رؤية تركية
أفكار متحدية

الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

الإطار الدستوري للنظام الرئاسي في تركيا

تتناول هذه الدراسة الإطار الدستوري للنظام الرئاسي في تركيا، مسلّطة الضوء على الخلفية التاريخية التي مهدت لعملية الانتقال للنظام الرئاسي حيث جرت حوله نقاشاتٌ منذ أكثر من أربعين عامًا في الحياة السِّياسيَّة التركيّة لتجاوز أزمة نموذَجِ النّظام البرلماني. وللقضاء على الوصاية البيروقراطية، وتأمين التحوّل الدّيمقراطي، وتأمين الاستقرار السّياسيّ والاقتصاديّ، وتحقيق الإدارة السّريعة والفعّالة.

الإطار الدستوري للنظام الرئاسي في تركيا

 ملخص: تتناول هذه الدراسة الإطار الدستوري للنظام الرئاسي في تركيا، مسلّطة الضوء على الخلفية التاريخية التي مهدت لعملية الانتقال للنظام الرئاسي حيث جرت حوله نقاشاتٌ منذ أكثر من أربعين عامًا في الحياة السِّياسيَّة التركيّة لتجاوز أزمة نموذَجِ النّظام البرلماني. وللقضاء على الوصاية البيروقراطية، وتأمين التحوّل الدّيمقراطي، وتأمين الاستقرار السّياسيّ والاقتصاديّ، وتحقيق الإدارة السّريعة والفعّالة. ويمكن القول إن النّظام الجمهوريّ الرئاسيّ هو أهم ثمرات الوفاق الذي حصل في المشهد السياسيّ بعد محاولة انقلاب 15 تمّوز. كما تتناول هذه الدراسة جوانب النّظام الجمهوريّ الرئاسيّ التي برزت في التّصميم الدّستوري، وتشرح عددًا من الصلاحيات والتعديلات الواردة في التعديلات الدستورية.

المدخل:

أُعِدّ نظام الحكومة الجديد الذي يسمّى بالنّظام الجمهوريّ الرئاسيّ في مقترح تعديل الدستور؛ وفق نموذج الحكومة (الرئاسيّ) من حيث التّرتيبات المتعلقة بالعلاقة القائمة بين السّلطة التّشريعيّة والتّنفيذيّة والقضائيّة. فالنّظام الجمهوريّ الرئاسيّ الذي ينطلق من البحث عن نظام حكومةٍ معدّلٍ؛ يصمّم دستورًا جديدًا في مسائل شتّى، مثل انتخابات السّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة، وشكلِ تجديد الانتخابات، ومهامّ السّلطة التّنفيذيّة، وبعض التّرتيبات الخاصة بالقضاء، وأصول محاكمة رئيس الجمهوريّة والوزراء واستجوابهم، ونوّاب رئيس الجمهوريّة، وصلاحيّات رئيس الجمهوريّة في إصدار القرارات، ومصادقة الموازنة وغيرها.

تمّ الاستفتاء الشعبي على حزمة التّعديلات الدّستوريّة التي تركّز على النّظام عقب الوفاق الذي حصل بين حزبي العدالة والتّنمية والحركة القوميّة، وعرضها على المجلس العموميّ للبرلمان باعتبارها اقتراحًا من حزب العدالة والتّنمية، وقبولها من قبل هذا المجلس، وعقب مصادقة رئيس الجمهورية أردوغان. ونجاح الاستفتاء انتهت قضية تحوّل النّظام السّياسيّ لتجاوز أزمة النّظام البرلماني التركي الذي بقي موضع جدلٍ ونقاشٍ على مدى أربعين عامًا تقريبًا. وعلى الرغم من أن النّظام الجمهوريّ الرئاسيّ يُعدّ نتاج الجهود الحثيثة التي بذلها حزب العدالة والتّنمية؛ فإنه في نهاية المطاف تشكّلَ نتيجة وفاقٍ بين الحزبين. والنّص الذي تشكَّل نتيجةَ الوفاق لا يعكس تمامًا آراء الأحزاب السّياسيّة التي تؤيّد الوفاق.

وقد صُمِّمت التّعديلات الدّستورية بحسب النّظام الرئاسيّ، وإن كان يسمّى (بالنّظام الجمهوريّ الرئاسيّ)[1]. وبهذا المعنى، يتبيّن من موجبات هذا التّصميم أنه أُعِدّ لتخطّي الأزمات التي كانت تحصل في النّظام البرلماني التركي، ويحول دون أن يولِّد النظام الجديد أزماتٍ جديدةً أخرى. فبينما يُعَدّ عدم امتلاك السّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة صلاحيّة إنهاء مدة عمل بعضهما من خصائص النّظام الرئاسيّ على سبيل المثال- يجري تنظيم النظام الجمهوريّ الرئاسيّ بشكلٍ مختلف. فقد أُدْرِجَ في النّظام الجمهوريّ الرئاسيّ من النّموذج التّركي مَنْحُ كلٍّ من السّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة الصّلاحيّة المتبادلة في تجديد كلٍّ منهما انتخاب الآخر لتخطّي حالات الطرق المسدودة في النّظام السّياسيّ الأمريكيّ، وهو الأمر الذي كان موضوع جدلٍ منذ وقتٍ طويلٍ. وهكذا أُدرِج تنظيم يسمح للسّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة في التّوجه إلى انتخاباتٍ جديدةٍ بصورةٍ متبادلةٍ في حالات وصول النّظام إلى طريقٍ مسدودٍ نتيجة أزمةٍ قد تقع بينهما.

عندما نمعن النّظر في الموجبات العامة لمقترح التّعديلات الدّستوريّة يمكن القول إنه من الممكن أن نجد فيها ملخصًا عن الجدل الدائر حول نظام الحكومة في تركيا حتى الآن[2]. ويتّضح أنّ أحد أهم الدّواعي لإجراء التعّديلات الدّستوريّة لها علاقةٌ بضرروة إنهاء الأزمات التي أوجدها نظام الوصاية الذي بناه دستورا 1961 و1982. وقد تطرّقت الموجبات العامّة إلى بعدين مهمّين بهذا الخصوص: أولهما يتعلّق بتجاوز حدود النّظام البرلمانيّ بإعطاء رئيس الجمهوريّة صلاحيّات واسعة جدًّا بموجب دستور 1982. والبعد الثّاني له علاقةٌ بمسألة الرئاسة المزدوجة التي ظهرت في النّظام، مع الانتقال إلى فترة انتخاب رئيس الجمهوريّة بأصوات الشّعب بعد عام 2007، وعدم قدرة نظام الحكومة الحالي على تحقيق الاستقرار، وأنه يفتح الطريق للوصاية البيروقراطيّة على السّلطة السّياسيّة موجبٌ آخر تم تأكيده. كما أُكِّد بشكلٍ خاصٍّ أن التّغلب على هذه المشكلات لن يكون ممكنًا إلا من خلال نظام حكومةٍ جديد.

تبيّن في ضوء التّجارب الدّستوريّة السّابقة أن حلول المشكلات التي يعانيها النّظام البرلمانيّ لن تكون مجديةً مع تحوّل النّظام إلى نظامٍ شبه رئاسيٍّ بصورةٍ فعليّة. وإلى هذا السّبب تستند موجبات إعداد التّعديلات الدّستوريّة في نموذجٍ يناسب النّظام الرئاسي. وما من شكٍّ في أن التّعديلات الدّستوريّة التي تُعرَض بوصفها تصميمًا لنظامٍ معدّلٍ يتوافق مع واقع تركيا- له نواقص وعيوبٌ وجوانب تثير الجدل، لكنه لا ينبغي أن يغيب عن الأنظار أيضًا أن التغلّب على المشكلات التي ستظهر في فتراتٍ متقدّمةٍ سيكون ممكنًا بترتيباتٍ تجرى داخل النّظام.

يشمل مقترح التّعديلات الدّستوريّة تعديلاتٍ تتضمّن بالأكثر نظام الحكومة. إذ أجريت تعديلاتٌ دستوريةٌ في مجالاتٍ مثل انتخابات السّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة، وشكل تجديد الانتخابات، ومهام السّلطة التّنفيذيّة، وبعض التّرتيبات الخاصة بالقضاء، وأصول محاكمة رئيس الجمهوريّة والوزراء واستجوابهم، ونوّاب رئيس الجمهوريّة، وصلاحيّات رئيس الجمهوريّة في إصدار القرارات، ومصادقة موازنة الدولة. ولم تُجْرِ أي ترتيباتٍ جديدةٍ في مجالاتٍ مثل خصائص الدّولة الأساسيّة وصفاتها المركزيّة، ونظام الحريّات والحقوق العامة، وبنية السّلطة التّشريعيّة، وواجبات المحكمة الدّستوريّة وانتخاب أعضائها.

والتّعديل الأهمّ في المقترح هو إلغاء ازدواجيّة الرئاسة في السّلطة التّنفيذيّة النّاجمة عن النّظام البرلماني. وبالتّعديلات الحاصلة في الدّستور أُدرِج تعيين نوّاب رئيس الجمهوريّة والوزراء وكبار موظفي الحكومة، وتأسيس الوزارات وإلغاؤها، وتحديد مهامها وصلاحياتها؛ ضمن مهام ومسؤوليّات رئيس الجمهوريّة الذي يمثل رئيس الدولة، إلى جانب كونه يملك صلاحيّات السّلطة التنفيذيّة. كما أُلغي الحكم الموجود في الدّستور الحالي بخصوص "قطع رئيس الجمهورية المنتَخَب علاقته بحزبه إن وجدت". وبذلك تتيح التّعديلات الدّستوريّة لرئيس الجمهوريّة الذي انتخبه الشعب مباشرةً أن يحدّد مستوى علاقته بالتّقليد السّياسيّ الذي ينحدر منه. كما يشكل توسيع المسؤوليات الجزائيّة لرئيس الجمهوريّة وتسهيلها موضوع الحديث.

ومن جهةٍ أخرى أُجريِت تعديلاتٌ متعدّدةٌ فيما يخص آليّة عمل البرلمان. فرُفِع عدد نوّاب البرلمان من 550 إلى 600 وخُفِّضت سنّ الترشّح للانتخابات إلى 18 عامًا. فضلًا عن إجراء الانتخابات البرلمانيّة والرئاسيّة بصورةٍ متزامنةٍ مرّةً كل خمسة أعوامٍ، وحصر صلاحيّات عرض القوانين -باستثناء قانون الموازنة- في يد النوّاب. ويعطى كلٌّ من رئيس الجمهوريّة والبرلمان صلاحيّاتٍ متبادلةً في تجديد كلٍّ منهما انتخاب الآخر في حال وصول النّظام إلى طريقٍ مسدودٍ.

بدأت مناقشة العرض في اللجنة الدستوريّة في 20 كانون الأول، وقُبِل في 29 كانون الأول إثر اجتماعاتٍ ساخنةٍ وحادةٍ، ولقاءاتٍ متسارعةٍ، وأسفر عن لقاءات اللجنة تخفيض عدد المواد المقترح تعديلها من 21 مادةٍ إلى 18 مادةٍ، وحُذِفت المؤسسة النّيابيّة الاحتياطيّة التي كانت موجودةً في المقترح بحلّته الأولى، واتُّفِق على جعل عدد أعضاء مجلس القضاة والمدّعين العامّين (حاليًّا المجلس الأعلى للقضاة والمدّعين العامّين) 13 عضوًا بدخول مستشار وزارة العدل فيه. واستُبْدِل بشرط "أن يكون المرشّح لرئاسة الجمهوريّة تركيًّا بالولادة" شرطُ "أن يكون المرشّح لرئاسة الجمهوريّة مواطنًا تركيًّا"، وأُضِيف إلى النص أداء نوّاب رئيس الجمهوريّة والوزراء القَسَم في مجلس الشّعب التركيّ الكبير، وحُذفت من النص صلاحيّة رئيس الجمهوريّة بتأسيس تشكيلات المركز والأطراف في إطار المادة 126 تحت عنوان (الإدارة المركزية) بقرار رئاسي. وبينما كان المقترح قبل عرضه على اللجنة ينصّ على أن رئيس الجمهوريّة يمثّل القيادة العامة للقوّات المسلّحة التركية، أعيد تنظيم صلاحيّة رئيس الجمهوريّة هذه بعد التّعديلات الحاصلة في اللجنة، بإضافة عبارة "يستعملها باسم مجلس الشّعب التركي الكبير".

في 9 كانون الثاني انتقلت مناقشات مواد الاقتراح إلى أجندة المجلس العمومي لمجلس الشّعب التركي الكبير. وانتهت هذه المناقشات في النّصف الثاني من شهر كانون الثاني، وقُبِل العرضُ الذي قدّمه حزب العدالة والتّنمية بعنوان (قانون إجراء تعديلاتٍ في دستور الجمهوريّة التركية) المكوَّن من 18 مادةٍ بـــــ339 صوتًا، وأرسِلَ إلى رئيس الجمهوريّة، وبدوره صادق عليه ليُصار إلى استفتاء شعبيٍ في 16 نيسان 2017.

سنتطرق في هذه الدراسة إلى جوانب النّظام الجمهوريّ الرئاسيّ التي برزت في التّصميم الدّستوري. فالأوساط التي تعترض على تغيير النّظام بعد تبلوره في إطاره الدستوريّ على شكل النّظام الجمهوريّ الرئاسيّ تقوم بتحليل التّعديلات الدّستوريّة من وجهة نظرٍ برلمانيةٍ. وبذلك تجري مناقشة النّظام الجمهوريّ الرئاسيّ المصَمَّم بحسب النّظام الرئاسيّ في مستوياتٍ خاطئة. فبينما تُناقَش آليّات الرقابة والتوازن في العلاقة الموجودة في السّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة على سبيل المثال؛ يجري الاستفهام حول عدم وجود أمورٍ، مثل التّصويت على الثّقة والاستجواب في النّظام الجديد. أو تُمقارَن (صلاحيات الرئيس في اتخاذ الإجراءات التنظيمية) تحت مسمّى (الأوامر التّنفيذيّة)[3] في الأنظمة الرئاسيّة مع (القرار بحكم القانون) في الأنظمة البرلمانيّة. وبنفس الشكل لا يتم التّفريق بين آلية إعطاء قرارٍ بأن يُجدّد كلٌّ من السّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة انتخاب الآخر في حال وصول النّظام إلى طريقٍ مسدودٍ، وبين صلاحيّة رئيس الجمهوريّة أو رئيس الدّولة في النّظام البرلماني بأن يحلّ البرلمان لوحده.

وبهذا المعنى تهدف هذه الدراسة إلى مناقشة النّظام الجمهوريّ الرئاسيّ بالتّركيز على نموذج الحكومة الرئاسيّ. ولا بدّ من البيان هنا عن وجود ترتيباتٍ من شأنها أن تعزّز دولة القانون والديمقراطيّة، مثل إلغاء الأحكام العرفية التي لا تمتّ إلى نظام الحكومة بصلة مباشرةٍ، وانفتاح قرارات الشّورى العسكرية العليا (YAŞ) على الرقابة القضائيّة، وانفتاح مؤسسة القوّات المسلّحة التركية (DDK) على الرقابة.

