بعد الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة و"إسرائيل" على إيران في 28 فبراير 2026، ردّت إيران بعمليات انتقامية، بل شنّت هجمات على دول المنطقة، ولاسيّما دول الخليج، وهذا أدّى إلى دفع القضية إلى حافة حرب إقليمية. منذ اليوم الذي بدأت فيه هجمات الولايات المتحدة و"إسرائيل" على إيران، شُنَّت هجمات في العراق على الميليشيات الشيعية المقربة من إيران، في المقابل شنّت إيران والميليشيات الشيعية المقربة منها هجمات في العراق استهدفت نقاطًا مختلفة، على رأسها الوجود الأمريكي.
وبغض النظر عن الصراع المباشر بين التحالف الأمريكي الإسرائيلي وإيران، فإن مسار الهجمات في العراق ونطاق انتشارها يظهران أن العراق ربّما يكون قد أصبح من أكبر جبهات الحرب. وبهذا المعنى، فإن العراق يواجه تكلفة وتأثيرات اقتصادية وسياسية واجتماعية تتجاوز التكلفة العسكرية. وفي هذا السياق، فإن اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي واختيار ابنه مجتبى خامنئي لخلافته، أمر بالغ الأهمية من منظور التوازن الداخلي في العراق، وفي الجغرافيا السياسية الشيعية الإقليمية كذلك.
فالشيعة، الذين يشكّلون الأغلبية من حيث التركيبة السكانية في العراق، كانوا القوة التنفيذية الأساسية للسلطة في الفترة التي أعقبت عام 2003. وقد أثار هذا الوضع، مع استيلاء الشيعة في العراق على السلطة بعد إيران، تساؤلات حول ”إيران جديدة“. في الواقع، من الناحية السياسية، وباستثناء الفترة الأخيرة التي امتدت خمس أو ست سنوات، يمكن القول: إن السياسة العراقية كانت خاضعة لهيمنة إيران.
ومع ذلك، يمكن اليوم الحديث عن سياسة خارجية عراقية أكثر توازنًا، ولاسيّما بعد تشكيل حكومة محمد شياع السوداني. ولن يكون من الخطأ القول: إن للسلطة الدينية في النجف نصيبًا مهمًّا في ذلك. ولهذا السبب، فإن انتخاب مجتبى خامنئي خليفة لعلي خامنئي، قد يؤدي إلى نتائج مهمّة من منظور الجيوسياسة الشيعية. وفي هذه المرحلة، يتطلب الأمر إجراء تقييم من منظور ميزان القوى في الشرق الأوسط عبر رؤية الشيعة، وإن لم يكن ذلك على المدى القصير، ففي التوقعات على المدى المتوسط والطويل.
تهدف هذه الدراسة أيضًا إلى تحليل تأثيرات تغيير القيادة الإيرانية في العراق والجيوسياسة الشيعية. وانطلاقًا من ذلك، تبحث الدراسة عن إجابة عن سؤال حول كيفية تأثير وصول مجتبى خامنئي إلى القيادة في توازنات السلطة الدينية في العراق واتجاه الجيوسياسة الشيعية، وتركز على النتائج المحتملة. وفي هذا السياق، تتناول الدراسة ثلاثة محاور رئيسة، هي: البعد الديني لتغيير القيادة في إيران، وتداعياته السياسية والأمنية في العراق، والتنافس على السلطة الدينية الذي يتشكل على محور النجف-قم.
ويشمل نطاق الدراسة تحوّل البنية الشيعية في العراق بعد عام 2003، وتأثير إيران الإقليمي، وعلاقات القوّة الجديدة التي ظهرت في سياق الحرب الحالية. ومع ذلك، فإن الدراسة تركز على تأثيرات هذا التحول في العراق والشبكات الشيعية الإقليمية، بدلًا من إجراء تحليل مؤسسي مفصّل للسياسة الداخلية الإيرانية. ومن هذا المنطلق، تتناول الدراسة الجغرافيا السياسية الشيعية باعتبارها مجال قوة لا يقتصر على الجانب الأيديولوجي فحسب، بل يشمل أيضًا الجوانب السياسية والأمنية.
