رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

حصار غزة: الواقع والأبعاد والتداعيات

يعاني قطاع غزة منذ بدايات عام 2006م أوضاعًا اقتصادية واجتماعية وإنسانية صعبة؛ بسبب الحصار الإسرائيلي الذي يشترط لرفعه الاعتراف بشروط الرباعية الدولية، ونبذ المقاومة؛ لذا صار من المؤكد أن هذا الحصار المتأزّم له أبعاده السياسية على مجمل القضية الفلسطينية بشكلٍ عام، وعلى قطاع غزة بشكلٍ خاص

حصار غزة: الواقع والأبعاد والتداعيات

 ملخص يعاني قطاع غزة منذ بدايات عام 2006م أوضاعًا اقتصادية واجتماعية وإنسانية صعبة؛ بسبب الحصار الإسرائيلي الذي يشترط لرفعه الاعتراف بشروط الرباعية الدولية، ونبذ المقاومة؛ لذا صار من المؤكد أن هذا الحصار المتأزّم له أبعاده السياسية على مجمل القضية الفلسطينية بشكلٍ عام، وعلى قطاع غزة بشكلٍ خاص. ناقشت هذه الدراسة واقع ومسببات الحصار الإسرائيلي منذ بداياته، وأثره على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وقد خلُصت الدراسة إلى أن الحصار الإسرائيلي قائم حتى اللحظة بآثاره الكارثية على مواطني قطاع غزة، وهم متضررون إنسانيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وصحيًّا وبيئيًّا بشكل غير مقبول. وتوصي الدراسة بضرورة التحرك على المستويات المحلية والإقليمية والدولية كافة، مع مراعاة أن التشريعات والقوانين الدولية بصيغها المعروفة تُعَدّ إحدى الدعائم الفاعلة في رفع الحصار إذا استُثمِرت بالشكل الصحيح.

مقدمة

      يشكل الحصار المفروض على غزة منذ منتصف عام 2006 وحتى إخراج هذه الدراسة، أزمة خانقة بمستويات متشعبة على أكثر من مليوني فلسطيني، يقبعون على منطقة جغرافية لا تزيد على 365 كم مربع، هذا الحصار الذي أضحى يتفنّن فيه القريب والبعيد، سواء أكان ذلك بشكل مباشر أم غير مباشر، حيث طالت المعاناة الناشئة بفعل هذا الجور مختلف أوجه الحياة في غزة، وأحالت واقع السكان فيه إلى جحيم لا يطاق. ولاسيّما -كما ذُكِر آنفًا- أن غزة تشكل جزءًا ضيقًا على خارطة الجغرافيا الفلسطينية: إمكانات محدودة، موارد شحيحة، سيطرة محكمة من العدو الصهيوني استمدها ممّا يسمى اتفاقية (أوسلو) التي أتاحت له -رغم انسحابه من غزة صيف 2005 فيما يسمى بفكّ الارتباط عن غزة- أن يُطْبق فكيه على مداخل غزة ومخارجها، وأن يتحكم بأرضها وبحرها وجوها، ويمارس عليها صنوف المنع والإغلاق بدون مساءلة من أحد.

ونبّهت مذكرة تحديث موقف قدّمها المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان مؤخرًا وبعد مرور أحد عشر عامًا على الحصار بشأن الأوضاع في غزة- إلى أن: "جميع القطاعات الحيوية في غزة تشهد انهيارًا غير مسبوق، وتدهورًا ينذر بأضرار طويلة الأمد"[1]، وقد تناولت المذكرة مختلف مناحي الحياة في غزة، التي تأثّرت بالحصار، كالواقع الصحي المتردي، حيث العجز في المستهلكات والمستلزمات الطبية، وكذلك الركود الاقتصادي المتفاقم، الذي بطبيعة الحال له أثره في الأوضاع الاجتماعية لسكان غزة، كذلك تطرقت المذكرة للحديث عن أزمة الوقود والرواتب التي زادت من حدة الحصار.

