رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه إفريقيا – جنوب الصحراء

    تسعى هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على الأهمية الكبيرة لإفريقيا (جنوب الصحراء) في السياسة الخارجية الإسرائيلية

السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه إفريقيا – جنوب الصحراء

ملخص: تسعى هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على الأهمية الكبيرة لإفريقيا (جنوب الصحراء) في السياسة الخارجية الإسرائيلية، والتركيز على إظهار أهداف هذه السياسة ومحدداتها، وتوضيح مكامن التركيز فيها، وقدرة صُنّاع القرار في إسرائيل على استغلال المتغيرات في القارة وخارجها لتعزيز قدراتهم على اختراقها.

اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي، وانطلقت من فرضية رئيسة؛ مفادها أن السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه إفريقيا استندت إلى الوعي المطلق بأهمية هذه القارة الغنية بالموارد المختلفة، لأنها تشكل الحديقة الخلفية للأمن القومي الإسرائيلي، وهي ذات وزن كبير في الهيئات الدولية، كما استثمرت بفعالية العوامل الداخلية والخارجية والتحولات الإقليمية والدولية لتعزيز حضورها في القارة الإفريقية، وقد نجحت السياسة الخارجية الإسرائيلية في تحقيق أهدافها.

 

مقدمة

تعود العلاقات بين إسرائيل وبلدان جنوب الصحراء الإفريقية إلى أواسط الخمسينيات من القرن الماضي، ولكن الاتصال الأول بينهما وقع قبل نيلها الاستقلال... وقد بحثت إسرائيل في سنواتها الأولى بعد التأسيس عن الشرعية الدولية، لذلك لجأت إلى القوى الكبرى، التي سارعت إلى الاعتراف بهذه الدولة التي كان للغرب دور رئيس في إقامتها، فبعد 9سنوات من قيامها؛ أي عام 1957 لم تكن إسرائيل تملك في الخارج سوى 7سفارات، 6منها في أوروبا وأمريكا الشمالية،[1] وهذا الذي بيّن حاجة إسرائيل الماسة إلى الانتشار، والحصول على دعم وتأييد واسعين. وفي ظل وجود محيط عربي معادٍ لإسرائيل فإن الخيار الأمثل لها تمثل في القارة السمراء، حيث أَسست علاقات دبلوماسية مع غانا سنة 1956، تلتها علاقات مماثلة مع معظم بلدان جنوب الصحراء، وبحلول أوائل السبعينيات كانت إسرائيل تربطها علاقات دبلوماسية كاملة مع 33 دولة إفريقية.[2]

وفي أعقاب حرب حزيران 1967 بدأت العلاقة بالتراجع، حتى وصلت إلى حدود القطيعة شبه الكاملة في عام 1973، تلتها الأزمة النفطية العالمية، حيث قطع معظم الدول الإفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى علاقاتها بإسرائيل، حتى لم تبقَ إلا خمس دول فقط، هي: جنوب إفريقيا، وليسوتو، ومالاوي، وسوازيلاند، وموريشوس،[3] وذلك لسببين رئيسين: أولهما الوعود التي قطعتها الدول العربية على نفسها بتزويدها بالنفط الرخيص والدعم المالي، وثانيهما الانصياع لقرار منظمة الوحدة الإفريقية التي كانت مصر وراء اتخاذه، والذي دعا إلى قطع العلاقات مع إسرائيل.[4]

ومنذ نهاية الثمانينيات بدأت العلاقات الدبلوماسية مع دول جنوب الصحراء الإفريقية تُستأنَف تدريجيًّا، مكتسبة بعض الزخم، مع تقدم مفاوضات السلام بين إسرائيل وجاراتها العربية، وبحلول أواخر التسعينيات كانت العلاقات الرسمية قد استُأْنِفت من جديد مع 39 دولة جنوب الصحراء الكبرى.[5]

أما اليوم فثمة اختراق إسرائيلي واسع لدول جنوب الصحراء، يتمثل في تبادل الزيارات بين رؤساء الدول والوزراء من الجانبين، بل إن هناك نشاطات حثيثة تشمل الروابط الاقتصادية والتجارية والثقافية والأكاديمية، وجملة من المشروعات الزراعية المشتركة، والمساعدات الطبية، وبرامج التكوين المهني، والمساعدات الإنسانية، والتي تصب جميعها في تعزيز قدرة إسرائيل على السيطرة، والتحكم في قارة مترامية الأطراف.

هذا الإصرار الإسرائيلي على اختراق إفريقيا يبين حجم إدراكها لأهميتها الكبرى، بوصفها حديقة خلفية تضم عشرات الدول المتعطشة للدعم الاقتصادي والفني، وأرضية خصبة لتحقيق المصالح السياسية والاقتصادية والإستراتيجية، ولحفظ الأمن القومي الإسرائيلي، فالمحاور الرئيسة في اهتمامات القيادات الإسرائيلية في إفريقيا منصبة على المصالح القومية للكيان، ولتحقيق ذلك تستخدم إسرائيل كل إمكانياتها المادية والبشرية لتقديم المساعدة والدعم للدول الإفريقية.[6]

واشتملت هذه الدراسة على ثلاثة محاور رئيسة، هي: أهداف السياسة الإسرائيلية في إفريقيا، ومحددات هذه السياسة، ومناطق التركيز ذات الأولوية في السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه إفريقيا.

