رؤية تركية
أفكار متحدية

الشئون التركية والدولية


| كلمة رئيس التحرير < رؤية تركية

روسيا في الشرق الأوسط وإفريقيا بين التعاون والتنافس

روسيا في الشرق الأوسط وإفريقيا بين التعاون والتنافس

روسيا في الشرق الأوسط وإفريقيا بين التعاون والتنافس

يأتي العدد الجديد من مجلة رؤية تركية وسط أجواء تنافسية تعايشها الدولة التركية في الوقت الحاضر، إذ تقف على مشارف مرحلة تخطو خلالها نحو مشهد مغاير عن سابقه، وذلك في إطار التحضيرات الجارية صوب الانتخابات الرئاسية والتشريعية المزمع انعقادها في الـ24 من حزيران/ يونيو 2018؛ أي قبل عام ونصف من الموعد المحدّد الذي كان مقرّرًا لها، وهو نوفمبر 2019.

 والمدن التركية تعيش أجواءً سياسية صاخبة استعدادًا للانتخابات الأهمّ والأقوى منذ عقود،؛ لما ستشهده من تحوّلات جذرية في البنى السياسية التركية، وسيعقبها بلا شكّ الكثير من المتغيرات المصاحبة لها اقتصاديًّا ومجتمعيًّا، وعلى رأس هذه التحولات إقرار (النظام الرئاسي) وتثبيت دعائمه، وذلك بإحلاله مكان النظام البرلماني القديم، وهذا النظام الرئاسيّ يُعَدّ أحد إفرازات الاستفتاء الأخير في 2017.

وإنّ المتأمل للمشهد التركي الداخلي يعي جيدًا أهمية هذه الانتخابات لجميع التنويعات السياسية والمجتمعية في تركيا، ابتداءً من السلطة السياسية القائمة والأحزاب السياسية التي تتوزع بين المعارضة والموالاة، فضلًا عن الناخب التركي الذي سيذهب إلى صناديق الاقتراع وفي جعبته الكثير من الآمال الباحثة عن الأمن والاستقرار والرفاهية التي تشبع رغائبه واقعًا ومستقبلًا.

ولا ينفكّ ما سبق ذكرُه عن الدور الجديد الذي تؤدّيه تركيا خارجيًّا، وهو الذي برز بشدة في مشهد تحرير مدينة عفرين السورية، وتطهيرها من الميليشيات الإرهابية هناك، وما تطمح في استكماله عقب هذه الانتخابات، وهذا يعزّز أهمية هذا الاستحقاق الذي سيخوّل لها تحقيق ذلك كلّه.

ويمكننا القول: إن تركيا على أبواب مرحلة مغايرة، بدأت بظهورها لاعبًا إقليميًّا مؤثرًا وفاعلًا جنبًا إلى جنب مع القوى الإقليمية الكبرى، وهو طور مهمّ توّجته الأعوام الـ15 الأخيرة من عمر الدولة التركية، وهذا يستدعي ضرورة فهم تحدّيات المرحلة القائمة، وضرورة الاصطفاف لمواجهتها؛ للعبور بتركيا إلى ضفاف أكثر أمنًا وصلابة .

 ولا يمكن فصل مشهد الاستعلاء ومشهد الغطرسة الأمريكيّينِ بنقل سفارتها إلى القدس عن التحدّيات التي تواجه تركيا واقعًا ومستقبلًا، خصوصًا بعد وقوف السلطة السياسية التركية بقوة أمام هذا القرار واصطفاف الشارع التركي بتوجهاته الأيديولوجية كافة ضد الممارسات الأمريكية، وما صاحب ذلك من قتل المتظاهرين العزّل في قطاع غزة، وهم يُحيون مسيرة العودة، وإصابة الآلاف على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، واعتبار تركيا القدس في رمزيتها الدينية وأهميتها الجيوسياسية لا تقلّ عن إسطنبول، وهذا تطور مهمّ في التوجّه السياسي للدولة التركية، ولعلّ خطاب الرئيس التركي أردوغان الأخير في بريطانيا الداعم لقضية القدس كان له أثر كبير في تحرّك اللوبي الصهيوني هناك وحلفائه الأوروبيين نحو تدشين خطة إعلامية مبرمجة للنيل من تركيا، ومحاولة زعزعة استقرارها، وقد شاهدنا جزءًا منه في معركة الليرة التركية مع الدولار الأمريكي.

