه الجماعات من الضغط الذي مارسته الحركة القومية الكردية عليها. وهكذا، فإن العملية لم تشمل سوى أطراف النزاع الرئيسة. وأوضحت هذه المجموعات أيضًا أن هذا الوضع جعل الحركة القومية الكردية تستفحل؛ بسبب إقصاء الأطراف السياسية المهمّة الأخرى. علاوة على ذلك، عندما خُفِّضت التدابير الأمنية، وأصبح هناك انطباع بوجود فراغ في الأمن العام طوال العملية استُغِلّ هذا الفراغ، وزادت الأجنحة المسلحة للحركة الكردية من بنيتها العسكرية، وشكلت فروعًا للشباب في المناطق الحضرية، ومنها الحركة الوطنية الثورية الشبابية، ودرّبتهم على تنظيم الانتفاضات في المدن. إضافة إلى ذلك، ساعدت البلديات التي تديرها الحركة القومية الكردية عن طريق حزب الأقاليم الديمقراطية، المنظمةَ في تنظيم أنشطتها العسكرية إلى حدّ كبير[21]. وخلال هذه الفترة، أُسِيء استخدام الأموال العامة لشحن الإرهابيين بالمعدات العسكرية. كما استُهدِف ضباط الشرطة والجيش الذين تدخلوا لمنع أنشطة المنظمة التي أخلت بمنطق عملية السلام.

وقد وُجِّهت اتهامات إلى حكومة حزب العدالة والتنمية بعدم الاكتراث بمشاعر الأكراد في سياق معركة الأكراد ضد قوات داعش في كوباني (عين العرب). ومهّد هذا الادعاء بعدم الاكتراث الطريق للدعاية بأن حكومة حزب العدالة والتنمية APK هي حليف لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) وجبهة النصرة وغيرهما من الجماعات الإرهابية في سوريا. استخدم حزب الشعوب الديمقراطي  وحزب العمال الكردستاني هذا الادعاء وسيلة دعائية، بينما لم يتمكن حزب العدالة والتنمية من إقناع الأكراد بعدم صحة هذه الاتهامات. بالطبع لم يكن معظم الشعب التركي على استعداد لهذا التحول الكبير في السياسة العامة. ورأت بعض النقاشات أن حكومة حزب العدالة والتنمية لم تأخذ بعين الاعتبار توقعات الحركة القومية الكردية وحساسياتها خلال الحرب الأهلية السورية. علمًا أنه خلال نفس الفترة، لجأ آلاف الأكراد السوريين الذين فروا من تهديد داعش في كوباني إلى المناطق الآمنة في تركيا[22]. على كل حال، مما سبق يتضح أن الحرب الأهلية الدائرة في سوريا كانت أكبر عقبة أمام عملية المصالحة.

التغييرات في أثناء عملية المصالحة

كان هناك سببان رئيسان وراء تراجع عملية المصالحة: الأول هو ارتفاع سقف توقعات الحركة القومية الكردية طوال العملية، وصعوبة تلبية المطالب الكردية المتزايدة بالنسبة للحكومة. ارتفع سقف توقعات الحركة القومية الكردية بوتيرة سريعة تزامنًا مع سلسلة من التطورات؛ مثل احتجاجات غيزي بارك، ومحاولة الانقلاب القضائي التي وقعت بين 17 و25 ديسمبر، التي خططت لها جماعة فتح الله غولن الإرهابية التي حاولت لصق اتهامات بالعديد من وزراء حزب العدالة والتنمية، وغيّرت من موازين القوى في الحرب الأهلية السورية، كما ساعدت على تقدم فرع حزب العمال الكردستاني السوري. وقد تحول ميزان القوى ضد الحكومة طوال العملية؛ لدرجة أن البعض جادل بأن أردوغان وحزب العدالة والتنمية سيفقدان السيطرة.

ثانيًا، أفسدت فترة الانتخابات المناخ اللازم لمفاوضات السلام، واستقطبت الأوساط السياسية في البلاد بشكل كبير. ولأن القضايا السياسية المثيرة للجدل تُطرَح على جدول الأعمال بكثافة خلال الفترات الانتخابية، فإن هذه الفترات يمكن أن تزيد من حدة التوترات السياسية. ولهذا السبب، فإن السياسيين في العديد من بلدان العالم يحجمون عن مناقشة المسائل الحساسة والشديدة الأهمية والمثيرة للجدل في أثناء الفترات الانتخابية. ومع ذلك، أصدرت بعض الجهات الفاعلة داخل الحركة القومية الكردية رسائل متناقضة للجمهور، في حين حاولت الحكومة أن تكون أكثر اتساقًا. أيضًا، اقترب ناخبو حزب العدالة والتنمية من العملية بشيء من الشك والريبة. في الحقيقة، أثارت هذه العملية النزعات القومية داخل الحزب. وبينما واصل أردوغان وحزب العدالة والتنمية التحفيز على مواصلة العملية، فإن جزءًا من ناخبي حزب العدالة والتنمية تأرجح نحو دعم حزب الحركة القومية ردًّا على عملية المصالحة. من جهتها، انتهزت الحركة القومية الكردية هذه الفترة، وتراجعت الإجراءات الأمنية واعتبرتها فرصة ذهبية لتخزين الأسلحة وإعادة تنظيم المسلحين للقيام بحرب مدن. وقد أدت سهولة الحصول على السلاح نتيجة الحرب الأهلية السورية، والشرعية الدولية التي يتمتع بها جناح حزب العمال الكردستاني السوري جرّاء معركته ضد داعش إلى ظهور بدائل أخرى. بدأت الحركة القومية الكردية في تلك المرحلة تهدف إلى إقامة كانتونات من أجل التأسيس لحكم ذاتي.

 

معضلة الحركة القومية الكردية: اندماجها مع تركيا أو الشرق الأوسط

وبالنظر إلى حملات الانتخابات الرئاسية التي جرت في أغسطس 2014، سعى خطاب حزب الشعوب الديمقراطي إلى حشد الناخبين الأتراك عن طريق استخدام لغة إستراتيجية جديدة في مواجهة أردوغان. وركزت الحملات الانتخابية للحزب على القومية الكردية في المناطق الشرقية والمناطق الجنوبية الشرقية، بينما ركّزت على معارضة أردوغان في المناطق الأخرى. ويمكن القول إن حملة حزب الشعوب الديمقراطي نجحت إلى حد ما؛ حيث استطاع الحزب تخطي العتبة الانتخابية البالغة 10 في المئة في الانتخابات العامة التي جرت في يونيو 2015 ونوفمبر 2015. ولكن هذا الإنجاز لا يعني بالضرورة أن الحزب حّقق هدفه في أن يصبح جزءًا لا يتجزأ من ديناميكية تركيا السياسية والاجتماعية[23]. كانت هذه السياسة خطوة مهمّة للحركة القومية الكردية، حيث بيّنت أن الحركة ستحاول تحقيق أهدافها من خلال الوسائل السياسية، ومن خلال بذل الجهود للاندماج داخل المجتمع التركي من خلال مخاطبة هؤلاء الذين لا ينتمون إلى الحركة السياسية الكردية. ومع ذلك، فإن أحد أخطر الأخطاء التي تُرتكَب في عمليات السلام عمومًا؛ هو محاولة نزع الشرعية عن بعض أطرافها. لقد تجاهلت الحركة القومية الكردية وحزب الشعوب الديمقراطي معالم عمليات السلام، بمحاولة نزع الشرعية عن الرئيس أردوغان وتصويره على أنه محاور غير شرعي، على الرغم من أنه كان الشخص الرئيس الذي تحاور معهم في هذه العملية. كان هذا التراجع المفاجئ، والذي فُسِّر أولًا على أنه انعكاس للبراغماتية السياسية، أحد الأسباب الرئيسة لانعدام الثقة بين الأطراف الفاعلة الرئيسة ووصول العملية إلى نهايتها. في الوقت نفسه، غير حزب العمال الكردستاني من أولويته الإستراتيجية، وأصبح هدفه أن يصبح فاعلًا إقليميًّا مؤثرًا في الشرق الأوسط في ظل وجود فجوة السلطة الناجمة عن تراجع نظام الأسد في سوريا. إن حزب العمال الكردستاني سعى إلى الاستفادة من هذه الفجوة الناجمة عن الحروب الأهلية في سوريا والعراق، ومخاوف الغرب من صعود داعش. وضمن هذا الإطار، بدأ حزب العمال الكردستاني ينصب نفسه فاعلًا إقليميًّا في الشرق الأوسط.

