رؤية تركية
أفكار متحدية

الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

النظام الرئاسي المقترح لتركيا: تقييم السياق والانتقادات

تطرح هذه الورقة فكرة التحليل التاريخي للمناقشات حول هذا الموضوع بهدف تقديم صورة واضحة عن طبيعة النقاش الجاري حول النظام الرئاسي. وترى الورقة أن هناك حاجة ملحة لصياغة دستور جديد، يتوافق مع المعايير الديمقراطية على المستوى الاجتماعي؛ فلا تكفي التعديلات الدستورية الجزئية على النظام الرئاسي.

النظام الرئاسي المقترح لتركيا: تقييم السياق والانتقادات

 

ملخص على مدار خمسين عامًا، تتواصل المناقشات من دون هوادة حول نُظم الحكم الرئاسية وشبه الرئاسية والبرلمانية في تركيا. فلم يعد مستقبل نظام الحكم التركي مجرد مناقشة نظرية، بل أصبح واقعًا سياسيًّا يفرض نفسه بقوة على جدول أعمال البلاد. تطرح هذه الورقة فكرة التحليل التاريخي للمناقشات حول هذا الموضوع بهدف تقديم صورة واضحة عن طبيعة النقاش الجاري حول النظام الرئاسي. وترى الورقة أن هناك حاجة ملحة لصياغة دستور جديد، يتوافق مع المعايير الديمقراطية على المستوى الاجتماعي؛ فلا تكفي التعديلات الدستورية الجزئية على النظام الرئاسي. وإن الانتقال إلى نظام رئاسي هو –بلا شك- إصلاح من شأنه أن يؤدي إلى تحولات أخرى، وسيساعد على تحقيق مكاسب حضار

 

في السنوات الأخيرة، نُوقِشت مسألة نظام الحكم في تركيا على المستويين الفكري والسياسي. واستمرت المناقشات بدون هوادة حول النظم الرئاسية وشبه الرئاسية والبرلمانية في تركيا لمدة خمسين عامًا تقريبًا. ومع ذلك، فإن مستقبل النظام التركي لم يعد هدفًا أو نظرية، ولكنه أصبح واقعًا سياسيًّا يصيغ جدول أعمال البلاد، وخاصة في أعقاب انتخاب الشعب للرئيس مباشرة في 10 أغسطس 2014. وبناء عليه، ظهرت كتابات كثيرة حول نظام الحكم الأفضل لتركيا، بشكل عام، وحول مزايا وعيوب النظام الرئاسي على وجه التحديد.

وعلى عكس المناقشات الجارية والتحليلات حول الخصائص الهيكلية لأنظمة الحكم المختلفة، وإيجابياتها وسلبياتها، يقيّم هذا التحليل التحوّل الجاري في تركيا. إذ يناقش العملية السياسية والاجتماعية الفعلية في إطار مناقشة النظام الرئاسي، وتضع هذه المناقشات أساسًا منطقيًّا يمكن من خلاله تقييم التغييرات المرتقبة في النظام السياسي التركي. ومن ثَمّ، يتناول التحليل الآتي البحث التاريخي حول المناقشات التي تناولت هذا الموضوع. كما يهدف أيضًا إلى تقديم صورة واضحة عن طبيعة الجدل الدائر حول النظام الرئاسي.

توضيح العملية

من أجل فهم أفضل للقضية الحالية، من الضروري التطرق بإيجاز لأنظمة الحكم أو ممارساتها في تركيا من خلال عدسة التصورات والمناقشات. في هذا السياق، فإن التحليل يركز على الملاحظات القائمة على البيانات، لا على مسار العملية، أو بالأحرى، لا على تصور القضية إذا جاز التعبير. وبالتأكيد، لا يمكن القول إن الملاحظات ليست مفتوحة للنقاش، أو أن المزيد من الملاحظات مستحيل. عمومًا يمكن مناقشة الملاحظات والنتائج تحت العناوين الآتية:

واقع ثنائية الدستور ونظام الأمر الواقع الرئاسي

حتى وقت قريب، كان لتركيا اثنان من الدساتير الفاعلة في آن واحد: أحدهما رسمي مكتوب، ولكن لا يطبق في الأوقات الحرجة، والآخر في الواقع نسخة تطبق خلال الفترات الصعبة. لذا ليس من الخطأ الكبير تقييم الفترة من 1920-1950 باعتبارها نظام الأمر الواقع الرئاسي، إذا اعتبرنا أن النظام الرئاسي "نوع من الهياكل التي يتمتع فيها الرئيس بالسلطة التنفيذية". إن دستور عام 1921 رسم  صورة للنظام التقليدي الحكومي واقترح دستور عام 1924 النظام البرلماني. ومع ذلك، لم يُمنَع رؤساء كلتا الفترتين من ممارسة السلطة الرئاسية بكامل قوتها. ويمكن القول إن (النظام الرئاسي) كان يُمارَس حتى في الفترة التي كان النظام البرلماني فيها هو النظام القائم.

كانت نسخة رئاسة الأمر الواقع سارية خلال فترات ما بعد الانقلاب في تركيا والفترات الانتقالية، فعلى سبيل المثال، قانونيًّا، كان النظام البرلماني فاعلًا لمدة ثلاث سنوات بعد انقلاب 11 سبتمبر 1980 العسكري، لكن في الممارسة الفعلية، تمتع الرئيس بالسلطة التنفيذية إلى حدّ كبير. المشكلة مع هذه الممارسات التاريخية ليست أنها خالفت القانون المنصوص عليه، ولكن هذه الممارسات افتقرت إلى الأساس الأكثر أهمية في النظام الديمقراطي، وهو الشرعية الانتخابية.

منع نضوج أنظمة الحكم الحالية من قبل نظام الوصاية

على مدار تاريخ تركيا وُجِد نظام الوصاية، وبلغ نفوذه الذروة خلال فترات الانقلاب، وأدى إلى تدمير نظام الحكم في تركيا ودستورها. وفي هذا الصدد، فإنه من الممكن الادعاء بأن دساتير أعوام 1961 و1982 في تركيا، شملت خروجًا انتقاليًّا وشروطًا لأنظمة الوصاية؛ لذا فإن التحليلات حول هذه الأنظمة ستكون مفيدة وستكون رادعة.

إن الانقلابات والمذكرات العسكرية أفسدت كل الهياكل الديمقراطية، وصرفت الانقلابات وأنظمة الوصاية الجيش عن هدفه الأساسي ورسالته، كما أفسدت مؤسسات أخرى تباعًا. في هذا السياق، يمكن ملاحظة عرقلة نظام الوصاية للإنجازات في إطار ضعف الأداء الديمقراطي، وضعف أداء المؤسسات الحكومية والسياسية في تركيا. وبالتأكيد، ارتفعت وتيرة أنظمة الحكم ونظم الوصاية على حساب بعضها بعضًا.

ومما لا يدع مجالًا للشك، أن الإصلاح الدستوري عام 2010 قلّص إلى حدّ كبير نظام الوصاية ووضع أساسًا معقولًا لأنظمة الحكم الديمقراطية. وقضت التغييرات القانونية الأخيرة (على سبيل المثال إزالة الأسس القانونية لنفوذ الجيش على السياسة، وانتخاب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع الشعبي، وما إلى ذلك) على هياكل الوصاية التي كانت أبرز العقبات في طريق تقدم النظام الديمقراطي في تركيا بعد الانتقال إلى الديمقراطية.

 

رد فعل المفكرين تجاه النظام الرئاسي

كان هناك دومًا رد فعل لبعض المفكرين ضد النظام الرئاسي في تركيا، وقد نتج هذا الموقف بسبب طبيعة ممارسة نظام الأمر الواقع الرئاسي والنزعة الإمبراطورية المتعمقة الجذور (السلطنة). ويمكن أيضًا القول إن الأحكام المسبقة المتعلقة بنقص المعرفة حول النظام الرئاسي، وكتلة المعارضة التي تشكلت ضد السياسيين المؤيدين للنظام الرئاسي، أسهمت أيضًا في رد الفعل هذا.

وعلى الرغم من رد فعل المفكرين المذكور فيما سبق، شكلت السلطة التنفيذية القوية تقاليد الدولة التركية على مدار تاريخها، لكن تمّ تفادي هذا المُعطى التاريخي والأنثروبولوجي على وجه الخصوص في النظام البرلماني المعتمد في دستور عام 1961، مما استدعى في نهاية المطاف إجراء تعديلات دستورية لتعزيز السلطة التنفيذية؛ فأُدخِلت تعديلات في الدستور عام 1971 وعام 1973، تبعتها تعديلات أخرى، حتى دستور عام 1982، وكلها عززت السلطة التنفيذية، الأمر الذي يعد تطورًا ورحلة شبه طوعية نحو نموذج الحكم الرئاسي، لكن التحولات الكبرى، بين الحين والآخر، تستغرق وقتًا طويلًا.