 

أولًا: أهداف السياسة الإسرائيلية في إفريقيا

أهداف سياسية

سعت إسرائيل إلى حشد التأييد والمساندة لها من قبل الدول الإفريقية في المحافل الدولية، لإضفاء الشرعية على سلوكها وتصرفاتها، ولاسيّما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، في ظل ما تتعرض له من ملاحقات قضائية نتيجة أعمالها الإجرامية، وقد أدركت حجم الكتلة الإفريقية ووزنها الكبير في الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ لذا سعت إلى توسيع شبكة علاقاتها الإفريقية منذ السنوات الأولى من عمر دولتها، حيث حققت نجاحات كبيرة في هذا الصدد، على الرغم من بعض الإخفاقات، وقد أوضح ذلك وزير خارجية إسرائيل أفيغدور ليبرمان في 19 أيار/مايو من عام 2014 خلال أول لقاء عقده لوبي الكنيست لتعزيز العلاقات بين إسرائيل والبلدان الإفريقية- من أنه منذ توليه منصبه قبل عدة سنوات قام بتوسيع المجال الدبلوماسي الإسرائيلي، وبتنمية اتجاهات جديدة للسياسة الخارجية الإسرائيلية في إفريقيا. ولكن في الوقت الذي تحتفظ إسرائيل بـ10 بعثات دبلوماسية فقط في القارة الإفريقية من أصل 106 بعثات إسرائيلية في أنحاء العالم- فإنها كانت تحتفظ في السبعينيات بـ27 بعثة في إفريقيا من أصل 80 بعثة على مستوى العالم.[7] ويرى مراقبون أن إسرائيل لا تتمتع بالدعم الكافي بين الدول الإفريقية للسيطرة على قرارها السياسي، فهي بحاجة إلى استثمار الموارد والجهود بصورة أكبر في استعادة هذا الدعم والسيطرة.

 

أهداف اقتصادية

حرصت إسرائيل على الاستيلاء على الثروات الطبيعية الهائلة في إفريقيا؛ فقد قدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) حجم الاحتياط النفطي في إفريقيا بنحو 75.4 مليار برميل، الذي يشكل 7% من النفط العالمي.[8] هذا إلى جانب ما تزخر به القارة من كنوز وثروات في باطنها، كالغاز الطبيعي، والذهب، والمعادن الأخرى؛ التي جلبت لها تنافسًا دوليًّا محمومًا. ووفق تقارير صندوق النقد الدولي فإن الدول الثرية بالمعادن هي التي يشكل تصديرها أكثر من ربع قيمة الصادرات، فبينما تشكل الموارد 12% من قيمة الصادرات في أوروبا، و15% في أميركا الشمالية، و42% في أميركا اللاتينية- تصل إلى 66% في جنوب الصحراء الكبرى في القارة الإفريقية.[9] كذلك هدفت إسرائيل إلى غزو الأسواق الإفريقية، وفتحها أمام الاستثمارات والمنتجات الإسرائيلية، وتحقيق تبعية الاقتصاد الإفريقي لها، لكسر الطوق الاقتصادي العربي في القارة.

هذه الأهداف الاقتصادية شدد عليها وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان (2014)، حيث قال: "على إسرائيل بصفتها دولة قوية اقتصاديًّا، وعضوًا في منظمة التعاون والتنمية الاقتصاديةOECD استثمار الأموال في المساعدات الخارجية، وفي الحالة الإفريقية سوف يأتي لها ذلك بفوائد اقتصادية وسياسية، لكون إفريقيا هدفًا مهمًّا من أهداف السياسة الخارجية الإسرائيلية".[10] كما سعت إسرائيل إلى قبولها في الاتحاد الإفريقي بصفة دولة مراقبة.[11]

 

أهداف أمنية وإستراتيجية

        تنظر إسرائيل إلى القارة السمراء على أنها الحديقة الخلفية لإسرائيل، والجدار الحديدي لأمنها القومي، ويتوجب من خلالها حصار الأمن القومي العربي من خلال السيطرة على عمقه الإفريقي، وتسخيره لتهديد الأمن الداخلي في الدول العربية، والسيطرة على موارد المياه، وبشكل خاص نهر النيل شريان الحياة في مصر، والحيلولة دون تحويل البحر الأحمر إلى بحيرة عربية. وقد حظي عدد من الدول الإفريقية بأهمية خاصة لدى الساسة في إسرائيل، منها إثيوبيا -مثلًا- إذ ثمة إجماع لدى النخبة وصانع القرار الإسرائيلي على أن إثيوبيا تمتاز بميزات سياسية وجغرافية وعسكرية وأمنية فريدة في نوعها؛ إضافة إلى كونها تُعِدّ نفسها قلعة في محيط إسلامي لايزال يموج بالصراعات، والأزمات، ولايزال يواجه أنماطًا عديدة من العنف والأزمات المتعددة، مما يجعلها مفتاح التغلغل في إفريقيا، وتطعن من خلالها الأمن القومي العربي.[12]

كما سعت إسرائيل إلى إيجاد تعاون استخباري دائم وواسع يمكِّنها من الاطلاع على خبايا وتعقيدات هذه القارة المترامية الأطراف، ويمكِّنها من التواصل مع الحركات وقوى التحرر في إفريقيا؛ لتوجيهها بما يحقق مصالحها، ولخدمة الأجندة الأمريكية، ورعاية مصالحها في القارة.[13]

 

أهداف أيديولوجية

استثمرت إسرائيل في كل الجوانب التي من شأنها خدمة مصالحها في القارة الإفريقية، ومن ذلك الجانب الأيديولوجي ببعديه الحقيقي والمصطنع، فقد سعت إلى البقاء على تواصل حثيث مع الجاليات اليهودية في إفريقيا لتهجيرهم –قدر المستطاع- إلى الداخل الإسرائيلي، لتحقيق مكاسب ديمغرافية داخل إسرائيل، ودعم صمود من تبقى منهم، ومنع اندثارهم في المجتمعات المحلية. من جهة أخرى سعت القيادات الإسرائيلية إلى تحييد تأثير الدين الإسلامي في جلب التعاطف مع الدول العربية المسلمة، حيث إن نسبة كبيرة من الأفارقة قد تصل إلى النصف أو تزيد مسلمون، وهذا ما وضع الكيان في تحدٍّ كبير خلال إدارته صراعه مع العرب، وتسبب في تراجع حضوره في القارة في بعض المراحل التاريخية.