تغيير أهداف وتوقعات الحركة القومية الكردية

بدأ حزب العمال الكردستاني في شن هجماته الإرهابية في يوليو 2015، وأخفق مسؤولو الحزب في النأي بأنفسهم عن اعتداءات الحزب، كما تراجعت مطالبات حزب الشعوب الديمقراطي بالاندماج في تركيا. دعم الرئيسان المشاركان لحزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرتاش وفيغين يوكسكداغ مطالب الحكم الذاتي الديمقراطي التي أعلن عنها مؤتمر المجتمع الديمقراطي في 27 ديسمبر 2015[24]. وهكذا قوضت الصدامات بين قوات الأمن التركية وحزب العمال الكردستاني مساعي حزب الشعوب الديمقراطي  نحو الاندماج في تركيا.

في الانتخابات العامة التي جرت في يونيو 2015، خسر حزب العدالة والتنمية عددًا من ناخبيه؛ حيث مال الناخبون الأكراد نحو حزب الشعوب الديمقراطي، بينما اختار القوميون الأتراك في الغالب حزب الحركة القومية[25]. ولم يقتصر تراجع الدعم الكردي لحزب العدالة والتنمية على المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية فحسب، بل أيضًا في المدن الكبرى، بما في ذلك إسطنبول وإزمير وأضنة. إنّ عملية المصالحة أدّت دورًا محوريًّا في هذا التغيير، واستُخدِمت أداة لتدعيم الشبكات غير الرسمية التابعة لحزب الشعوب الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني. من ناحية أخرى، شعر بعض الأتراك بالانزعاج من عملية السلام التي جرت مع حزب العمال الكردستاني ، وهذا أدى إلى تحولهم نحو حزب الحركة القومية.

الانتخابات وتباطؤ عملية المصالحة

حتى يوليو 2015، عندما زاد حزب العمال الكردستاني من اعتداءاته التي أدت إلى تعليق عملية المصالحة، كانت هناك آمال في إعادة تشكيل الديناميات السياسية في تركيا[26]. لكن بشكل عام، هناك خصائص معقدة ومتقلّبة لعمليات السلام، كما أن الأطراف المشاركة في العملية تخرج بالكثير من الدروس المستفادة من التجارب السابقة، وبخاصة من الأخطاء والإنجازات[27]. والواقع أن فترات الانتخابات ليست الوقت الملائم للعمليات السياسية؛ لأن الاستقطاب السياسي يخدم دائمًا مصالح القادة السياسيين الذين يسعون إلى زيادة نصيبهم من الأصوات. على أي حال وعلى الرغم من كل ذلك، فإن عملية المصالحة في تركيا لم تنته بعد، بل يمكن القول إنها تباطأت خلال الحملات الانتخابية.

بعد فترة وجيزة من الانتخابات العامة التي جرت في يونيو 2015، اندلعت موجة جديدة من التمرد في يوليو، وأذن ذلك بنهاية عملية المصالحة. هناك ثلاثة تطورات رئيسة أفسدت العملية: ارتفاع سقف توقعات الحركة القومية الكردية، وتطلعها للحكم الذاتي على غرار حكم حزب الاتحاد الديموقراطي الذاتي في شمال سوريا، ومحاولة دميرتاش وحزب الشعوب الديمقراطي تشويه سمعة الرئيس أردوغان. من ناحية أخرى، أبطأ حزب العدالة والتنمية من عملية المصالحة خلال حملته الانتخابية ردًّا على انتقادات المحافظين والقوميين.

ويمكن القول إنه خلال الحرب الأهلية السورية، خيّبت السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية آمال بعض الأكراد في تركيا. على الرغم من أن الحكومة قد أعربت عن أملها في أن ينتهج حزب الاتحاد الديمقراطي نهج المعارضين المعتدلين في الحرب الأهلية السورية، إلا أن هذا الحزب كثيرًا ما عمل  بالتوازي مع قوات النظام في سوريا. واعتبرت قاعدة حزب الشعوب الديمقراطي انتقادات الحكومة لحزب الاتحاد الديمقراطي على أنها نوع من العداء ضد الأكراد. وفي الوقت نفسه، أدى تقاعس الحكومة عن المشاركة بشكل مباشر في الاشتباكات الدائرة في كوباني بين داعش والجناح المسلح لحزب الاتحاد الديمقراطي (وحدات حماية الشعب) إلى انتقادات متزايدة من الأكراد في تركيا تجاه حزب العدالة والتنمية. وقد رفعت هذه التطورات من سقف توقعات الجهات الفاعلة السياسية الكردية.

تحول ميزان القوى

خلال عملية المصالحة، تغير السياق السياسي المحلي في تركيا، كما تغيرت الأوضاع في سوريا تغيرًا جذريًّا، وهذا أدى إلى تحول ميزان القوى بين المحاورين الرئيسين للعملية. كان حزب العدالة والتنمية في ذروة سلطته وشرعيته عندما بدأت عملية المصالحة، في حين كان حزب العمال الكردستاني في وضع هزيل. وبعد إتمام الاستفتاء، بدأ أردوغان في اتخاذ خطوات أكثر جرأة في أجندة الإصلاح السياسي. ففي الانتخابات البرلمانية لعام 2011، فاز حزب العدالة والتنمية بدعم ما يقرب من نصف الناخبين، (49.5 في المئة) في ولايته الثالثة وعزز هذا من ثقته بنفسه. في الوقت نفسه، في المراحل الأولى من (الربيع العربي)، كانت تجربة حزب العدالة والتنمية بمثابة نموذج مثالي لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتمتع الرئيس أردوغان بشعبية وثقة وتقدير الكثيرين. على الجانب الآخر، كان حزب العمال الكردستاني في وضع ضعيف جدًّاـ وأخفقت خططه لشنّ انتفاضة من أجل الحكم الذاتي في منطقة شمدينلي بسبب تصدي قوات الأمن التركية لمحاولاته.

بدأ حزب العدالة والتنمية في مواجهة بعض التحديات الخطيرة في السياسة الداخلية وفي سياسته تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بدءًا من منتصف عام 2014، في نفس الوقت التي وفرت فيه الحرب الأهلية في سوريا فرصًا سانحة وجديدة أمام حزب العمال الكردستاني PKK. عقب احتجاجات غيزي بارك ومحاولة الانقلاب القضائي بين 17-25 ديسمبر التي دبرتها حركة غولن، اعتبر حزب العمال الكردستاني وحزب الشعوب الديمقراطي أن الحكومة التركية وأردوغان هما الطرف الخاسر في المفاوضات[28]. وقد اتضح فيما بعد أن هذا التقييم كان خطأً في تلك العملية المتقلبة. فبينما خاض عبد الله أوجلان سلسلة من المفاوضات المهمّة مع حكومة حزب العدالة والتنمية نيابة عن الحركة القومية الكردية، انتهزت عناصر داخل الحركة الكردية حدوث تقلبات داخل حزب العدالة والتنمية، واعتبرتها فرصة جديدة لفرض شروطها على طاولة المفاوضات. بالطبع لم تكن مصالح تلك العناصر الكردية خلال عملية المصالحة، تسير وفق المكانة التي حصلوا عليها في نظام القوى الجديد في الشرق الأوسط الذي تأثر بالحرب الأهلية السورية. وقد أظهرت انتقادات قادة حزب العمال الكردستاني واتهاماتهم التي استهدفت حزب العدالة والتنمية وأردوغان بعد انتخابات يونيو موقف الحزب  الجديد وزيادة ثقته بالنفس. على سبيل المثال، خلال مقابلة أجراها مع هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي، ألقى زعيم حزب العمال الكردستاني جميل بايك باللوم على أردوغان لدعمه فظائع داعش ومحاولة منع الأكراد من الاستيلاء على الأراضي[29]. كما اتهم دوران كالكان -وهو شخصية بارزة أخرى في حزب العمال الكردستاني- أردوغان بتعطيل عملية السلام[30].

ومثّلت احتجاجات غيزي بارك، تحدّيًا كبيرًا آخر لحزب العدالة والتنمية من خلال تعبئة استقطابات الهوية في تركيا. خلال الاحتجاجات، بُذِلت محاولات عديدة لتقسيم المجتمع التركي عن طريق تحريض بعض الأطراف المختلفة على بعضها؛ مثل المحافظين والعلمانيين، ومناصري حزب العدالة والتنمية والمنشقين عنه، والعلويين والسنة... إلخ. بدأت الاحتجاجات بعد شهرين من بدء عملية المصالحة[31]. لذلك كانت الحركة القومية الكردية مترددة في الانضمام إلى المظاهرات. لكن الجناح اليساري للحركة انتقد حزب العمال الكردستاني وحزب الشعوب الديمقراطي لقرارهما عدم المشاركة مباشرة في الاحتجاجات. وعلى الرغم من مواجهة تحديات خطيرة مثل احتجاجات غيزي بارك، وعمليات 17-25 ديسمبر، حافظت حكومة حزب العدالة والتنمية وأردوغان على مواقفهما القوية. بينما تأرجح قادة الحركة الكردية بين مواصلة عملية السلام أو الاستفادة من التقلبات التي تواجهها الحكومة. وتلقي البيانات الجديدة التي تظهر التعاون بين منظمة فتح الله غولن وحزب العمال الكردستاني، الضوء على تقلبات وحساسية تلك الفترة. لقد رفعت الحركة من سقف توقعاتها من عملية المصالحة بغض النظر عن مواقفها. وشجع هذا التغيير حزب العمال الكردستاني على تصعيد أعماله العنيفة وتشكيل ميليشيات مسلحة تدعى حركة الشباب الثوري الوطني (YDG-H )[32] بهدف القيام بتمرد في بعض المدن وإعلان الحكم الذاتي.