 

الخلفيّة التّاريخيّة للانتقال إلى النّظام الجمهوريّ الرئاسيّ[4]

دافعت الأحزاب السّياسيّة ورجال السيّاسة الذين يتبنّون آراءً سياسيّةً مختلفةً عن تحوّل النّظام السّياسيّ بموجباتٍ شتّى منذ سبعينيّات القرن الماضي. فتحدّثت الأحزاب في برامجها عن سلبيّات النّظام البرلماني، وعبَّرَتْ عن إمكانيّة التغّلب على هذه السّلبيّات والمشكلات عبر إجراء تعديلاتٍ جوهريّةٍ في النّظام السّياسيّ، وأعطت قدرًا كبيرًا من الاهتمام بهذه المسألة في بياناتها الانتخابيّة، وطرحت نماذج التّعديل التي تنوي إجراءها في النّظام السّياسي في حال تم انتخابها. والذين كانوا ينادون بضرورة تحوّل النّظام السّياسيّ إلى نموذج الحكومة الرئاسيّ تحدّثوا عن هذه الحاجة والضرورة بالتّركيز على الأزمات السّياسيّة التي برزت في عهدهم. وهكذا يمتدّ تاريخ النّقاشات الدّائرة حول النّظام الرئاسيّ في تركيا إلى سبعينيّات القرن الماضي. ويُعدّ حزب النّظام الوطنيّ (ملّي نظام) وحزب السلامة الوطني (ملّي سلامت) اللذان يشكلان تقليد الرؤية الوطنيّة (ملّي غوروش) أوّل من أطلق نقاشات تحوّل النّظام السّياسيّ إلى نموذج الحكومة الرئاسيّ في هذه الفترة. فحزب النّظام الوطنيّ الذي أُسِّس عام 1970 نادى في برنامجه إلى ضرورة "انتخاب رئيس الجمهوريّة مباشرةً بدرجةٍ وحيدةٍ حتى تصير السّلطة التنفيذيّة أكثر قوةً، وتعمل بشكلٍ سريعٍ، وتنظيم نظام السّلطة التّنفيذيّة وفقًا للنّظام الرئاسي (presidantielle)[5].

أما حزب السّلامة الوطنيّ فقد اقترح في بيانه الانتخابيّ عام 1973 الانتقال إلى النّظام الرئاسيّ، وبيّن ضرورة أن تكون الانتخابات مباشرةً وحيدة الدّرجة، ودمج منصبي رئيس الحكومة ورئيس الدولة. "إن حزب السلامة الوطنّي عازمٌ على أن يأتي بدولةٍ وحكومةٍ ديمقراطيةٍ ونظامٍ برلمانيٍ يتوافق مع شخصيّتنا وخصوصيّتنا الوطنيّة. وفي سياق هذه الجملة؛ سيتم إحلال النّظام الرئاسيّ، والدّمج بين رئاسة الجمهوريّة التي هي رئاسة الدولة وبين رئاسة الوزراء التي هي رئاسة الحكومة، وسيتم تأمين القوة والسرعة والتأثير للسّلطة التنفيذيّة، وسيتم انتخاب الرئيس من الشعب مباشرةً. وهكذا سيتحقّق الانخراط والاندماج الذّاتي بين الدولة والشّعب، ولن يبقى هناك مجالٌ لتكهناتٍ داخليّةٍ وخارجيّةٍ في موضوع انتخابات رئاسة الجمهوريّة تؤدّي إلى تآكل النّظام"[6].

أما ألب أرسلان توركش الذي عمل زعيمًا لحزب الحركة القوميّة لفترةٍ طويلةٍ فقد عبّر عن آرائه في كتاب له بعنوان الأنوار التسعة (Dokuz Işık) على النّحو الآتي: "إن جمع السّلطة التّنفيذيّة في يدٍ واحدةٍ يؤمّن التّنفيذ القويّ والسّريع. لهذا ندافع عن النّظام الرئاسيّ باعتباره يتوافق مع تاريخنا وأعرافنا". ويرى توركش "أن تقسيم رئاسة السّلطة التنفيذيّة في الدولة القوميّة إلى قسمين محفوفٌ بالمخاطر؛ لأنه يضعف السّلطة".

انطلاقًا من رأيه هذا، يقول توركش: "نحن عازمون على جمع منصب رئيس الجمهوريّة ورئيس الوزراء تحت مسمّى واحدٍ ألا وهو منصب رئيس الدولة، وجعل السّلطة التّنفيذيّة في يدٍ واحدةٍ"، ويصف مقترح النّظام السياسيّ لتجاوز أزمة السّلطة على النّحو الآتي: "عندما يتحقّق رأينا هذا الذي نسمّيه بالنّظام الرئاسيّ سيتم انتخاب رئيس الدّولة مباشرةً من قبل الشعب بذاته عبر إجراء استفتاءٍ شعبيٍ، وهكذا يسهم الشّعب في الإدارة ويشارك بذاته في القرارات التي ستُتّخَذُ في موضوعات تهمّه، فيتم تأسيس الدّيموقراطية الشّعبيّة"[7].

في هذا السياق بنى كلّ من التّقليدَيْن السّياسيَّيْن ضرورةَ الانتقال إلى النّظام الرئاسيّ في هذه الفترة على (أزمة السّلطة) بالأكثر، و(انعدام الاستقرار السّياسيّ) الذي خلقته حكومات التّحالف[8].

وفي فترة إعداد دستورٍ جديدٍ بعد الانقلاب العسكري الذي حدث في 12 أيلول 1980 تناولت الأجندات النّظام الرئاسيّ والنّظام شبه الرئاسيّ بصورةٍ متزامنةٍ، ودار الجدل حول هذين النّظامين السّياسيَّيْن بالتّركيز على انتخاب رئيس الجمهوريّة من قبل الشّعب[9]. فالأزمة التي حصلت نتيجة الإخفاق في انتخاب رئيس الجمهوريّة في مجلس الشّعب التركي الكبير في الفترة المقبلة على انقلاب 1980، والطرق المسدودة التي تم الوصول إليها في أثناء انتخاب رئيس الجمهوريّة الذي تكرّر أكثر من 115 جولة؛ جعلت الحاجة إلى نظامٍ جديدٍ أكثر وضوحًا. ولكن الإرادة التي أعدّت دستور 1982 قمعت هذا الجدل؛ لأنها عرّفت منصب رئيس الجمهوريّة على أساس (التطابق الأيديولوجي) والمهمّة التي تحمي آليّات الوصاية. فعندما ينتخب الشعب رئيس الجمهوريّة تنعدم احتماليّة انتخاب رئيس الجمهورية بما يتماشى مع الأيديولوجيات التي تريدها.

كان تورغوت أوزال أوّل من أطلق الجدل حول إدخال النّظام الرئاسيّ بعد وضع دستور 1982 حيّز التّنفيذ. وصرّح بأن النّظام الرئاسي ضروريٌّ من أجل تطوّر تركيا اقتصاديًّا، وأن القفزات الاقتصاديّة لن تتحقّق إلا بالنّظام الرئاسيّ. كما قال أوزال: إنه من الصعوبة بمكانٍ أن يتوقّف الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة عن العراك والمشاحنة، والالتفاف حول الوفاق في مسائل أساسيّة، مشيرًا إلى ضعف ثقافة الوفاق في السّياسة التركية، وأن تكون تركيا بلدًا زعيمًا في المنطقة مستفيدةً من الفرصة التّاريخيّة التي أمامها في هذه الفترة[10]. فبيّن أن القرارات سيتم اتخاذها بسرعةٍ عند الانتقال إلى النّظام الرئاسيّ؛ لأنه سيحدث فصلٌ قويٌّ بين السّلطات.

وانخفاض أصوات حزب الوطن الأم في انتخابات 1984 المحليّة بنسبة خمسة بالمئة مقارنةً مع أصواتها في الانتخابات العامة التي جرت قبل عامٍ مضى، قيّمه تورغوت أوزال على أنه يوحي بالعودة مرّةً أخرى إلى عهد حكومات التّحالف بُعَيْدَ الانتخابات، واستشار من حوله في موضوع النّظام الرئاسي[11]. لكنه أجّل مناقشة هذه المسألة في الرأي العام للحيلولة دون صدامٍ مع رئيس الجمهوريّة كنعان أفرن.

لم يتوقف تورغوت أوزال عن الحديث عن ضرورة الانتقال إلى النّظام الرئاسيّ في تركيا حتى وفاته عام 1988[12]. وقال: إن النّظام الرئاسي هو أنسب نموذجٍ إداريٍّ لتركيا باعتباره (محرّك التغيير)؛ لأنه كان يرى أن البرلمان التركي يبطئ الإصلاحات التي يجب القيام بها[13]. وبينما كان تورغوت أوزال يدافع عن النّظام الرئاسيّ، كان يقدم الأدلّة والبراهين على عدم قدرة حكومات التّحالف على بناء إدارةٍ فعالةٍ في تركيا. فكان يزعم من جهةٍ أن الاختلافات المجتمعيّة في تركيا تحرّض على تجزئة الخيارات السياسية التي تتشكل تبعًا للمناطق والمدن والثقافات السياسيّة القائمة عليها، ويؤكِّد من جهةٍ أخرى على أن النّظام الرئاسيّ سوف يخدم وحدة البلاد.

كان أوزال يعتقد أن "النّظام الرئاسيّ أنسب نظامٍ لبلدٍ يضمُّ مجتمعاتٍ ذات قاعدةٍ إثنيةٍ واسعةٍ". وكان يرى أنه إذا تم ربط الخيارات السيّاسيّة لمجتمعٍ متعدّد الألوان بالنّظام البرلمانيّ فإن عوامل أخرى خارج التنافس في الخدمة، مثل الاختلافات الإثنية والفروقات الدينيّة والمذهبيّة والمناطقية تدخل إلى البرلمان[14]. والبرلمان الذي يتكوّن من هذا الضرب من الديناميّات لا يستطيع التركيز على الأعمال التّشريعيّة، ويتعسّر فيه الوفاق في السيّاسة تدريجيًّا.

لم يكتف أوزال بالحديث عن الأسباب الكامنة وراء الحاجة إلى النّظام الرئاسيّ، بل قدّم أيضًا إطارًا لما يجب أن يكون عليه النّموذج الرئاسيّ بالنسبة لتركيا. فكان أوزال يرى أنه يجب الاحتفاظ بصلاحيّات رئيس الجمهوريّة المبيّنة في دستور 1982 في حال تم انتخابه من قبل الشّعب، وأن يتم انتخاب رئيس الجمهوريّة بحسب نظام الأغلبيّة المطلقة بجولتين كل خمسة أعوام، وأن تتم الانتخابات الرئاسيّة والبرلمانيّة بصورةٍ متزامنةٍ، وأنه يجب انتخاب رئيس الجمهوريّة من جديدٍ في حال قرّر المجلس خوض انتخاباتٍ مبكرة[15].

لقيت مساعي تورغوت أوزال من أجل الانتقال إلى النّظام الرئاسيّ اعتراضًا من قبل سليمان دميريل الذي طالب هو الآخر بالانتقال إلى النّظام الرئاسيّ لاحقًا. فدميريل كان يرى أنّ رغبة أوزال في الانتقال إلى النّظام الرئاسيّ جاءت نتيجة انخفاضٍ تدريجيٍّ في دعم المجتمع له. وقد عززت انتقاداته خسارة حزب الوطن الأم وأوزال الاستفتاء الذي قدّمه لتقديم الانتخابات المحلية عامًا واحدًا في 25 أيلول عام 1988 بنسبة 65%. وركَّز انتقاداته على الانتخابات الرئاسيّة. واعتمد دميريل في انتقاداته على خسارة حزب الوطن الأم قاعدته من الدّعم الشعبي المشروع نظرًا  إلى انخفاض معدل الأصوات التي تقول (نعم). فزعم دميريل أنّه من غير الصّواب انتخاب رئيس الجمهوريّة الجديد من قبل مجلسٍ يشكل حزب الوطن الأم أغلبيّته السّاحقة، واقترح أن يتم انتخاب رئيس الجمهورية الجديد من قبل الشّعب[16].

كانت صيغة الحلّ التي قدّمها دميريل وهو يعترض على انتخاب أوزال رئيسًا للجمهوريّة من قبل (مجلسٍ فقد شرعيته)؛ أن يتمّ انتخاب رئيس الجمهوريّة من قبل الشّعب. كان دميريل يؤيّد من جهةٍ انتخاب رئيس الجمهورية من قبل الشّعب، ويؤكّد من جهةٍ أخرى على أن صيغته ليست النّظام الرئاسيّ، وذلك في بيانٍ منه بأنه لا يملك فكرًا مشابهًا لفكر أوزال فيما يتعلق بالتحوّل السّياسيّ[17].

وقد جسّد دميريل مقترحاته خلال هذه الفترة، فبدأ بإعداد مقترحٍ لإجراء تعديلاتٍ دستوريةٍ لانتخاب رئيس الجمهوريّة بانتخاباتٍ عامةٍ في منتصف 1989، ولم يتمكن من جمع التوقيعات الكافية لمقترحه؛ لأن بقية الأحزاب باستثناء حزب الطّريق القويم بقيت على مسافةٍ من هذا المقترح، لكنه شغل جداول الأعمال طويلًا في فترة الانتخابات الرئاسيّة[18].

في كانون الأول 1990 نقل حزب الطّريق القويم برئاسة سليمان دميريل مناقشات التّعديلات الدّستوريّة التي احتفظ بها في الأجندات طويلًا؛ إلى جدول أعمال مؤتمره الحزبيّ بعد بلورتها بشكلٍ أكبر، فكان مقترح التّعديلات الدّستوريّة يقترب من نموذج الحكومة شبه الرئاسيّ، متضمنًا تصميمًا لمنصب (رئيسٍ جمهوريٍ يتمتّع بنفوذٍ أكبر). فكان المقترح يعطي رئيس الجمهورية صلاحيّاتٍ في طرح الدّساتير على استفتاءٍ شعبيٍّ، وحلّ البرلمان، وتحديد المبادئ الأساسيّة التي ستُطبَّق في سياسة الأمن القومي والسّياسة الخارجيّة، وينص على إجراء تعديلاتٍ من قبيل إلغاء إلزاميّة التّصويت على الثّقة عند بدء الحكومة أداء عملها، ووضع نظامٍ انتخابيٍّ ذي مرحلتين، وأن يكون البرلمان مكوّنًا من مجلسٍ مزدوجٍ[19].

كان سليمان دميريل يتهم أوزال في دفاعه عن النّظام الرئاسيّ في تركيا بأنه يريد (السّلطنة)، لكنه في فترة رئاسته للجمهوريّة أطلق النقاش حول ضرورة الانتقال إلى النّظام الرئاسيّ عام 1997، وقال: "إني هنا في جانقايا منذ 4 أعوام و3 أشهر. وقدصادقت خلال هذه المدة على 6 حكوماتٍ بالتّمام والكمال، وهذا الوضع يجعل المجلس محطّ جدلٍ شئنا أم أبينا. فالانتخابات تجري، وعندما يعجز المجلس المنتخب عن تشكيل الحكومة تبرز المشكلات والصّعوبات. وهذا الوضع يدفع تركيا إلى السعي إما إلى نظامٍ رئاسيٍّ أو نظامٍ شبه رئاسيّ. وهذا ما تحدّده الشروط والظّروف. فما الذي يحصل؟ يحصل الانتقال من حكومةٍ ينتخبها المجلس إلى حكومةٍ ينتخبها الرئيس"[20]. وعندما دافع دميريل عن الانتقال إلى النّظام الرئاسيّ سلسل نفس الموجبات التي سلسلها أوزال: "النّظام الرئاسيّ شرطٌ لتأمين الاستقرار السّياسيّ، ينبغي الفصل بين السّلطتين التّنفيذيّة والتّشريعيّة، النّظام الرئاسيّ أمرٌ لا مفرّ منه، يجب على تركيا أن تناقش هذا النّظام". أما بالنّسبة للانتقادات الموجّهة للنّظام الرئاسيّ وأنه يجلب الدّيكتاتوريّة؛ فأجاب على النحو الآتي: "وأكثر الأمثلة الملموسة على هذا هي الأحكام المسبقة الشّائعة التي يمكن إيجازها على أن النّظام الرئاسيّ سوف يفضي إلى الدّيكتاتوريّة. وإمكانية إطلاق مثل هذا الكلام تتطلب تحليلًا وتقديم موجباتٍ جيدة لإثباته"[21].