 

ثانيًا: محددات السياسة الإسرائيلية في إفريقيا

  1. الصراع العربي الإسرائيلي

أدّى هذا الصراع دورًا بارزًا في تحديد حجم النفوذ الإسرائيلي في إفريقيا، حيث التنافس الإسرائيلي العربي في الساحة الإفريقية، التي يعتريها ضعف كبير، وتفتقر إلى القدرة على الاستفادة من هذا التنافس، أو تطوير علاقات إستراتيجية مع أحد الطرفين، ومن تجليات ذلك التنافس؛ تقدّم العلاقة الإسرائيلية-الإفريقية بعد انعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، بل وإلغاء قرار الأمم المتحدة رقم 3379 الذي يُعدّ الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية، في المقابل تراجعت قُبيل وبعد حرب 1973 العلاقة، وقاطع معظم الدول الإفريقية إسرائيل دبلوماسيًّا حتى نهاية الثمانينيات، وقد تجلت هذه المقاطعة في أحد جوانبها في التصويت بغالبية إفريقية لصالح الدول العربية ضد إسرائيل لإقرار قرار الأمم المتحدة رقم 3379 في عام 1975.

وهذا ما يفسر سعي إسرائيل بكل الوسائل المتاحة، كالدعم الاقتصادي والمالي، وتقديم الخدمات التقنية في القطاعات الزراعية والصناعية، والدعم اللوجستي، للحصول على دعم هذه الدول، لجمع أكبر عدد ممكن من الأصوات الإفريقية لصالحها في الهيئات الدولية، ولاسيّما في الأمم المتحدة، حيث تبلغ نسبة الكتلة الإفريقية حوالي 30% من إجمالي عدد الأصوات، وقد نجحت إسرائيل في استمالة هذه الدول الفقيرة والمتخلفة تكنولوجيًّا، ففي عام 1999 أصبحت لإسرائيل علاقة دبلوماسية مع 42 بلدًا، وارتفع هذا الرقم إلى 45 بحلول عام 2005. وبعد ثلاثة أعوام أصبحت إسرائيل تقيم علاقات دبلوماسية مع 46 دولة إفريقية من مجموع دول القارة البالغ عددها 53 دولة، 11 دولة منها بتمثيل مقيم بدرجة سفير وسفارة، و33 دولة منها بتمثيل غير مقيم، ودولة واحدة بتمثيل على مستوى مكتب رعاية مصالح، ودولة واحدة أيضا بتمثيل على مستوى مكتب اتصال، علمًا بأن لإسرائيل 72 سفارة، و13 قنصلية، و4 بعثات خاصة على مستوى العالم.[14]

من جهة أخرى، ألقت الأحداث في السنوات الأخيرة، كإخفاق عملية التسوية، وتصاعد المواجهة مع الفلسطينيين ابتداءً من انتفاضة الأقصى عام 2000، ومرورًا بحروب إسرائيل المتتالية على غزة ولبنان، بالإضافة إلى هجوم الجيش الإسرائيلي على سفينة مرمرة التركية المتوجهة إلى غزة، والذي خلف عشرة شهداء من المتضامنين الأتراك... بظلالها على سمعة إسرائيل وصورتِها في المجتمع الدولي، وهذا ما وفر –في جانب من جوانبه- بيئة مناسبة نجحت من خلالها الدبلوماسية الفلسطينية والعربية في إقناع الغالبية الساحقة من الدول الإفريقية للتصويت لصالح قبول عضوية فلسطين –بصفة مراقب- في الأمم المتحدة عام 2012.[15] كما أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة نسبيًّا، وقد أدان كثير من الدول الإفريقية الممارسات الإسرائيلية وعدوانها المتكرر، من دون أن يُترجَم ذلك بخطوات حقيقية وكبيرة على الأرض، من قبيل قطع العلاقة مع إسرائيل وما شابهه.

  1. الجالية اليهودية في إفريقيا

من المعلوم أن إفريقيا تحتضن بين ظهرانيها جاليات يهودية متفاوتة الأحجام ومتباينة القوة والتأثير،[16] ففي شمال إفريقيا جماعات من اليهود السفارديم الذين قدموا بالأساس من إسبانيا والبرتغال خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بالإضافة إلى جماعات من اليهود الأشكناز التي قدمت إلى إفريقيا من شمال أوروبا وشرقها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وفي عام 2001 قدر عدد اليهود الباقين في إفريقيا بحوالي 88 ألف نسمة، 90% منهم في  جمهورية جنوب إفريقيا.[17] ومع أن حجم هذه الجاليات خارج جمهورية جنوب إفريقيا صغير إلا أنّ وضعها الاقتصادي في بعض دول إفريقيا جنوب الصحراء مثل كينيا يتسم بالقوة والتأثير.

ويُعَدّ يهود الفلاشا في إثيوبيا الذين نقل كثير منهم إلى إسرائيل ضمن هجرات جماعية (على الرغم من أنهم لا يؤمنون بالتلمود وغير ذلك من الفروق الجوهرية بينهما)[18] من أفقر الجاليات اليهودية في إفريقيا، وفي المقابل تُعَدّ الجالية اليهودية في جنوب إفريقيا من أغنى الجاليات اليهودية في العالم، ووفقًا لبعض التقديرات فإن إسهام يهود جنوب إفريقيا في خزانة الدولة العبرية يأتي في المرتبة الثانية بعد إسهام يهود الولايات المتحدة.[19]

هذا الترابط بين إسرائيل والقارة السمراء في نظر يهود إفريقيا يستغله صُنّاع القرار في إسرائيل لتوجيه توغلهم في هذه القارة لتحقيق مصالحهم المرجوة، ولا يغيب عنا هنا دور الأفراد والمجموعات اليهودية في إفريقيا في خدمة إسرائيل، وتسهيل مهامها في قارة مترامية الأطراف.