اهتزاز النظام الإقليمي وبديل المفاوضات

كانت الحرب الأهلية الجارية في سوريا هي العامل الثاني الذي أدى إلى ارتفاع سقف توقعات الحركة القومية الكردية. حصل حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب على بعض المزايا السياسية، وسيطرت على مناطق عفرين والجزيرة وكوباني الواقعة في شمال سوريا. وعلى الرغم من انتقادات حزب الشعوب الديمقراطي لتركيا بسبب حصار كوباني في سبتمبر 2014، لم يكن حزب الاتحاد الديمقراطي في وضع يسمح له بالدفاع عن المدينة بدون دعم خارجي، بما في ذلك تركيا. فقد تغلب حزب الاتحاد الديمقراطي على الأزمة الإنسانية في كوباني بمساعدة قوات البشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان العراق، التي وصلت إلى كوباني عبر المرور بالأراضي التركية. وتم علاج المقاتلين الذين جرحوا خلال الحصار في المستشفيات التركية، كما لجأ آلاف المواطنين الأكراد الذين فروا من الحصار إلى تركيا[33].

أدّى الحصار الذي فرضه تنظيم داعش على كوباني إلى إذكاء الحس العرقي القومي بين الأكراد في تركيا. واستغل كلٌّ من حزب العمال الكردستاني وحزب الشعوب الديمقراطي كفاح أهل كوباني لتحقيق أهداف داخلية. ووُجِّهت اتهامات لتركيا تزعم أن حكومتها دعمت داعش، وأن هذا الدعم التركي أدى إلى حوادث 6-8 أكتوبر[34]، التي قُتل خلالها أكثر من 50 شخصًا. كما أن معركة حزب الاتحاد الديمقراطي ضد داعش أسهمت أيضًا في تعزيز الشرعية الدولية للمنظمة. وعُدَّت الانتصارات الكردية في سوريا انتصارًا عظيمًا وملحمة للأجيال الشابة من الأكراد. كما بعث الحكم الذاتي الإقليمي في شمال سوريا أيضًا على الأمل في مستقبل لـ(كردستان مستقلة وموحدة).

حصل حزب الاتحاد الدیمقراطي الكردي على دعم دولي ومساعدات عسکریة، حیث نجح في تحویل مقاومته ضد داعش ونضاله ضد (الدولة المارقة) إلى حملة دعائية دولية. وركز جُلَّ اهتمامه على (النساء المحاربات) في الحركة() واللاتي تمّ الحديث عنهن على نطاق واسع في مصادر الأخبار الدولية الرائدة[35]. إضافة إلى ذلك، فإن المساعدات العسكرية الدولية المقدمة لحزب الاتحاد الديمقراطي عززت من قدرات حزب العمال الكردستاني، وهو ما جعله أكثر عنفًا تجاه قوات الأمن التركية. وكذلك الخطاب والأيديولوجية القائمة على القومية التي تهاجم داعش، استهدفت بشكل أساسي حزب العدالة والتنمية. وقد استغل حزب العمال الكردستاني عداء الأجيال الشابة من الأكراد، ووجه غضبهم تجاه حزب العدالة والتنمية. ومن ناحية أخرى، أخفقت الحكومة في فهم حساسيات القومية العرقية الكردية في سوريا.

شرعية الأحزاب ومشكلات الولاء

أما العامل الثالث الذي رفع من سقف التوقعات السياسية لحزب الشعوب الديمقراطي، فكان الحملة الانتخابية للرئيس المشارك للحزب ديميرتاش[36] في الانتخابات الرئاسية لعام 2014. فقد حصل ديميرتاش في تلك الانتخابات على حوالى أربعة ملايين صوت، أى ما يمثّل 9.78 فى المئة من إجمالي الأصوات[37]. ولأنّ أن هذه النتيجة عززت من ثقة ديميرتاش بالنفس- قرر التركيز على نهجه المهاجم لأردوغان بعد الانتخابات بدلًا من اعتماد خطاب سياسي جديد. فكان شعار ديميرتاش: (لن نجعلك رئيسًا يا أردوغان)"[38]. وقد حظي حزب الشعوب الديمقراطي بدعم كبير من خلال هذه الحملة.

وعلى أرض الواقع، ساعدت الحرب الأهلية السورية ونجاح حزب الاتحاد الديمقراطي في معركته ضد داعش، حزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي على أن يصبحا فاعلين جوهريين في الأجواء المضطربة في الشرق الأوسط. وفي الوقت الذي عزز فيه حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني من شرعيتهما من خلال تشويه سمعة العناصر الإسلامية في المنطقة، قاما أيضًا بلصق تهم بحزب العدالة والتنمية،  وأظهروه مؤيدًا للجماعات الإرهابية[39]. وبالرغم من أن ممثليهم السياسيين والبرلمانيين؛ وتحديدًا حزب الشعوب الديمقراطي ، بذلوا جهودًا عديدة للاندماج في تركيا، طمح حزب العمال الكردستاني في أن يصبح عنصرًا مهمًّا في معادلة الشرق الأوسط. وهكذا أثبت حزب العمال الكردستاني أنه العامل المهيمن في الحركة القومية الكردية؛ ولاسيما بالتخلي عن عملية المصالحة من أجل أجندته القومية الكردية. ومن ثَمّ أفسد هذا الخيار الإستراتيجية السياسية لحزب الشعوب الديمقراطي الخاصة بالاندماج في تركيا.

أظهرت نتائج الانتخابات العامة التي أُجرِيت في يونيو 2015 ونوفمبر 2015 أن حزب الشعوب الديمقراطي من المرجح أن يكون عنصرًا مهمًّا في السياسة التركية في السنوات المقبلة[40]. وعلى الرغم من التراجع الطفيف في معدل الأصوات التي حصل عليها في انتخابات نوفمبر، لايزال معدل التصويت للحزب ناجحًا. كما كان للأحداث المحلية والدولية تأثير كبير في هذه النتائج. فمن ناحية، استفاد ديميرتاش من احتجاجات غيزي بارك، وتزايد المعارضة لأردوغان. ومن ناحية أخرى، عززت النزاعات في العراق وسوريا، ومقاومة الأكراد لداعش في هذه الدول من شرعية الفاعلين الأكراد في الشرق الأوسط. أيضًا إلى حد ما، نجحت جهود حزب الشعوب الديمقراطي في التحول من حزب عرقي إلى حزب (وطني) إلى أن عاود حزب العمال الكردستاني شنّ هجماته العنيفة في يوليو 2015.

بشكل عام، عزز خطاب حزب الشعوب الديمقراطي حول سياسات الهوية من أدائه الانتخابي، لكن هجمات حزب العمال الكردستاني شكلت عائقًا كبيرًا أمام هذا الأداء. ومع أنه من الصعب اعتبار حزب الشعوب الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني كيانين منفصلين تمامًا؛ إلا أنه من الواضح أن أهداف حزب العمال الكردستاني وطموحاته الإقليمية تشكل عقبة رئيسة أمام تقدّم حزب الشعوب الديمقراطي بصفته فاعلًا سياسيًّا مستقلًّا. فبينما حاول حزب الشعوب الديمقراطي تحسين موقفه بوصفه فاعلًا سياسيًّا شرعيًّا، وكان مرشحًا لجذب الدعم الشعبي من جميع قطاعات المجتمع التركي عرقل حزب العمال الكردستاني هذا التقدّم، حيث حاول أن يكون فاعلًا مؤثرًا في منطقة الشرق الأوسط التي تعاني الاضطرابات. وفي نهاية المطاف، كان حزب العمال الكردستاني عقبة رئيسة في طريق تقدمه، حيث إنه كان صاحب الكلمة الأخيرة في عملية المصالحة. لكن بشكل عام، حاول حزب العمال الكردستاني وحزب الشعوب الديمقراطي تحويل الدعم المجتمعي خلال هذه الفترة إلى تمرد مدني. وبسبب وجود حزب العمال الكردستاني في سوريا، كان من الممكن للمجتمع الدولي أن يؤيد مثل هذا التمرد. غير أن هذه الخطط لم ترُق للسكان المحليين، وانهزم حزب العمال الكردستاني هزيمة نكراء في خنادقه، وأخفقت إستراتيجياته ومحاولات إشعال حرب المدن.