ومن المؤكد كذلك أن هذا الحصار المتأزم يومًا بعد يوم كانت له أبعاده السياسية على واقع الحالة الفلسطينية سواء على مجمل القضية الفلسطينية برمتها أم على قطاع غزة بشكل خاص، وهذا ما سيتم التطرق إليه في هذه الدراسة، إضافة إلى آثاره في المجتمع الغزي اقتصاديًّا واجتماعيًّا وبيئيًّا، مع العلم أن هذا الحصار الجائر نَدَر أن يمارسه أحد في هذا العصر الذي يتباهى فيه العالم بالتحرر والتمدن والمثالية.

 

واقع الحصار على قطاع غزة ومبرراته وملامحه العامة

ما المقصود بحصار غزة؟

المقصود بحصار غزة على وجه الخصوص: "أنه حبس أهل غزة فيها، ومنعهم من الخروج منها أو الدخول إليها، ومنع الحركة التجارية، بل ودخول المساعدات الإنسانية وغيرها، وما يترتب على ذلك من إلحاق الضرر الفادح بالناس: أصحاء ومرضى؛ بسبب نقص الطعام والشراب والدواء والوقود اللازم وزيادة البطالة"[2].

بدايات الحصار على قطاع غزة ومبرراته

يمكننا القول إن الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة سياسيًّا بدأ بسعي (إسرائيل) -منذ إعلان حركة حماس في مارس/ آذار 2005 عزمها على المشاركة في الانتخابات التشريعية- إلى تجنيد المجتمع الدولي ضد مشاركة حماس في الانتخابات، وبعد فوز حماس في الانتخابات استكملت (إسرائيل) شروطها للتعامل مع الحكومة الجديدة، وتزايد الحصار منذ اختطاف الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في شهر حزيران- يونيو 2006، إلا أن وطأة الحصار اشتدت وبلغت ذروة عالية مع سيطرة الحكومة التي تديرها حركة حماس على غزة عسكريًّا منتصف سنة 2007.[3]

مع التنبيه إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي وبعد أن أعادت انتشار قواتها من غزة وبعض مناطق الضفة بعد احتلال دام 37 عامًا كان لها هدف التملص من المسؤولية عن الانتهاكات المتواصلة التي تنتهكها بحق المدنيين العزّل، ولكنها في الوقت نفسه تأبى إلغاء التحكم بهم، والسيطرة عليهم... إذن هي رفعت اليد القانونية والأخلاقية منعًا للمساءلة الدولية، وأبقت السيطرة غير المباشرة، وأمعنت في ممارسة التحكم الخانق على الفلسطينيين في غزة.

وبعد تولي حركة حماس زمام الحكم في غزة إثر انتخابات 2006 التشريعية، زادت وتيرة الإمعان في الحصار الصهيوني على غزة بوصفه نوعًا من الإجراء العقابي ضد الخيار الديمقراطي الذي مارسه الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة، والذي فاجأت نتائجه القريب والبعيد، وبخاصة بعدما رفضت حركة فتح المشاركة في حكومة جديدة بأغلبية حمساوية، نتيجة ضغوطات إسرائيلية وتهديدات بمقاطعة السلطة، ووقف جميع أشكال الحوار معها، وأن عليها الضغط على حماس حتى تذعن لشروط الرباعية الدولية التي تشمل فكرة حلّ الدولتين باعتبارها نهاية للصراع الإسرائيلي- الفلسطيني.

بعد أن رفضت حركة حماس التسليم بشروط الرباعية، أخذت الخلافات تحتدم بين السلطة في رام الله والحكومة الجديدة في غزة، وقامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي وبمشاركة أطراف دولية بسلسلة من الإجراءات العقابية على الفلسطينيين في غزة خاصة، وكانت كالآتي:

  • وقف إعطاء الضرائب للسلطة الفلسطينية التي تجنيها دولة الاحتلال من الضفة الغربية (حوالي 55 مليون دولار شهريًّا كانت تعطيها للسلطة).
  • وقف المساعدات الدولية للسلطة الفلسطينية.
  • فرض قيود عل حركة الناس والبضائع داخل الأراضي الفلسطينية.
  • فرض أمريكا قيودًا بنكية خاصة[4].