 

  1. الأمن القومي العربي

تُمثّل إفريقيا موقعًا حيويًّا لإسرائيل، بسبب قربها الجغرافي منها من ناحية، وبسبب إحاطتها بالدول العربية التي كانت تناصبها العداء من ناحية أخرى، وما لذلك من تأثيرات مهمّة في الصراع العربي الصهيوني... ويشكّل كل من البحر الأحمر والقرن الإفريقي وحوض النيل مواقع بالغة الأهمية لإسرائيل؛ حيث إن ترتيب التحالفات وتوازن القوى في هذه المناطق يرتبطان بالأمن القومي العربي عمومًا والمصري تحديدًا، ومن ثَمّ سيرتبط بمنظومة الأمن الإسرائيلي، ونظرًا إلى اتصال القرن الإفريقي بالبحر الأحمر وقناة السويس وخليج العقبة من جهة وبالخليج العربي من جهة ثانية؛ حيث يمرّ معظم النفط العالمي- فإن هذا الممرّ المائي الذي يسمى "قوس الأزمات" هو من يقرّر السلم العالمي، ويؤثر في مصالح الدول الكبرى. ومن هذا المنطلق خطّطت إسرائيل للتغلغل في هذه المناطق، وخلْقِ وجود قوي وراسخ لها، والنفاذ إلى دولها، باعتبارها أيضًا بمثابة العمق الإستراتيجي للدول العربية، والتي يمكن الانطلاق منها، والتسبب في إحداث متاعب لجيرانها العرب، وتشتيت جهودهم وانتباههم باتجاه هذه الدول الإفريقية بعيدًا عن إسرائيل، من خلال تحقيق وجود عسكري فعّال ومتفوق للسيطرة عليها.[20]

ونظرًا لغياب قواعد عربية واضحة تحكم أمن البحر الأحمر، والمضائق المائية، ومع استقلال أرتيريا عام 1993 وابتعادها عن النظام العربي، فإن إسرائيل، في ظل هذا الوضع، استطاعت أن تضمن تلبية مطالبها الأمنية الخاصة في هذه المنطقة الحساسة، فهي لاتزال تفرض سيطرة عسكرية على جزر البحر الأحمر قبالة السواحل السعودية والمصرية واليمنية[21].

فمياه النيل، وتقوية التوازن الديمغرافي لصالح اليهود في فلسطين، وتطويق عدد من البلدان العربية من بينها مصر والسعودية واليمن والسودان، والتلاعب بورقة النزاع الإثيوبي الأريتيري وتطويعها لمصلحة إسرائيل، ودعم الجماعات المتمردة في عدة دول، وفي مقدمتها السودان، وصولًا لتحقيق انفصال الجنوب، وتحقيق علاقات مميزة على الأصعدة كافة مع الأفارقة- من وسائل إسرائيل لتهديد وحصار الأمن القومي العربي في إفريقيا.

 

  1. مكافحة الإرهاب

ضمن الجهد الدولي الذي تتزعمه الولايات المتحدة الامريكية لمحاربة ما يسمى بـ"الإرهاب" قدّمت إسرائيل نفسها على أنها دولة تحارب الإرهاب والتطرف في إفريقيا، وسوّقت لذلك دوليًّا، وبين الدول الإفريقية، وقدّمت المساعدات الاستخباراتية والاستشارات، ونشرت الخبراء دعمًا لبعض الحكومات الإفريقية في مواجهة الإرهاب.[22]

 

ثالثًا: مناطق التركيز

القرن الإفريقي

شكّل الموقع الجيوسياسي للبحر الأحمر -وكذلك مضيق باب المندب- أهمية إقليمية وعالمية كبرى، لذا حرصت القيادة الإسرائيلية منذ نشأة الدولة على الوصول إلى البحر الأحمر، والحصول على منفذ بحري على هذا البحر الذي يربط قارة إفريقيا بآسيا، كما ظلت سياسة إسرائيل في القرن الإفريقي امتدادًا لسياستها في البحر الأحمر[23]، الرامية إلى منافسة الأهداف الإستراتيجية العربية، وإنشاء عمق إستراتيجي لها في هذه المنطقة، للحفاظ على أمنها، وضمان تحقيق مصالحها وتطلعاتها للهيمنة؛ لذا سعت إسرائيل إلى توثيق علاقتها بدول القرن الإفريقي، ولاسيما إثيوبيا، وأيدت بل وساندت سيطرة إثيوبيا على أريتريا منذ عام 1952، عندما أعلن موشي ديان أن أمن إثيوبيا وسلامتها يشكلان ضمانة لإسرائيل.[24] فكان لدى كلّ من إسرائيل وإثيوبيا خشية من تحول البحر الأحمر إلى بحيرة عربية.

وقد تركزت الإستراتيجية الإسرائيلية في السيطرة على البحر الأحمر من خلال القرن الإفريقي في ثلاث نقاط: 1. تدعيم قواتها المسلحة، 2. إنشاء علاقات مع إثيوبيا وتعزيزها، 3. استغلال جزر البحر الأحمر.[25]

أفلح العرب الذين يمتلكون 90% من شواطئ البحر الأحمر في احتضان جيبوتي، والسعي إلى استقلال أريتريا عن إثيوبيا، مما أثار مخاوف إسرائيل في شأن حرية ملاحتها في البحر الأحمر، كما خلقت لدى إثيوبيا شعورًا بالعزلة عن البحر الأحمر... ومن جانب آخر أدّت المخاوف الأمنية لدى أريتريا (بعد استقلالها) من سعي الجارة الكبرى إثيوبيا للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، إلى جانب حالة العزلة الدولية التي عاشتها- إلى اندفاعها نحو إسرائيل المتعطشة لدور في هذا البلد المطلّ على جنوب البحر الأحمر، حيث مضيق باب المندب ذو الأهمية الإستراتيجية العالمية، غير أن إسرائيل لم تُغضِب في ذات الوقت أديس أبابا التي تربطهما علاقات وطيدة، ولم تتمادَ في علاقتها مع أريتريا، بل بنت علاقات متوازنة مع كلا البلدين (إثيوبيا وأريتريا). وفي عام 2012 كشفت وكالة ستراتفور الأمريكية أن إسرائيل تمتلك وحدات بحرية في أرخبيل دهلك وميناء مصوع، فضلًا عن وجود مركز للتنصت في جبال أمبا سويرا، حيث تهدف هذه القواعد إلى جمع معلومات استخباراتية عن أي أنشطة غير معتادة في مياه البحر الأحمر، ولاسيما من قبل إيران أو إحدى الدول العربية.[26]