تراجع الثقة وعدم وجود أطراف ثالثة

كانت عملية المصالحة عنصرًا مثيرًا ولاسيّما بين السكان الأكراد في تركيا. وفي المناطق الشرقية والجنوبية الشرقية، فقد بعثت على الأمل في تحقيق سلام دائم. وبما أن الحركة القومية الكردية كانت الممثل الرئيس للأكراد في عملية المصالحة، شعر الأكراد الذين لا ينتمون إلى الحركة بأنه تم إقصائهم. بالنسبة للحركة القومية الكردية، من ناحية أخرى، تسببت عملية المصالحة والتطورات في سوريا، وخاصة حصول حزب الاتحاد الديمقراطي على الحكم الذاتي، في الرغبة في بناء أمة.

ومع أن معظم الشعب التركي نظر إلى عملية المصالحة بريب وشك، إلا أن تفاني حكومات حزب العدالة والتنمية  في العملية كان له أثر إيجابي في الدعم الشعبي. على أي حال وعلى الرغم من كل المخاوف السابقة، كان الناس سعداء بوقف إطلاق النار بين قوات الأمن وحزب العمال الكردستاني. لكن لابدّ من الإشارة إلى أن العملية لم تتسم بالشفافية بوجه عام، وأن زعماء الطرفين قاموا بدور كبير في إقناع قواعدهم، بينما ظلّت الأحزاب المعارضة والمنظمات غير الحكومية متشككة من العملية بسبب غياب الشفافية. ورغم مطالبتهم مرات عديدة بالاطلاع على العملية، لم يتمكنوا من الحصول على المعلومات اللازمة. على كل حال، أدّت لجنة الحكماء دورًا مهمًّا طوال العملية، رغم أن إستراتيجية اتصالها كانت أحادية الاتجاه، ولم تشمل شرح العقلية العامة وتفاصيل عملية المصالحة للمواطنين.

من جهة أخرى، أدت العديد من الحوادث إلى تقويض الثقة المتبادلة بين حكومة حزب العدالة والتنمية والحركة القومية الكردية، الأمر الذي جعل عملية المصالحة أكثر تعقيدًا. كذلك، أثارت أحداث 6-8 أكتوبر شكوكًا خطيرة داخل الحكومة فيما يتعلق بنوايا الحركة. فقد قتل أكثر من 50 شخصًا خلال هذه الاضطرابات، ودُمِّرَ العديد من المدارس والمكتبات وغيرها من الممتلكات العامة. وأُصيبت حكومة حزب العدالة والتنمية والشعب التركي بالصدمة من درجة التخريب والعنف في هذه الأحداث. إضافة إلى ذلك، فإن انسحاب مقاتلي حزب العمال الكردستاني من الأراضي التركية لم يصل أبدًا إلى المستوى المنشود. وفي خضم هذه الأوضاع، كان حزب العمال الكردستاني يُنشِئ ويُدرِّب فروعه الشبابية، مثل حركة الشباب الثوري الوطني (YDG-H)، وحركة YDG-J  لإعدادهم للقيام بتمرد في المدن. كما ازدادت عمليات التسليح في بعض المدن أو المناطق الجنوبية الشرقية إلى مستوى مثير للقلق. كما أن الحصول على الأسلحة أصبح أمرًا يسيرًا بسبب الحرب في سوريا والعراق، كما تعرضت الحدود الجنوبية لتركيا إلى هزات أمنية خطيرة جراء تسلل المقاتلين والأسلحة. ساعدَ كلُّ هذه العوامل عودة حزب العمال الكردستاني إلى العنف، ولاسيّما مع وجود بلديات يديرها حزب الشعوب الديمقراطي HDPوحزب الأقاليم الديمقراطي DBP، اللذان سهلا له تخزين الأسلحة.

وبحسب وجهة نظر الحركة القومية الكردية، فإن النهج العدائي لحزب العدالة والتنمية AKP تجاه حزب الاتحاد الديمقراطي يتناقض مع أهداف عملية المصالحة والإطار العام لجهود المصالحة بين الحكومة التركية والحركة الكردية. ومن الجدير بالذكر أنه خلال هذه الفترة أيضًا، لم تُجْرَ التعديلات الدستورية التي تفي بطموحات الحركة الكردية بشأن دستور ديمقراطي وليبرالي. كما لم تُوصِي الحكومة علنًا ​​بوضع خارطة طريق للتشريعات المتعلقة بمطالب الحركة الكردية بشأن حكم قومي للأكراد. كذلك اتُّهِمت الحركة الحكومة بتقويض عملية المصالحة بإنكارها اتفاق دولما بهجه. وذلك بالرغم من أن الرئيس أردوغان لم يعترف أبدًا بمثل هذا الاتفاق. وقد أوضح أردوغان أن الادعاء الذي يقول إن الطرفين اجتمعا في قصر دولما بهجه ليس صحيحًا. كما أعرب عن مخاوفه من احتمال سوء استغلال لجنة المراقبة[41]. وأشار إلى أن عملية المصالحة تضم 78 مليون مواطن ومحور اهتمامها تركيا.

في 28 فبراير 2015، التقى وفد من أعضاء حزب الشعوب الديمقراطي، ضم سري سُريان أوندر، وإدريس بالوكن، وبرفين بولدان مع وفد من المسؤولين الحكوميين بقيادة نائب رئيس الوزراء يالتشن أكدوغان. وفي الاجتماع، قرأ كلٌّ من أكدوغان وأوندر كلمتيهما. ووفقًا لبعض المصادر الإخبارية، أدرج أوندر 10 مواد  تلخّص أولويات أوجلان[42]. ونفى الرئيس أردوغان ذلك بالقول: "أنا لا أعترف بعبارة: (اتفاق دولما بهجه)"، فهناك حكومة، وهناك حزب سياسي. وإذا كانت هناك خطوة يجب اتخاذها من أجل مستقبل البلد، فهناك برلمان يتوجب عليه القيام بذلك. ليس هناك اتفاق مع حزب سياسي تدعمه منظمة إرهابية".

وقال أردوغان "لا توجد دعوة للديموقراطية على أساس المواد العشر هذه. ما علاقة ذلك بالديمقراطية؟ عندما نتمعن في هذا الموضوع، يمكن ملاحظة أن معظم الموضوعات التي وردت في نص الكلمة لا علاقة لها بالديمقراطية. ولاتزال هناك مطالب جديدة في الطريق. لقد صدر بيان من نائب رئيس الوزراء، يناقض تلك المطالب، لا توجد بيانات مطابقة. ثم ماذا ناقشوا؟ هل يمكن أن نسميها إعلانًا مشتركًا؟ هل هناك شيء من هذا القبيل؟"[43]

وبما أن (اتفاق دولما بهجه) بين الحكومة ووفد حزب الشعوب الديمقراطي لم يتم بشكل جيد، فإن الثقة بين الطرفين تزعزعت، علاوة على ذلك، بدأ الجمهور يشكك في شفافية العملية. وفي نهاية المطاف، كانت هذه المسألة مثالًا ملموسًا على بعض أوجه القصور في عملية المصالحة. إن الافتقار إلى الشفافية، والصراعات في جدول أعمال الطرفين، وحقيقة أن الجمهور لم يكن مستعدًّا بعد للعملية- وقفت عائقا في طريق عملية المصالحة.

الأسباب الكامنة وراء إخفاق عملية المصالحة

هناك العديد من الأسباب المترابطة لإخفاق المبادرة الكردية وعملية المصالحة. وبصرف النظر عن التقلبات في السياسة الداخلية التركية، فإن الضبابية السائدة في المنطقة، وتأثير الجهات الفاعلة الإقليمية المهمّة، والمنافسة والنزاعات بين الرموز البارزة في الحركة القومية الكردية أدت أيضًا إلى الإخفاق. ومع أنه لا يمكن إنكار النجاح النسبي لكلتا العمليتين؛ إلا أنهما فشلا في تحقيق أهدافهما النهائية المتمثلة في وقف إطلاق النار على المدى الطويل وإيجاد حل دائم للمسألة الكردية في تركيا. وخلافًا للوضع في تسعينيات القرن الماضي، فقد تطورت المسألة الكردية وأصبحت مشكلة إقليمية شائكة؛ ولاسيّما بسبب الحروب الأهلية في العراق وسوريا. وقد شكل هذا العامل نوعًا من المرونة لحل المشكلة من خلال مبادرة تركيا فقط. وبالرغم من ذلك، لم تتعاون الجهات الدولية الفاعلة مع تركيا في حل القضية بمبادرتها الأحادية الجانب. وفي نهاية المطاف، فضلت تركيا تنفيذ العملية من خلال مبادرتها الخاصة، لكن لا يمكن إنكار أن غياب الدعم الدولي كان من بين أبرز أوجه القصور الرئيسة في العملية.