 وفي هذا السياق يقول دينيس روس الذي كان آنذاك مبعوثًا خاصًّا للشرق الأوسط: "من حق الناخبين أن يختاروا من يشاؤون، ومن حقنا أن نتعامل مع من نشاء، فالانتخابات لا تصنع ديمقراطية، وليس علينا أن ندعم من يرفضون معتقداتنا"[5]. وفي هذه العبارة دليل واضح على أن المجتمع الدولي برمته لم يكن ليتقبل فكرة نجاح العمل الديمقراطي في الشرق العربي، وبناء عليه فقد بيّت هذا المجتمع مع إسرائيل نية محاربة من يمارسون الديمقراطية، وضرورة حصارهم بهدف تركيعهم، ودفعهم للعدول عن خيارهم. ومن البديهي أن فلسطينيي قطاع غزة رفضوا، إلى أن  وقع الخلاف المرير بين السلطة في رام الله والحكومة المنتخبة في غزة، وبدأت مرحلة من الانقسام البغيض، توقّفت بعدها العقوبات على الضفة الغربية، مقابل الإمعان في الحصار على قطاع غزة، حتى اليوم.

هذا ويرى الاحتلال الإسرائيلي في حصاره على قطاع غزة ذريعة قانونية وأمنية، بهدف السيطرة على منطقة جغرافية تحكمها حكومة حماس المنتخبة بشكل ديمقراطي شرعي نزيه.

الملامح العامة للحصار الإسرائيلي على قطاع غزة

تدابير الحصار الإسرائيلي بدأت كما أسلفنا مسبقًا بمجرد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية في شباط 2006، ولكن التشديد المحكم بدأ بمجرد توليها الحكم الفعلي على أرض غزة في حزيران 2007، وقد بدا واضحًا للعيان مدى تركيز الاحتلال الإسرائيلي على الضغط على قطاع غزة، وعزلها عن العالم الخارجي بشكل لا يقبله منطق ولا عدل ولا قانون، فكان أبرز ملامح هذا الحصار كالآتي:

  • يتسم الحصار الإسرائيلي على غزة بأنه حصار شامل: بري وبحري وجوي. أما بريًّا فهناك ستة معابر تشكل المتنفس والمخرج الوحيد لفلسطيني قطاع غزة، وفي حين تسيطر مصر على معبر رفح البري، تتحكم إسرائيل بالمعابر الأخرى التي خصص كل منها لغرض معين لخدمة غزة، كعبور العمال أو حركة الأفراد أو البضائع أو التزود بالوقود والغاز أو استيراد مواد البناء، أما جويًّا فغزة لا تملك إلاّ مطارًا واحدًا هو مطار غزة الدولي الذي قُصِف خلال العدوان الإسرائيلي على غزة 2008، والذي يشكل الصلة الجوية الوحيدة لغزة بالعالم الخارجي، وبذلك تم التحكم الإسرائيلي بالمجال الجوي إضافة إلى البري، أما من جهة البحر والمناطق الساحلية فقد ضيقت إسرائيل مناطق الصيد في بحر غزة إلى ستة أميال بحرية في بداية الحصار لتصل إلى ثلاثة أميال بحرية فقط في بدايات عام 2009[6].

إذن الاحتلال الإسرائيلي يعي تمامًا مدى حاجة قطاع غزة إلى المعابر الحدودية، ويعي أن لا غنى عن هذه المعابر لأهل غزة، فهي التي تمدهم بشريان الحياة من المحيط الخارجي، وبخاصة أن غزة بلا إمكانيات أو موارد داخلية، فكانت محاصرتهم من خلال إغلاق المعابر وقصف المطار ورقة ضغط ليست بالهينة عليهم، لعلهم يعودون إلى ما كانوا عليه قبل شباط 2006.

  • الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة مفروض في ظل ظروف استثنائية من قبل سلطة احتلال على منطقة تقع تحت احتلالها:

مع أن الضفة الغربية وقطاع غزة مناطق محتلة بموجب أحكام القانون الدولي وبإقرار المجتمع الدولي- وهذا يملي على (إسرائيل) واجباتها كونها قوة احتلال- ومع أن هناك اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب- إلا أن إسرائيل ترفض الأمر برمته، وتحاول دائمًا التركيز على أن نزاعها مع حركة حماس بالذات، وتسوّغ أفعالها وسلوكها في قطاع غزة على أنه دفاع عن النفس في ظل وجود (منظمة إرهابية) تمتلك من القدرة العسكرية ما هو كافٍ لتهديد أمنها، إلاّ أن هذا الإدعاء في الواقع لا يحجب حقيقة أن إسرائيل دولة محتلة، ولعل من أحدث الوثائق الدولية التي عملت على تحليل مسألة احتلال إسرائيل للضفة وقطاع غزة تقرير بعثة الأمم المتحدة لتقصّي الحقائق بشأن النزاع في غزة: (تقرير القاضي ريتشارد غولدستون)[7].

إذن -بناء على ما سبق- يبقى الاحتلال الإسرائيلي ذا صفة مؤقتة لا سيادية، ومن ثَمّ ما يفرضه على غزة هو في إطار حصار قوة احتلال لمنطقة محتلة، وهذا غير (مشرعَن) في القوانين والأعراف الدولية، أيضًا صفته المؤقتة غير الشرعية لا ولن تبرر له التعامل مع غزة بمنطق الندّية وبمنطق دولة مقابل دولة.

التداعيات والأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحصار الإسرائيلي                    

يستمر الحصار البري والجوي والبحري الخانق على قطاع غزة في عامه الحادي عشر، وهو يستهدف مليونَيْ فلسطيني يعيشون في 5 محافظات تُعدّ نسبة كثافتها السكانية هي الأعلى في العالم 5.521 نسمة في الكيلو متر المربع الواحد، يشكل اللاجئون منها 71%، موزعون على 8 مخيمات، وقد تفاقمت هذه الأزمة الإنسانية بتنفيذ الاحتلال الإسرائيلي عدة اعتداءات، منها 3 اعتداءات مدمرة خلّفت بمجملها ما يزيد على 4.333 شهيدًا و19.168 جريحًا، وتدميرَ وتضرُّرَ ما يقرب من 292.502 منزل، بنسبة 77.36% من إجمالي الوحدات السكنية، حيث إن مستوى التقدّم في عملية الإعمار لم يتجاوز 43%، ومن ثَمّ لا يزال حوالي 65 ألف فلسطيني مهجرين حتى نهاية عام 2016م[8] .

والنتيجة أن أحد عشر عامًا من الحصار الممنهج المرير، الذي تخلّلته ثلاث حروب عدوانية مدمرة- لابدّ أن ينعكس بشكل بائس على جُلّ نواحي الحياة، ويصيبها بالضرر البالغ، بل ويشلّ العديد من أركانها، وفيما يأتي يتناول البحث ثلاثة أبعاد على وجه الخصوص تأثرت بشكل سيّئ جراء هذا الحصار الظالم، وهي كالآتي: البعد السياسي، والبعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي والبيئي.

تداعيات الحصار الإسرائيلي على البعد السياسي

يُعَدّ الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة الحصار الأطول في العصر الحديث، بل والأكثر ظلمًا وإجحافًا، إضافة إلى أنه متعدد الأهداف، فأهم ما يميز الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة أن جزءًا من أهدافه معلن لهذا العالم وجزءًا غير معلن، فهي تدعي أن لحصارها له دواعي أمنية بحتة تهدف إلى الحفاظ على أمنها وعلى سلامة مواطنيها، ولكنها في الواقع تريد كسر أنف الحكومة في غزة وإذلالها سياسيًّا من خلال الضغط القاسي على مواطني غزة، وتقليص مواردهم ومدخولاتهم، وتضييق الحياة عليهم ليقوموا هم بدورهم بالضغط على حركة حماس.