تجدر الإشارة إلى أن أهمية البحر الأحمر الإستراتيجية لا تتوقف على كونه ممرًّا ملاحيًّا مهمًّا فقط، وإنما يضاف إلى ذلك كونه معبرًا رئيسًا لتصدير نفط الخليج إلى الأسواق العالمية، كما أنه المنفذ البحري الجنوبي لإسرائيل، والرابط الأساسي بين التجارة الراغبة في الوصول إلى ما بين البحر المتوسط والمحيط الهندي وبحر العرب؛ لذا فمكانته كبيرة في مجال الجغرافيا السياسية والجغرافية الإستراتيجية، ونظرًا إلى هذه الأهمية حرصت القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة وفرنسا وإنكلترا والاتحاد السوفياتي السابق على أن يكون لها مواطئ أقدام ومناطق نفوذ فيه، وقد برزت أهمية البحر الأحمر بشدة إبان أوقات الحروب والأزمات، كما اتضح ذلك في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، حينما أغلقت اليمن مضيق باب المندب أمام الملاحة الإسرائيلية بالتعاون مع مصر، وبرزت أهميته كذلك إبان حرب الخليج الثانية 1991، وفي أثناء حشد القوى التي هاجمت العراق عام 2003، حيث مرت عبره مختلف أنواع العتاد الحربي.[27]

 

 حوض النيل

ينبع نهر النيل من إثيوبيا "النيل الأزرق"، وبحيرة فكتوريا "النيل الأبيض"، ويمر بتسع دول إفريقية هي: "إثيوبيا، وكينيا، وأوغندا، وتنزانيا، ورواندا، وبوروندي، والكونغو، والسودان، ومصر"، ويقطع نحو 6700 كم من أبعد منابعه على روافد بحيرة فكتوريا نيانزا في قلب إفريقيا إلى ساحل رشيد على البحر الأبيض المتوسط بمصر.[28] ويصل مصر منه سنويًّا الآن  55.5 مليار متر مكعب، والسودان 18.5 مليار متر مكعب،[29] غير أن أي تعديل في حصص ـدول المنبع مـن إيراداته المائية سوف يؤثر تأثيرًا مباشرًا في مصر والسودان، ولا يخفى أن مصر تعتمد بشكل شبه كلّي على هذه المياه في كلّ نواحي الحياة في بلد شبه صحراوي. فإثيوبيا مثلًا التي يأتي منها 85% من مياه النيل[30]، تؤكد في مختلف المناسبات على حقها المطلق في الاسـتغلال الكامل لمواردها المائية من دون التشاور مع بقية دول الحوض، كما رفضت إثيوبيا الانضمام إلى تجمـع (الإندوجو) الذي يضم دول الحوض، والذي أنشئ عام 1983 بمبادرة مصرية،[31] وقد أعلنت مؤخرًا أن لديها مطامع في إقامة مشروعات تنموية كبرى بدأ بعضها بالفعل، مثل سد النهضة، هذه التوجهات تقاطعت مع المصالح الإسرائيلية التي لديها علاقات وثيقة بأديس أبابا، وتسعى إلى زيادة نفوذها في القرن الإفريقي ومنطقة البحيرات الكبرى، مع حرص على خنق دولتي المصبّ مصر والسودان.

والحقيقة أن المطامع الصهيونية في مياه النيل تعود إلى بدايات القرن العشرين، ولإحساسها بأن المياه ستكون مصدرًا للتوتُّر والنزاع، عملت على إقامة تنسيق وتعاونٍ مع الولايات المتحدة في مجال التكنولوجيا المائية، وهذا التعاون مكمِّل للدعم السياسي والعسكري الأمريكي لإسرائيل، وفي هذا الصَّدد ترى مصادر البحوث الإسرائيلية: أن نهر النيل هو المصدر المائي الذي يمكنه حلّ أزمة المياه مستقبلًا في إسرائيل، وهذا ما يشجع إسرائيل على توطيد علاقاتها مع الدول التي تستفيد بشكل أساسي من نهر النيل، ولاسيما "مصر" و"إثيوبيا"، ففي منتصف السبعينيات ظهرت مقالات في الصحافة الإسرائيلية تدْعو إلى ضرورة شراء مياه النيل وتحويلها إلى النقب، وقد كان الرئيس المصري الراحل "أنور السادات" طرح فكرة مدّ مياه النيل إلى صحراء النقب في حالة تحقيق السلام الشامل والكامل مع إسرائيل، إلا أن الفكرة لم تنفَّذ بسبب معارضة الجبهة الداخلية المصرية.[32]

وفي السنوات القليلة الماضية بدأ الدور الإسرائيلي ينشط من جديد، إذ بدأت سلسلة نشطة من الاتصالات مع دول منابع النيل، خصوصًا إثيوبيا (حيث زار رئيس وزرائها زيناوي تل أبيب أوائل يونيو 2004)، وأوغندا لتحريضهما على رفض اتفاقية مياه النيل القديمة المبرمة عام 1929 بين الحكومة البريطانية -بصفتها الاستعمارية- نيابة عن عدد من دول حوض النيل (أوغندا وتنزانيا وكينيا) والحكومة المصرية تتضمن إقرار دول الحوض بحصة مصر المكتسبة من مياه‏ النيل، وإن لمصر الحق في الاعتراض في حالة إنشاء هذه الدول أي سدود على النيل. وبالفعل فقد أعلنت إثيوبيا رفضها لاتفاقية 1929 واتفاقية 1959 في جميع عهودها السياسية منذ حكم الإمبراطور، ثم النظام الماركسي "منغستو"، وحتى النظام الحالي.[33]

ومع أن هناك مطالبات منذ استقلال دول حوض النيل بإعادة النظر في هذه الاتفاقيات القديمة، بدعوى أن الذي أبرمها ليس الحكومات القومية بل أبرمها الاحتلال نيابة عنها، وأن هناك حاجة لدى بعض هذه الدول، خصوصًا كينيا وتنزانيا إلى موارد مائية متزايدة؛ فقد لوحظ أن هذه النبرة المتزايدة للمطالبة بتغيير حصص مياه النيل تعاظمت في وقت واحد، مع تزايد التقارب الإسرائيلي من هذه الدول، وتنامي العلاقات الإفريقية مع إسرائيل.[34] في المقابل أخفقت مصر في إدارة ملف المياه خلال 14عامًا من المفاوضات مع دول حوض النيل منذ إطلاق مبادرة حوض النيل عام 1997.[35]