لقد غيّرت المناقشات والتقييمات الأخيرة حول النظام الرئاسي، ومحاولة انقلاب 15 يوليو الفاشلة رد الفعل السابق ذكره لصالح النظام الرئاسي. ويرجّح علم النفس الاجتماعي النظام الرئاسي في الوقت الحاضر.

اللامبالاة الاجتماعية تجاه أنظمة الحكم

على المستوى المجتمعي، لم يبدأ حتى الآن النقاش حول أنظمة الحكم، بما في ذلك النظام الرئاسي، على الرغم من كونه كان مطروحًا لفترة طويلة على جدول أعمال البلاد. وعلى الرغم من نقاش المفكرين، لا يوجد أي اهتمام اجتماعي أو مطالبة بمناقشة نظم الحكم حتى الآن.

في هذا السياق، فإن السؤال الملح الذي يطرح نفسه هو: "هل تؤدّي القنوات الاجتماعية، المنشغلة بالأمن الذي يسيطر على الأجواء في البلاد حاليًّا، دورًا في عدم الاهتمام بهذه القضية وإبداء الرأي فيها؟ من المتوقع أنه إذا أُقِرّ النظام الرئاسي، فستبدأ المطالب المجتمعية بمعلومات حول هذا النظام. ولا شك أن التطورات الأخيرة، مثل محاولة الانقلاب الفاشلة والهجمات الإرهابية في تركيا- حوّلت اهتمام الشعب نحو النظام الرئاسي، وجعلت شرائح واسعة من المجتمع تهتمّ بهذا الموضوع.

طالب بعض أنصار حزب الشعب الجمهوري في السابق (عندما كانوا في السلطة) بالنظام الرئاسي

في الغالب، القوى الحاكمة تفتح وتسيطر على أي نقاش حول أنظمة الحكم، لأن الاستقرار والخدمات من قضايا الحكم. ومع ذلك، لا ترى الأحزاب المعارضة نفس الحاجة لتحقيق الاستقرار وتقديم الخدمات، ولذلك، بصفة عامة، تميل إلى مقاومة النظام الرئاسي. ويرتبط اعتراض حزب المعارضة الرئيس (حزب الشعب الجمهوري) على النظام الرئاسي ارتباطًا وثيقًا بهذا الوضع الهيكلي؛ أي كونه خارج السلطة الآن.

منذ انتقال تركيا إلى دولة ديمقراطية متعددة الأحزاب، لم يستطع حزب الشعب الجمهوري الوصول إلى السلطة منفردًا، بل وصل في إطار حكومات ائتلافية. وبعبارة أخرى، فإن حزب الشعب الجمهوري لم يشهد أي مشكلات في الحكم. ومن ثَمّ، فليس لديه خبرة كافية للحديث عن الحاجة إلى نظام رئاسي أو ما شابه ذلك. بناء على ما سبق، فإنه إذا افترضنا أن حزب الشعب الجمهوري لو بقي في السلطة لفترة طويلة، فإنه مثل الأحزاب السياسية الأخرى، كان سيطالب بنظام رئاسي، أو نظام حكم مماثل في مواجهة المشكلات التي تتعلق باستقرار تركيا. ولدينا البيانات التي تدعم هذا الافتراض ولو جزئيًّا. على سبيل المثال، عند سقوط الحكومة الائتلافية التي ضمت حزب الشعب الجمهوري وحزب السلامة الوطنية في السبعينيات، طالب بعض أعضاء حزب الشعب الجمهوري بالانتقال إلى النظام الرئاسي. وفي ظل ردود الأفعال الحادّة، لم تلق مطالبهم أي قبول، ولم تتحول إلى قرار.

جميع أنظمة الحكم ديمقراطية

في البلدان الديمقراطية، كل أنظمة الحكم، بما في ذلك النظام الرئاسي، تعدّ هياكل داخلية للديمقراطية. فقد ظهر النظام الرئاسي لمنع الاستبداد البريطاني على وجه الخصوص، ولعدم المساس بالحقوق الأساسية عن طريق الفصل بين السلطات. ولهذا، فإن الجدال بأن النظام الرئاسي لا يتوافق مع الديمقراطية، ويمهد الطريق لمشكلات هو مجرد مبالغات.