يبدو أن (إسرائيل) ومن يدور في فلكها غير راضيين البتة عن تجربة الحكم التي تعيشها حركة حماس إثر انتخابات 2006م، ففي تاريخ 6 يوليو 2006م -أي بعد تولي حماس الحكم بأشهرٍ معدودة- نُشِر مقال في صحيفة فايننشال تايمز كتبه غاريت إيفانس رئيس مجموعة الأزمات الدولية حينها، وروبرت مالي مدير برنامج الشرق الأوسط فيها آنذاك- ذُكر فيه: أن السبب الأساسي في الحصار هو سعي إسرائيل إلى "حرمان حركة حماس من ممارسة الحكم رغم فوزها في الانتخابات" ، وأضاف الكاتبان أن إستراتيجية منظمة فتح وإسرائيل ودول في العالم العربي والغرب تمثلت منذ فوز حماس في الضغط على هذه الحركة، وعزل حكومتها، وحرمانها من التمويلات، على أمل إثارة استياء الشارع الفلسطيني من أدائها، والتعجيل بإنهاء تجربتها في الحكم"[9].

إذن إن إسرائيل والمحيطين بها -كما ذكرت سابقًا- يرفضون وبشكل قطعي صعود بعض المنظمات أو الأحزاب السياسية إلى سدة الحكم، وبخاصة إذا كانت هذه الأحزاب ذات أيديولوجيا مغايرة أو لها صبغة إسلامية تهدّد الوجود الإسرائيلي في منطقة الشرق العربي الذي زرعت إسرائيل نفسها بداخله عنوةً، وهم يخشون أيضًا أن تتكرر تجربة نجاح الأحزاب الإسلامية في الدول العربية المحيطة، ومن ثَمّ هناك خطر عقدي محض تخشى إسرائيل تناميه، فهي متأكدة تمامًا أن سيطرة الإسلاميين على أنظمة الحكم في العالم العربي سيكون هدفه الأول إزالة إسرائيل من المنطقة وإنهاء احتلالها لفلسطين.

ولأجل كل ما سبق بدأ الاحتلال الإسرائيلي بفرض الحصار السياسي على حركة حماس من خلال محاصرة قطاع غزة سياسيًّا من خلال: الترويج الإعلامي الدولي؛ لإظهار حركة حماس بمظهر أخطبوط ينبغي على الجميع محاربته؛ لمنع وصوله إلى مسافات أبعد، كما أنه بدأ بإعادة حشد الأنظمة العربية المحيطة به لتكون ضمن جبهته؛ مقنعًا إياها أن التصاعد الإسلامي الحاصل في قطاع غزة يشكّل تهديدًا على وجودهم في قمة أنظمتهم، كذلك حاول قدر الإمكان الحدّ من الدعم المالي الخارجي لقطاع غزة، سواء أكانت التمويلات الحكومية أم تمويلات المنظمات المختلفة، أم حتى تجميد أموال الحركة في البنوك العالمية المختلفة؛ بحيث يؤثر سلبًا في أدائها في قطاع غزة.

أما على الصعيد المحلي فكان إغلاق المعابر، ومنع العمال الفلسطينيين من التوجه إلى أعمالهم داخل فلسطين المحتلة، وقطع الكهرباء والدواء، وسرقة المياه الجوفية- كل ذلك كان ضمن أداء سياسي محنّك هدفه أن يعدل سكان قطاع غزة عن خيارهم الديمقراطي، أو أن ينفجروا في وجه حركة حماس ليكونوا عبرةً لمن يحاول التأسّي بهم.

كانت إسرائيل بيمينها ويسارها تعدّ قطاع غزة تهديدًا أمنيًّا وديموغرافيًّا لها، بل تعدّ غزة تحت سيطرة حركة حماس القاعدة الأساسية لبناء الدولة الفلسطينية، لذا هي تحاول جاهدة بكل ما أوتيت من قوة أن تحدّ من الصعود الحمساوي الإسلاميّ نحو القمّة السياسية.

على أيّ حال؛ الشعب الفلسطيني في قطاع غزة يعلم ما يدور في محيطه، ويعي تمامًا حجم المؤامرة الإسرائيلية التي تُحاك له، هو مقتنع تمامًا بخياره، ويدافع عنه، ولن يسمح للتاريخ يومًا ما أن يسطّر عنه إلا كل عزٍ وانتصار.