وما تزيـد خطورةَ الموقف الإثيوبي العلاقاتُ الاقتصادية والسياسية والعسكرية والفنية المتنامية بـين إثيوبيا وإسرائيل، حيث تحاول إسرائيل الضغط على مصر من خلال هذا التعاون، بإنشاء (26) سدًّا على نهر النيل الأزرق ونهر السوباط لري (400) ألف هكتار، وإنتاج (38) مليـار كيلـو واط مـن الطاقـة الكهرومائية. الأمر الذي سيحرم مصر من (5) مليارات متر مكعب من المياه، متجاوزة بذلك القـانون الدولي والاتفاقات التي حددت اقتسام مياه النيل بين دول الحوض، كما ترفض إثيوبيا دائمًا الانـضمام إلى أي اتفاق قانوني ينظم العلاقة بين دول الحوض، وهو الأمر الذي يهدد الموارد المائية المستقبلية لمصر والسودان.[36] وقد تُوِّجت هذه المشروعات بمشروع سد النهضة العملاق (الذي يعدّ في حال تنفيذه وفق المخططات الإثيوبية أحد أكبر عشرة سدود في العالم)، وحرص المسؤولون في إثيوبيا على تقديم الشكر لإسرائيل مع بداية تنفيذ أعمال المشروع،[37] فقد استغلت إسرائيل المتغيرات الإقليمية، وحالة الانشغال العربي في أعقاب اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، إذ دخلت خلال السنوات الخمس الماضية 3 دول عربية إفريقية، هي: مصر وليبيا وتونس، في ثورات داخلية أدّت إلى انكفائها داخليًّا، وتراجع نفوذها في إفريقيا، وهذا عزز النفوذ الإسرائيلي، ولاسيما في دول حوض النيل... كما أن إسرائيل استثمرت حالة التعبئة الدولية للحرب على الإرهاب، وقدّمت نفسها حليفًا دوليًّا ذا خبرة واسعة في محاربة الإرهاب والتطرف، كمساعدتها للحكومة الكينية في محاربة حركة الشباب المجاهدين... وتحت هذه الذريعة وسّعت إسرائيل اختراقها للدول الإفريقية، وعززت علاقاتها الاستخبارية والأمنية مع العديد من الدول، ولاسيما إثيوبيا وكينيا وجنوب إفريقيا.

 

انفصال جنوب السودان

أزاح مؤسس حركة جنوب السودان الستار عن الدور الإسرائيلي في انفصال جنوب السودان، معتبرًا أن تل أبيب وضعت حجر الأساس لانفصال الجنوب عن الشمال، عندما نقلت غنائمها من الأسلحة في معارك 1967 إلى جنوب السودان.[38]

وقد بدأت الاتصالات الإسرائيلية بالجنوبيين من القنصلية الإسرائيلية في أديس أبابا، ووقع الاختيار على قبيلة الدينكا أقوى قبائل المنطقة، لتكون الباب الذي تتسلل منه إسرائيل إلى الجنوب، وتتغلغل في شرايينه.[39] كما أُبرِم عدد من الاتفاقيات بين إسرائيل والحركة الشعبية لتحرير السودان لتزويد جيش الحركة بالخبراء العسكريين الذين توافدوا على جنوب السودان منذ عام 1989م. وقد مرت العلاقات الإسرائيلية الجنوبية بعدة مراحل تاريخية، أهمها: 1-تقديم المساعدات الإنسانية، كالأدوية والمواد الغذائية والأطباء والدعم الإغاثي، 2-استثمار التباين القبلي بين الجنوبيين أنفسهم، وتعميق هوة الصراع مع الشماليين، 3-تدفق صفقات الأسلحة الإسرائيلية على جنوب السودان، واتساع نطاق تدريب المليشيات الجنوبية في أوغندا وإثيوبيا وكينيا، 4-استئناف دعم التمرد المسلح، وتزويد الحركات الانفصالية الجنوبية بأسلحة متقدمة، وتدريب العشرات من طياريها على قيادة مقاتلات خفيفة للهجوم على المراكز الحكومية في الجنوب، وتوفير صور عن مواقع القوات الحكومية التقطتها أقمارها الصناعية، 5-إيفاد بعض الخبراء الإسرائيليين لوضع الخطط والقتال إلى جانب الانفصاليين، ومشاركة بعضهم في العمليات التي أدت إلى احتلال بعض مدن الجنوب السوداني.[40] ومن ثَمّ فقد بدا طبيعيًّا ألا تخفي الحركة الشعبية في جنوب السودان حجم وطبيعة العلاقات الأمنية والعسكرية التي تربطها بإسرائيل.

وقد أشاد الرئيس السابق للاستخبارات الإسرائيلية "عاموس بادلين" في ديسمبر 2010 بمساعدة بلاده للانفصاليين في الجنوب بقوله: "إن رجاله أنجزوا عملًا عظيمًا في السودان، بنقل أسلحة لهم، وتدريبهم، ومساعدتهم على إنشاء جهازي أمن واستخبارات، ونشر شبكات إسرائيلية في كل من الجنوب ودارفور قادرة على العمل المستمر".[41] وقد شكل انفصال جنوب السودان ضربة كبيرة للأمن القومي العربي، ولمصر والسودان تحديدًا، ونجاحًا كبيرًا للسياسة الإسرائيلية الهادفة لخنق مصر والسودان.