ومع حلول الألفينيات، ومنذ عام 2011 أخذ الجدل حول النّظام الرئاسيّ حيّزًا كبيرًا في أجندة البلاد، وإنّ بدء انتخاب رئيس الجمهورية من قبل الشّعب مع الاستفتاء الشّعبي الذي حصل لتعديل الدّستور عام 2007 كان سببًا من الأسباب وراء تصاعد الجدل حوله. وعند التفكير في قبول انتخاب رئيس الجمهوريّة من قبل الشّعب جنبًا إلى جنبٍ مع النموذج الذي يرسمه دستور 1982 الذي يمنح رئيس الجمهوريّة الصلاحيّات من دون أن يترتّب عليه أيّ مسؤوليّة؛ يمكن القول إن النّظام البرلماني المطبّق في تركيا يقترب من النّظام شبه الرئاسيّ[22]. وفي عام 2013 تبلور هذا الجدل في مقترح النّظام الرئاسيّ من قبل حزب العدالة والتنمية قدمته إلى لجنة الوفاق الدستوريّ، ومنذ ذلك الحين أصبح الحديث عن النّظام الرئاسيّ على لسان المسؤولين في الحكومة ورجب طيب أردوغان. واشتدّت حدّة الجدل حول النّظام الرئاسيّ مع أول انتخابٍ لرئيس الجمهوريّة من قبل الشّعب عام 2014، وتركّز الجدل حول صلاحيّات رئيس الجمهوريّة وعلاقته بالحزب الذي ينحدر منه. وفي إطار هذا الجدل بدأ رجال السّياسة يتحدّثون عن ضرورة تعديل الدّستور الحالي[23]. وتناول بيان حزب العدالة والتنمية في الانتخابات العامة التي أجريت عام 2015 مراجع متعددةً حول النّظام الرئاسيّ[24].

 

مقترح التّعديلات الدّستورية لحزب العدالة والتّنمية وحزب الحركة القوميّة:

انطلقت مباحثات تغيير الدّستور عقب تصريح زعيم حزب الحركة القوميّة دَوْلَت بَهْجَلي في شهر تشرين الأول، واللقاءات التي جرت إثرها بين حزبي الحركة القوميّة والعدالة والتّنمية، وأفضت إلى اتفاقٍ بينهما حول مقترحٍ لتغيير الدّستور. ولن يكون مضلّلًا القول إن الجدل الدّائر حول النّظام الرئاسيّ في تركيا والذي اجتاز أكبر مراحله حتى اليوم هو نتاج هذا التّصريح الذي أطلقه بهجلي. وقد بيَّن بهجلي بوضوح نشوء وضعٍ فعليٍّ لرئيس الجمهورية ضمن الجهاز التّنفذيّ، وأنه لا بد من وضعه في إطارٍ دستوريٍّ، وأفاد باسم أعضاء حزب الحركة القوميّة أنّهم منفتحون على الاقتراحات التي يمكن أن تَرِدَ إلى المجلس بخصوص هذا الموضوع. ولابد من القول هنا إن موقف حزب الحركة القوميّة في نقاشات النّظام الرئاسيّ اختلف حتى اليوم عن وضعيّة الأحزاب المعارضة الأخرى. فحزب الحركة القوميّة لم يُبدِ اعتراضًا اصطفافيًّا على النّظام الرئاسيّ، وعلى الرغم من تصريحاته المتكررة التي تؤكّد أولوية النظام البرلماني؛ فقد كرَّر مرارًا بأن هناك موادَّ غير قابلةٍ للتّغيير في الدّستور، وأن كل واحدةٍ منها تشكّل خطًّا أحمر في حال أي تغييرٍ للدستور.

وفي أعقاب محاولة الانقلاب العسكريّ الذي قام بها تنظيم غولن الإرهابي في 15 تموز أعرب حزب الحركة القوميّة عن رأيه في النّظام الرئاسيّ بشكلٍ واضحٍ، وصرّح بأن تركيا ناضلت من أجل بقائها ضدّ التّهديدات الإرهابيّة التي تعرّضت لها، وأعرب عن رغبته في إنهاء نقاشات النّظام الرئاسيّ بصورةٍ إيجابيةٍ أو سلبيةٍ، وبدون إضاعة مزيدٍ من الوقت[25]. وفي أعقاب هذه التصريحات أعدّ حزب العدالة والتّنمية مسودّة اقتراحٍ بالتّعديلات الدّستوريّة وقدّمها لحزب الحركة القوميّة، وجرت لقاءاتٌ بين زعيمي الحزبين أسفرت عن الاتفاق حول مقترح التّعديلات الدّستوريّة التي قُدِّمت للمجلس. وقد نوقش المقترح في اللجنة الدّستورية، ثم قُدِّم إلى المجلس العمومي باعتباره حزمةً مكونةً من 18 مادة. وانتهى إلى قبوله بأصوات 339 نائبًا في البرلمان، ثم إرساله إلى رئيس الجمهوريّة الذي صادق عليه ليُصار إلى استفتاءٍ شعبيٍّ في 16 نيسان 2017.

إنّ الهدف الرئيس من هذه الدّراسة هو التعرّف على ماهيّة التّصميم الدّستوري لهذه التّعديلات الدّستوريّة المزمَع تقديمه لاستفتاءٍ شّعبي. في هذا الإطار سنتناول أولًا توقيت الانتخابات الرئاسيّة، وانتخابات مجلس الشّعب التركي الكبير، والعلاقة بين الجهازين التّشريعيّ والتّنفيذيّ في إطار أصول انتخاب رئيس الجمهوريّة. وبعد ذلك سنعمل على تقييم طرق الرقابة والحصول على المعلومات في المجلس، وقرارات رئيس الجمهوريّة والمسؤولية الجزائيّة المترتبة على رئيس الجمهوريّة، ونوّاب رئيس الجمهوريّة والوزراء، وتعيين الموظفين الحكوميين وإقالتهم، وقبول الموازنة، وصلاحيّة رئيس الجمهوريّة في توجيه الرسائل، وعلاقته بحزبه السّياسيّ. وأخيرًا سنتناول التّعديلات التي ليست لها علاقةٌ مباشرةٌ بالتّعديلات الجارية في نظام الحكومة ولكنها تخصّ الجهاز القضائيّ الذي يعدّ مهمًّا للغاية.

 

التصميم الدّستوريّ لنظام الحكومة الرئاسيّ

 

العلاقة بين الجهازين التّشريعيّ والتّنفيذيّ:

إن نوعيّة العلاقة بين الجهازين التّشريعيّ والتّنفيذيّ أمرٌ أساسيٌّ يكتسب نظام الحكومة على أساسها خصائص وصفات. وتُحدَّد نوعيّة هذه العلاقة في إطار تأسيس هذين الجهازين وانتخاباتهما والمهامّ والصلاحيّات التي يمكن أن يستعمله كل منهما على الآخر. ويقترب النظام من النظام البرلماني كلما ازدادت قدرة كل منهما في التّأثير في الآخر، ويتجه نحو النظام الرئاسي كلما تكرس الفصل التام بينهما. والعرض الذي تقدم به حزب العدالة والتّنمية إلى المجلس هو نموذجٌ رئاسيٌ نمطيٌ بهذا المعنى، إضافةً إلى بعض النواحي الخاصة به. ومقترح التّعديلات الدّستوريّة المقدَّم إلى مجلس الشّعب التركي الكبير يتضمن أمورا مهمّة من حيث العوامل التي من شأنها أن تؤثّر في دعم الأغلبيّة في مجلس الشّعب التركي الكبير. ويمكن توضيح هذه الأمور من خلال عاملين: أحدهما توقيت الانتخابات الرئاسيّة والبرلمانيّة، والآخر أصول انتخاب رئيس الجمهوريّة.

 

  • توقيت الانتخابات الرئاسيّة والبرلمانيّة:

إنّ الخاصيّة المهمّة التي تؤمّن فصل السّلطات فصلًا تامًا في النّظام الرئاسيّ تتحدّد من خلال إجراء انتخاب الجهازين التّشريعيّ والتّنفيذيّ في انتخاباتٍ منفصلةٍ. فوجود رئيسٍ يمثل الجهاز التّنفيذيّ، منتَخَبٍ مباشرة من قبل الشّعب، وجهازٍ تشريعيٍّ منتخَبٍ أيضًا من قبل الشّعب- سببٌ رئيس لهذا الفصل. وإنّ إجراء انتخابات كلٍّ من هذين الجهازين في وقتٍ واحدٍ أو في أوقاتٍ مختلقةٍ يكتسب أهميةً في هذه النّقطة[26]. فهناك مقاربتان مختلفتان في توقيت الانتخابات تأخذان بعين الاعتبار تأثير الرئيس في دعم الأكثرية القائمة في الجهاز التشريعي: أولى هاتين المقاربتين تقول: إن إجراء الانتخابات الرئاسيّة وانتخابات الجهاز التّشريعي في وقتٍ واحدٍ سيكون مؤثّرًا في تكوين آليّةٍ من شأنها أن تحول دون الوصول إلى طرقٍ مسدودةٍ بين الجهازين التّنفيذيّ والتّشريعي. وإنّ إجراء كلٍّ من الانتخابات في وقتٍ واحدٍ تعبيرٌ عن أنه سينتهي بأن يأتي الرئيس والأكثرية في الجهاز التّشريعي من رأيٍ سياسيٍّ واحدٍ. وبهذا الشكل لن يظهر في النّظام الرئاسيّ وضع (البطّة العرجاء) الذي يؤدّي إلى عدم الاستقرار. وتقول المقاربة الثّانية: إن الانتخابات التي تجرى في وقتين مختلفين تزيد من احتماليّة التّباين بين الرئيس والأكثرية في الجهاز التّشريعيّ، وإن هذا الأمر سيكون أكثر بروزًا في حال وجود انتخاباتٍ رئاسيّةٍ على جولتين. والذين يدافعون عن هذه المقاربة يقولون: إن نظام الرقابة والتوازن بين الجهازين التّشريعي والتّنفيذيّ سوف يعمل بشكلٍ أكبر. وينبغي القول هنا إن مبدأ الانتخابات المتزامنة أسلوبٌ يهدف إلى الحيلولة دون الوصول إلى طريقٍ مسدودٍ بين الجهازين التّشريعيّ والتّنفيذيّ. وتستند هذه المقاربة إلى فرضية أن الانتخابات المتزامنة سوف تجعل الرئيس والأكثريّة الدّاعمة له يهيمنون على الجهاز التّشريعيّ. وهذا الرأي صحيحٌ إلى حدٍّ ما، لكن احتماليّة البرلمان المجزّأ تبقى قائمةً كلّ حينٍ في الانتخابات المتزامنة. ولن تجري الانتخابات المتزامنة كذلك في الوضع الذي لا يُنتَخب فيه رئيس الجمهوريّة في الجولة الأولى في نظام الانتخابات على جولتين. ففي مسوّدة مقترح تغيير الدستور المُعَدَّة من قبل حزب العدالة والتّنمية وحزب الحركة القوميّة يتفق الطرفان على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانيّة في وقتٍ واحد. فالنّظام الرئاسيّ الذي ينحدر فيه الرئيس والأكثرية في الجهاز التّشريعي من خلفيّتين سياسيّتين مختلفتين يحمل مخاطر فقدانه خاصية تأمين الاستقرار بسبب ما يؤدي إليه من بناء حكومةٍ مجزّأةٍ. وكما أسلفنا يؤدّي هذا الوضع إلى نشوء نظامٍ برلمانيٍ ضمنيٍّ يشكّل معضلةً كبيرةً بالنّسبة لنظامٍ يعير أولويةً للاستقرار. ومن ثَمّ فإن إجراء الانتخابات في وقتٍ واحدٍ يمكنه أن يقدم للنّظام الرئاسيّ إسهاماتٍ مهمّةً لتأمين الاستقرار في النّظام السياسيّ. فبهذه الطريقة يمكن الحدّ من أزمة الإدارة التي يمكن أن تظهر نتيجة نموذج حكومةٍ مُجَزّأ بين الجهازين التّشريعيّ والتّنفيذي. وبهذا النوع من الحلّ يمكن للنّظام السّياسيّ في تركيا أن يستند إلى بنيةٍ حزبيةٍ منضبطةٍ ولا يكون على شكل دولةٍ فيدرالية.

والأمر الآخر الذي يجب الوقوف عنده إضافةً إلى الانتخابات المتزامنة هو أن يجدّد الجهازان التّشريعيّ والتّنفيذي كلٌّ منهما انتخابات الآخر، يسميه بعض الكتّاب (فسخًا) أو حلًّا. غير أن ما يجب فهمه من هذا الوضع هو إمكانية أن يجدّد الجهازان التّشريعي والتّنفيذي كلٌّ منهما انتخابات الآخر. وصلاحيات رئيس الجمهورية في إعطاء قرارٍ بإجراء الانتخابات البرلمانيّة منفردًا ليست واردةً في الأنظمة الرئاسيّة. ويمكن القول إن الحلّ من طرف واحدٍ أمرٌ خاصٌّ بالأنظمة البرلمانيّة على أغلب تقدير[27]. ولا يستطيع رئيس الجمهورية أن يحلّ الجهاز التّشريعيّ منفردًا في نظام رئاسة الجمهورية من النموذج التركي. وعندما يعطي قرارًا بانتخاب الجهاز التّشريعيّ عليه هو الآخر أن يتوجّه إلى الانتخابات. وينطبق الأمر نفسه على الجهاز التّشريعيّ.

ومن أكبر المشكلات في الأنظمة الرئاسيّة (الطرق المسدودة) التي قد تظهر بين الجهازين التّشريعي والتّنفيذي. هذا الوضع الذي يمكن رؤيته في تجارب عديدةٍ يمكن أن يؤدّي إلى أزماتٍ جادّةٍ بالنسبة للبرلمان والرئيس اللذين يتحتّم عليهما مباشرة العمل في وقتٍ واحدٍ وإنهاء وظيفتهما في وقتٍ واحد. لذلك كان من الأهمّية بمكانٍ أن يجدّد الجهازان التّشريعيّ والتّنفيذيّ كل منهما انتخابات الآخر. ولا يمكن للمجلس أن يستعمل هذه الصلاحيّة إلا بعد موافقة أغلبية ثلاثة أخماسه، ولكن لا يتطلب استعمال هذه الصلاحية من قبل رئيس الجمهورية بالمقابل أيَّ شرط. وينظر هنا إلى اشتراط أغلبية ثلاثة أخماس المجلس بوصفه آلية للحدِّ من استعمالٍ كيفيٍّ للصلاحيّة التي يملكها المجلس، وخطوةً للحيلولة دون ظهور نتائج أكثر خطورةً عند انحدار أغلبية المجلس إلى خطٍّ يختلف عن الخطّ السّياسيّ الذي يأتي منه رئيس الجمهوريّة[28].