تداعيات الحصار الإسرائيلي على البعد الاقتصادي

تتزايد الأوضاع في قطاع غزة سوءًا يوميًّا، وقد قال بو شاك مدير عمليات (الأونروا) في قطاع غزة في 8 ديسمبر 2016: "إن الوضع الإنساني في غزة بات أكثر صعوبة وسوءًا: وضعها صعب جدًّا، نسبة البطالة عالية، موضوع المياه يشكل معضلة، البُنَى التحتية منهارة جدًّا، مشكلة الكهرباء مستمرة، وحركة المواطنين من وإلى غزة صعبة جدًّا"[10].

وهذه بعض الحقائق حول وضع الاقتصاد في غزة:

  • دخل الاقتصاد في حالة من الركود العام منذ بداية فرض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة.
  • تجاوز معدل البطالة في قطاع غزة 43% مع نهاية العام 2006م.
  • ارتفعت معدلات الفقر والفقر المدقع لتتجاوز 65%، وتجاوزت نسبة نقص أو انعدام الأمن الغذائي 72% لدى بعض الأسر.
  • معدل الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر في قطاع غزة أكثر بمرتين ونصف منه في الضفة الغربية[11].

وهذا يعني أن الحصار في جانبه الاقتصادي له بالغ الأثر في حياة الغزّيين، بسبب منع إسرائيل دخول العديد من السلع والبضائع والمواد الخام اللازمة للتصنيع، ومواد البناء التي تدخل بكميات مقننة وفقًا لآليات إعادة إعمار قطاع غزة، وهو ما أدى إلى حالة من الركود في الإنتاج، وهذا بدوره أدى إلى ارتفاع مستوى البطالة بشكل غير مسبوق، وكذلك ارتفاع مستويات الفقر والفقر المدقع، حيث بلغت نسبة الأُسر التي تعيش تحت خط الفقر المدقع حوالي 21%.

وتأثرت المؤسسات والشركات الصغيرة والكبيرة بشكل كبير خلال حرب 2014، حيث بلغ عدد المنشآت الاقتصادية التي استُهدِفت في القطاعات كافة: (التجارية والصناعية والخدماتية) 5.153 منشأة اقتصادية، وقُدرت تكاليف إعادة اعمارها بحوالي 566 مليون دولار[12]

ولا ننسى أزمة الكهرباء التي أسهمت في تعطيل تشغيل المصانع، وإعاقة تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، كالمياه، والصرف الصحي، والتعليم، والصحة. كذلك القيود المشدّدة من الجانب الإسرائيلي على قطاعَي الزراعة والصيد، التي تمنع المزارعين والصيادين من ممارسة أعمالهم بشكل طبيعي، وهذا يؤدي إلى تراجع النمو الاقتصادي، والأمن الغذائي، وارتفاع مستوى البطالة. إذن من المؤكد أن الحصار في بعده الاقتصادي تسبب بحالة من الشلل والركود في قطاع غزة، إذ انخفضت المشروعات الاقتصادية، تبعها انخفاض في الإنتاج، ومن ثَمّ ارتفاع في نسبة البطالة، الذي أدّى إلى زيادة معدل الأسر الفلسطينية الواقعة تحت خط الفقر في ظل اعتمادها على المساعدات الإنسانية بشكل أساسي.

تداعيات الحصار على البعد الاجتماعي

من المتعارف عليه أن الأوضاع الاجتماعية وكذلك النفسية لأي مجموعة من البشر تتأثر بالواقع الاقتصادي، ومدى قدرة هذا الاقتصاد على توفير مستلزمات الحياة الأساسية للمواطنين من عمل ورعاية وضمان اجتماعي يوفر لهم العيش الكريم، وإن تحسن أو سوء الأوضاع الاجتماعية والنفسية للشعب الفلسطيني مرتبط بشكل مباشر بالاستقرار السياسي والاقتصادي.

إن أحد أهم أركان المجتمع الجيد هو أن يحيا فيه أناس أصحّاء جسديًّا ونفسيًّا، ولكن في الحالة الفلسطينية الوضع النفسي سيِّئ جدًّا؛ نتيجة ما يراه المواطن من صورة قاتمة، حيث الوضع يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، ولا حلول في الأفق، سنوات من الحصار بعضها فوق بعض، ثلاث حروب عدوانية أتت على الأخضر واليابس، فتيان وشباب لا يرون مستقبلًا لهم إلا البطالة والفقر، وواقع عربي إقليمي يُرثى له، فاقد لعنصر المساندة والدعم لهذا الشعب المنكوب؛ لذا تجد أن الحصار الظالم أثّر بشكل سيئ جدًّا في الحالة النفسية للفلسطيني في قطاع غزة.