وسارعت إسرائيل عقب إعلان استقلال جنوب السودان إلى الاعتراف بدولتها، ففي تصريح أدلى به رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مستهل جلسة مجلس الوزراء الأسبوعية، قال:" لقد نشأت أمس دولة جديدة، وهي دولة جنوب السودان، وها أنا ذا أعلن هنا اعتراف إسرائيل بجنوب السودان. إننا نتمنى لها النجاح، علمًا بأنها دولة تناشد السلام، وسيسرّنا التعاون معها، لضمان تطويرها وازدهارها، ونبعث لدولة جنوب السودان التهاني والتبريكات".[42]

كما عُقِد لقاء وصف بالتاريخي في مقر الرئاسة بالقدس بين الرئيس الإسرائيلي –في حينه- شمعون بيريز ورئيس دولة جنوب السودان سالفا كير، وقال الرئيس بيريز خلال اللقاء: "لقد دعمتكم إسرائيل، وستواصل دعمها لكم في المجالات كافة، من أجل تقوية بلدكم وتنميته، علمًا منا بأنكم قد كافحتم بشجاعة وحكمة ورغم كل الاحتمالات السلبية من أجل إنشاء دولتكم. إننا نَعدّ ولادة دولة جنوب السودان معلمًا على مسار تاريخ الشرق الأوسط، وعلى طريق دفع قيم المساواة والحرية، والسعي نحو السلام، والجيرة الحسنة".[43]

 

خلاصة

        خلصت الدراسة إلى أن القيادات الإسرائيلية المتعاقبة كانت تعي حجم الأهمية الكبير للقارة الإفريقية على الصعد السياسية والدبلوماسية، والأمنية والإستراتيجية، والاقتصادية والتجارية، ومن هذا المنطلق سعت إلى تحقيق أهدافها ومكاسبها في هذه القارة المترامية الأطراف.

وقد استغلت إسرائيل حالة السلام العربي-الإسرائيلي، والظرف الإقليمي الناتج عن ثورات الربيع العربي، وانشغال الدول العربية، إلى جانب حالة التعبئة الدولية للحرب على الإرهاب- لتطلق يدها في إفريقيا، وتنعش وجودها، حيث رُفِع الحرج عن الدول الإفريقية لإقامة علاقات دبلوماسية متقدمة مع إسرائيل بوصفها دولة صديقة غير محتلة، وإقامة مشروعات مشتركة كبرى في مجالات عدة، ونشر الخبراء الإسرائيليين.

كما أن قوة السياسة الخارجية الإسرائيلية ظهرت على أنها انعكاس لقوة الدولة الداخلية الاقتصادية والعسكرية، وامتلاك تقنيات تكنولوجية حديثة، مما أهلها لتكون شريكًا مفضلًا للآخرين، واستطاعت توظيف هذه الأدوات الاقتصادية والتقنية لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية.

كذلك هجّرت إسرائيل ما أمكن تهجيره من الجاليات اليهودية في إفريقيا إلى إسرائيل، وشكّلت مما تبقى حلقة وصل، ودافعًا للتقارب الإسرائيلي مع الدول الإفريقية، ونجحت كذلك إلى حد ما في الربط العاطفي بين معاناة الأفارقة من التمييز العنصري وما تسميه بـ"معاناة اليهود"، وسعت إلى توجيه الوعي الجمعي للشعوب الإفريقية باتجاه الاقتداء بالنموذج الإسرائيلي.

وشكّل القرن الإفريقي وحوض نهر النيل مناطق التركيز الإسرائيلي، كما شكلت إثيوبيا نقطة الانطلاق، والخاصرة الضعيفة للأمن القومي العربي بشكل عام، والأمن القومي المصري والسوداني بشكل خاص، واستطاعت إسرائيل الدخول من هذا الباب للسيطرة على البحر الأحمر، وللوصول إلى قلب القارة السمراء، لضرب الأمن القومي العربي، ومن أبرز تجلياته، انفصال جنوب السودان، وقد تصدّرت أزمة تقاسم مياه نهر النيل ومشروع سد النهضة الاثيوبي في الآونة الأخيرة أولويات الاهتمام الإسرائيلي في هذا الصدد.

 

 

 

[1] . حمدي عبد الرحمن (2015)، "الاختراق الإسرائيلي لإفريقيا"، قطر، الدوحة: منتدى العلاقات العربية والدولية، ص33.

[2] . موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية "إسرائيل بين دول العالم-إفريقيا"، 30/12/2010. على الرابط:

http://mfa.gov.il/MFAAR/MinistryOfForeignAffairs/BilateralRelations/Africa/Pages/africa.aspx

[3] . حمدي عبد الرحمن (2015)، مرجع سابق، ص50.

[4] . موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية "إسرائيل بين دول العالم-إفريقيا"، مرجع سابق.

[5] . موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية "إسرائيل بين دول العالم-إفريقيا"، مرجع سابق.

[6] . Mitchell Bard "The Evolution of Israel's Africa Policy", Middle East Review, 1998, P21.

[7] . موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية، تصريحات ومقابلات؛ "ليبرمان يولي أهمية لإفريقيا في السياسة الخارجية". على الرابط:

http://mfa.gov.il/MFAAR/MinistryOfForeignAffairs/MinisterOfForeignAffairs/StatementsAndInterviews/Pages/Israeli-FM-Liberman-promotes-Israeli-African-relations.aspx

[8] . وكالة أنباء عموم إفريقيا (بانا برس( "إفريقيا تمتلك نسبة 7% فقط من احتياطي النفط العالمي"، 7أكتوبر 2001.

[9] . Tom Burgis (2015) "The Looting Machine Wards, tycoons, smugglers and the systematic theft of Africa's wealth", London: welyam cleans. P298.

[10] . الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الإسرائيلية، تصريحات ومقابلات؛ "ليبرمان يولي أهمية لإفريقيا في السياسة الخارجية". مرجع سابق.

[11] . الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الإسرائيلية، تصريحات ومقابلات؛ "ليبرمان يولي أهمية لإفريقيا في السياسة الخارجية". مرجع سابق.

[12] .  خالد وليد محمود "التغلغل الإسرائيلي في القارة السمراء... أثيوبيا دراسة حالة"، الجزيرة نت، 29 يناير 2012. على الرابط: http://studies.aljazeera.net/reports/2012/01/2012124112751652.htm

[13] . عبد الناصر سرور، "السياسة الإسرائيلية تجاه إفريقيا"، مجلة جامعة الخليل للبحوث، المجلد5، العدد2، 2010، ص173-155.