 

  • أصول انتخاب رئيس الجمهوريّة:

الأمر الآخر الذي سيحدّد دعم الأغلبيّة في الجهاز التّشريعيّ لرئيس الجمهوريّة هو أصول انتخاب رئيس الجمهوريّة[29]. تفيد الدراسات أن إجراء الانتخابات الرئاسيّة في النّظام الرئاسيّ على جولةٍ واحدةٍ أو على جولتين سوف يؤثّر في مدى انحدار الممثّلين الذين سيُنتَخبون للجهاز التّنفيذيّ من الأغلبيّة السّياسيّة التي ينحدر منها رئيس الجمهوريّة. وكلٌّ من النموذجين له بعض النواحي الإيجابية والسّلبيّة. فبينما تمنع الصّيغة ذات الجولة الواحدة ظهور نتائج تصادفيةٍ؛ يمكن أن تكون سببًا في استجواب الشرعيّة الديمقراطيّة بسبب احتماليّة انتخاب المرشّحين بأصواتٍ منخفضةٍ جدًّا. هذا ويمكنها أن تزيد في الانقسام والاستقطاب السّياسيّ.

وفي النموذج ذي الجولتين بالمقابل؛ يبقى في الجولة الثانية على العموم مرشّحان حصلا على الأصوات الأكثر في الجولة الأولى. وبهذا الشكل يمكن أن يحصل توافقٌ بين اتجاهاتٍ سيّاسيّةٍ عدةٍ على مرشّح واحدٍ تفاديًا للانقسام والاستقطاب في السّاحة السّياسيّة. ولكن يحدث في بعض الدول التي تطبّق هذا النّظام أن تترشّح شخصيّات معروفةٍ من قبل الشّعب وقادمةٍ من خارج السّاحة السّياسيّة؛ للانتخابات الرئاسية، بل فوزهم أيضًا.

يتبنى حزب العدالة والتّنمية في اقتراحه صيغة الانتخابات الرئاسية على جولتين. وهذا التّطبيق هو نفس النّظام الذي قُبِل في الاستفتاء الشّعبي الذي جرى عام 2007 بخصوص تغيير الدستور، إذن لم يحصل تغييرٌ في أصول هذه الانتخابات، وبناءً عليه ستتمّ الانتخابات الرئاسيّة على جولتين، حيث يُنتَقل إلى الجولة الثانية في حال عدم تأمين الأغلبيّة المطلقة في الجولة الأولى، ويجري السّباق بين مرشحين حصلا على أكثر الأصوات في الجولة الأولى.

بهذا الشّكل سيحصل اتفاقٌ على المرشّح الذي حصل على أكثرية الأصوات في الجولة الثانية (وإن كان قد حصل على أصواتٍ قليلةٍ في الجولة الأولى). وهذا الأمر يبرز مشهدًا يعزّز الشّرعيّة الديمقراطيّة التي جئنا على ذكرها آنفًا. ولكن يجب الانتباه إلى أن نظام الانتخابات على جولتين يتيح الفرصة أمام الشّخصيات المشهورة التي لا تمتّ بصلةٍ إلى السّاحة السّياسيّة أن يفوزوا بالانتخابات في حال ترشحهم، والعرض يتضمّن ترتيباتٍ وقواعدَ تعطي مجالًا لهذا الوضع، والقاعدة التي تقول: إن الأحزاب التي حصلت على خمسة بالمئة على الأقل من الأصوات في الانتخابات الأخيرة أو التي حصلت على توقيع مئة ألف ناخبٍ على الأقل يمكنها أن ترشّح أعضاءها للانتخابات الرئاسيّة؛ قاعدةٌ تعطي مجالًا لهذا الوضع.

 

طرق الرقابة والحصول على المعلومات في المجلس:

والعنصر الآخر الذي يحدّد العلاقة بين البرلمان ورئيس الجمهوريّة هو طرق رقابة المجلس وحصوله على المعلومات. ويجري الحديث في المقترح عن أربع طرقٍ أساسيّةٍ مبيّنةٍ في المادتين 98 و106 على النّحو الآتي: (بحث المجلس) و(المناقشات العامة) و(استجواب المجلس) و(الأسئلة الخطيّة). فبحث المجلس يعني البحث الذي يقوم به المجلس للحصول على معلوماتٍ في موضوعٍ محدّدٍ، والمناقشات العامة هي مناقشة قضايا معينّة تهمّ المجتمع والدّولة في مجلس الشّعب التركي الكبير، واستجواب المجلس هو الاستجواب الذي يقوم به المجلس لنوّاب رئيس الجمهوريّة والوزراء وفقًا للبند الخامس والبند السادس والبند السابع من المادة 106، والأسئلة الخطّية تعني توجيه نوّاب البرلمان أسئلةً خطيّةً إلى نوّاب رئيس الجمهوريّة والوزراء على أن يُجَاب عنها خطيًّا خلال خمسة عشر يومًا على أبعد تقدير.

ويترك المقترح شكل (بحث المجلس) و(المناقشات العامة) و(الأسئلة الخطية) وأصولها ومضمونها وإطارها للائحة النّظام الدّاخلي للمجلس. فالعناصر الثلاثة باستثناء (الاستجواب) الذي يعدّ واحدًا من آليّات الرقابة مصانةٌ في النّظام الحالي. أما الاستجواب فهو آليّةٌ ناجمةٌ عن طبيعة النّظام البرلماني، فالجهاز التنفيذيّ مسؤولٌ أمام الجهاز التّشريعي، في حين يكون الجهاز التّنفيذيّ مسؤولًا أمام الشعب مباشرةً في النّظام الرئاسي الجمهوري.

 

قرارات رئيس الجمهوريّة:

لدى دراسة النّماذج المقارَنَة يمكننا أن نرى أنه يُعطَى الرئيس الذي يمثل رئيس الجهاز التّنفيذيّ في النّظام الرئاسي صلاحيات (اتّخاذ الإجراءات التّنظيميّة) والتي تسمَّى (الأوامر التّنفيذية) حتى يستطيع تنفيذ السّياسات التي يريد تطبيقها. ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال لا يعطي الدّستور للرئيس مثل هذه الصلاحيّة بصورةٍ مباشرةٍ، ولكن يمكن القول إن الرؤساء يستخدمون هذه الصلاحية استنادًا إلى المادة الثانية من الدستور. هذه القرارات التي تسمَّى الأوامر التنفيذيّة (executive order) يشكّل كلٌّ منها إجراءً تنظيميًّا، وتُقيَّم على أنها أداةٌ مهمّةٌ لبناء مؤسساتٍ مختلفةٍ، وتعديل أو تغيير بعض العمليّات البيروقراطيّة، وتأمين تنفيذ القوانين الصادرة من قبل الجهاز التّشريعي[30]. ويعطي المقترح الذي قُبِل في المجلس رئيس الجمهورية صلاحيّات إصدار القرارات. فرئيس الجمهوريّة يمكنه أن يصدر قرارات متعلّقة بصلاحيّاته التّنفيذيّة في إطار التغيير المتوقع إجراؤه في المادة 104 من الدّستور. وتتضمن المادة ذاتها استثناءات القرارات التي سيصدرها رئيس الجمهوريّة. ومن هذه الحالات الاستثنائيّة نذكر:

  • لا يمكن لهذه القرارات أن تنظّم الحقوق الأساسيّة وحقوق الأشخاص وواجباتهم المذكورة في الفصلين الأول والثاني من القسم الأول للدّستور، والحقوق والواجبات السّياسيّة الواردة في الفصل الرابع من القسم ذاته.
  • لا يمكن لرئيس الجمهوريّة أن يصدر قرارًا في موضوع يحصر الدستور تنظيمه بالقانون.
  • لا يمكن إصدار قرارات في مسائل نُظِّمت بوضوحٍ في القانون.
  • في حال إصدار رئيس الجمهوريّة قراراتٍ تتعارض أحكامه مع القوانين تُطبَّق أحكام القانون.
  • عندما يصدر مجلس الشّعب التركي الكبير قانونًا في الموضوع ذاته يُطبَّق القانون.

ويمكن القول إن هذه الاستثناءات المعدودة تفيد في رسم إطار القرارات التي يصدرها رئيس الجمهورية، وتحول دون إيذاء الجهاز التّنفيذيّ جوهرَ صلاحيّات الجهاز التّشريعي. فأحد أكبر الانتقادات الموجهة إلى القرارات هي أنها تفتح المجال بشكلٍ حقيقيٍّ لسيطرة الجهاز التّنفيذيِّ على سلطة الجهاز التّشريعي في إعداد القوانين الذي يعدّ من صلاحيّاته الأساسية. وسبب التوصل إلى مثل هذه النّتيجة هو المقارنة بين صلاحيّات مجلس الوزراء في النّظام البرلماني الحالي في إصدار قرارات بحكم القوانين مع صلاحيات رئيس الجمهوريّة في إصدار القرارات من دون الحاجة إلى البرلمان. ففي النّظام البرلماني يمكن لمجلس الوزراء أن يستعمل صلاحيّاته في إصدار قرارات بحكم القوانين استنادًا إلى قانون الصّلاحية التي تأخذها من مجلس الشعب التركي الكبير. لكن يجب أن لا نتجاهل أن صلاحيّات السّلطة التّنفيذيّة في إصدار قرارات بحكم القانون في النّظام الحالي تتضمّن أيضًا إلغاء القوانين أو تغييرها ولاسيما في الفترات التي يُطبّق فيها نظام حالة الطوارئ. بيد أنه من الملاحَظ أن التّعديلات المذكورة في المقترح واردةٌ في إطارٍ أضيق، وأن صلاحيّات رئيس الجمهوريّة في إصدار القرارات محدودةٌ بالأعمال المتعلّقة بالجهاز التّنفيذي[31].

ويبقى هنا الغموض الذي يحيط بحدود هذه القرارات التي سيتم اتخاذها من قبل رئيس الجمهوريّة محلًا للانتقاد. وفي المادة 104 من الدّستور نصادف تعديلًا من شأنه أن يسلّط الضوء على هذا الغموض، ويتّخذ تدبيرًا وقائيًّا ضد احتمال استعمال القرارات لانتهاك الحريّات والحقوق الأساسيّة الأمر الذي نراه كثيرًا في النماذج المقارَنَة. فيبيّن هذا التعديل بوضوحٍ أن القرارات الصادرة من قبل رئيس الجمهوريّة لن تكون لها علاقةٌ بأيٍّ من الحقوق والواجبات المذكورة في فصل الحقوق والواجبات الشخصيّة والحقوق والواجبات السّياسيّة في الدّستور.

عند التّطبيق يُمكن أن نقول: إن قرارات رئاسة الجمهوريّة تملك صلاحية تنظيم العمليّات البيروقراطيّة لرئاسة الجمهورية؛ أي الجهاز التّنفيذي. وهذا الوضع مذكورٌ أيضًا تحت حكمٍ في المادة 106 من الدّستور. ومن ثمّ فإن تعيين نوّاب رئيس الجمهوريّة والوزراء سيكون ممكنًا بقرارات رئيس الجمهوريّة. كما سيكون بالإمكان من خلال هذه القرارات تحديد أعداد الوزراء الذين سيُعيَّنون من داخل البرلمان ومن خارجه، وأسماء الوزارات، ومهام بنى تشكيلات الجهاز وصلاحياتها. ويمكن القول باختصارٍ إن التّرتيبات كافّة الخاصة بالوزارات يمكن إجراؤها عبر قرارات رئيس الجمهوريّة. ويلاحظ أن رقابة القرارات قضائيًّا من شأن المحكمة الدّستوريّة، وتأخذ هذه الرقابة معناها الأكبر عند التفكير في إمكانية ظهور تعارض بين القوانين والقرارات.

ورغم الحكم الواضح في اقتصار القرارات على الصلاحيّات التّنفيذية؛ فإن تحديد القرارات التي تندرج في صلاحية الجهاز التنفيذي في مجال حماية التوازن الحساس بين السلطتين التنفيذية والتشريعية على وجه التحديد في المقترح يكتسب أهمية في هذه النقطة. لكن رسم حدود هذه الصلاحيّات وإطارها سيكون ممكنًا بالنص عليها بعباراتٍ واضحةٍ تخصّ التغييرات التي ستُجرَى في التّرتيبات القانونيّة المتعلّقة بالتّشكيلات الإداريّة. وتقترح هذه الترتيبات إمكانية إصدار رئيس الجمهوريّة القرارات في فترات حالة الطوارئ. والمادة 119 من الدّستور تنظم قرارات رئيس الجمهوريّة تحت عنوان (إدارة حالة الطوارئ)، وهي تشبه من حيث الأهداف القرارات بحكم القانون في حالة الطوارئ في النظام الحالي، والتي يصدرها مجلس الوزراء الذي ينعقد برئاسة رئيس الجمهورية. في حالة الطوارئ سيكون بإمكان رئيس الجمهوريّة أن يصدر قرارات بحكم القانون في موضوعات تستلزمها حالة الطوارئ من دون التقيّد بالحدود المبيّنة في الجملة الثانية من البند السابع عشر من المادة الـ104. وستُقدَّم هذه القرارات بحكم القانون إلى مصادقة المجلس في نفس اليوم الذي تُنشَر فيه في الصحف الرسمّية.

 

المسؤوليّة الجزائيّة المترتبّة على رئيس الجمهوريّة:

إن ازدواجيّة الرئاسة في الجهاز التّنفيذي في الأنظمة البرلمانيّة تجرّد رئيس الجمهوريّة من المسؤوليّة السّياسيّة، وتعدّ مجلس الوزراء الجناحَ المسؤولَ عن السّلطة التّنفيذيّة. أما وجود رئيسٍ واحدٍ للسّلطة التّنفيذيّة وانتخابه مباشرةً من قبل الشّعب في الأنظمة الرئاسيّة ف على رئيس الجمهورية مسؤوليّاتٍ في مسائل أخرى بقدر ما يفرض عليه مسؤوليّةً سياسيّةً. وتتجلّى هذه المسؤوليّة بصورةٍ أكبر على شكل المسؤوليّة الجزائيّة، ويُقيَّم هذا الأمر في أغلب الأحيان على أنه أداة توازنٍ ورقابةٍ، تتيح المجال أمام إقالة الرئيس. وفي المادة 105 من الدّستور يلاحَظ تنظيم هذه الأداة التي تسمّى أيضًا التجريم (impeachment). والأمر الآخر المهمّ الذي يجب قوله هنا هو أن نطاق آلية التجريم هذه واسعٌ جدًّا. ففي النّظام البرلمانيّ الحالي لا يترتّب على رئيس الجمهوريّة مسؤوليّةٌ جزائيّةٌ إلا في حال (خيانة الوطن) رغم اتّساع المهام والصلاحيّات الممنوحة له، والتّعديلات الواردة في المقترح تعمل على توسيع نطاق أسباب تجريم رئيس الجمهوريّة بما فيه الجرائم الناجمة عن أفعالٍ شخصيّة.