من الصعب تقييم كل سبب على حدة وتحديد العامل الأكثر تأثيرًا في إخفاق العملية. وباختصار، فإن العوامل الواردة فيما يلي تبرز الأسباب الرئيسة:

1- لم يكن الشعب، وبخاصة الأتراك المحافظون، مستعدين بعد للعملية.

2-  قام حزب العمال الكردستاني بتدريب وإعداد فروع شبابية للقيام بتمرد في المدن من خلال فروعه السياسية.

3- زادت قدرة حزب العمال الكردستاني على التعبئة، وأُتيحَت له فرص سياسية، وازدادت ثقته بالنفس؛ بسبب الحرب الأهلية السورية وتراجع الأمن في المنطقة.

4-  ارتفاع سقف توقعات الحركة القومية الكردية السياسية خلال هذه العملية مع قدرتها المتنامية على التعبئة.

5- إخفاق قادة حزب العمال الكردستاني في قنديل في إجراء التحول الفكري المطلوب لتحقيق السلام. إضافة إلى ذلك كانوا في حالة منافسة داخل الحزب مع القادة السياسيين المنتسبين إلى حزب الشعوب الديمقراطي، وحزب الأقاليم الديمقراطي.

6- تغير ميزان القوى بين الحكومة والحركة القومية الكردية تغيرًا كبيرًا طوال العملية.

7-  ظهور بعض مشكلات الثقة المتبادلة والسلامة؛ بسبب عدم وجود وسيط أو هيئة مراقبة أو ممارسة للسلطة.

وكان العامل الأبرز في فشل المبادرة الكردية هو عدم وجود استعداد مجتمعي. ففي إطار المبادرة الكردية، بُذِلت جهود عديدة في محاولة تهيئة الأجواء من أجل اتّخاذ خطوات مهمّة. لذلك كانت المناقشات العامة عنصرًا مهمًّا من عناصر العملية. وشكلت المبادرة الكردية الأرضية الخصبة لجهود التفاوض المباشر. ورغم أن هذه الجهود لم تمنع نشوب الصراعات، إلا أنها حققت عددًا من التغييرات الإيجابية. إذ استلزمت هذه المبادرة نقلة نوعية في الرأي الرسمي بشأن المسألة الكردية. ولأول مرة، اعترفت الأطراف الرسمية بأن المسألة الكردية ليست مجرد مشكلة إرهابية أو عنف، وأنه لابد من انتهاج طرق أخرى للتعامل معها بعيدًا عن النهج الأمني.

أسفرت المناقشات عن بعض النتائج في القطاعات الرسمية والنخبوية، ولكنها أخفقت في تحقيق تحول في القاعدة الشعبية. عمومًا، أدّى وقف الهجمات الإرهابية وتراجع أعداد الضحايا والخسائر في الممتلكات دورًا رئيسًا في إقناع الشعب. ومع ذلك، فإن نقاط الضعف، من حيث عودة العنف أدّت إلى حدوث ارتباك عام في المجتمع، فضلًا عن غياب الثقة المتبادلة التي كانت متوقعة. أيضًا لم يتمكن حزب العدالة والتنمية من إقناع قاعدته الشعبية بضرورة العملية. وعلى وجه الخصوص، ظلت القاعدة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية  تميل نحو الحلول البديلة. وإضافة إلى كل هذا، فإن الشرعية النسبية للممثّلين السياسيين المرتبطين بالحركة القومية الكردية جعلت بعضًا من مؤيدي حزب العدالة والتنمية الأكراد يميلون نحو حزب الشعوب الديمقراطي. كما أظهرت الأصوات المتأرجحة نهج قاعدة حزب العدالة والتنمية الشائك في عملية المصالحة.

كما أن الخطوات القانونية التي اتُّخِذت بشأن إصلاح حقوق الأفراد والجماعات من المواطنين الأكراد اتسمت بأهمية كبيرة وعُدَّت خطوات معتدلة. ومع أنها أخفقت في حل المسألة الكردية، إلا أنها أحدثت تغييرًا كبيرًا في مواقف الفاعلين الرسميين. ويَعُدّ البعض أن امتناع حكومة حزب العدالة والتنمية علنًا عن قبول الممثل الرئيس للحركة القومية الكردية محاوِرًا خلال المبادرة الكردية، جعلها مبادرة أحادية الجانب. كما يمكن القول أيضًا إن انعدام الثقة بين الفريقين تزايد خلال هذه الفترة. إنّ المبادرة الكردية تعرضت لانتقادات شديدة بسبب الطريقة التي استُقبِل بها مقاتلو حزب العمال الكردستاني عند استسلامهم عند معبر خابور الحدودي مع العراق، ولم تتمكن الحكومة من تلافي موجة الانتقادات العامة. وبالنظر إلى هذا الخلل في المبادرة الكردية، فقد أُخِذ البعد الدبلوماسي العام في الاعتبار بطريقة أكثر شمولية خلال عملية المصالحة.

عمومًا عند المقارنة مع المبادرة الكردية، يتضح أن عملية المصالحة كانت عملية شاملة وحازمة تسعى إلى إيجاد حل دائم للمسألة الكردية. وعلى عكس المبادرة الكردية، استندت العملية إلى التفاوض المباشر بين الأطراف الرئيسة. فقد حُدِّدت مراحل العملية بشكل مسبق، وكان هدفها نزع سلاح حزب العمال الكردستاني، وإنهاء فترة النزاع المسلح. وعلى الرغم من الاضطرابات الكبيرة التي مر بها حزب العدالة والتنمية، خاطرت حكومته بشكل كبير طوال العملية. وعلى الرغم من أن لجنة الحكماء أدّت دورًا من حيث الدبلوماسية العامة في عملية المصالحة، إلا أن الطرفين لم ينجحا في إقناع قواعدهما الاجتماعية بقبول الوضع الجديد.

وعلاوة على ذلك، لوحظ التباين بين حزب الشعوب الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني. فقد أدت الإنجازات السياسية لحزب الشعوب الديمقراطي إلى عدم الارتياح داخل الجناح المسلح للمنظمة. فقد رغبت قيادة حزب العمال الكردستاني في أن تكون لها الأسبقية على حزب الشعوب الديمقراطي، الذي ظهر بوصفه ممثلًا للحركة الكردية خلال العملية. وساد الارتباك في المجالات السياسية والمجتمعية الكردية. كما كان للمسلحين الكلمة الأخيرة فيما يتعلق بمستقبل العملية، ولم يرغب هؤلاء في تغيير هذا الوضع. كما لوحظ وجود ارتباك مماثل في قاعدة الحزب الحاكم. فقد واجه الحزب الحاكم صعوبة في شرح أهمية العملية لمؤيديه، حيث اقتربت القاعدة الشعبية لحزب العدالة والتنمية من العملية بشيء من الشك والحذر. ونتيجة لذلك، لم يتوفر الدعم المجتمعي القوي الذي يوازن بين التقلبات السياسية والعقبات ويسهم  في إحلال السلام. فلو اتُّبِع برنامج توجيهي شامل يخاطب الجمهور، وكان الرأي العام مرتبطًا بفكرة السلام الدائم، لأصيب المجتمع بخيبة أمل أكبر بسبب فشل العملية في نهاية المطاف. هذه إحدى المفارقات التي لوحظت في التنشئة الاجتماعية لعمليات السلام.

وفي خضم هذه التطورات، ازدادت قدرة تعبئة مقاتلي حزب العمال الكردستاني من خلال الدعم السياسي والدعم العسكري الدوليين لحزب الاتحاد الديمقراطي، وسهولة الحصول على أسلحة متطورة في سوريا. وهكذا كان لدى حزب العمال الكردستاني فرصة عظيمة لإعادة تنظيم نفسه في المناطق الحضرية بسبب المناخ الأمني المرن. كما كثفت منظومة المجتمع الكردستاني من جهودها السياسية في المدن خلال الفترة نفسها. وخلق هذا المناخ الناجم عن عملية المصالحة بيئة خصبة لحزب العمال الكردستاني ومنظومة المجتمع الكردستاني KCK لجمع السلاح والذخيرة والقيام بالدعاية السياسية بحرية شديدة. كما شجع هذا المناخ صقور المنظمة. في الواقع، أساءت المنظمة تفسير التدابير الأمنية المرنة واعتبرتها فرصة لزيادة تعبئتها. وقد زاد تراجع التدابير الأمنية من فرص حزب العمال الكردستاني وتعبئة المصادر من أجل تشجيع القيام بتمرد في المدن.