أما بالنسبة لميدان الصحة في قطاع غزة؛ فقد سجل النصف الأول من عام 2017 تردّيًا واضحًا، حيث واجهت مستشفيات القطاع نقصًا حادًّا في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، ووصل عدد الأدوية التي انعدمت بالكامل في (مستودع أدوية غزة المركزي) إلى 170 صنفًا، بنسبة 33% من إجمالي عدد أصناف الأدوية الأساسية، فيما لا يزال نحو 37 صنفًا من أصل 67 صنفًا من أدوية مرضى السرطان معدومة بالكامل، إضافة إلى نقص في الكوادر الطبية، حيث تحتاج وزارة الصحة في غزة إلى توظيف ما يقرب من 800 موظف جديد ضمن الكوادر العاملة في القطاع الصحي[13].

أضف إلى ما سبق وجود عدد يزيد على 1000 مريض شهريًّا هم بحاجة إلى العلاج خارج قطاع غزة، ترفض سلطات الاحتلال الإسرائيلي خروج حوالي 50% عبر معبر إيريز لدواع تَعدّها هي أمنية، وهذا بشكل مؤكد يزيد من تردّي الوضع الصحي في قطاع غزة.

أما حول واقع التعليم بوصفه ركنًا آخر من أركان المجتمع الفلسطيني فقد تأثّر بفعل الحصار الذي أدّى إلى إعاقة وتعطيل البنية الأساسية لمؤسسات التربية والتعليم في غزة، في ظل عدم القدرة على إعمار المدارس المدمّرة، أو بناء مدارس جديدة، ومن ثَمّ تعمل المدارس بنظام الفترتين، إلى جانب ارتفاع نسبة الكثافة الصفية إلى 49 طالبًا في الفصل؛ وهذا يعني تأثر قدرة الطلبة على الفهم، وأدّى الحصار كذلك إلى شلّ مختبرات الحاسوب والمختبرات العلمية في المدارس؛ بسبب انقطاع التيار الكهربي الذي يُعدّ شكلًا من أشكال الحصار، وهذا دفع المدرّسين إلى الاعتماد على طرائق بديلة في التدريس[14].

أما على صعيد القطاع الخدماتي: النظافة، والصرف الصحي، والمياه- فقد أثّرت أزمة الوقود التي سببها الحصار تأثيرًا خطيرًا في الصحة العامة، والمرافق البيئية، فإمدادات المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي والتخلص من النفايات الصلبة تحتاج إلى وقود لتشغيل المضخات ومولدات الكهرباء الاحتياطية والمركبات. ولندرة الوقود فإن هذه المركبات أخذت بالتوقف عن العمل، وهو ما يؤدي إلى تراكم النفايات منذرة بكوارث صحية وبيئية خطيرة[15].

أدى الحصار في بعض الأحيان إلى منع وصول المواد الكيماوية الأساسية والكلورين، وهي مواد لازمة لعمل محطات التحلية وتنقية مياه الشرب، وهذا يعرّض السكان إلى الخطر، إضافة إلى الانقطاع المتكرر في إمدادات المياه، حيث بلغ متوسط استهلاك الفرد للمياه في قطاع غزة 91 لترًا في اليوم مقابل 280 لترًا للفرد الإسرائيلي يستخدمها لأغراض منزلية، فيما تسبب ضخ المياه العادمة في البحر إلى تلوث كبير[16].

بناء على التوصيف السابق فإن وضع المياه والصرف الصحي والنظافة يزداد سوءًا كل يوم، وبشكل متزايد؛ بسبب الحصار الذي طال كل مناحي الحياة، من دون مراعاة لأيّ جانب من الجوانب الإنسانية.