على سبيل المثال، النجاح وقوة الأداء لنظام ما لا يتوقفان فقط على النظام ولكن أيضًا على متغيّرات أخرى، والتي بدورها تتغير من قبل النظام نفسه.

هناك اعتقاد قوي (جدلي) بأن نموذج الحكم الحالي في بلادنا هو نظام برلماني

البرلمان شرط لا غنى عنه لجميع نماذج الحكم في جميع أنحاء العالم. وعلى الرغم من ذلك فإن وجود برلمان ليس شرطًا كافيًا لوصف نظام ما بأنه (نظام برلماني)؛ لذا فإن الاعتقاد بأن لتركيا نظامًا برلمانيًّا لا يتوافق مع الواقع. ففي الحقيقة، لا يوجد في تركيا أي فرصة لممارسة نظام حكم في أبسط صوره على الرغم من الثوابت الدستورية.

لقد ساد نموذج الوصاية البيروقراطية في تركيا، وأفسدت فترات الانقلابات والمذكرات العسكرية الديمقراطية في تركيا. كما حوّلت هذه الهيمنة العسكرية البرلمان والحكومة التركية إلى آلية ثانوية يمكن التحكم فيها عن بعد، كان هذا هو الوضع حتى إصلاحات حزب العدالة والتنمية في الآونة الأخيرة المتعلقة بالعلاقات المدنية العسكرية. بالطبع، أي نظام يخضع للسيطرة العسكرية لا يمكنه أن يشكل تقاليده، وسيكون الفشل مصير الجميع. وجهة النظر هذه لا تنكر المكتسبات المجتمعية التي ظهرت رغم الوصاية العسكرية، ولكنها تؤكد على المدى الذي وصلت إليه هذه المكتسبات. على سبيل المثال، يجب على المرء ألا ينسى أن النموذج الأصلي لدستورنا الحالي كان معدًّا لـ(نظام شبه رئاسي) خلال المناقشات التأسيسية.

اليوم هو الوقت الأمثل في تركيا لمناقشة أنظمة الحكم المحتملة، بعد أن قُضِي على نظام الوصاية بكل الطرق الصريحة والضمنية. على مدار التاريخ التركي الديمقراطي والسياسي سنلاحظ أن إصلاحات 12 سبتمبر 2010 تعدّ بداية تحرر الوطن من الوصاية. ولابدّ من النظر إلى الإصلاح الخاص بانتخاب رئيس الجمهورية عن طريق الاقتراع الشعبي باعتباره الخطوة الأكثر أهمية التي أتمت هذا التطور التاريخي.

انتخاب الرئيس مباشرة من قبل الشعب، بغض النظر عن نظام الحكم المفضّل، هو شرط ضروري للديمقراطية التركية

يعجّ تاريخ الرئاسة في تركيا بالوصاية الصارمة، وكانت فترات الانتخابات الرئاسية، بغض النظر عن نظام الحكم المعمول به حاليًّا، بيروقراطية ولا تمت إلى الديمقراطية إلا بالقليل، واعتبر القائمون على الوصاية أن الرئاسة مكانة ومنصب يجب ألا يخرج من بين أيديهم، لذلك قاموا بوضع إستراتيجياتهم لتحقيق هذه الغاية. ومن بين أساليبهم الدنيئة: وضع بندقية على فم مرشح الرئاسة، وتطويق البرلمان بالدبابات، وسيناريوهات ما بعد الحداثة، وتفسيرهم الإجباري للدستور من خلال الضغط على المحكمة الدستورية لإصدار التشريعات التي يبغونها. على سبيل المثال، انتخاب الرئيس في البرلمان (في السابق). لكن الآلية الوحيدة التي لم تستطع الوصاية اختراقها بسهولة هي صناديق الاقتراع. وبغض النظر عن نظام الحكم، يجب أن يؤخذ انتخاب الرئيس مباشرة من قبل الشعب التركي باعتباره حجر الأساس الدستوري[1].