يُعَدّ وجود المناخ والموارد اللازمة للتمرد من بين أهم العوامل التي تشجع على الحروب الأهلية والصراعات العرقية[44]. وعادة تسير عمليات السلام مع افتراض أن الأطراف المشاركة في التفاوض تتعامل مع العملية بحسن نية. ولذلك، يتوقع من الأطراف المتصارعة مواصلة سلوكيات وإستراتيجيات بناءة خلال العملية. لذا، إذا أساءت بعض الأطراف استغلال أوجه الغموض في مجال الأمن، فمن الممكن أن تفشل العملية وأن تنشأ توترات لا يمكن إصلاحها بين الطرفين. أساء حزب العمال الكردستاني ومنظومة المجتمع الكردستاني استغلال الأجواء الناجمة عن عملية المصالحة والوضع في سوريا. خلال هذه العملية، خزَّنت المنظمة الأسلحة والذخيرة وسرَّعت أنشطتها الأيديولوجية الموجهة نحو الشباب. إضافة إلى ذلك، فسرت رموز الحركة القومية الكردية بناء الدولة للسدود والمحطات العسكرية التركية التي تسمى "كاليكول في سياق العملية، على أنها خطوات خبيثة وتهديدية. وبناءً عليه، تعرضت مواقع البناء والشركات التي تتولى عمليات البناء والسدود لهجمات وإشعال للحرائق من قبل المنظمة. كما أثارت هذه الإنشاءات والجهود الرامية إلى منع تسليح حزب العمال الكردستاني انتقادات وردود فعل واسعة داخل حزب العمال الكردستاني.

وقد أثر نجاح حزب الشعوب الديمقراطي في الانتخابات العامة التي جرت في يونيو 2015 والاستقلال الذاتي لحزب الاتحاد الديمقراطي في شمال سوريا في حزب العمال الكردستاني. وفي أمل تأسيس نظام حكم ذاتي مستقل في الأراضي التركية. أعلنت منظومة المجتمع الكردستاني الحكم الذاتي في حوالي 12 مقاطعة في تركيا في 12 أغسطس 2015. وقد كان للدعاية المؤثرة لمنظومة المجتمع الكردستاني ولدبلوماسيتها العامة وجهودها في التعبئة دورٌ في هذه النتيجة. وبعد هذا الإعلان، ارتفعت النزعات القومية بين الأتراك والأكراد. ومع أن حزب الشعوب الديمقراطي نجح في المجال السياسي، إلا أن هذا لم يعنِ أن الأعمال العنيفة التي تقوم بها الحركة القومية الكردية قد تم التغاضي عنها. عمومًا، استفاد الحزب من الوضع الجديد الناجم عن عملية المصالحة. وفي الوقت نفسه، أدت نجاحات حزب العمال الكردستاني في شمال سوريا ونجاح حزب الشعوب الديمقراطي في السياسة إلى ارتفاع سقف توقعات الحركة القومية الكردية في هذه العملية. وأصبح من الصعب تحقيق توقعاتهم من خلال المفاوضات وحدها، لأنهم أيضًا فسروا مكاسبهم على أنها نقطة ضعف في الحكومة التركية.

لا جدل أن عملية المصالحة لم تُدعَم بخطة وخارطة طريق واضحتين، وهو الأمر الذي يعد أحد أوجه القصور الكبيرة في العملية. إن الحكومة اعتزمت اتخاذ سلسلة من الإصلاحات التي من شأنها أن تسمح بتطبيق المعايير الديمقراطية والعالمية لحقوق المجموعات في سياق المسألة الكردية، ومن ثَمّ توقعت وقفًا دائمًا للصراع المسلح الذي يقوم به حزب العمال الكردستاني. ومن ناحية أخرى، سعت الحركة القومية الكردية إلى تحقيق وضع سياسي معين، من شأنه أن يمنحها درجة من السلطة. وتمركزت جهودها حول الفيدرالية/الحكم الذاتي والاستقلال. إنّ الاستقلال الذاتي لحزب الاتحاد الديمقراطي في بعض مقاطعات شمال سوريا أمدها بالثقة بأنها تستطيع توسيع نطاق استقلالها داخل الأراضي التركية. كما أنّ التوقعات تذبذبت، حيث لم تكن هناك خارطة طريق واضحة. وفي نهاية الأمر، اتضح أن تقارب الطرفين حول النقطة نفسها كان مستحيلًا؛ فقد اتجه قادة قنديل نحو أفضل بديل لاتفاق تفاوضي. وأدت موجة العنف والإرهاب على مدار السنتين الماضيتين إلى أزمة ثقة يصعب التغلب عليها، وهو ما جعل هذه الخطوة مستحيلةً تقريبًا.

ولا شك أن احتجاجات غيزي بارك، ومحاولة الانقلاب القضائي بين  17-25 ديسمبر وخسارة حزب العدالة والتنمية لأغلبيته البرلمانية في انتخابات يونيو وانتقاد حكومة حزب العدالة والتنمية كثيرًا لسوريا- كانت من بين أهم الأسباب التي أعاقت الحزب. وعلى المستوى الدولي، فإن رئيس الوزراء الأسبق والرئيس الحالي منذ 2014، أردوغان- كان موضع انتقادات واسعة بسبب الاتهامات السابق ذكرها، وبسبب موقفه من الربيع العربي. إذ واجه أردوغان وحزب العدالة والتنمية حملة تشهير واسعة النطاق على الساحة الدولية.

وفي خضم هذه التطورات، كان حزب الاتحاد الديمقراطي يصور نفسه على أنه الطرف العلماني الوحيد الذي يقاتل ضد داعش وضد جبهة النصرة في الحرب الأهلية السورية. وبناءً عليه، عُزِّزت شرعية حزب الاتحاد الديمقراطي، ولاسيّما بدعم الدول الغربية، من شرعية حزب العمال الكردستاني وموقفه. وحتى انتخابات نوفمبر 2015، تراجعت صورة ومكانة حكومة حزب العدالة والتنمية في الوقت الذي تمتع فيه حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني بصورة المقاوم أو (علاج) داعش. كما عزَّز نجاح حزب الشعوب الديمقراطي من ثقة الحزب بنفسه.

ولا جدال أن عدم وجود هيئة مراقبة، كان سببًا آخر لعدم نجاح العملية. بدأت عملية المصالحة برغبة كبيرة من جانب الطرفين، إلا أنها لم تلبّ التوقعات الرئيسة لبعض الأطراف. فألقى كل طرف اللوم على الطرف الآخر بعدم الوفاء بالتزاماته تجاه الآخر طوال العملية. ولم يسحب حزب العمال الكردستاني مقاتليه من الأراضي التركية بشكل تام، كما لم يُنزَع سلاح المقاتلين في المناطق الحضرية. كذلك كان عدم وجود طرف ثالث يراقب عملية نزع السلاح والتزامات كل طرف تجاه الآخر من بين أكبر أوجه القصور في العملية.

وبدلًا من سحب مسلحيه من تركيا، شكّل حزب العمال الكردستاني فروعًا شبابية تحت مسميات YDG-H، وYDG-J، ركزت على الشباب في المدن من أجل القيام بتمرد. كما أنّ رفض حكومة حزب العدالة والتنمية لاجتماعات دولما بهجه أدى إلى إحباط الحركة القومية الكردية. فلو كان هناك طرف ثالث بصفة جهاز مراقبة، لكان من الممكن أن يعزز هذا من شفافية العملية، كما كان من الممكن أن يقدّم ذلك الطرف الثالث إسهامات كبيرة للحكومة والحركة القومية الكردية. إلى جانب ذلك، كان من الممكن أن تثمر إدارة العملية بشكل جيد ومنظم عن نتائج إيجابية ودائمة. إنّ أوجه القصور هذه في تصميم العملية أدت إلى حدوث أزمة في محادثات السلام.

الخاتمة

على الرغم من أن عملية المصالحة وصلت إلى نهايتها بحكم الأمر الواقع، إلا أنه لا يزال من المتوقع أن تكون في مرحلة من الجمود، ويمكن إعادة بدئها بمنطق مختلف في ظل ظروف مواتية. ومن دون أدنى شك، ستكون التغييرات في السياق الإقليمي الطريق الأمثل نحو أيّ خطوات مستقبلية. ويجب الأخذ بالحسبان أنه حتى لو ظهرت حلول جديدة للمسألة الكردية، فمن الواضح أن صناع القرار الأتراك لن يقبلوا مجددًا بحزب العمال الكردستاني نظيرًا لهم. على كل حال، ستكون الدروس الإيجابية والسلبية المستخلصة من المبادرات الفاشلة أساسًا لعمليات السلام في المستقبل. بناءً على ما سبق، وبعد كل هذه التطورات في العراق وسوريا خلال العامين الماضيين، يبدو أن القضية الكردية قضية إقليمية أكثر منها قضية محلية، وأن أيّ مبادرة سلام جديدة يجب أن تتمّ في إطار إقليمي أوسع، إذا أُرِيد لها أن تكون أكثر فعالية.

الهوامش والمصادر:

 

[1] Jonathan Tonge, Comparative Peace Processes, (Cambridge: Polity, 2014), p. 7; John Darby and Roger Mac Ginty (Eds.),  The Management of Peace Processes. (London and New York: Palgrave Macmillan, 2000), pp. 6-8.

