رؤية تركية
أفكار متحدية

الشئون التركية والدولية


| عروض الكتب < رؤية تركية

مثلث السلطة: العسكر والأمن والسياسة في تغيير النظام

يُقدِّم الكتاب مثلثَ السلطة من منظور علم الاجتماع التاريخي لعلاقات السلطة خلال أوقات استقرار النظام وخلال أوقات التغيير. وكان الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه، كُتِبت تحت إشراف البروفسور مايكل مان، ونوقشت في جامعة كاليفورنيا، بلوس أنجلوس في عام 2012؛ والكتاب الحالي موضع العرض نسخة محسنة ومحدثة من أطروحة الدكتوراه.

  المؤلف: حازم قنديل

مراجعة هوسرك تاباك

Reviewed by Hüsrek Tabak

 

 

يُقدِّم الكتاب مثلثَ السلطة من منظور علم الاجتماع التاريخي لعلاقات السلطة خلال أوقات استقرار النظام وخلال أوقات التغيير. وكان الكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه، كُتِبت تحت إشراف البروفسور مايكل مان، ونوقشت في جامعة كاليفورنيا، بلوس أنجلوس في عام 2012؛ والكتاب الحالي موضع العرض نسخة محسنة ومحدثة من أطروحة الدكتوراه.

يستند الكتاب إلى إعادة النظر في الأنظمة؛ في مواجهة الحجة القائلة إنّ النظم كان يفترض أنها مستقرة منذ زمن طويل، فهي في الواقع "متقلّبة بطبيعتها" (ص1). ويقول إن تقلّب الأنظمة هو نتيجة لصراع مستمر على السلطة بين الأجهزة الإدارية والقسرية للدولة (ص9). ويشير الكتاب بناء على ذلك إلى أن الهيئات الإدارية والقسرية "المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية" تتنافس للسيطرة على النظام، ومن ثَمّ فهي تشارك في صراع لا يهدأ على السلطة لتغيير اتجاهها وسرعتها. وقد اطّلع الكاتب على نهج بورديو الواقعي تجاه السلطة، الذي يشير إلى أن هذا الصراع صراع في الحياة الاجتماعية "ومن ثَمّ السياسية"، وأن هذا هو نتيجة علاقات القوة "التي تقوم بها المؤسسات (لا الأفراد)" (ص3)، ويورد الكتاب استعراضًا حول كيفية تشكيل الأنظمة وإعادة تشكيلها من خلال التعاون والتواطؤ بين مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والسياسية بصفتها هيئات ذات اهتمامات حثيثة في بناء الهيمنة على بعضها، من خلال عنوانين: "تعظيم التأثير في المجتمع" و"تحديد النظام" (ص7).

يقدّم مثلث السلطة نموذجًا يوضح أداء الصراع الثلاثي على السلطة بين الأجهزة العسكرية والأمنية والسياسية لتغيير النظام، ويحدّد النموذج العلاقة بين هذه المؤسسات باعتبارها "علاقة قوة" (بدلًا من علاقة هرمية)، حيث يتغير ميزان القوى باستمرار، كما هو الحال مع طبيعة النظام (ص12). وبالنسبة للمؤلف، فإن هذه المؤسسات هيئات مستقلة لها "مصالح مؤسسية متميزة" (ص10)، على الرغم من أنها تعتمد على بعضها من أجل الشرعية والوجود (ص11). والنتيجة هي توتر مستمر وديناميكي.

يُجرِي الكتاب دراسة عن هذا الصراع الثلاثي على السلطة وآثاره في تغيير النظام تجريبيًّا في حالات إيران (ص31-135)، وتركيا (ص137-227) ومصر (ص229-361). ويعرض المؤلف هذه الحالات أمثلة مميزة، كل منها يمثل هيمنة كتلة مختلفة داخل مثلث السلطة. وبناء على ذلك، تعدّ إيران مثالًا للهيمنة السياسية على الهيئات العسكرية، في حين يقول إن تركيا تظهر الوصاية العسكرية وهيمنتها على السياسة، ويقدَّم المؤلّف مصر على أنها "مثال كامل" للدولة البوليسية.

وقد تلقّى كتاب "مثلث السلطة" ثناء وتأييد العديد من الأكاديميين، بما في ذلك مايكل مان؛ لكونه جاء عبر دراسة "مقنعة، أصيلة"، وأشار تشارلز تريب في تقديمه إلى "الأساس النظري المستنير" لتحليل ديناميات النظام وتوفير مسارات مختلفة لتحليل عمليات الانقلابات.

في قراءتي النقدية للكتاب (مع إيلاء اهتمام إضافي للحالة التركية)، يمكن القول إن الكتاب يقدّم وصفًا متسقًا نسبيًّا، على سبيل المثال، في تغيير النظام في التاريخ السياسي التركي؛ ولكن نموذج مثلث السلطة أخفق في تفسير النظام المعاصر في تركيا. ومن ثَمّ، فإن ديناميكيات المعاصرة للنظام في البلاد تقدّم طابعًا مناقضًا لما يدعي المؤلف أن تركيا تشهده. بالنسبة للمؤلف كانت القضية التركية مثالًا على "الوصاية العسكرية" (ص12)، إلا أن الطابع المعاصر بدلًا من ذلك يشير إلى الهيمنة السياسية على الكتل العسكرية والأمنية؛ وهو ما يجعل النموذج  يُخفق في فهم الواقع، وما يترتب على الخيارات التي أدلى بها المؤلف.