عمومًا في ظل الواقع التركي، والدروس المستفادة من التاريخ، ونوايا حرمان الشعب من حقه في انتخاب رئيس جمهوريته بالتذرع بمقولة أن "متطلبات النظام البرلماني شيء مختلف تمامًا"، فإن ذلك يعدّ نوعًا من قصر النظر الديمقراطي؛ فالانتخاب الشعبي للرئيس يجري في الأنظمة البرلمانية أيضًا. إلى جانب ذلك، التفكير العقلاني لا يحتاج إلى سابقة، فهو في حدّ ذاته سابقة.

استمرار عضوية رجال الدولة والرؤساء في الأحزاب

لا توجد بيانات تجريبية أو نظرية تؤيد مبدأ عدم التوافق، حول انتماء رؤساء الدولة أو رجالها للأحزاب السياسية. فقط نصّ اثنان من الدساتير التركية الأخيرة: دستور عام 1961، المادة 95، ودستور 1982، المادة 101 على أنه "إذا كان الرئيس المنتخب عضوًا في حزب ما، فيجب عليه أن يقطع علاقته بالحزب المنتمي إليه". عمومًا، سمحت التقاليد التركية الدستورية للرئيس أن ينتمي لأي حزب سياسي أو يترأسه. وعلاوة على ذلك، كان الرئيس قادرًا على أن يكون عضوًا في البرلمان في نفس الوقت (في أثناء دستور 1924، على سبيل المثال مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، وعصمت إينونو ثاني رئيس للجمهورية في تركيا). لكن الحزب الديمقراطي (DP)، من الناحية التاريخية، رضخ لمطلب المعارضة بأن الرئيس لا ينبغي أن يكون رئيسًا لحزب، فاستقال جلال بايار، الرئيس الثالث للجمهورية التركية، من رئاسة الحزب، ولكنه ظل عضوًا في الحزب الديمقراطي.

ومن المعلوم أن القاعدة الدستورية حول تناقض عضوية الحزب مع الرئاسة نتجت عن الانقلابات، ونظام الوصاية، وانعدام الثقة بالناس والديمقراطية.

ففي أنظمة الحكم التي ينتخب فيها الشعب الرؤساء، يكون هؤلاء الرؤساء أعضاء بالأحزاب وقيادات فيها. فمن الضروري وجود هيكل (حزبي) من أجل المثول أمام الرأي العام نيابة عن الدولة، والوفاء بالوعود الانتخابية، وإجراء الانتخابات. عمومًا، الأنظمة البرلمانية والأنظمة شبه الرئاسية، والرئاسية تعمل من خلال هذه الممارسة والمنطق. ولا توجد بيانات تشير إلى أن عضوية الرئيس لحزب ما لا يتوافق مع النظام البرلماني. مثل هذا الادعاء المتناقض لا يمكن تبريره على أساس مبدأ (الحياد). فالنزاهة مسألة شخصية وثقافة، ولا يمكن قطع أواصر المودة بين الرئيس وحزبه، إذا جاز التعبير.

نظام الحكم التركي في الواقع، وبغض النظر عن طبيعته، يقوم على انتخاب الرئيس عن طريق التصويت الشعبي. في هذا الإطار، فإن الرئيس كونه عضوًا في حزب ما أو زعيمًا له هو أمر طبيعي.

معنى مبادرة النظام الرئاسي التي قدمها حزب الحركة القومية والفرص المتاحة

نجت تركيا من خطر محدق، في ليلة 15 يوليو عام 2016. وأخفقت محاولة الانقلاب في تلك الليلة، بسبب تصدّي العديد من فئات الشعب للانقلابيين، وبسبب القيادة السياسية الفطنة للرئيس رجب طيب أردوغان، ووطنية قطاعات واسعة من المجتمع التركي.

وقد استوعب حزب الحركة القومية (MHP) التطورات الأخيرة، وقدم مبادرة بشأن منح الدستورية للنظام الرئاسي من خلال طرحه للتصويت الشعبي. ففي أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، تضافرت جهود حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية لإجراء تعديلات جزئية على الدستور. وستسفر جهودهم عن التوصل إلى حل معقول ودائم لمسألة تحديد نظام حكم دائم في تركيا.