[2] Tonge, Comparative Peace Processes.

[3] John Darby and Roger Mac Ginty (Eds.), Contemporary Peacemaking: Conflict, Peace Processes and Post-war Reconstruction, (New York: Palgrave Macmillan, 2003), p. 2.

[4] Johan Galtung, “Violence, Peace, and Peace Research,” Journal of Peace Research, Vol. 6, No. 3 (1969), pp. 167-191.

[5] للاطلاع على تفصيل خطوات التحول الديمقراطي التي اتُّخِذت خلال عهد حزب العدالة والتنمية AKP، انظر: The Silent Revolution: Turkey’s Democratic Change and Transformation Inventory 2002-2014,” (Ankara: The Undersecretariat of Public Order and Security, 2014).  

[6] تُوصَف الحركة الوطنية الكردية أو الحركة العرقية القومية الكردية في هذه الدراسة بمصطلح محدد، يتضمن جميع المنظمات الاجتماعية والسياسية، والوحدات المسلحة، والشبكات الدولية، وشبكات الجريمة، والمنظمات الإرهابية (PKK) التي ترتبط بعبد الله أوجلان وأفكاره بشأن النضال الثوري ضد الدولة التركية. تُصنِّف العشرات من الدول والمنظمات الدولية حزب العمال الكردستاني PKK، الفاعل المهيمن داخل الحركة القومية الكردية- بأنه منظمة إرهابية. إنّ الحركة القومية الكردية تتبنى العنف جزءًا من إستراتيجيتها. وتضم الحركة القومية الكردية؛ المنظمة المظلة KCK (منظومة المجتمع الكردستاني)، وحزب العمال الكردستاني  PKK، والأحزاب السياسية الشرعية HDP (حزب الشعوب الديمقراطي)، وDBP (حزب الأقاليم الديمقراطي)، والفرع الأوروبي لمنظومة المجتمع الكردستاني KCK. هناك بعض الجهات الكردية القومية الأخرى، مثل شبكات الجريمة ومنظمات المجتمع المدني التي لا ترتبط أو تتبع أوجلان وأيديولوجيته. ولا تَعُدّ هذه المنظمات والشبكات جزءًا من الحركة القومية الكردية. وبهذا فإن الحركة القومية الكردية بركائزها في سوريا والعراق وإيران وأوروبا، تحولت إلى منظمة عابرة للحدود.

[7] Erhan Seven, “Kürt Sorunu Benim Sorunum,” Yeni Şafak, (August 13, 2005), retrieved May 4, 2017 from http://www.yenisafak.com/arsiv/2005/agustos/13/p01.html.

[8] Seven, “Kürt Sorunu Benim Sorunum.”

[9] Sezen Ceceli Köse, “Müzakereci Demokrasi Kuramı ve Toplumsal ve Politik Dönüşümün İmkanları: Kürt Açılımı Üzerine Bir İnceleme,”Spectrum, No. 89 (2012)’ p. 115.

[10] Hüseyin Yayman, Şark Meselesinden Kürt Açılımına Türkiye’nin Kürt Sorunu Hafızası (Ankara: SETA Yayınları XII, 2011) pp. 375-377.

[11] Akdoğan, op. cit. in note 83, pp. 19-21.

[12] Pamphlets like “Sorular ve Cevaplarıyla Demokratik Açılım Süreci: Milli Birlik ve Kardeşlik Projesi” were published by the AK Party in January 2010.

[13] “Turkey’s Kurdish Conflict: An Assessment of the Current Process,”DPI-Democratic Progress Institute, (November 2013).

[14] في 29 يوليو  2009، بدأت حكومة حزب العدالة والتنمية AKP المبادرة الكردية، التي تسمى أيضًا المبادرة الديمقراطية والتي قامت على سياسة إرساء الديمقراطية. تولى وزير الداخلية بشير أتالاي جهود تنسيق المبادرة. لاحقًا أُعِيدَت تسميتها بمشروع الوحدة الوطنية والأخوة في يناير ، 2010 وأصدر حزب العدالة والتنمية كتيبًا تحت عنوان Sorularla ve Cevaplarıyla Demokratik Açılım Süreci: Milli Birlik ve Kardeşlik Projesi                                                          أسئلة وأجوبة حول عملية المبادرة الديمقراطية: مشروع الوحدة الوطنية والأخوة لتقديم المشروع.

[15] "أوجلان يدعو المسلحين الأكراد إلى ترك السلاح من أجل تركيا جديدة"، صحيفة حريت، (21 مارس 2013)، استرجاع 7 مارس 2016 “Öcalan Calls on Kurdish Militants to Bid Farewell to Arms for a New Turkey,”Hurriyet Daily News, (March 21, 2013), retrieved March 7, 2016 from http://www.hurriyetdailynews.com/pkk-leader-tells-militants-to-leave-turkey-in-nevruz-message.aspx?pageID=238&nID=43373&NewsCatID=338.

[16] وفقًا للتقديرات انسحب 10 إلى 20 في المئة من مقاتلي حزب العمال الكردستاني PKK من تركيا. في 27 يونيو 2013، وأعلن رئيس الوزراء أردوغان آنذاك أن 15٪ فقط انسحبوا من الأراضي التركية. "فقط انسحب 10-15 في المئة- أردوغان،" حريت ديلي نيوز، (27 يونيو 2013)، استرجاع 13 ديسمبر 2013”Hurriyet Daily News, (June 27, 2013), retrieved December 13, 2013 fromhttp://www.hurriyetdailynews.com/only-10-to-15-percent-of--pkkmilitants-withdrew-pm-erdogan.aspx?pageID=238&nid=49619.

[17] “Kurdish PKK Rebels ‘Halt Turkey Pull-out,’”BBC News, (September 9, 2013), retrieved fromhttp://www.bbc.co.uk/news/world-europe-24013837; “Turkey’s Kurdish Conflict: An Assessment of the Current Process,” p. 34.

[18] “63 Kişilik Akil Insanlar Heyeti Açıklandı,” Memurlar, retrieved March 7, 2016 fromhttp://www.memurlar.net/haber/356638/.

[19] “Turkey’s Kurdish Conflict: An Assessment of the Current Process,” p. 45.

[20] “Çözüm Süreci İhracatı Artırdı,”Milliyet, (April 8, 2014), retrieved June 24, 2016 fromhttp://www.milliyet.com.tr/cozum-sureci-ihracati-artirdi/ekonomi/detay/1863918/default.htm.

[21] “İşte HDP’li Belediyelerin Sabıka Kaydı,”Güneş, (September 18, 2016), retrieved September 21, 2016 fromhttp://www.gunes.com/gundem/ste-hdpli-belediyelerin-sabika-kaydi-719392.

[22] لجأ حوالي 300 ألف شخص من كوباني، معظمهم من الأكراد، إلى تركيا، عندما حاصرت داعش المدينة في سبتمبر 2014. و طُهِّرت كوباني من داعش في فبراير 2015، وبدأ السكان يعودون إلى المدينة. "العودة إلى كوباني بعد 5 أشهر"، الجزيرة،             “5 Ay sonra Kobani’ye Dönüş,”Aljazeera, retrieved September 20, 2016 from http://www.aljazeera.com.tr/haber/5-ay-sonra-kobaniye-donus.

[23] بالنسبة لحزب الشعوب الديمقراطي HDP، تعني Yستراتيجية الاندماج في تركيا التحول إلى حزب يساري يجذب ناخبي تركيا، ويتخلّص من صورة الحزب المؤيد للعرق الكردي في منطقة واحدة فقط. يمكن القول إن إستراتيجية الحزب نجحت في الانتخابات العامة في 7 يونيو 2015.

[24] DTK Sonuç Bildirgesi Açıklandı”, imctv.com, (December 27, 2015), retrieved fromhttp://www.imctv.com.tr/dtk-kongresinin-sonuc-bildirgesi-aciklandi-tam-metni/.

[25] This prediction is based on an analysis presented by polling company KONDA. “7 Haziran Sandık ve Seçmen Analizi,”KONDA, (June 18, 2015).

[26] عاود حزب العمال الكردستاني PKK شنّ هجماته على قوات الأمن التركية في 22 يوليو 2015 في جيلانبنار، شانلي أورفا، وقتل اثنين من ضباط الشرطة. واعتبرت الحكومة أن هذا الحادث أنهى عملية المصالحة. The attack was regarded by the government as the incident that ended the reconciliation process. “Ceylanpınar’da İki Polis Şehit, (July 23, 2015), retrieved from http://www.milliyet.com.tr/ceylanpinar-da-2-polis-sehit-gundem-2091335/.