إن القضية التركية لديها مشكلات أخرى، ورغم أن المؤلف يدعي أنه أجرى مقابلات وجمع بيانات أولية، على سبيل المثال، في إسطنبول (الصفحة21)؛ إلّا أنّه عند الحديث عن النتائج، لا يستخدم مادة أرشيفية من أي نوع، على الرغم من ادّعائه أنه يقدم عرضًا تاريخيًّا. وقد جُمِعت البيانات الأولية الوحيدة التي استخدمها المؤلف في النص من هاكان يلماز (في إسطنبول)، وهاكان يافوز (في سان دييغو) عن طريق المقابلات في عامي 2009 و2010 على التوالي.

ومع ذلك، فإن هذين الدارسينِ البارزين للسياسة التركية ليس لهما أي مشاركة معروفة في السياسة العسكرية والأمنية والسياسية في تركيا- لذا فإنّه يُشكَّك في الملاحظات التي شاركا في معالجتها بوصفها بيانات أولية. ولذلك، في معظم الدراسة، اعتمد المؤلف على مصادر ثانوية فقط، وحتى في هذه الحالة كانت أدبيات الدراسة فقيرة، على الأقل في دراسة حالة تركيا، إذ كانت الدراسة استعراضًا سطحيًّا للتاريخ السياسي للعلاقات المدنية والعسكرية في السياسة التركية.

والمؤلف يدعي باستمرار في أماكن عدة داخل الكتاب أن "الوصاية العسكرية في تركيا لم تكن لها مصلحة بالحكم المباشر" (ص12)، ولذلك "عاد الجيش إلى الثكنات" بعد الانقلابات، وهو ما حافظ على انفصاله عن المؤسسات السياسية (ص180). ويتجاهل هذا الادعاء بوضوح أنه على الرغم من عودة العسكريين والقوات العسكرية إلى ثكناتهم بعد إعادة إرساء النظام العام، فقد تركوا موظفين عموميين بوصفهم رؤساء للبلاد، وجنرالات بصفتهم رؤساء للوزراء أو وزراء أو أعضاء في المجلس أو نوابًا وأعضاء مجالس إدارة في العديد من المصارف الحكومية والخاصة ومؤسسات الدولة، مثل التعليم العالي والقضاء، وحتى المجلس الأعلى للإذاعة والتلفزيون. لذلك ثبَّت الجيش أعضاءه، ومن خلالهم، تثبتت سيطرته وأيديولوجيته على المجالين المؤسسي والعام. وهكذا صار ما يُسمَّى بالتمييز بين المؤسسات العسكرية والأمنية والسياسية. واستنادًا إلى ادعاءات المؤلف المتعلقة بالاستقلال المؤسسي، حدّد الجيش مصلحة وهدف كل ضلع ممَّا يُسمَّى بمثلث السلطة. وكان  "الانقلاب الأبيض" في انقلاب 28 فبراير، مؤشرًا واضحًا على هذه السيطرة وعلى انعكاس هذه السياسة.

كما أن النموذج الذي صاغه المؤلف لم يعترف بدور الأيديولوجيا في سياسات السلطة في أثناء تغيير النظام. وبعد أن عرّف المؤلف المؤسسات بأنها عقلانية ومهتمة ذاتيًّا، وتعمل على تعظيم القوة- ادّعى أنه "على النقيض من الاعتقاد المشترك بأن الجيش قد تدخل دائمًا في السياسة التركية دفاعًا عن الكمالية... يكشف تحليل تاريخي موثّق أنه فعل ذلك أساسًا للدفاع عن استقلاليته، أو عن أمن الدولة القومي (كما عرفته القيادة العليا)" (ص​​220).

في الواقع، ليس واضحًا على أي أساس، ومن خلال أي مصادر أولية أجرى المؤلف مثل هذا "التحليل التاريخي الموثق" حتّى دحض الفكرة السببية الأيديولوجية. إذ إنّ مثال انقلاب 28 فبراير يدل على أن التحيز الكمالي العلماني المتأصل للجيش هو الذي قاده إلى تخطيط الانقلاب في عام 1997، وأن هذه الأيديولوجيا حددت الأرضية لشروع الجيش في التورط. وعلاوة على ذلك، فإن الأيديولوجيا هنا وحدت مصالح المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية المتضاربة.

وضمن الإطار المفاهيمي لتحليله، يجادل المؤلف في شرح سبب كون مسؤولي الدولة مؤسسات (لا أفرادًا) فيقول: "يتحول مسؤولو الدولة، مع زيادة الطابع المؤسسي وإضفاء الطابع المهني، من تمثيل مصالح مجموعتهم الاجتماعية الأصلية إلى حماية منظمة الدولة التي ينتمون إليها الآن" (ص8).

إن محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو في البلاد في عام 2016، والروابط المؤكّدة بين حركة غولن ومخططي الانقلاب تثبت بالتأكيد أن هذا الافتراض خطأ. لذلك، على الأقل فإن الحالة التركية على عكس ما يقوله المؤلف.

والنقطة الأخيرة في هذا العرض هي أن تبنّي منظور واقعي (فلسفي واقعي) لعلاقات السلطة جعل المؤلف يستبعد المعاني المتعلقة  بالتاريخ، هو ما جعل جهود وأدوار المؤسسات للتفاوض على الشرعية غير مرئية. هذا هو الحال، على الرغم من إشارة الكاتب المتكررة إلى نظريات فوكو في شرح ماهية السلطة وماهية كيفية عملها (ص2-7).


ملصقات
 »