نتائج الدراسة

 خلصت الباحثة إلى عدد من النتائج، من أبرزها:

  1. إن الحصار المفروض على قطاع غزة حصار سياسي بامتياز، دوافعه سياسية، وأهدافه سياسية، يدفع فاتورته أكثر من مليوني فلسطيني، بلا أي ذنب اقترفوه. ولايزال الحصار الإسرائيلي قائمًا منذ أحد عشر عامًا حتى اللحظة، بآثاره الكارثية التي تطال مختلف مناحي الحياة في قطاع غزة.
  2. يوجد تواطؤ إقليمي ودولي مع الاحتلال الصهيوني في حصاره على غزة، إما بالسكوت عنه، أو مشاركته بشكل مباشر.
  3. إن آثار الحصار السياسية عادت بالقضية الفلسطينية إلى الوراء عشرات السنين.
  4. تردّي الحالة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بشكل لم يسبق له مثيل في تاريخ الشعب الفلسطيني، وهذا من أخطر تداعيات الحصار، الذي لم يشهد الماضي ولا الحاضر مثيلًا له.

التوصيات

  1. فلسطينيًّا أهمية توحيد الصف الفلسطيني، وتكثيف الجهود الذاتية لمواجهة هذا الحصار، والبحث عن حلول للأزمات المتواترة جراءه.
  2. ندعو السلطة الوطنية بقطع جميع علاقاتها بالمحتل الإسرائيلي الذي لا يزال جاثمًا على التراب الفلسطيني، وعليها القيام بمسؤوليتها الكاملة تجاه الشعب المحاصر في غزة؛ للحد من آثار هذا الحصار.
  3. إقليميًّا يُطلَب من الدول العربية والإسلامية المحيطة وضع القضية الفلسطينية على سلّم أولوياتها، وبذل كل جهودها المادية والمعنوية والدبلوماسية لحلّ أزمة الحصار.
  4. دوليًّا نناشد المجتمع الدولي شعوبًا وحكومات ومنظمات العمل على تطبيق القوانين الدولية والقرارات التي ترفض كل أشكال الظلم والعدوان. وعليها ممارسة ضغوطها الفعلية على الجانب الإسرائيلي لوقف انتهاكاته للقوانين الدولية.

الهوامش والمصادر:

 

[1] المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، تقرير غزة مئة ألف ساعة من العزل، يناير 2017م https://euromedmonitor.org/ar ، تاريخ دخول الموقع 25 يوليو 2017م، الساعة العاشرة صباحًا.

[2] عبد الغفور، ياسر، مارس 2015، ص3

 [3]مركز الزيتونة للدراسات والإستراتيجيات، (تقرير إستراتيجي(87)، فبراير 2016م، https://www.alzaytouna.net/ )، تاريخ دخول الموقع: 27 يوليو 2017م الساعة السابعة مساءً.

 [4] موقع فلسطين سؤال وجواب، مقالة: حصار غزة، ماذا حدث بعدما فازت حماس بالانتخابات على الصعيد الفلسطيني والعالمي؟ 2011م، http://www.palqa.com ، تاريخ دخول الموقع: 24 يوليو 2017م.

[5] المرجع السابق

[6] مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 27، العدد الرابع، الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة في ضوء القوانين الدولية،2011م. ص288، 289

[7] المرجع السابق، ص290

[8] جمعية غزي دستك GDD، تقرير: الحالة الإنسانية لقطاع غزة، واقع، إنجازات، احتياجات، الإصدار الأول، أيار 2017م. ص6

[9] موقع الجزيرة، وثائق وأحداث، حصار غزة من البداية في انتظار النهاية، http://www.aljazeera.net/portal ، تاريخ دخول الموقع 25 يوليو 2017م، الساعة التاسعة صباحًا.

[10] تقرير،غزة.. مئة ألف ساعة من العزل، المرصد الأورومتوسطي، ص23

[11] المرجع السابق، ص12

[12] المرجع السابق، ص13

[13] مذكرة تحديث حالة، قطاع غزة، 2017، المرصد الأورومتوسطي

http://www.qudspress.com/index.php

[14] الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني, مذكرة حصاد الحصار- الوضع الإنساني في غزة, يناير 2017 http://icspr.ps/, تاريخ دخول الموقع30 يوليو 2017م.

[15] المرجع السابق، ص12

[16] المرجع السابق، ص12


ملصقات
 »