مثّل إعلان قيام الوحدة اليمنية في الثاني والعشرين من مايو 1990م حدثًا مفصليًّا في تاريخ اليمن والمنطقة، تجاوزت أبعاده النطاق الجغرافي ليمسّ عمق التوازنات الإقليمية والدولية؛ حيث حظي باعتراف واسع، باعتبار اليمن ركيزة أساسية للأمن والاستقرار الإقليمي؛ نظرًا لما تتمتع به من موقع جيوإستراتيجي حيوي، يتمثل في إشرافها المباشر على مضيق باب المندب، وتحكّمها في أهم الممرّات الملاحية العالمية التي تربط الشرق بالغرب.
وعلى الرغم من التصدعات التي أصابت بنيان الدولة اليمنية منذ الانقلاب الحوثي عام 2014م، وما تلاه من بروز مشروعات سياسية وعسكرية مناوئة للدولة، فقد ظلت الوحدة ثابتًا من الثوابت في مواقف أكثر الفاعلين الإقليميين والدوليين، ولاسيما مع الأحداث الأخيرة التي تعرضت لها المحافظات الشرقية، منذ ديسمبر 2025.
في هذه الفترة، شهدت الحالة اليمنية تطورًا دراماتيكيًّا متسارعًا، حيث قامت قوات "المجلس الانتقالي الجنوبي" المطالِبة بالانفصال، بالسيطرة على محافظتي حضرموت والمهرة، لتستكمل بذلك السيطرة على جميع المحافظات الجنوبية والشرقية، في خطوة مثّلت ذروة التصعيد الساعي لفرض واقع سياسي وعسكري جديد في اليمن، وقد أدى هذا الاندفاع إلى ارتدادات غير مسبوقة، تجلت في قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في ديسمبر 2025م، بإلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الإمارات العربية المتحدة، ومطالبتها بالخروج من اليمن، بوصفها الداعم الرئيس لقوات الانتقالي، كما أدى ذلك إلى تحولات عميقة في المشهد السياسي اليمني، على رأسها إخراج قوات الانتقالي من حضرموت والمهرة، ثم حلّ المجلس الانتقالي، بالإضافة إلى إعادة هيكلة مجلس القيادة الرئاسي من خلال إسقاط عضوية القيادات المتورطة في التمرد وتعيين بدلاء لهم.
كانت لهذه الأحداث -ولا تزال- ردود فعل دولية، جاءت أغلبها مؤيد لوحدة اليمن وقرارات السلطة الشرعية. وقد رأينا في هذه الدراسة إعادة قياس مركزية الوحدة اليمنية في مواقف هذه الأطراف، واستكشاف دوافع الفاعلين الإقليميين والدوليين، واستشراف مستقبل الوحدة في ظل هذه التحولات.