[14] . غازي دحمان "التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا ومخاطره على الأمن العربي"، الجزيرة نت، 25يونيو 2008، على الرابط:

http://www.aljazeera.net/home/print/6c87b8ad-70ec-47d5-b7c4-3aa56fb899e2/8198aeef-fb3f-45c9-b7e9-42b153b86a9b

[15] . انظر: موقع وزارة الخارجية الفلسطينية. على الرابط: http://www.mofa.pna.ps

[16] . Ali AL.Mazrui, The Africans: A Triple Heritage, London: BBC publication,1986,p85.

[17] . عصام نصار "يهود العالم: في كتاب دليل إسرائيل"، تحرير كميل منصور، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت.

[18] . انظر: عمر سهلم صديق (2013) "يهود الحبشة (الفلاشاه): دراسة تاريخية"، مجلة كلية العلوم الإسلامية، المجلد السابع، ع14/2.

[19] . حمدي عبد الرحمن (2015)، مرجع سابق، ص18.

[20] . عبدالغني سلامة "إسرائيل على الجبهة الإفريقية: دراسة في العلاقات الإسرائيلية– الإفريقية"، منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث، عدد248.

[21]  . عبدالغني سلامة، مرجع سابق.

[22] . محمد الحسن عبدالرحمن الفاضل "التنافس الاسرائيلي الإيراني في إفريقيا"، مايو2011، الراصد للبحوث والعلوم. على الرابط: http://www.arrasid.com/index.php/main/index/33/96/contents#top

[23] . انظر: إبراهيم نصر الدين "دراسات في العلاقات الدولية الإفريقية"، مصر، القاهرة: مكتبة مدبولي 2011م, ص72.

[24] . حمدي عبد الرحمن (2015)، مرجع سابق، ص227.

[25] . حمدي عبد الرحمن (2015)، مرجع سابق، ص182.

[26] .انظر:  Stratfor, Eritrea: Another  Venue for the Iranian-Israeli Rivalry, December 21, 2012.

[27] . الجزيرة نت، "الأهمية الإستراتيجية للبحر الأحمر"، 4أكتوبر 2008، على الرابط:

http://www.aljazeera.net/news/arabic/2008/104/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%87%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%B1

[28] . انظر: المعرفة "نهر النيل"، على الرابط:

http://www.marefa.org/index.php/%D9%86%D9%87%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%8A%D9%84

[29] . صفا شاكر إبراهيم محمد "الصراع المائي بين مصر ودول حوض النيل: دراسة في التدخلات الخارجية 1990-2010"، 1سبتمبر 2010، على الرابط: http://www.watersexpert.se/Alnile.htm

[30] . المدونة الاقتصادية "أزمة المياه بين مصر ودول حوض النيل... ملف شائك"، 16إبريل 2010، على الرابط: http://tawfik-business.blogspot.com.tr/2010/04/blog-post_9176.html

[31] . عدنان حميدان؛ خلف الجراد (2006) "الأمن المائي العربي ومسألة المياه في الوطن العربي" سوريا، دمشق، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد22، العدد الثاني، ص23.

[32] . محمد دامو "الأطماع الإسرائيلية في المياه العربية، وانعكاساتها على الأمن القومي العربي"، شبكة الألوكة، 10إبريل 2012.

[33] . جريدة الشعب الجديد "العلاقات التاريخية بين حكام إثيوبيا وإسرائيل رأس حربة ضد مصر والعرب"، 13مارس 2015.

[34] . انظر: ويكيبيديا الموسوعة الحرة "مبادرة حوض النيل"، على الرابط:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%AF%D8%B1%D8%A9_%D8%AD%D9%88%D8%B6_%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%8A%D9%84

[35] . صحيفة المصري اليوم "تحذيرات من توسع إثيوبيا في إقامة سدود جديدة على نهر النيل"، 3مارس 2011.

[36] . عدنان حميدان، خلف الجراد (2006)، مرجع سابق، ص23.

[37] . شبكة المرصد الإخبارية "أثيوبيا تشكر الإمارات وإسرائيل على مساعدتهما في بناء سد النهضة"، 5يونيو 2013. على الرابط: http://marsadpress.net/?p=10619

[38]. إبراهيم يوسف عودة (2014) "الدور الإسرائيلي في انفصال جنوب السودان وتداعياته على الصراع العربي-الإسرائيلي"، رسالة ماجستير غير منشورة، فلسطين، نابلس: جامعة النجاح الوطنية، ص78.

[39] . عدنان أبوعامر "مصلحة إسرائيل من انفصال جنوب السودان"، الجزيرة نت، 9يناير 2011. على الرابط:

http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2011/1/8/%D9%85%D8%B5%D9%84%D8%AD%D8%A9-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%86%D9%81%D8%B5%D8%A7%D9%84-%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86

[40] . عدنان أبوعامر "مصلحة إسرائيل من انفصال جنوب السودان"، مرجع سابق.

[41] . إبراهيم يوسف عودة (2014) "الدور الإسرائيلي في انفصال جنوب السودان وتداعياته على الصراع العربي– الإسرائيلي"، رسالة ماجستير غير منشورة، فلسطين، نابلس: جامعة النجاح الوطنية، ص76.

[42] . موقع وزارة الخارجية الإسرائيلي "إسرائيل تعلن اعترافها بدولة جنوب السودان واستعدادها للتعاون معها"، 10.07.2011. على الرابط:

http://mfa.gov.il/MFAAR/TheGovernment/AnnouncementsAndStatements/2011/Pages/israel-recognizes-south-soudan-10072011.aspx

[43] . موقع وزارة الخارجية الإسرائيلي "لقاء تاريخي بين رئيس الدولة ورئيس جنوب السودان في أورشليم القدس"، 20نوفمبر 2011. على الرابط:

http://mfa.gov.il/MFAAR/TheGovernment/AnnouncementsAndStatements/2011/Pages/peres-president-south-soudan-20122011.aspx


ملصقات
 »