الأزمة اليمنية في سياق التحولات الإقليمية
تُعَدّ الأزمة اليمنية إحدى أكثر الأزمات تعقيدًا في المنطقة العربية، ليس بسبب امتدادها الزمني أو تشابك أطرافها الداخلية فقط؛ بل لأنها تزامنت مع مرحلة إقليمية مضطربة شهدت انهيار توازنات قديمة، وصعود فاعلين جدد، وتراجع قدرة النظام الإقليمي العربي على إدارة أزماته بصورة جماعية. وفي هذا الإطار، لم يكن اليمن استثناءً، بل تحوّل إلى مرآة مكبّرة تعكس حجم التحولات الجارية في الإقليم.
منذ اندلاع الصراع، تداخلت في اليمن عوامل محلية متجذرة، مثل هشاشة الدولة، وضعف مؤسسات الحكم، واختلال العلاقة بين المركز والأطراف، مع عوامل إقليمية ودولية أكثر اتساعًا، أبرزها صراعات النفوذ، وتنافس الأجندات، واستخدام الساحات الهشة بوصفها مسارح لتصفية الحسابات غير المباشرة. وقد أدى هذا التداخل إلى تعقيد المشهد اليمني، وإلى إطالة أمد الصراع، وجعل مسارات الحل أكثر تشابكًا وحساسية.
إن التحولات الإقليمية التي أعقبت ما يُعرَف بـ"الربيع العربي" أسهمت في إعادة تعريف مفهوم الدولة الوطنية في عدد من البلدان، وفتحت الباب أمام تصاعد أدوار الجماعات المسلحة، وتراجع احتكار الدولة لاستخدام القوة. وفي اليمن، تزامن هذا السياق مع أزمة انتقال سياسي غير مكتمل، وهذا جعل البلاد أكثر عرضة للانزلاق إلى صراع مفتوح، سرعان ما اكتسب أبعادًا إقليمية.
كما أن الموقع الجغرافي لليمن منح الأزمة بعدًا إستراتيجيًّا مضاعفًا. فاليمن يطلّ على البحر الأحمر، وعلى باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويمثل حلقة وصل بين آسيا وإفريقيا وأوروبا. ومن ثمّ، فإن أي اضطراب طويل الأمد في اليمن لا يُنظَر إليه إقليميًّا ودوليًّا بوصفه شأنًا داخليا فحسب، بل بوصفه تهديدًا محتملًا لأمن الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية.
وقد تعزّز هذا البعد في السنوات الأخيرة مع تصاعد التوترات في البحر الأحمر، وتزايد الهجمات التي تستهدف خطوط الملاحة، وهو ما أعاد اليمن إلى صدارة الاهتمام الدولي، ولكن من زاوية أمنية بالدرجة الأولى. غير أن التركيز على البعد الأمني وحده، من دون معالجة الجذور السياسية للصراع، يظل مقاربة قاصرة لا تفضي إلى استقرار مستدام.
إقليميًّا، جاءت الأزمة اليمنية في لحظة إعادة اصطفاف للعلاقات بين عدد من القوى الفاعلة، واتجاه متزايد نحو خفض التصعيد في بعض الملفات الساخنة. وقد أوجد هذا التحول فرصة نسبية لإعادة التفكير في مقاربات الصراع، ومن ذلك في ذلك الصراع في اليمن. إلا أن هذه الفرصة تظل مشروطة بقدرة الأطراف اليمنية والإقليمية على الانتقال من منطق إدارة الصراع إلى منطق تسويته.
وفي هذا السياق، تبدو خطورة المرحلة الحالية في أن التحولات الإقليمية قد تُستثمَر بطريقتين متناقضتين: إما بوصفها مدخلًا لدعم مسار سياسي شامل يعيد الاعتبار للدولة اليمنية، أو بوصفها نافذة لتمرير مشروعات جزئية تستفيد من حالة السيولة السياسية، وتكرّس وقائع جديدة على الأرض تتناقض مع فكرة الدولة الواحدة.
من هنا، فإن قراءة الأزمة اليمنية في سياق التحولات الإقليمية لا ينبغي أن تكتفي بوصف التداخلات، بل يجب أن تنطلق من إدراك أن استقرار اليمن يشكل عنصرًا أساسيًّا في أي معادلة إقليمية مستقرة، وأن ترك الأزمة من دون حل جذري سيظل عامل توتر دائم، قابلًا للانفجار مع كل تغير في موازين القوى.