[27] يرى تيموثي سيسك أن النخب السياسية قد تلعب بورقة الإثنية في المجتمعات المنقسمة طائفيًّا أو عرقيًّا أو دينيًّا، وذلك لخلق الشعور بالخوف في المجتمع أو الحصول على دعم المتطرفين.                                                                    Timothy Sisk, “Elections in the Wake of War: Turning Points for Peace?,” in Legitimacy and Peace Processes: From Coercion to Consent, ACCORD, No. 25 (2014), pp: 31-34. Also, United Nations System Staff College (UNSSC) report shows that elections triggered social, economic and political tensions in Kenya, Haiti and Ivory Coast (p. 9). For more see:“The Role of Elections in Peace Processes: When and How They Advance Stability or Exacerbate Conflicts,”UNSSC, (2011).

[28] حركة غولن، أو FETÖ ، تعرف على أنها شبكة دينية عابرة للحدود ونشطة في مجال التعليم. لفَّق عدد من المدّعين العامين الذين ينتمون إلى حركة غولن اتهامات بالفساد لأردوغان وعائلته في 17 و 25 ديسمبر 2013. توغلت الحركة في مؤسسات الدولة لعقود وحاولت في نهاية المطاف القيام بانقلاب عسكري في 15 يوليو 2016 .

   "زعيم حزب العمال الكردستاني PKK: تركيا تحمي داعش من خلال مهاجمة الأكراد"، بي بي سي، (10 أغسطس / آب 2015)، تم استرجاعها من: http://www.bbc.com/news/world-europe-33818282.

[29] PKK Leader: Turkey Is Protecting IS by Attacking Kurds”, BBC, (August 10, 2015), retrieved fromhttp://www.bbc.com/news/world-europe-33818282.

[30] “PKK’lı Duran Kalkan’dan İki Bomba Açıklama,”(June 16, 2015), retrieved from http://www.haberler.com/pkk-li-duran-kalkan-yasa-anayasa-degismeden-hdp-7420153-haberi/.

[31] اعتبر 21 مارس 2013 البداية الرسمية لعملية المصالحة. خلال احتفالات النوروز في ديار بكر في ذلك اليوم، تمت قراءة الرسالة التي صاغها أوجلان، والتي ركزت على السلام والحل الديمقراطي للمسألة الكردية على مسامع الجمهور.

[32] Metin Gürcan, “PKK Looks to the Future with Creation of Youth Militia,”Al Monitor, (August 31,2015), retrieved from http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2015/08/turkey-kurds-pkk-armed-young-militias.html#.

[33] “Kobani’den Kaçan Kürtlerin Dostu Türkiye’dir,”Anadolu Agency, (September 24, 2014), retrieved fromhttp://aa.com.tr/tr/politika/kobaniden-kacan-kurtlerin-dostu-turkiyedir/117059.

[34] في سبتمبر/ أيلول 2014، حاصرت داعش مدينة كوباني، وهي المدينة ذات الأغلبية الكردية وتقع على الحدود الشمالية السورية مع تركيا. وقد دعا الرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي HDP صلاح الدين دميرتاش الشعب الكردي إلى النزول إلى الشوارع للاحتجاج على صمت حزب العدالة والتنمية AKP فيما يتعلق بحصار كوباني. وقد قُتِل أكثر من 50 مواطنًا كرديًّا تابعين لحركة هُدى بارHÜDA-PAR  (حزب القضية الحرة) في تلك الحوادث التي اندلعت بناءً على دعوة ديميرتاش، كما اندلعت الحرائق في العديد من الأماكن العامة. ولم تُوقف أحداث 6و8 أكتوبر عملية المصالحة، ولكنها أحدثت أزمة ثقة بين حزب العدالة والتنمية AKP وأنصار حزب الشعوب الديمقراطي HDP وحزب العمال الكردستاني PKK. انظر: Vahap Coşkun, “The Kurdish Peace Process: October 6-8 Events and Beyond,”Dicle Üniversitesi Hukuk Fakültesi Dergisi, Vol. 20, No. 32 (2015), pp.1-12; Ali Dağlar, “6-7 Ekim’in Acı Bilançosu: 50 Ölü,”Hürriyet, (November 6, 2014), retrieved from http://www.hurriyet.com.tr/6-7-ekim-in-aci-bilancosu-50-olu-27525777

[35] David Ignatius from Washington Post and Kate West from Middle East Eye were among the journalists and bloggers who sided with supporting the PKK or the PYD against the “Islamists” in the Middle East. Kate West “The Female Guerilla Fighter of the PKK,”(July 31, 2015), retrieved fromhttp://www.middleeasteye.net/in-depth/features/female-guerrilla-fighters-pkk-2044198184; David Ignatius, “White House Dithering Paralyzes U.S.’s Best Ally for Fighting the Islamic State,” (September 22, 2015), retrieved from https://www.washingtonpost.com/opinions/white-house-dithering-paralyzes-uss-best-ally-for-fighting-the-islamic-state/2015/09/22/ba8fe4be-6151-11e5-8e9e-dce8a2a2a679_story.html. The content is presented with a photo of a female YPG fighter.

[36] وبفضل اهتمام الناخبين الشباب، ازدادت شعبية ديميرتاش بعد الانتخابات الرئاسية. يوضح وهاب جوشكون أن ديميرتاش حصل أيضًا على دعم الناخبين الأكراد الذين دعموا حزب العدالة والتنمية AKP من قبل، وخاصة الأكراد الذين يعيشون في المناطق الغربية من البلاد، بغض النظر عن نسبة الـ10 في المئة العتبة الانتخابية. انظر: وهاب جوشكون، Vahap Coşkun, “What Demirtaş Achieved in the Presidential Election,”Daily Sabah, (August 20, 2014).

[37] خلال الانتخابات الرئاسية، زاد ديميرتاش من أصوات حزب الشعوب الديمقراطي HDP وحزب السلام والديمقراطية BDP بمقدار مليون صوت مقارنة بانتخابات 30 مارس المحلية. وفي المدن الكبرى، مثل إسطنبول وأنقرة وإزمير، تضاعف معدل التصويت لحزب الشعوب الديمقراطي HDP؛ فحصل على 236435 صوتًا في إسطنبول، و 99302 في إزمير و67219 صوتًا في أنقرة. وارتفعت معدلات التصويت من 4.84 إلى 9.09 في المئة في إسطنبول، ومن 3.37 إلى 7.98 في المئة في إزمير، ومن 0.87 إلى 3.46 في المئة في أنقرة. Hatem Ete, “Demirtaş Kimden Oy Aldı?,”,Akşam, (August 21, 2014).

[38] "لن نجعلك رئيسًا" كان شعار حملة حزب الشعوب الديمقراطي HDP في انتخابات 7 يونيو 2015 العامة. وحصدت هذه الحملة  أيضًا الأصوات في المناطق الغربية إلى جانب القاعدة التقليدية لحزب الشعوب الديمقراطي HDP وحزب السلام والديمقراطية BDP.

[39] In an interview he gave to Die Zeit, Cemil Bayık alleged that President Erdoğan is the khalifa of ISIS.  “Bayık: İŞİD’in Halifesi Erdoğan,” Deutsche Welle Türkçe, (December 17, 2014), retrieved fromhttp://www.dw.com/tr/bayık-işidin-halifesi-erdoğan/a-18136987

[40] Talha Köse, “Identity Dynamics of the June and November 2015 Elections of Turkey: Kurds, Alevis and Conservative Nationalists,”Insight Turkey, Vol. 17, No. 4 (2015), pp. 110-112.

[41] Cumhurbaşkanı Erdoğan Ukrayna Dönüşü Konuştu: İzleme Heyetide, Dolmabahçe Toplantısı da Yanlış,” Habertürk,(March 22, 2015), retrieved September 25, 2015 fromhttp://www.haberturk.com/gundem/haber/1056503-erdogan-izleme-heyeti-de-dolmabahce-toplantisi-da-yanlis.

[42] “Erdoğan’s Denial of ‘Dolmabahçe Agreement’ Sparks Row,”Hurriyet Daily News, (July 20, 2015), retrieved March 7, 2016 fromhttp://www.hurriyetdailynews.com/erdogans-denial-of-dolmabahce-agreement-sparks-row.aspx?pageID=238&nID=85656&NewsCatID=338.

[43] “Erdoğan Dolmabahçe’yi de 10 Maddeyi de Eleştirdi,”Aljazeera Turk, retrieved May 24, 2016 from http://www.aljazeera.com.tr/haber/erdogan-dolmabahceyi-de-10-maddeyi-de-elestirdi.

[44] Paul Collier and Anke Hoeffler, “Greed and Grievance in Civil War,”Oxford Economic Papers, Vol. 56, No. 4 (2004), pp. 563-595; Paul Collier, Anke Hoeffler and Dominic Rohner, “Beyond Greed and Grievance: Feasibility and Civil War,”Oxford Economic Papers, Vol. 61, No. 1 (2009), pp. 1-27; Paul Collier and Anke Hoeffler, “Civil War,”Handbook of Defense Economics, No. 2 (2007), pp. 711-739.


ملصقات
 »