وبحسب المادة 105 من الدّستور يمكن فتح تحقيق مع رئيس الجمهورية في حال وجود مزاعم بارتكابه جريمةً بناء على مقترح تقدّمه الأغلبية المطلقة لكامل أعضاء مجلس الشعب التركي الكبير. يناقش المجلس المقترح خلال شهر على أبعد تقدير، ويقرر فتح تحقيق بعد تصويت سري يشارك فيه ثلاثة أخماس أعضائه. بعد صدور القرار بفتح التحقيق، يجري التحقيق من قبل لجنةٍ مكونةٍ من خمسة عشر شخصًا يُختَارون بسحب أسمائهم فرادى من أجل كل حزبٍ سياسيٍّ من بين ثلاثة أضعاف الأعضاء الذين يمكن لهذا الحزب أن يقدمهم إلى لجنة التحقيق تبعًا لقوته داخل المجلس. تقدم اللجنة التقرير الخاص بنتائج التحقيق إلى رئاسة المجلس خلال شهرين. وفي حال لم ينته التحقيق ضمن هذه المدة تُعطَى اللجنة مهلة جديدة ونهائية لمدة شهر. ويُوزَّع التقرير خلال عشرة أيام بدءًا من تاريخ تقديمه إلى الرئاسة، ويُناقَش في المجلس العام خلال عشرة أيام من تاريخ توزيعه. يمكن لمجلس الشعب التركي الكبير أن يقرر إرسال الشخص إلى الديوان العالي بعد إجراء تصويت سري يشارك فيه ثلثا كامل أعضائه. تتم المحاكمة في الديوان العالي خلال ثلاثة أشهر، وفي حال عدم كفاية هذه المدة يُعطَى الديوان العالي ثلاثة أشهر إضافية لمرة واحدة فقط، وتتم المحاكمة خلال المدة قطعًا. لا يمكن لرئيس الجمهورية الذي صدر بحقه فتح تحقيقٍ أن يأخذ قرارًا له علاقة بالانتخابات. ويُقَال رئيس الجمهورية المحكوم عليه في الديوان العالي بجريمة تمنعه من الترشح للانتخابات. وتُطبَّق أحكام هذه المادة بعد إقالة رئيس الجمهورية من وظيفته جراء جريمة يُدَّعى ارتكابها خلال وجوده على رأس عمله.

عند مقارنة هذا النّظام بالتّطبيق الحالي نجد أنه يربط محاكمة رئيس الجمهوريّة بنظامٍ مكوّنٍ من مراحل. وهذا الوضع يبدو مقبولًا عندما يؤخذ بالحسبان اقتراب النّظام من النموذج الرئاسي. ففي النّظام الحالي يمثّل رئيس الجمهوريّة الجناح التّنفيذيّ غير المسؤول ولا يحاكَم إلا بسبب خيانته للوطن. وبهذا الشكل أُعِيد تنظيم أصول محاكمة رئيس الجمهورية الذي اتّسعت مسؤوليّاته، وتحوّل إلى جناحٍ إجرائيٍ للجهاز التّنفيذي. وينبغي هنا التأكيد من جديدٍ أن رئيس الجمهوريّة لن يحاكَم على خيانته للوطن فحسب، بل سيحاكَم أيضًا على الجرائم الأخرى بعد اتساع مسؤوليّاته الجزائيّة. وهكذا سيتحكّم الشّعب من جهته بمسؤولية رئيس الجمهوريّة السّياسيّة، ويتحكم المجلس بدوره بمسؤولياته القانونيّة[32]. علاوة على ذلك ستبقى الإجراءات كلّها التي يقوم بها رئيس الجمهوريّة منفردًا مفتوحةً على الرقابة في نظام الحكومة الرئاسي مقابل عدم خضوع هذه الإجراءات للرقابة في النّظام الحالي. هذا الوضع ينبغي اعتباره تطوّرًا آخر يزيد مسؤوليّات رئيس الجمهورية، ويعزز إمكانيّة محاسبته.

نوّاب رئيس الجمهوريّة والوزراء:

ومن النّتائج المهمّة الأخرى التي أسفرت عنها التغييرات الجذريّة التي حصلت في نظام الحكومة بحسب المقترح إحداث هيئة نوّاب رئيس الجمهوريّة. والذي يشد الانتباه هنا هو وجود منصبين مهمّين غير منصب رئيس الجمهوريّة في هذا النّظام الجديد الذي سيمثّل فيه رئيس الجمهورية السّلطة التّنفيذيّة تمثيلًا رئيسًا، وهما منصب نائب رئيس الجمهوريّة ومنصب الوزير.

أمّا منصب نائب رئيس الجمهوريّة فهو أحد العناصر المهمّة في المكتب الرئاسيّ؛ باعتباره منصبًا موجودًا في الكثير من الأنظمة الرئاسيّة[33]. ومن الأسباب الرئيسة في أهميّة هذا المنصب كونه يملك صلاحيّات تولّي كرسيّ الرئاسة بالوكالة في حال بقائه شاغرًا لأيّ سببٍ من الأسباب.

تتناول المادة 106 من الدّستور منصب نائب رئيس الجمهورية تحت عنوان (نوّاب رئيس الجمهورية والوزراء). والأمر المهمّ الآخر في المقترح كونه يعطي إمكانيّة تعيين أكثر من نائبٍ عن رئيس الجمهورية، وهو الأمر الذي يختلف مجدّدًا عن النماذج المقارَنَة. وتبقى الوظيفة الأهمّ التي يتحمّلها نائب رئيس الجمهورية منسجمة مع الأمثلة الموجودة في العالم. وينص المقترح على أن يتولى نائب رئيس الجمهوريّة كرسي الرئاسة، ويستعمل صلاحيّات رئيس الجمهوريّة بالوكالة إلى حين الانتخابات في حال شغور هذا المنصب لأي سببٍ من الأسباب. وعندما يعجز رئيس الجمهورية عن القيام بوظيفته لأسبابٍ (مؤقّتةٍ)، مثل المرض أو السفر خارج البلاد يتولّى نائبه مهامه بالوكالة. وعند النّظر في أصول انتخاب نوّاب رئيس الجمهورية يلاحظ أنها تختلف كثيرًا عن النماذج المقارَنَة. ففي العديد من النّماذج التي يتم إدارتها بالنّظام الرئاسيّ يُنتَخَب نائب رئيس الجمهورية في الوقت الذي يُنتَخَب فيه رئيس الجمهوريّة، والترتيبات التي نتحدث عنها تحمل أهميّةً بالنّسبة للشرعيّة الدّيمقراطيّة لهذا المنصب الذي سيستعمل صلاحيّات رئيس الجمهوريّة عند الضّرورة.

يتبنّى المقترح في هذا الموضوع أصول التّعيين عوضًا عن أصول الانتخابات. ونعتقد أن المقترح يرى من المناسب إضافة شرعيّة نوّاب رئيس الجمهوريّة إلى رئيس الجمهوريّة المنتَخَب مباشرةً من قبل الشعب. فليس هناك من حرجٍ في مقامٍ يُعيّنه مباشرةً رئيس الجمهوريّة، ويكون مسؤولًا أمامه، ويمكن إقالته من عمله عند الحاجة. هذا ويجب ألا يغيب عن الأنظار أن نائب رئيس الجمهوريّة الذي ينتخبه الشعب بالتزامن مع انتخاب رئيس الجمهوريّة؛ يمكن أن يكون سببًا في خلق أزمة ازدواجيّة الشرعيّة[34].

و(الوزارات) هي المقام المهمّ الآخر بالنّسبة إلى رئيس الجمهوريّة حتى يؤدّي صلاحيّاته ومهامه باعتباره الجهاز التّنفيذي. ويتناول المقترح الوزراء أيضًا تحت نفس العنوان الذي يتناول فيه نوّاب رئيس الجمهوريّة. فالوزراء يُعيّنهم ويُقيلهم رئيس الجمهوريّة، إضافة إلى كونهم مسؤولين أمامه. وإذا عُيَّن الوزراء من بين أعضاء مجلس الشعب التركي الكبير يتم إلغاء عضويتّهم في هذا المجلس.

يلاحظ بحسب المادة 106 وجود مسؤوليّةٍ جزائيّةٍ مترتّبةٍ على الوزراء ونوّاب رئيس الجمهوريّة. ويرى الاقتراح أن تكون أصول إجراء المسؤوليّة الجزائيّة المترتّبة على الوزراء ونوّاب رئيس الجمهورية نفس أصول التّحكّم بالمسؤوليّة الجزائيّة المترتّبة على رئيس الجمهورية. ولكن إتْباع أصول الاستجواب الجزائي لكلٍّ من هاتين المؤسّستين الموجودتين ضمن مقام رئاسة الجمهوريّة لنفس الأصول الخاصة برئيس الجمهوريّة الذي يمثل رأس هذا المقام- أمرٌ قابلٌ للانتقاد. وبهذا الشكل يتشكّل تصورٌ بوجود مساواةٍ بين جميع المناصب والمقامات. لكن إمكانيّة تعرّض الوزراء إلى محاكمةٍ سياسيّةٍ باعتبارهم أداةً في محاسبة رئيس الجمهورية سياسيًّا نظرًا لتعيينهم من قبله- يمكن قبولها على أنها واحدةٌ من الأسباب المهمّة في ظهور التّرتيبات بهذا الشكل[35].

 

تعيين الموظّفين الحكومّيين وإقالتهم:

عندما ندرس النماذج المقارَنَة نجد أن رئيس الجمهوريّة في كثيرٍ من الأنظمة لديه صلاحيّة في تعيين كبار رجالات الدولة وإقالتهم[36]. نذكر من هؤلاء السّفراء والولاة ورؤساء البنك المركزي وغيرهم. والأساس المهمّ اللافت للانتباه في هذه الأمثلة هو أن رئيس الجمهورية يعيّنهم بموافقة الجهاز التّشريعي.

إن منح رئيس الجمهورية صلاحيّات تعيين الموظّفين الحكومّيين رفيعي المستوى يشكّل واحدًا من العناوين المهمّة لمقترح التّعديلات الدّستوريّة المتعلّقة بنظام الحكومة. وفي المادة 104 التي تعطي هذه الصلاحيّة لا يوجد إطارٌ واضحٌ حول من هم هؤلاء الموظّفين. ولكن يمكن إصدار بعض التّخمينات انطلاقًا من بعض التّرتيبات القانونيّة التي حصلت سابقًا. فالمادة الثانية من القانون رقم 3149 (القانون الخاص بتعيين الإداريّين رفيعي المستوى)[37] الذي ألغته سابقًا المحكمة الدّستورية على سبيل المثال يحدد هؤلاء الموظّفين الحكوميّين بالمستشار ونوّاب المستشار والمدير العام والرئيس ورئيس المجلس، ونوّاب المدير العام ورؤساء الدوائر والسفراء والولاة والقائم مقام ومديري المناطق، والإداريين رفيعي المستوى الآخرين الذين يتم تحديدهم بعرض رئاسة موظفي الدولة وقرار مجلس الوزراء. ويمكن لرئيس الجمهورية أيضًا أن يقوم بتعيين كلّ من يعمل في مستوياتٍ رفيعةٍ في العمليّة البيروقراطيّة. والإداريّون الآخرون رفيعو المستوى يمكن تحديدهم أيضًا من قبل رئيس الجمهورية. وتحديد هؤلاء الإداريين من قبل رئيس الجمهورية بقراراتٍ يصدرها يشكّل موضوع الحديث عند الأخذ بالحسبان صلاحيّة رئيس الجمهوريّة في إصدار القرارات في هذا المضمار.

 

صلاحيّة رئيس الجمهوريّة في توجيه رسائل إلى المجلس حول السّياسة الدّاخليّة والخارجيّة:

من النّتائج المهمّة للفصل التّام بين السّلطات في النّظام الرئاسيّ، قلّة عدد وسائط التّفاعل بين السّلطتين التّنفيذيّة والتّشريعيّة. ويمكن تليين هذا الوضع الذي يقلّل من قدرة الجهازين التّشريعيّ والتّنفيذيّ على التّأثير المتبادل بينهما؛ من خلال بعض الآليّات، وتوجيه الرئيس الرسائل إلى المجلس واحدةٌ من هذه الآليّات.

ينبغي ألا ينظر إلى توجيه رئيس الدولة الرسائل باعتباره جزءًا يختصّ بالنّظام الرئاسي وحده. فالدّول التي يُطَبَّق فيها النّظام الرئاسيّ مثل فرنسا وإيطاليا والنرويج والبرتغال واليونان وهولندا تمنح رئيس الدّولة صلاحية توجيه الرسائل إلى البرلمان دستوريًّا[38]. وإرسال الرسائل إلى الهيئة التّشريعيّة أسلوبٌ ينبغي النّظر إليه من خلال الصلاحية الممنوحة للرؤساء في تقديم اقتراحٍ بسنّ قانونٍ أو العدول عنه. وهذه الصلاحية أسلوبٌ يتعلّق بتأثير الرئيس على التّشريع في الأنظمة التي لا يحقّ للرئيس تقديم مشروع قوانين. وتتجلّى إمكانية تأثير الرئيس في العمليّة التّشريعيّة من خلال الرسائل التي يرسلها إلى الهيئة التّشريعيّة، ولاسيّما في المجالات التي تحتاج إلى تشريعاتٍ قانونيّةٍ. هذه الصلاحية الممنوحة في حالاتٍ كثيرةٍ إلى رؤساء الدّول يمكن تفسير ورودها في بنود تعديلات الدّستور المقترحة بصفتها ترتيبًا يهدف إلى تقريب نظام الحكم المصَمَّم من نموذج النّظام الرئاسي. ويمكن النّظر إليه على أنه محاولة من أجل زيادة التّفاعل بين رئيس الجمهوريّة الذي لا يملك صلاحية تقديم مشروع القوانين والسّلطة التّشريعيّة، ووسيلةٍ من أجل تليين الفصل التّام بين السّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة.

 

الميزانيّة:

تعدّ الميزانيّة من الآليّات المهمّة التي تُناقش تحت عنوان الرقابة والتّوازن في أنظمة الحكم، وتحمل طابعًا حاسمًا من حيث العلاقة بين السّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة. فالسّلطة التّنفيذيّة بشكلٍ عامٍّ تملك صلاحية إعداد الميزانيّة، وتتولّى السّلطة التّشريعيّة؛ أي البرلمان صلاحية الإقرار. ويختلف نطاق صلاحية هاتين السّلطتين تبعًا لنظام الحكم البرلماني أو الرئاسي.

تُعَدّ المادة الخامسة من الدستور المقترح إقرارَ الموازنة من مهمّة مجلس الشعب التركي الكبير وصلاحيته، وتمنح المادة الخامسة عشر مهمّة إعداد الموازنة لرئيس الجمهوريّة. فيقدّم رئيس الجمهوريّة مشروع قانون الميزانية إلى مجلس الشعب التركي الكبير قبل خمسة وسبعين يومًا من بداية السّنة الماليّة على الأقل، وتناقش لجنة الميزانيّة مشروع الميزانية، وتعرض اللجنة خلال خمسةٍ وخمسين يومًا النّص المقبول أمام الجلسة العامة لمناقشتها وتكون جاهزةً لصدور القرار بحقّها حتى رأس السّنة الماليّة.