بعد هذه المقدّمة يمكننا القول: إنّ مجلة رؤية تركية تتناول مرّة أخرى أحد أهم الملفّات الذي يشغل مساحات كبيرة من الفكر السياسي الدولي والإقليمي، وقد برز بشدة مع بدايات الربيع العربي، ثم ارتداداته خلال السنوات الأخيرة الماضية؛ هذا الملف يتعلق بالدور الروسي الصاعد في المشهد الحاليّ، ولاسيّما في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو الباعث الرئيس الذي دفعنا إلى محاولة سبر أغوار هذا الدور، والوقوف عنده بالتحليل والتفكيك والنقد؛ لوضع مقاربة لماهية هذا الدور الذي دفع روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين لأداء دور إقليمي كبير ومؤثّر في المنطقة، هذا الدور الذي أثار حفيظة الدول الغربية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية... وما بين التحالف والتعاون والسجال يدور اللاعب الروسي في فلك السياسة والجغرافية في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، وهذا هو ملف العدد ومحتواه.

باكورة بحوثنا في هذا العدد للباحث والأكاديمي أوزغور تفكجي حول العلاقات التركية الروسية، إذ لا تزال تلك العلاقة تمثّل إشكالية كبيرة منذ سنوات، حين تناولها كثير من الباحثين والكتّاب منذ صعود الدور الروسي وبروزه، بيد أن كثيرًا منهم لم يُوفَّق في الاقتراب من عمق التحولات التي صاحبت هذه العلاقة، إذ تأرجحت آراؤهم في مجملها بين مسألة التعاون الدائم والتنسيق المباشر من جهة، وبين التنافسية الصدامية من جهة أخرى، وهو ما أسهم في عجزها عن تقديم مقاربة واقعية لها. وهنا تكمن أهمية بحث تفكجي من خلال قدرته على تقديم تصوّر مغاير للأطروحات السابقة حول العلاقات التركية الروسية التي تُعَدّ الأهم والأبرز على الصعيد الدولي في اللحظة الراهنة.

تُعَدّ منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط من التمركزات المهمّة والرئيسة للنفوذ الروسي، وبخاصة العسكري منها، ولعل سبب استهداف روسيا منطقة الشرق الأوسط هو مدّ نفوذها في شرق البحر المتوسط؛ لملء الفراغ الذي تسبّبت فيه الولايات المتحدة بعد تراجع نفوذها هناك... وفي دراسته التحليلية (القوى الكبرى في شرق البحر المتوسط) يتناول جاغتاي أوزدمير التموضع الروسي في شرق البحر الأبيض المتوسط، وبخاصة مسألتا الطاقة والعلاقات مع قوى المنطقة، وما أسهمت فيه روسيا البوتينية من تغيير في التوازنات في منطقه الشرق الأوسط، انطلاقًا من إستراتيجيتها في شرق المتوسط، مع استشراف مسارها المستقبلي، اتكاءً على هذا المنحى الجيوبولوتيكي المهمّ .

وإنّ العلاقات السعودية الروسية من القضايا المهمّة التي تُضاف إلى قاموس الإشكالات الأخرى العربية الروسية، وقد عرض الباحث أمجد أحمد جبريل في مقالته التحليلية حدود التغيّر في العلاقات الروسية السعودية، وبيان إن كانت شراكة إستراتيجية أم علاقات طبيعية، وقد توصّل إلى أنّها لا ترتقي إلى ما يمكن وصفه بالشراكة الإستراتيجية السياسية، ويرجع ذلك لملفّات عدة، أبرزها الأزمة السورية، والنظرة إلى طبيعة العلاقة مع الجانب الإيراني التي تتعارضان إزاءها جذريًّا، فضلًا عن مظاهر التعاون والصلة مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولاسيّما إدارة ترامب .

ثم يبحث الكاتب السوري أيمن الدسوقي عن الدور الروسي في أهم الجغرافيات التي برز خلالها النفوذ الروسي وهي سوريا، وكانت إيذانًا بتغيّر كبير في موازين القوى في الشرق الأوسط وتوازناتها، إذ تقدّمت روسيا لتكون ضلع المثلث الأكثر بروزًا وتأثيرًا في المنطقة، من خلال الأرض السورية التي أصبحت روسيا منذ بدء الأزمة من أبرز الدول التي ترسم ملامح واقع الدولة السورية ومستقبلها.

ولم يفت الكاتب السوري أن يتناول بالبحث والتحليل تبعات هذا الدور الذي أدّته روسيا في الداخل السوري وانعكاساته السياسية والاقتصادية، وتكلفته الراهنة والمستقبلية، في ضوء الاصطدام الحادث مع الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، هذا الصدام الذي يأخذ منحًى من السجال المتصاعد الذي قد يدفع نحو مواجهة مستقبلية مرتقبة؛ نتيجة الطموح الروسي في منطقة الشرق الأوسط، انطلاقًا من سوريا، ورغبة إدارة ترامب في تصحيح أخطاء إدارة أوباما السابقة عليه، خصوصًا في ظل حالة من الاستقطاب الإقليمي؛ من أبرزها مواجهة دول الخليج مع الدولة الإيرانية، ومسائل أخرى ترتبط بالتحوّلات التي شهدتها المنطقة منذ وصول ترامب إلى سدّة السلطة في الولايات المتحده الأمريكية إلى يومنا هذا.