وفي ظل المناخ الحالي، اتفق الطرفان على وضع المشروع للتصويت الشعبي، إذا وافق البرلمان على القرار. ومما لا شك فيه أن انتقادات المعارضة ستسهم في التوصل إلى نظام سياسي صحي في تركيا. وهكذا فإن أمام أعضاء اللجنة الدستورية البرلمانية والبرلمان فرصة قوية لتقرير مصير البلاد. سيتم طرح سؤال "ما هو نوع النظام الرئاسي الأفضل لتركيا؟". أيضًا سيتم تقييم الاقتراحات السابقة، وسوف يناقش البرلمان هذه المسألة.

إلقاء الضوء على بعض الانتقادات التي وجهت إلى النموذج الرئاسي الذي اقترحه حزب العدالة والتنمية

مال حزب العدالة والتنمية إلى النظام الرئاسي والفصل بين السلطات، بعد الاستفادة من تجارب الماضي والمشكلات المزمنة التي واجهت تركيا في خضم عملية الاستقرار. ويدرك الحزب تمامًا المزايا والمخاطر التي تنطوي على هذا الاختيار. فحزب العدالة والتنمية الحاكم يتمتع بالقدرة على فهم المخاطر ومقاومتها وتقاسم المنافع مع الناس. ومع ذلك لا يستطيع وحده إقرار هذا النظام، والكلمة الفاصلة للشعب التركي.

 

دعونا نقيم بعض الانتقادات الحادة حول النموذج المقترح:

 منهجنا العام تجاه الانتقادات

لقد عملنا بجد وبذلنا جهودًا مضنية من أجل النموذج الذي نقترحه. بالتأكيد، نحن لا ندّعي أنه مثالي. بل على العكس، سيساعد اتساع وعمق دائرة الانتقادات حول النموذج على تطوير الاقتراح ووصوله إلى مرحلة النضج. وكما يقول علماء السياسة إن الحلول الحوارية في أثناء العملية تجلب المزيد من الصعوبات. في هذا الصدد، فإننا نتقبل النقد، ونتقبل فترة الانتقادات، كجزء من إيجاد حل عادل.

الانتقادات التي ترى أن النموذج الرئاسي المقترح لا يشابه أي نماذج أخرى في العالم

يردّد خبراؤنا الدستوريون هذه الانتقادات، وفي الواقع، فإن هذه الانتقادات تكشف عن الداء الاجتماعي والفكري الذي نعاني منه في بلدنا. هل ينبغي على تركيا دائمًا أن يكون لها قدوة؟ ألا يمكن أن تصبح تركيا مثالًا يحتذى به؟ أليس بإمكان تركيا أن تكون رائدة؟ المعضلة التي ينطوي عليها النقد تدل على أننا ننظر إلى الغرب نظرية عُلْوية (عقدة النقص)؛ ومن ثَمّ، فإن الانتقاد هو إشكالية. على كل حال، النموذج الرئاسي الذي نقترحه يمكن النظر إليه على أساس التجربة الأمريكية.

الانتقادات التي تقول إن الرئيس له سلطة حل البرلمان

 في النموذج الأمريكي، الرئيس لا يملك سلطة حل الكونغرس. لا توجد آلية لحل الخلافات والتعنت في حال الوصول إلى طريق مسدود. عندما أُنتخِب الرئيس الأمريكي باراك أوباما لولاية ثانية، أكّد في خطاب تنصيبه، ضرورة إصلاح النظام بشأن هذه المسألة.

آلية إنهاء الأزمات قائمة في نظامنا. "فإذا كان للرئيس الحق في حل البرلمان، فلن يُحَلَّ البرلمان فقط، بل ستُلغَى رئاسته تلقائيًّا. هذا النموذج، يمكن أن نسمّيه (الحلّ المتبادل) أو (الإلغاء الفاقد الفعالية)، ويعدّ هذا النموذج الأول من نوعه، وميزة حقيقية للنظام الرئاسي. وستفضل كل القوى حل الأزمة (الجمود) بدلًا من مخاطر الإلغاء والذهاب الى انتخابات مبكرة. ومع ذلك، فإن ضرورة الحل المتبادل لا تعني إنهاء النظام، ولكن اللجوء إلى (التحكيم العام)، والذي تفعله معظم الأنظمة الديمقراطية. في الواقع، تم اقتراح طرق مشابهة من خلال العلماء الدستوريين البارزين[2].