ويلاحظ أن الفقرة الثانية من هذه المادة تتعرّض لترتيباتٍ أساسيّةٍ تعالج موضوع الميزانيّة في نظام الحكم المقترح. حيث تنصّ الفقرة على أنه: "إن لم تُوضَع الميزانية موضع التّنفيذ خلال الفترة القانونيّة المقرّرة، فإنه يُصدَر قانون ميزانيةٍ مؤقّتةٍ حتى يُقَرَّ القانون الجديد. وفي حال عدم إقرار الميزانيّة المؤقتّة أيضًا؛ تُنفَّذ ميزانيّة العام السابق مع إضافة زيادةٍ بمعدّل إعادة التّقييم حتى تُقَرَّ الميزانيّة الجديدة".

يُعتَقَد أن التّرتيبات المقترحة تسهم في إيجاد حلٍّ فعّالٍ للعقبات التي تظهر في موضوع اعتماد الميزانيّة الذي يشكّل عقبةً يمكن أن يظهر بين الرئيس والبرلمان في كثيرٍ من الأنظمة الرئاسيّة، وفي مقدمتها الولايات المتّحدة الأمريكيّة على محور السّلطتين التّشريعيّة والتّنفيذيّة في حال رفض البرلمان مشروع الميزانيّة الذي اقترحه رئيس الجمهورية[39]، وذلك من خلال اعتماد ميزانيّة العام الماضي مع إعادة تقييمها بمعدّل التّضخم ميزانيّةً مؤقتّةً.

 

التّغييرات المتعلّقة بالأجهزة القضائية:

إن مقترح التّعديلات الدّستوريّة يتضمّن تغييراتٍ وثيقة الصّلة بالجهاز القضائيّ رغم أنها لا تمتّ إلى نظام الحكومة بصلةٍ مباشرةٍ. في مقدّمة التّعديلات المزمع إجراؤها في المادة التّاسعة من الدّستور يأتي تغيير كلمة (المستقلّة) في عبارة "تمارس المحاكم المستقلة الصلاحية القضائية باسم الشعب التركي" على شكل (المستقلّة المحايدة). وتأكيد صفة (الحياد) التي لا يمكن الاستغناء عنها في السّلطة القضائيّة دستوريًّا -وفقًا لهذا التّعديل- يعدّ تطوّرًا في غاية الإيجابيّة. ويأتي إلغاء جهاز القضاء العسكريّ في مقترح التّعديلات الدّستوريّة خطوةً مهمّةً جدًّا. وبهذه التّعديلات المطروحة بكثرةٍ على جداول الأعمال؛ تُزال المحاكم العليا من الدّستور، مثل المحاكم العسكريّة العليا، والمحاكم الإداريّة العسكريّة العليا، إلى جانب المحاكم العسكرية، في خطوةٍ لتحقيق التّكامل في النّظام القضائي تحديدًا. فالتغيير الذي لحق بالمادة 142 من الدستور يمنع تشكيل المحاكم العسكريّة، ويستثني المحاكم التأديبيّة ومحاكم حالات الحرب للنّظر في الدعاوى المرفوعة بحقّ العسكريّين الذين يرتكبون جرائم في إطار عملهم المهني. وقد سبق الإعداد لهذه الترتيبات الخاصة بالقضاء العسكريّ منذ فترةٍ طويلةٍ، حتى إنها وردت في جدول أعمال لجنة الوفاق الدّستوريّة التي شُكِّلت بين حزب العدالة والتّنمية وحزب الشّعب الجمهوريّ وحزب الحركة القوميّة في مرحلة ما بعد 15 تموز. ودرست هذه اللجنة مجموعة التّعديلات المقترحة حول سبع موادَّ من بينها أربع موادَّ تتعلق بإلغاء المحاكم العسكريّة.

وهناك أيضًا تعديلان آخران في المقترح، هما: إلغاء كلمة (الأعلى) من المجلس الأعلى للقضاة والمدّعين العامّين (HSYK)، وتخفيض عدد أعضائه إلى 13 عضوًا أصيلًا، والعمل على شكل جهازين. وقد نُظِّمت المادة الـ14 المتعلقة بمجلس القضاة والمدّعين العامّين على النحو الآتي: "المادة 14- حُذِف عنوان المادة الـ159 من القانون رقم 2709، وكلمة (العليا) من بنديه الأول والتاسع، وغُيِّر البند الثاني والبند الثالث والبند الرابع والبند الخامس بالشكل المذكور أدناه، وحُذِفت كلمة (الأصيل) من البند السادس من نص المادة، واستُبدِلت بعبارة (وفقًا للقوانين والتشريعات الأخرى) عبارةُ (وفقًا للقوانين واللوائح والتعميمات). يتكون مجلس القضاة والمدّعين العامّين من ثلاثة عشر عضوًا، ويعمل على شكل دائرتين. وزير العدل هو رئيس المجلس، ومستشار وزير العدل هو عضو طبيعي في المجلس. رئيس الجمهورية ينتخب ثلاثة أعضاء للمجلس من بين المحكمة العدلية والقضاة والمدّعين العامّين من الدرجة الأولى، وعضوًا واحدًا من بين المحكمة الإدارية والقضاة والمدّعين العامّين من الدرجة الأولى؛ وينتخب مجلس الشعب التركي الكبير ثلاثة أعضاء من بين أعضاء المحكمة العليا، وعضوًا واحدًا من بين أعضاء مجلس الدولة، وثلاثة أعضاء من بين المحامين والحقوقيين من أعضاء هيئة التعليم، الذين يعملون في حقل الحقوق بمؤسسات التعليم العالي المبيّنة مواصفاتهم في القانون. يجب أن يكون أحد الأعضاء المنتخَبين من بين المحامين والحقوقيين في هيئة التدريس؛ محاميًا على الأقل، ويكون أحدهم الآخر أستاذًا جامعيًّا على الأقل. وتُقدَّم الطلبات إلى رئاسة مجلس الشعب التركي الكبير من أجل الأعضاء الذين سينتخبهم لعضوية المجلس. وترسل رئاسة المجلس الطلبات إلى لجنةٍ مشتركةٍ مكونة من أعضاء لجان الدستور والعدل. وتحدد اللجنة ثلاثة أعضاء من أجل كل عضويةٍ بأغلبية ثلثي العدد الكامل للأعضاء. في حال لم تنته إجراءات تحديد المرشحين في أثناء الاقتراع الأول يُقبَلون في الاقتراع الثاني بأغلبية ثلاثة أخماس العدد الكامل للأعضاء. وفي حال لم يُحدَّد المرشحون في هذا الاقتراع أيضًا، تتم إجراءات تحديدهم بأسلوب سحب اسم من بين مرشحينِ حصلا على أكثرية الأصوات. كما ينتخب مجلس الشعب التركي الكبير أعضاء مجلس القضاة والمدّعين العامّين من بين المرشحين الذين حدّدتهم اللجنة، وذلك بإجراء اقتراع سري من أجل كلّ عضوية. في التصويت الأول يجب أن تتوفر أغلبية ثلثي العدد الكامل للأعضاء، وأغلبية ثلاثة أخماس العدد الكامل للأعضاء في التصويت الثاني في حال إخفاق الانتخاب في التصويت الأول. أما إذا أخفق الانتخاب في التصويت الثاني فيُنتَخب الأعضاء بسحب اسم من بين مرشحينِ حصلا على أكثرية الأصوات. يُنتخَب الأعضاء لأربعة أعوام، كما يمكن انتخاب الأعضاء الذين انتهت مدتهم مرة أخرى. يُنتخَب أعضاء المجلس خلال ثلاثين يومًا قبل انتهاء مدة وظيفة الأعضاء. وفي حال انفصال أعضاء المجلس قبل انتهاء مدة وظيفتهم يُنتخَب أعضاء جدد خلال ثلاثين يومًا يلي الانفصال".

والهدف من هذا الإجراء هو تخليص المجلس من الوهن. كما أن اختيار قسم من أعضاء المجلس من قبل رئيس الجمهورية والقسم الآخر من قبل مجلس الشعب التركي الكبير المنتخبينِ من قبل الشعب- سيعزّز مشروعية المجلس الديمقراطية. كما أن أسلوب اختيار مجلس الشعب أعضاءَ مجلس القضاة والمدّعين العامّين من حيث أصول اختيارهم والتوجه الديمقراطي- يحمل احتمال توليد تأثيرٍ للبحث عن التوافق في المجلس، حيث يمكن اعتبار اختيار العضو (الأعضاء) في المرحلة الثالثة بإجراء القرعة بين المرشحينِ اللذينِ حصلا على أعلى الأصوات في المرحلة الثانية في حال الإخفاق في تحقيق الأغلبية المطلوبة؛ عقبةً في وجه اختيار العضو وفقًا لرغبات الجهة السياسية صاحبة الأغلبية في المجلس. وكذلك تمّ التخلّي عن تطبيق اختيار قسمٍ من أعضاء مجلس القضاة والمدّعين العامّين HSK من قبل القضاة والمدّعين العامّين من الدرجة الأولى.

وقد جاء هذا النظام وفقًا للتعديل الدستوري الذي حدث أول مرة في عهد حزب العدالة والتنمية أيضًا عام 2010. فالتعديل الدستوري عام 2010 رغم أنه كان يبدي أسلوبًا ديمقراطيًّا؛ فإن مدة سبع سنوات كان إجراءً يجانب الصواب. كما اشتكى جميع أطراف القضاء من أسلوب الاختيار الذي كان سببًا في التسييس والتكتل داخل القضاء. ومشروع تعديل الدستور الذي قدمته الأحزاب السياسية إلى مجلس الشعب التركي الكبير عام 2012 كان يتضمن التخلي عن تطبيق الاختيار من قبل القضاة من الدرجة الأولى. والمشكلة الأخرى في هذا الأسلوب هي وجود احتمال التلاعب بهذه الانتخابات والسيطرة على القضاء من قبل الكيانات السرية المنظّمة تنظيمًا جيدًا، كما هو الحال في مثال تنظيم كيان غولن. وكان لابدّ من انخفاض مصادر أعضاء المحكمة الدستورية أيضًا، مع إلغاء المحكمة الإدارية العسكرية العليا، والمحكمة العسكرية العليا. فمع إلغاء هاتين المحكمتين يُخفَّض عدد الأعضاء السبعة عشر الموجودين في الوضع الحالي إلى خمسة عشر عضوًا.

في فترات الوصاية، كانت مسؤولية الأمن في ظل الأحكام العرفية تنتقل للعسكر، فتُعطَى الصلاحيات للمقامات العسكرية، وتتشكل المحاكم العسكرية. لهذا السبب تحمل إدارة حالة الطوارئ OHAL أهمية تاريخية بوصفها نظام إدارة استثنائية. ينصّ المقترح على أن تكون قرارات الشّورى العسكرية العليا YAŞ مكشوفة للرقابة القضائية، كما ينصّ على إخراج القائد العام للجندرمة من عضوية مجلس الأمن القومي MGK وإلغاء القانون الذي يضع القوات المسلحة التركية TSK خارج رقابة هيئة رقابة الدولة. وبهذا الشكل تتعزز الرقابة المدنية على القوات المسلحة التركية[40].

 

علاقة رئيس الجمهورية بالحزب السياسي:

في أنظمة الحكم الديمقراطية لا يوجد إطار عام محدد للعلاقة بين رئيس الدولة والحزب السياسي. فالعلاقة بين رئيس الدولة والحزب السياسي تتشكل وفقًا للثقافة السياسية للقطر. كما أن علاقة رئيس الدولة ورئيس الوزراء بالأحزاب السياسية تتباين وفقًا لأنظمة الحكم في الدول[41]. ففي النظام البرلماني تحمل مهامّ رئيس الجمهورية الطابع الرمزي على العموم، ولا مانع أمامه من العضوية في حزب سياسي، وعليه أن يتبنى ممارسات تسمو على الحزبية. في الأنظمة البرلمانية في الدول الأوربية لا توجد ترتيبات دستورية حول إنهاء رئيس الجمهورية عضويته من الحزب السياسي. لكن دساتير بعض الأنظمة البرلمانية في الدول الأوربية لا تسمح بكون رئيس الجمهورية عضوًا في البرلمان، وتمنعه من شغل أي وظيفة عامة أو خاصة توفر له موردًا. ويذهب بعض الآراء إلى أن (مهمّة عامّة أو خاصّة) وما شابهها في الدساتير تشمل العضوية في الأحزاب السياسية أيضًا، لكن هذا الأمر يبقى جدلًا يؤخذ بعين الاعتبار في الممارسات السياسية. ومن هنا نلاحظ رؤساء جمهوريات ينحدرون عمومًا من جذورٍ سياسيةٍ، أو أنهم أعضاء في أحزابٍ سياسية حتى في الأنظمة البرلمانية التي ينتخب فيها أعضاء البرلمان رئيس الجمهورية، لكنه لا يمارس عضويته الحزبية بشكل فعّال. وفي الأنظمة الرئاسية التي ينتخب فيها الشعب أو (الهيئات الانتخابية) رئيس الدولة انتخابًا مباشرًا، كما في الولايات المتحدة الأمريكية- لا توجد على العموم أحكام أو قرارات دستورية حول تخلي رئيس الدولة عن عضويته في الحزب السياسي الذي ينتمي إليه. ومن ثَمّ، في الأنظمة الرئاسية ينظر إلى كون الرئيس عضوًا في حزب سياسي، وحتى كونه الرئيس الطبيعي للحزب في العديد من الدول على أنه تعبير عن الطابع المعتاد للنظام. وتتباين أبعاد العلاقة بين الرئيس وحزبه من دولة إلى أخرى في الدول التي تُدار وفق النظام الرئاسي. فالرئيس الذي يُعَدّ نقطة البداية في النظام الرئاسي في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال هو عضو في حزب من الأحزاب،  فهو عضو في حزب سياسي؛ أي أنه (حزبيٌّ). لكن رئاسة (اللجنة الانتخابية) في الحزب الذي ينتمي إليه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية تُدار من قبل شخص آخر.

في الأنظمة شبه الرئاسية لا تقطع العلاقة بين رؤساء الجمهوريات وبين أحزابهم التي ينتمون إليها. فعلاقة رئيس الجمهورية في فرنسا التي تدار بنظام شبه رئاسي؛ بحزبه وثيقة جدًّا، وهو العضو السياسي الأكثر تأثيرًا في تحديد التوجهات السياسية لحزبه وإدارتها. التفاعل السياسي السليم وما وراء ذلك من حضور لعلاقات الحزب السياسية في النظام شبه الرئاسي يحملان أهمية كبرى فيما يتعلق بديمومة السلطة واستقرارها قياسًا بأنظمة الحكم الأخرى؛ لأن العلاقة بين الجهاز التشريعي والتنفيذي ومن ثَمّ العلاقة بين الجهاز التنفيذي مع الأحزاب السياسية تحمل طابعًا متشابكًا في النظام شبه الرئاسي قياسًا بالأنظمة البرلمانية والرئاسية. وهناك احتمال كبير لحدوث سوء تفاهم بين الأجهزة المختلفة الثلاثة: رئاسة الجمهورية والجهاز التنفيذي والبرلمان.

ومن الصعب جدًّا في النظام الرئاسي وشبه الرئاسي، أن يتمكن مرشَّحٌ مستقِلٌّ من تنظيم حملة انتخابية تتطلب تنظيمًا كبيرًا وتكاليف عالية، ويحقق الفوز. كما أن الرئيس المستقل عن أي حزب سياسي ربما يواجه صعوبة للحصول على الدعم اللازم من السلطة التشريعية في الأمور المتعلقة بسلطته التنفيذية. ولا يستطيع الرئيس الذي لا ينال الدعم من أي حزب سياسي أن يمارس سلطاته التنفيذية بشكل فعال[42].