وكان من الطبيعي بعد أن تناولنا الدور الروسي في سوريا أن نلقي الضوء على العلاقات الروسية الإيرانية في الداخل السوري أيضًا؛ نظرًا لحجم الشراكة التي عايشها الطرفان منذ أحداث الثورة السورية ... ومن هنا يتناول الأكاديمي العراقي خضر عبّاس عطوان طبيعة العلاقة بين روسيا وإيران ومظاهرها: أهي قائمة على التعاون أم التنافس أم السجال؟ مع بيان محددات التقارب والتباعد، وبخاصة في ظل محاولة رسم مستقبل سوريا، والبحث عن حلّ بعد أن تعاظمت هذه الأزمة؛ تحديدًا بعد دور ميليشيا الاتّحاد الديمقراطي (PYD) المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، وقيامها بأدوار تخريبية عاصفة أسهم الدور العسكري التركي في وقف تمدده .

أما الباحث الجزائري جلال خشيب فيتناول في دراسته التحليلية (الجيوبولتيكا الروسية الحديثة والمعاصرة بين النظرية والتطبيق) زاوية جديدة لفهم كيفية تفكير صانع القرار الروسي، وتحديدًا من خلال علاقة التأثّر والتأثير بين عالَم الأفكار الجيوبولتيكي والعالَم الميداني لصنّاع القرار في روسيا، وذلك منذ مطلع الألفية الجديدة للقرن الحادي والعشرين... وتكمن أهمية الدراسة في تناولها عالم الأفكار النظرية ومدى تطبيقها في الواقع التجريبي وممارستها على الأرض، والتي يتجلّى خلالها شكل العلاقة بين الباحثِ المنظّرِ وصانع القرار المنفّذ، وحجم الانسجام والمرونة بينهما لصياغة مشهد فاعل في عالم السياسة وتبعاته من فواعل عسكرية ومجتمعية، ولاسيّما أنّ لروسيا خصوصية تميزت بها في أداء مفكّريها أدوارًا فاعلة في رسم تصوراتها الماضية والقائمة والمستقبلية أيضًا .

وموازاةً مع ما سبق تأتي أهمية معرفة الدور الروسي في ليبيا، في إطار تزايد نفوذ روسيا المتصاعد بعد الربيع العربي، ومزاحمتها للقوى الغربية الأخرى، خصوصًا في ظل رحلة روسيا في التوغّل في حوض البحر الأبيض المتوسط، وتثبيت دعائمها هناك، وهو ما يقدّمه الباحث الليبي نزار ميلاد الفورتاس في مقاله المهمّ: (السياسة الروسية تجاه ليبيا بعد الربيع العربي) .

ثم يقدّم كلّ من الباحثة الجزائرية فريدة روطان والباحث السوداني عباس محمد صالح مقالين مهمّين: أوّلهما عن التنافس الروسي الصيني في القارة السمراء، وثانيهما عن مستقبل التحركات الروسية في إفريقيا: القرن الإفريقي نموذجًا .

أمّا روطان فتتناول فكرة التنافسية وتعاظم الطموحات الرامية لتموضع فاعل لكل من الصين وروسيا في القارة السمراء، مع اختلاف آليتيهما، إلا أن أهدافهما تتقاطعان بشكل كبير، وتعرض الباحثة الجزائرية جملة من المعطيات التي تبرز محاولات كلّ طرف التي قد تصل في بعضها إلى التنافسية الخشنة، في سباق يسعى كل طرف منهما إلى اقتناص أكبر قدر ممكن من ثروات الإقليم .

وأمّا الباحث عباس محمد صالح فيستعرض زاوية مهمّة في تحركات روسيا في إفريقيا، وتحديدًا في القرن الإفريقي؛ المنطقة الأكثر حيوية في القارة، وينطلق منها ليعرض أيضًا حجم التنافسية داخلها بين روسيا من جهة والغرب من جهة أخرى، مع بيان آليات روسيا للبقاء والاستقرار وتفعيل النفوذ، فضلًا عن مستقبله.

ونختتم هذا العدد الجديد من مجلتكم (رؤية تركية) بمقالين: أوّلهما بعنوان (البعد الديني وأثره في تعزيز العلاقات الأفروتركية) للباحث أبو بكر حسن علي بخيت، وثانيهما بعنوان (مرجعية النجف ومسألة العروبة والمواطنة) للباحث بوزيدي يحيى.