انتقاد الانتخابات المتزامنة

أحد أبرز معضلات النظام الرئاسي هو أن غالبية الناس التي تنتخب الرئيس، (أو حزب الرئيس) ، أو الأحزاب التي تشكل الأغلبية في البرلمان- قد تكون لها خلفيات سياسية مختلفة. ومن المعلوم أن من خصائص النظام الرئاسي أنه يحول التعددية القطبية إلى ثنائية قطبية، ويؤدي إلى ظهور نظام الحزبين. لكن بدلًا من نظام الحزبين الذين يصعب على صانعي الدستور الأتراك تحقيقه، نشهد بناء نموذج الحزب المهيمن على أيدي الشعب التركي، الذي يكنّ الاحترام والتقدير للأداء الرائع لحزب العدالة والتنمية. في المقابل، إذا كان المطلوب في تركيا نظام الحزبين، أو كما اقترح الرئيس الراحل تورغوت أوزال نموذج ديمقراطية الحزبين ونصف الحزب (أي وجود حزبين قويين على غرار النموذج الأمريكي إضافة إلى حزب ثالث أقل قوة) -وهو ما أفضله- فإن النظام الرئاسي هو الحلّ الوحيد أمامنا.

 بالإضافة إلى ما سبق، فإن هيكل الحزبين سيؤدي إلى تداول السلطة فيما يتعلق بالحزب أو البرنامج الحزبي خلال ثلاث فترات انتخابية على أقصى تقدير، والذي من شأنه أن يعزز الديمقراطية في تركيا. لذا فإن الاعتراض على أن هذا الوضع سيحكم قبضة السلطة الحاكمة، يعدّ أسلوب تفكير يتجاهل وجود أنظمة ديمقراطية مفتوحة وانتخابات دورية. وحاليًّا، لا يمكن قبول العقلية التي تفضل السلطوية على الاستقرار السياسي وفاعلية الخدمات. على كل حال، يقترح سارتوري انتخابات متزامنة (على أنها علاج) لمثل هذه الحالات الطارئة[3].

الانتقادات حول مؤسسة النظام التنفيذي

سلطة الرئيس (النظام التنفيذي) هي سلطة محدودة واستثنائية، ولكنها ضرورية للرئيس كي يكون قادرًا على تنفيذ مهامه، وتقديم خدماته للشعب والوطن. ووفقًا لاقتراح حزب العدالة والتنمية، فإن الرئيس لا يمكنه إصدار أمر تنفيذي حول القضايا التي يوجد بشأنها تشريع بالفعل. وبعبارة أخرى، لإصدار مرسوم رئاسي، لابدّ من وجود فجوة حقيقية في القانون، ولا ينبغي إصدار أمر تنفيذي إلا في غياب نص قانوني بالأمر المعني. من ناحية أخرى، الهيئة التشريعية لها سلطة إصدار القوانين لإبطال أي قرار أو مرسوم رئاسي. وفي حالة نشوب نزاع بين الطرفين، ستكون الأولوية للقانون. وعلاوة على ذلك، لا يمكن للرئيس أن يصدر أوامر تنفيذية في المجالات المتعلقة بالحقوق والحريات الأساسية والحريات السياسية. فهذه الأمور تعود للمؤسسة التشريعية. وإضافة إلى كل ذلك، ستخضع المراسيم للمراجعة القضائية والدستورية. ومن ثَمّ يمكن القول إن الانتقادات لا أساس لها  من الصحة من حيث جوهر المراسيم الرئاسية وغرضها.

الاستنتاجات

أولًا، يعجّ تاريخ تركيا الحديث بالوصاية. وقد منع نظام الوصاية حدوث تقدّم في كلّ من النظام السياسي بشكل عام والديمقراطي بشكل خاص. وعرقل أيضًا تطور نظام الحكم التركي، مما جعله نظامًا فرعيًّا لنظام الوصاية. لكن الإصلاحات الدستورية التي جرت في الأعوام 2007 و2010 قلصت من نفوذ نظام الوصاية. لذلك، عادت العملية الديمقراطية إلى مسارها الصحيح منذ ذلك الحين.

ثانيًا، يعدّ النموذج الرئاسي الذي اقترحه حزب العدالة والتنمية نموذجًا رشيدًا ومتطورًا يأخذ بعين الاعتبار أوجه القصور في النموذج الأمريكي.

ثالثًا، بغض النظر عن نوع النظام المقبول وسماته، فإن انتخاب رئيس الجمهورية (عن طريق التصويت الشعبي) ليس شرطًا للعملية بل للنظام، نظرًا لظروفنا التاريخية.