وفي الحياة السياسية التركية، نص دستور عام 1960 على قطع رئيس الجمهوريّة ارتباطه بالحزب الذي ينتمي إليه. وكان رؤساء الجمهورية حزبيينَ حتى ذلك العهد. كما أن دستور عام 1982 ينصّ على أن "يقطع رئيس الجمهوية المنتخب ارتباطه بحزبه إن وجد، وتنتهي عضويته في مجلس الشعب التركي الكبير". على الرغم من اعتبار قطع رئيس الجمهوريّة ارتباطه بحزبه السياسي مطلبًا من مطالب الحيادية بعد دستور عام 1960، لكن رؤساء الجمهورية الذين تم اختيارهم من العسكريين المتقاعدين أو قيادات الفرق العسكرية وقفوا مع الطرف الحامي لآلية الوصاية تحت غطاء (التشابك الأيديولوجي). كما ينبغي التنويه إلى أن تورغوت أوزال وسليمان دميريل لم يبتعدا عن أحزابهما السياسية بعد انتخابهما. فكان رد تورغوت أوزال مثلًا على الانتقادات التي وجهت إليه كما يأتي: "كيف أنكر أنني أسست حزب الوطن الأم ANAP، وكيف لي أن أنكر انتمائي لحزب الشعب الديمقراطي الاجتماعيSHP بعد أن أصبحت رئيسًا للجمهورية؟! لذلك، أدعو إلى انتخاب رئيس الجمهورية من بين مرشحي الأحزاب السياسية انتخابًا مباشرًا من قبل الشعب"[43].

وقد ألغيت في التعديل الدستوري المقترح عبارة "يُقطع ارتباط رئيس الجمهوية المنتخب بحزبه إن وجد" من المادة 101 في الدستور. وهكذا يسمح للرئيس الذي سيُنتَخب أن يشكل مستوى علاقاته مع حزبه في إطار الآليات السياسية. ومن ثَمّ يمكن للرئيس أن يكون رئيسًا لحزبه، أو عضوًا فيه، أو أن لا يكون عضوًا في أي حزب. ولا بد هنا من النظر إلى علاقة رئيس الجمهورية مع الأحزاب السياسية من منظور الثقافة السياسية ونظام الأحزاب في تركيا. فإن لم يكن رئيس الجمهورية رئيسًا للحزب الذي خرج منه فمن المحتمل ظهور (مشكلة ازدواجية الرئاسة) من جديد. فتباين الأجندة السياسية بين رئيس الجهورية ورئيس الحزب قد يؤدي إلى عراقيل جديدة في النظام. فرئيس الحزب يمكنه استخدام قوة حزبه في البرلمان لعرقلة القوانين اللازمة لسلطة الرئيس التنفيذية. ومن المحتمل إبعاد رئيس الجمهورية من الحزب إذا كان نفوذ رئيس الحزب في حزبه أقوى من نفوذ رئيس الجمهورية في حال حدوث خلاف بينهما. وعندما يكون رئيس الجمهورية رئيسًا للحزب أيضًا يقوم بالتأثير المباشر على العوامل المختلفة، مثل (انضباط الحزب)و(الحملة الانتخابية) و(عملية التصويت)و(عملية ترشيح نوابه). وبخلاف ذلك لن يكون قادرًا على ضبط تصرفات كتلة حزبه في المجلس، وسيضطر باستمرارٍ إلى المساومة مع الأحزاب المعارضة عند اتخاذه القرارات، وهذا الوضع من شأنه أن يفتح الطريق للمشكلات في الإدارة والاستقرار السياسي. من ناحية أخرى، إذا كان نفوذ رئيس الجمهورية في حزبه قويًّا، فسيؤدّي دورًا أكثر فعالية في إقبال الناخب على الصندوق، وفي حملات حزبه الانتخابية. وشعبية الرئيس لدى الرأي العام وقبوله من قبل الناس سيعزّز شرعية موقع رئاسة الجمهورية باعتباره المؤسسة الأهم في أعين الناس. وانقسام توجهات الناخبين بالمقابل بين كتلة الحزب البرلمانية ورئيس الحزب ورئيس الجمهورية سيزيد النظام هشاشة في مواجهة البيروقراطية. ورغم أن الرئيس هو الذي يعين أعضاء الحكومة فإن وجود رئيس قوي للحزب سيؤدي إلى تشتت التوجهات داخل الحزب.

 

الخاتمة:

اقترب منذ أمدٍ طويلٍ الجدل الدائر في تركيا حول تحول النظام السياسي من نهايته. فالتوافق بين حزب العدالة والتنمية AK وحزب الحركة القومية MHP نتج عنه قبول نظام الحكم المسمّى (النظام الجمهوري الرئاسي) من قبل مجلس الشعب التركي الكبير. ثم صار إلى تصديق رئيس الجمهورية وإلى عرضه على الاستفتاء الشعبي. ومن المزمع أن يُنتقَل إلى عهدٍ جديدٍ في هذه المسألة التي بقيت مدار جدل سياسيّ استمر أربعين عامًا؛ بعد موافقة الشعب على التعديل الدستوري.

وقد ساقت الأحزاب السياسية اليمينية اعتبارًا من أعوام السبعينيات موجباتها في ضرورة إجراء تغيير النظام السياسي. فقد سادت حالة عدم الاستقرار السياسي فترة الحكومات الائتلافية في أعوام السبعينيات، وانطلقت المناقشات تحت ذرائع تعزيز فعالية السلطة التنفيذية بوصفها طريقة لتجاوز تلك الحالة، وتوجّه السياسيون الذين تمحورت لقاءاتهم حول موضوعات (إدارةٍ فعالةٍ) و(استقرارٍ سياسيٍّ) و(عدالةٍ في التمثيل)- نحو تغيير النظام الانتخابي بدايةً من أجل تجاوز أزمة نموذَجِ النّظام البرلمانيِّ التركيّ، لكن ذلك لم يزد البنيان السياسي إلا تمزقًا وهشاشة.

فرأت الأطراف السياسية ضرورة إجراء تغييرٍ أكثر عمقًا، فاقترحت تحويل النظام السياسي إلى النظام الرئاسي. وتجسد السعي الأول نحو النظام الرئاسي في ظل انقلاب 1980 بمناقشة اقتراح انتخاب رؤساء الجمهوريات من قبل الشعب. لكن خشية الكيان الوصائي وخشية الكتل السياسية على مصالحها تأخرت مساعي الحلول في هذا الصدد. لكن النقاشات لم تنقطع نتيجة الأزمات السياسية المتكررة بشكل دوري. وقد تعلّل تورغوت أوزال بأن الحكومات الائتلافية تقف عقبة أمام الإدارة الفعّالة لتعزيز مطالبته بالنظام الرئاسي في نهاية أعوام الثمانينيات، محذّرًا من التمزق الذي يهدّد البنية الاجتماعية والسياسة الاجتماعية في تركيا، وأن النظام البرلماني يسهّل هذا التمزق. وعبّر عن اعتقاده بأن التكامل في تركيا سيتعزز مع الانتقال إلى النظام الرئاسي.

وفي النصف الثاني من أعوام التسعينيات، دافع سليمان دميريل عن النظام الرئاسي الذي كان ينادي به تورغوت أوزال بحجج مشابهة، وكان قد عارضه من قبل. فقد ربط التمزق السياسي بين اليمين والوسط واليسار بالآلية التنفيذية في النظام البرلماني، ورأى ضرورة اختيار رئيس السلطة من قبل الشعب من أجل إيجاد حلٍّ لمشكلة الإخفاق الحكومي. وأكد طيب أردوغان بدوره في كل فترةٍ من فترات حياته السياسية على أن نموذَجَ النّظام البرلمانيِّ التركيّ ملائمٌ لإمكانية التدخل من قبل مراكز الوصاية، وأنه لا مفرّ من التحوّل إلى النظام الرئاسي بعد حين من أجل تسريع اتخاذ القرارات، وتقديم الحساب أمام الشعب، وإبعاد الوصاية البيروقراطية. ويمكن من خلال كيان تنفيذي يدرك مسؤولياته وصلاحياته إدراكًا جيدًا التوصل إلى فترةٍ طويلةٍ من الاستقرار. كما أن طرازًا حكوميًّا يتوصل إلى استقرار سياسي واقتصادي سيمنح الفرصة من أجل نضج التحول الديمقراطي وبلورته وتعزيزه.

وبعد مسار شاقّ طويل آتت جهود أردوغان أُكُلَها، وانطلقت الخطوات العملية للتحول إلى النظام الرئاسي. وقد تضمن مشروع التعديلات الدستورية الذي أعدّه حزب العدالة والتنمية تحول النظام السياسي، كما هو واضحٌ في موجباته، مستفيدًا في ذلك من المشكلات السياسية التي شهدتها تركيا في الماضي. كما استُفِيد من نتائج التطبيقات النافعة لنماذج هذا النظام في العالم. في هذا السياق يدافع المسؤولون في حزب العدالة والتنمية عن هذا التغيير باعتباره نظامًا عقلانيًّا سياسيًّا رشيدًا.

يحدد النظام الجمهوري الرئاسي حدود الأجهزة التشريعية والتنفيذية والقضائية وفقًا لنظام سياسي (رئاسيّ). وقد صُمِّمت أصول الانتخابات وشروط تجديدها يوصفها واحدة من أهم الآليات التي تشكل عائقًا في وجه إنتاج النظام للأزمات. ويقوم المجلس بوظيفته في الرقابة على السلطة التنفيذية من خلال آليات الميزانية والبحث البرلماني والجلسة العامة و الاستجواب البرلماني.

فشرط معدل 50% من أصوات الناخبين اللازم لانتخاب رئيس الجمهورية سيسمح بظهور الثقافة السياسية التي تعزز مركز السياسة وتطويره. فمن خلال النظام الانتخابي الذي أعدّ بهذا المفهوم سيكون الوفاق والشراكة في السياسة شرطًا لازمًا من أجل كسب تأييد الشعب في الانتخابات. كما أن انتخاب رئيس الجمهورية بشكل مباشر من قبل الشعب ولدورتين اثنتين كحد أقصى لمدة خمس سنوات في كل دورة يجعل الانتقادات حول (حكم الرجل الفرد) في المقدمة دون معنى. من ناحية أخرى، سيحقق اختيارُ رئيس السلطة التنفيذية مباشرة من قبل الشعب انزياح مركزِ ثقلِ السلطة التنفيذية من بيروقراطيةٍ معيَّنةٍ تعيينًا إلى سلطةٍ تنفيذيةٍ منتخبة.

ستتحول السلطتان التشريعية والتنفيذية معًا إلى كيانين قويين في النظام الرئاسي، وفي هذا الصدد سيخفّ احتمال ظهور أزمات حكومية على خلفية سياسة التصميم التي يمكن أن تنتج بسبب التداخل بين السلطتين والغموض والرئاسة المزدوجة وتوقعات المستقبل. وفي النهاية سيجلب النظام الجديد معه ديمومة الاستقرار السياسي والاستقرار الاقتصادي، وسيحمل الاستقرار في كلا المجالين الديمومة في تعزيز الديمقراطية وتعميقها.

جرى الاستفتاء العام ست مرات في العهد الجمهوري، وسيكون هذا الاستفتاء حول التعديلات الدستورية المتضمّنة للنظام الرئاسي الاستفتاءَ السابع. وهو الاستفتاءُ الثالث في عهد حزب العدالة والتنمية. وقد مارس المجتمع التركي حتى الآن سلوك التصويت بالموافقة على كل التغييرات التي تهدف إلى مواجهة الأزمات، وتسهم في التحوّل الديمقراطي السياسي، وتجعل الأمّة صاحبة القرار في السلطة التنفيذية.

 

ملحق:

التعديلات الدستورية المنظّمة للنظام الرئاسي الجمهوري:

  • إضافة مبدأ (الحياد) إلى جانب الاستقلال في المادة التاسعة من الدستور.
  • رفع عدد النواب من 550 إلى 600 نائب انسجامًا مع زيادة عدد السكان. وتخفيض عمر الترشح إلى عضوية البرلمان من 25 إلى 18 انسجامًا مع التوجهات العالمية، وتغيير عبارة (الذين لم يؤدوا الخدمة العسكرية الإلزامية) من صفات العضو المرشح للبرلمان لتصبح بشكل (الذين لهم صلة بالعسكرية).
  • منح رئيس الجمهورية صلاحيات السلطة التنفيذية، وإلغاء منصب رئاسة الوزراء ومجلس الوزراء.
  • إجراء انتخابات رئيس الجمهورية ومجلس الشعب التركي الكبير الذي يمثل الجهاز التشريعي معًا في نفس اليوم كل خمس سنوات. والمحافظة على أصول الجولتين في انتخاب رئيس الجمهورية الموجود في النظام الحالي.
  • إعادة صياغة المادة 87 من الدستور المنظّمة لمهامّ مجلس الشعب التركي الكبير. بإلغاء صلاحية إصدار المرسوم بمثابة القانون من نص المادة. كما أُلغي مفهوم (مشروع القانون)؛ لأن رئيس الجمهورية الذي يمثل السلطة التنفيذية في النظام الرئاسي لن يستطيع تقديم مشروع القانون.
  • تناول تغيير المادة 98 من الدُّسْتور المتعلّق بآليات رقابة مجلس الشعب التركي الكبير على السلطة التنفيذية موضوع (توجيه السؤال) وحده، واعتمد فيه أصول (الجواب المكتوب)، وحافظ على (البحث البرلماني) و(المناقشة العامة) و(الاستجواب البرلماني).
  • الجمع بين المادتين 101 و102، وإعادة صياغة أصول الترشح لرئاسة الجمهورية وعملية الانتخاب. حيث أزيلت عبارة "يُقطع ارتباط رئيس الجمهورية المنتخب بحزبه إن وجد"، وأصبح المجال مفتوحًا أمام رئيس الجمهورية ليكون حزبيًّا. وتحديد مدة رئاسة الجمهورية بخمس سنوات، وتحديد إمكانية ترشح الرئيس لدورتين اثنتين كحدّ أقصى. وعدم السماح لرئيس الجمهورية يصفته رئيسًا للسلطة التنفيذية أن يكون عضوًا في السلطة التشريعية.
  • يُسمَح لكل مواطن تركي تجاوز عمر الأربعين وأنهى المرحلة الدراسية العليا وله مؤهلات الترشح لعضوية البرلمان أن يترشح لرئاسة الجمهورية. وأُقِرّ شرط أن يحصل المرشح لرئاسة الجمهورية على توقيع مئة ألف ناخبٍ كحدٍّ أدنى، أو أن يكون مرشح حزب حصل في الانتخابات الأخيرة على 5% من الأصوات. ويُختَار الفائز بأصواتٍ أعلى من نسبة 50% من الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات، وفي حال عدم تمكن أحد من الفوز بهذه النسبة يتم التنافس بين المرشحين الأكثر حصولًا على الأصوات في جولةٍ جديدةٍ تجري في يوم الأحد التالي للانتخابات.
  • يبين التعديل الذي طرأ على المادة 104 من الدستور أن رئيس الجمهورية يملك صلاحيات السلطة التنفيذية إلى جانب كونه رئيسًا للدولة. ويصدر رئيس الجمهورية قرارات بتعيين نوابه ووزرائه.
  • على صلة بالسلطة التنفيذية، يُمنَح لرئيس الجمهورية صلاحية إجراء الترتيبات التنظيمية. وقد صيغت صلاحية رئيس الجمهورية في إصدار القرارات على الشكل الآتي: "ليس لرئاسة الجمهورية صلاحية إصدار القرارات في قضايا الحقوق الأساسية والحقوق الشخصية والحقوق والواجبات السياسية. ولا يسمح بإصدار قرارات في القضايا التي نُظِّمت تنظيمًا واضحًا في القانون. وعندما تتضارب أحكام قرارات رئاسة الجمهورية مع القوانين يُتقيَّد بأحكام القوانين. وعندما يصدر مجلس الشعب التركي الكبير قانونًا في نفس القضية، يُعَدّ مرسوم رئاسة الجمهورية لاغيًا".
  • يُمنَح لرئيس الجمهورية الذي لا يُسمَح له بتقديم مشروعات قوانين فرصة طلب غير ملزِم لتغيير الدستور عن طريق توجيه رسالة.
  • من خلال تعديل المادة 105 من الدستور أُلغِيت الحصانة الجزائية لرئيس الجمهورية. وينصّ القانون على مسؤوليته عن أعماله المرتبطة بمهنته أو غير المرتبطة بها على حد سواء، وإمكانية تجريمه من قبل المجلس وسَوقه إلى الديوان العالي للمحاكمة. ويمكن للأغلبية المطلقة لكامل أعضاء المجلس المطالبة بفتح استجواب بحق رئيس الجمهوريّة، ويُفتَح الاستجواب بأغلبية ثلاثة أخماس المجلس. وقد نصّ على ما يأتي: "لا يمكن لرئيس الجمهورية الذي صدر بحقه فتح تحقيقٍ أن يأخذ قرارًا له علاقة بالانتخابات. ويُقال رئيس الجمهورية المحكوم عليه في الديوان العالي بجريمة تمنعه من الترشح للانتخابات".
  • نصّت المادة 106 من الدستور على منح رئيس الجمهورية صلاحية تعيين أكثر من نائب للرئيس، وتحديد نائب الرئيس الوكيل عنه، وكذلك تعيين الوزراء ونواب الرئيس وعزلهم من مهامّهم. وكذلك نصّت على إلغاء عضوية النائب أو الوزير الذي يُعيَّن في السلطة التشريعية إن كان عضوًا فيها.
  • نصّت المادة 100 على مسؤوليات أعضاء الهيئة التنفيذية السياسية أمام رئيس الجمهورية، ومسؤولياتهم الجزائية أمام مجلس الشعب بإمكانية استجوابهم وسوقهم إلى الديوان العالي.
  • تُنشَأ الوزارات وتُلغَى، وتُحدَّد مهامّها وصلاحياتها وهيكلياتها التنظيمية بقرارات رئاسة الجمهورية.
  • تنصّ المادة 116 من الدستور على تجديد انتخابات رئاسة الجمهورية ومجلس الشعب التركي الكبير معًا. ويمكن لرئيس الجمهورية بمفرده ومجلس الشعب التركي الكبير بأغلبية ثلاثة أخماس كامل أعضائه اتخاذ قرار تجديد انتخابات رئاسة الجمهورية والمجلس. وفي حال اتخاذ قرار بإعادة انتخاب الجهاز التشريعي أو الرئيس؛ تجري إعادة الانتخابات معًا في نفس الوقت. وإذا قرّر المجلس إعادة الانتخابات ضمن الفترة الرئاسية الثانية لرئيس الجمهورية يمكن للرئيس أن يرشح نفسه مرة أخرى.
  • من خلال التعديلات التي أُجرِيَت على المادة 142 من الدستور أُلغِيَت المحاكم العسكرية باستثناء حالات الحرب والمحاكم التأديبية.
  • من خلال التعديلات التي أُجريَت على المادة 159 من الدستور أُعيدت هيكلة المجلس الأعلى للقضاة والمدّعين العامّينHSYK . فأُزِيلت كلمة (العليا) من اسم المجلس، وغُيِّرت أصول اختيار الأعضاء. يترأس المجلس وزير العدل كما هو الحال في النظام الحالي، ويكون مستشار وزارة العدل عضوًا طبيعيًّا في المجلس. وخُفِّض عدد أعضاء المجلس من 22 إلى 13 عضوًا. وخُفِّضَ عدد الدوائر من ثلاثة إلى دائرتين. وصُمِّم اختيار الأعضاء الأحد عشر بحيث يختار رئيس الجمهورية أربعة أعضاء، ويختار المجلس سبعة أعضاء بالأغلبية النوعية للأصوات.
  • نُقِّحت الأحكام الواردة في الموادّ ما بين 161-164 ذات الصلة بالميزانية، وكُيِّيفت وفقًا للنظام الرئاسي، وصيغت في مادة واحدة، حيث يَعُدّ رئيسُ الجمهورية مشروعَ قانون الميزانية، ويقدمه إلى المجلس. إن لم تُوضَع الميزانية موضع التنفيذ خلال الفترة القانونية المقررة، يُصدَر قانون ميزانيةٍ مؤقتةٍ، حتى يُقَرّ القانون الجديد. وفي حال عدم إقرار الميزانية المؤقتة أيضًا؛ تُنفَّذ ميزانية العام السابق مع إضافة زيادةٍ بمعدل إعادة التقييم حتى تُقَرّ الميزانية الجديدة".
  • أُلغيَت الأحكام العرفية التي تنقل سلطة تنفيذ القوانين إلى المناصب العسكرية، وبقيت حالة أحكام الطوائ.
  • كُشِفت قرارات الشّورى العسكرية العليا YAŞ أمام الرقابة القضائية، وأُخرِج القائد العام للجندرمة من عضوية مجلس الأمن القومي MGK، وأُلغِي القانون الذي يضع القوات المسلحة التركية TSK خارج رقابة مجلس رقابة الدولة.
  • تمّ تغيير الكلمات والعبارات اللازمة في مواد الدستور أو إضافتها أو إخراجها من النصوص بما ينسجم مع النظام الرئاسي والتعديلات الأخرى، وأُلغِي سريان بعض المواد بما ينسجم مع النظام.
  • مع بدء سريان التغيير اعتمادًا على المادة المؤقتة الملحقة بالدستور؛ يُجرَى أول الانتخابات العامة وانتخابات رئاسة الجمهورية في 3 تشرين الثاني 2019، ويُجرَى تنظيم لوائح مجلس الشعب التركي الكبير الداخلية والشؤون القانونية الأخرى خلال ستة أشهر وفقًا لما يتطلبه التغيير الساري، ويُجرَى اختيار أعضاء مجلس القضاة والمدّعين العامّين HSK خلال ثلاثين يومًا، ويُلغَى القضاء العسكري خلال أربعة أشهر بدءًا من دخول القانون قيد التنفيذ.

المصادر  والهوامش:

 

°  هذه المقالة تستند إلى البحث الآتي: (سردار غولنر، نبي ميش، التصميم الدستوري للنظام الجمهوري الرئاسي)، نبي ميش وبرهان الدين ضوران (المحرّر) تحول النظام السياسي والنظام الرئاسي في تركيا. منشورات وقف الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية SETA، إسطنبول 2016، ص51-53.

* ترجمة: مصطفى حمزة.

* أستاذ مساعد في جامعة صقارية، فرع العلوم السياسية، قسم الإدارة العامة، وباحث في SETA.

** أستاذ مساعد في جامعة صقارية، فرع العلوم السياسية، قسم الإدارة العامة، ومدير الدراسات السياسية في SETA.

[1] نبي ميش، (تصميم النظام الدستوري في مقترح حزب العدالة والتنمية)، مجلة كريتر، كانون الأول 2016.

[2] من أجل الجدل الدائر حول تحول النظام السياسي في تركيا وموجباته منذ السبعينيات؛ انظر: برهان الدين ضوران ونبي ميش،

“The Transformation of Turkey’s Political System and the Executive Presidency”, InsightTurkey, Fall 2016, Volume 18, No: 4. P.11-29.

[3] قرارنامه، القرار الذي يصدره رئيس الجمهورية، ويسمى أيضًا (مرسوم)، و(مرسوم جمهوري). اخترنا في هذه الترجمة كتابتها على شكل قرار وقرارات. المترجم.

[4] من أجل المزيد من التفصيلات انظر: برهان الدين ضوران ونبي ميش، (تحول النظام دستوري في تركيا والنظام الرئاسي الجمهوري)، منشورات SETA، إسطنبول، ص 15- 51. سردار غولنر،

“The Constitutional AmendmentDraft: The End of Debates on Change in the Turkish Political System?”, Insight Turkey, Fall 2016, p. 109-125.

[5] (حزب مللي نظام: البرنامج والنظام الداخلي)، دار نشر حق طَنِر، إسطنبول، ص10، https://www.tbmm.gov.tr/eyayin  

[6] (حزب مللي سلامت، البيان الانتخابي 1973)، مطبعة دار نشر فاتح، إسطنبول 1973، ص17، https://www.tbmm.gov.tr/eyayin

[7] ألب أرسلان توركش، الأنوار التسعة، (معده للنشر: جنغيز زنغين، منشورات بيلغه أوغوز، 2015).

[8] ألب أرسلان توركش، النظرات الأساسية، (منشورات دركاه، إسطنبول 1975)، ص 156، 164.

[9] انظر: جمع وإعداد عثمان بالجيغيل، (الدستور الذي يجري حوله النقاش في منتديين ومقترح تعديلٍ دستوريٍّ)، منشورات بيريكيم، إسطنبول 1982.

[10] (التاريخ القريب للجدل الدائر حول النظام الرئيسي: ....)، (323).

[11] (10 سنوات من الجدل)، صباح، 5 تشرين الأول 1999، http://arsiv.sabah.com.tr/1999/10/05/p08.html . انظر أيضًا: خليل شِوْغين، إعادة الهيكلة والنظام الرئاسي: أمل تركيا للخروج من الأزمة، (منشورات وقف تطوير الديمقراطية في العالم التركي، أنقرة، 1997).

[12] (صيغة حزب الوطن الأم للانتخابات المحلية وتعديل الدستور، صندوق مزدوج في تشرين الأول)، مليَّت، 8 شباط، 1998.

[13] (نظرة مختلفة من أوزال)، مليَّت، 17 تموز ، 1990، ص11.

[14] محمد بارلاس، (مذكرات تورغوت أوزال)، كتب صباح، 1994، إسطنبول، ص141)

[15] (مقترح أوزال لتركيا جديدة)، مليَّت، 30 تشرين الثاني 1990. (ثلاثة دساتير لثلاثة أحزاب)، مليَّت، 11 تشرين الثاني 1990، ص9.

[16] (ينبغي أن يكون بين رئيس جمهورية مباشر ورئيس جمهورية مصادقة: صيغة دميريل)، مليَّت، 23 تشرين الأول 1988، ص 8.

[17] (صيغة دميريل)، مليَّت، 23 تشرين الأول 1998، ص8.

[18] (حزب الطريق القويم يقول بإصرار: فليأتِ حزب الوطن الأم ولننظر)، مليَّت، 7 نيسان 1989، ص 9.

[19] (حزب الطريق القويم يقدّم للمجتمع دستورًا جديدًا)، مليَّت، 20 تشرين الثاني 1990، ص16.

[20] (ينبغي إدارة تركيا بالنظام الرئاسي)، حريَّت، 19 أيلول 1997.

[21] (دميريل: نقاشات النظام الرئاسي)، حريّت، 21 تشرين الأول 1997.

[22] أرغون أوزبودون، (تركيا والنظام الرئاسي)، Liberal Perspektif Analiz ، رقم: 1 (2015): 11.

[23] جيجك: (لا توجد مشكلة في النظام الجمهوري الرئاسي)، سي إن إن تورك، 7 نيسان 2014.

[24] أرغون أوزبودون، (تركيا والنظام الرئاسي)، Liberal Perspektif Analiz ، رقم: 1 (2015): 12.

[25] انظر: سردار غولَن أر، (التوافق الذي جعل النظام الجمهوري الرئاسي حقيقة)، Star Açık Görüş، 4 كانون الأول 2016.

[26] من أجل التقييمات المتعلقة بهذا الموضوع انظر: سردار غولَن أر، (التوازن والرقابة في النظام الرئاسي)، وقف البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية  SETA، إسطنبول: 2016، ص17-19.

[27] "كبير مستشاري رئيس الجمهورية شكري قره تبه: "قمنا بإعداد أربعة نماذج مختلفةً للنظام الرئاسي"، خبر تورك، 19 كانون الأول 2016.

[28] سردار غولَن أر، (ما حقيقة تغيير الدستور؟)، Star Açık Görüş، 1 كانون الثاني 2017.

[29] سردار غولَن أر، (التوازن والرقابة في النظام الرئاسي)، (وقف البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية SETA، إسطنبول: 2016، ص19.

[30] سردار غولَن أر، (التوازن والرقابة في النظام الرئاسي)، وقف البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية SETA، إسطنبول: 2016)، ص54.

[31] خلوق ألقان، (هل يضيق النظام الجمهوري الرئاسي مجال السلطة التشريعية؟)، Star Açık Görüş، 28 كانون الثاني 2017.

[32] محمد أوجوم: (هذا التغيير يطلق عملية إصلاح). خبر تورك 21 كانون الثاني2017.

[33] من أجل مواقع نواب الرئيس في النماذج المقارنة، انظر: نبي ميش وآخرين، (تطبيقات النظام الرئاسي في العالم)، ط 2، تقرير SETA، أنقرة: 2015).

[34] نبي ميش، (مقترح دستور رئاسي)، تركيا، 15 كانون الثاني 2017.

[35] عبد الحميد غول (حوار)، (النظام الجمهوري الرئاسي الأكثر عقلانية)، مجلة كريتر، كانون الثاني 2017.

[36] انظر: سردار غولَن أر، (التوازن والرقابة في النظام الرئاسي)، وقف البحوث السياسية والاقتصادية والاجتماعية SETA، إسطنبول: 2016)، ص17-19.

[37] الصحيفة الرسمية رقم: 18640، تاريخ: 19. 11. 1985.انظر أيضًا: أحمد أونلو، (كيف ستكون أصول تعيين الإداريين في المستوى الأعلى في الترتيبات الجديدة؟)، يني شفق، 12 كانون الأول 2016.

[38] كمال غوزلر، (رؤساء الدولة)، أكين للنشر، بورصة، ص 143 – 145.

[39] انظر: ياوز عطار، (لماذا النظام الجمهوري الرئاسي؟) ،Star Açık Görüş، 21 كانون الثاني 2017.

[40] جم دوران أوزان، (الدستور الجديد: موضوع تركيا المتجدد: أين وصلنا؟"،)Star Açık Görüş، 3 كانون الثاني 2016.

[41] نبي ميش وأرقوت أيواظ، (رئيس/ رئيس الجمهورية وعلاقته بالحزب السياسي في نظام الحكومة الديمقراطي)، (النظام الجمهوري الرئاسي وتحوّل النظام السياسي في تركيا)، منشوراتSETA ، إسطنبول 2017، ص281-321.

[42] انظر: David J. Samuels ve Matthew S. Shugart, Presidents, Parties and Prime Ministers, (Cambridge University Press, New York: 2010)

[43] (أوزال اقترح تركيا جديدة)، مليَّت، 30 تشرين الثاني 1990، ص5.


ملصقات
 »