رابعًا، في إطار المقترح الحالي، فإن رئيس الدولة سيبقي على عضويته في حزبه السياسي، وفقًا للقاعدة التي تمارس في العالم. استمرار عضوية الرئيس في حزب ما أمر طبيعي في كل أنظمة الحكم التي تنتخب الرئيس عن طريق التصويت الشعبي؛ لذا يمكن التخلي عن شرط استقالة الرئيس من عضوية الحزب، الموجود في الدستورين السابقين. وإذا ظلت عملية انتخاب الرئيس من قبل الشعب سارية، فمن باب أولى  استمرار عضويته في الحزب (أو على الأقل عدم منع الرئيس من عضوية الحزب).

خامسا، أصبحت هناك حاجة ملحّة لصياغة دستور جديد، يتوافق مع المعايير الديمقراطية على المستوى الاجتماعي. فلا تكفي التعديلات الدستورية الجزئية على النظام الرئاسي. ومن دون شك، الانتقال إلى نظام رئاسي هو إصلاح من شأنه أن يؤدي إلى تحولات أخرى، وسيساعد على تحقيق مكاسب حضارية. وما يهمّنا حقًّا هو الانتقال إلى دستور ديمقراطي، والتخلص من الدستور غير الديمقراطي المعيب الذي وضعه نظام الانقلاب. وقد أخفقت المؤسسات السياسية بالوفاء بالتزاماتها تجاه الأمة وتاريخها. ولم يعد من المحتمل، غياب دستور جديد، أو وجود عيوب مخجلة في الدستور الحالي؛ لذا لابدّ من إنهاء هذا الوضع.

الهوامش والمصادر:

 

[1] انظر دستور الجمهورية التركية، المادة 101| 1

[2] يقول جورج فيديل: "أهم شيء هو تقليل خطر الجمود في النظام، حتى إن إلغاءه (يجب أخذه بعين الاعتبار). في الواقع، التوافق أمر لابدّ منه بين الرئيس والكونغرس من خلال حوارات غير رسمية لا حصر لها، ومساومات بين الطرفين خلف الأبواب. ومع ذلك، ولاسيما في الديمقراطيات الصاعدة، من الممكن أن تؤدي الخصومات بين الهيئات التشريعية والتنفيذية إلى طريق مسدود، بسبب عدم قدرة الرئيس على حل البرلمان، وعدم قدرة البرلمان على عزل الرئيس وعزل مجلس الوزراء. ومن أجل تجنب هذه الحالة، يمكن أن تنشأ قاعدة أنه إذا كان بإمكان الرئيس حل البرلمان، فيشترط أن تجرى انتخابات برلمانية ورئاسية في وقت واحد، وهكذا يتم تمكين البرلمان من عزل الرئيس بشرط إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في آن واحد.

[3] تصريحات سارتوري حول الهندسة الدستورية المقارنة: بحث في الهياكل والحوافز والنتائج، يخصص قسمًا لهذا الأمر: "وفي الختام، اسمحوا لي أن أعود إلى السؤال الآتي: تحت أي ظروف يكون النظام الرئاسي أفضل؟ جوابي هو أن نظام الحزبين هو أكثر فعالية من النظام المتعدّد الأحزاب، لأن الخلافات الأيديولوجية تتقلص، والشروط التالية تسهل الثنائية القطبية: أ) مركزية سلطة الرئيس. ب) وجود الأحزاب بصفتها منافسة رئيسة للرئاسة. ج) أغلبية بسيطة للفوز بالرئاسة (انتخابات من جولتين)؛ د) انتخابات متزامنة للبرلمان والرئيس. ماذا يحدث إذا لم تتحقق هذه الأشياء؟ يجب على النظام الرئاسي الميؤوس منه أن يبحث بجدية عن تغيير، إما لنظام شبه رئاسي أو نظام آخر، "انظر: Giovanni Sartori, Karşılaştırmalı Anayasa Mühendisliği: Yapılar, Özendiriciler ve Sonuçlar Üzerine Bir İnceleme Comparative Constitutional Engineering: An Inquiry into Structures, Incentives and Outcomes, Translated into Turkish by Ergun Özbudun, (Ankara, 1997), pp. 231-232.


ملصقات
 »