رؤية تركية
أفكار متحدية

الشئون التركية والدولية


| عروض الكتب < رؤية تركية

تجمعات الديمقراطية: التصورات المجتمعية لمحاولة 15 تموز/يوليو الانقلابية

يحاول هذا الكتاب الذي يقع في 141 صفحة من القطع المتوسط استقراء الانطباع المجتمعي لدى الشعب التركي للمحاولة الانقلابية الفاشلة التي نفّذها ضباطٌ يتنسبون إلى تنظيم غولن داخل القوات المسلحة التركية في الخامس عشر من تموز/يوليو 2016. 

تجمعات الديمقراطية: التصورات المجتمعية لمحاولة 15 تموز/يوليو الانقلابية

Democracy Watch: Social Perception of 15 July Coup Attempt

نبي ميش، إيبك جوشكون وآخرون

Nebi Miş, İpek joşkun and others

مراجعة: بلال سلايمة    Reviewed by : Bilal Salaymeh

يحاول هذا الكتاب الذي يقع في 141 صفحة من القطع المتوسط استقراء الانطباع المجتمعي لدى الشعب التركي للمحاولة الانقلابية الفاشلة التي نفّذها ضباطٌ يتنسبون إلى تنظيم غولن داخل القوات المسلحة التركية في الخامس عشر من تموز/يوليو 2016. 

الكتاب الذي أعدّه الباحثون في مركز الدراسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية- ستا: (نبي ميش، وسردار وغولنار، وإيبك جوشكون، وهزل دوران، وإيركوت آيواز)- اعتمد على تحليل بيانات ميدانية شارك في جمعها عددٌ آخر من الباحثين المساعدين في الفترة الممتدة بين 18 تموز/يوليو و10 آب/أغسطس من عام 2016. وقد صدر هذا الكتاب عن مركز ستا باللغتين الإنكليزية والتركية موزعًا على أربعة فصول، اشتملت إضافة إلى المقدمة على فصول منهجية البحث وتنميط (نوبات الديمقراطية)، وتحليل نتائج البحث، وفصل متعلق بدور وسائل التواصل الاجتماعي.

اعتمدت منهجية البحث التي شكلت العمود الفقري للكتاب على إجراء 176 مقابلة مباشرة مع أشخاص شاركوا في المظاهرات والتجمعات التي تلت محاولة الانقلاب الفاشلة، ودعت وقتها باسم (نوبات الديمقراطية) في 12 ميدانًا إلى التجمع الجماهيري في تسع مدن تركية مختلفة. في الفصل المخصص لمنهجية البحث يوضح المؤلفون أنهم اختاروا في المقابلات عينات عشوائية، لكن مع مراعاة توزع هذه المقابلات على الشرائح الجنسية والعمرية، واستمرت المقابلة الواحدة بمعدل وسطي قدره 25-30 دقيقة. واحتوت المقابلات التي أُجرِيت مع المشاركين في (نوبات الديمقراطية) على ١٩ سؤال أعدّها باحثون مختصّون، اشتملت على أسئلة حول سبب خروجهم إلى الشارع في وجه الانقلاب، وتقييمهم لموقف الحزب الحاكم والمعارضة من الانقلاب وما تلاه، وعلاقة تنظيم غولن بالأطراف الخارجية، وموقفهم من القوات المسلحة التركية، والمعارضة بُعَيد الانقلاب.

 تشير المعطيات الميدانية التي حللّها الباحثون إلى أن معظم المشاركين في (نوبات الديمقراطية) المعارضة للانقلاب كانوا من أنصار حزب العدالة والتنمية الحاكم، وكذلك من الشريحة القومية المحافظة، كما سجل البحث حضورًا  للشريحة المحافظة الكردية في المظاهرات، حيث أظهرت المقابلات التي أُجرِيت في مدينتي ديار بكر ووان ذواتي الغالبية الكردية خروج مظاهرات مناهضة للانقلاب منذ اليوم الأول للمحاولة الانقلابية.

وكان الملاحظ وفق الكتاب وجود توافق بدرجة كبيرة لدى المتظاهرين الذين أُجرِيت معهم المقابلات أن (تنظيم غولن) هو من يقف وراء هذه المحاولة الانقلابية، وإن أبدى قسم منهم تفاجؤَهم بجرأة التنظيم على القيام بهذه المحاولة وما رافقها من عمليات قصف للمباني الحكومية وقتلٍ للمتظاهرين، كما عبّر قسم كبير منهم عن اعتقادهم بوجود أياد خارجية ممثلة بالولايات المتحدة الأمريكية خلف هذه المحاولة، وقد سجل المتظاهرون أيضًا أن ما يجمعهم في (نوبات الديمقراطية) على خلاف خلفياتهم وتوجهاتهم السياسية هو حبهم للوطن.

وعن أسباب خروجهم للشوارع ضد الانقلاب في ليلة الخامس عشر من تموز/يوليو أفاد الذين أُجريت معهم المقابلة أن هذه الأسباب كانت: 1) دعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الناس بالنزول إلى الشارع.

2) بيان الانقلاب الذي قُرِئ في التلفزيون الرسمي ليلة الانقلاب.

3) تأثير الدعوات والنداءات التي انطلقت من مكبرات الصوت في المساجد.

ولوحظ تركيز أصحاب المقابلات على الدور المهمّ والتأثير الكبير الذي أدّاه الرئيس التركي في إحباط المحاولة الانقلابية.

أما عن موقف المتظاهرين من القوات المسلحة التركية فقد كان واضحًا تفريق معظم من شارك في (نوبات الديمقراطية) بين مجموعة الضباط والعسكر المنتمين إلى تنظيم غولن التي نفّذت المحاولة الانقلابية وبين بقية أفراد القوات المسلحة. أما بالنسبة  للمعارضة فقد عبر المتظاهرون عن تقديرهم لموقف حزب الحركة القومية وحزب الشعب الجمهوري، وكذلك رحّبوا بالتقارب الحاصل بين الحكومة والمعارضة. فيما تعرض حزب الشعوب الديمقراطي لانتقاد المتظاهرين؛ نظرًا إلى تأخره في إدانة الانقلاب، هذا الانتقاد وجّهه أيضًا إلى الحزب المواطنون الأكراد الذين أُجرِيت معهم المقابلات. ومن جهة أخرى عبّر قسم من المواطنين الأكراد الذين أُجرِيت معهم المقابلات عن امتعاضهم من عدم دعوة حزب الشعوب الديمقراطي للمشاركة في التجمع الجماهيري في ساحة (يني كبه) في إسطنبول في السابع من شهر أغسطس/آب، وشارك فيه كل من حزب الشعب الجمهوري والحركة القومية إضافة إلى حزب العدالة والتنمية. 

 وقد أظهر البحث أنه كان للذاكرة السلبية المرتبطة بالانقلابات في الوعي الجمعي التركي، والربط في المخيلة الجماهيرية بين إعدام الرئيس الأسبق عدنان مندريس إثر انقلاب عسكري، واحتمالية تكرار هذا السيناريو للرئيس الحالي أردوغان- أثر إيجابي في دفع المتظاهرين للوقوف في وجه المحاولة الانقلابية. كما أن انتعاش الطبقة المتوسطة، وزيادة الثقة بالنفس لدى الناخب التركي أدّيا دورًا كبيرًا في صد الجماهير للمحاولة الانقلابية بحسب ما ذكره معدِّو الكتاب.

وقد عبّر  من أُجرِيت معهم  المقابلات عن دعمهم لقرار الحكومة التركية بإعلان حالة الطوارئ، وكذا عن الحاجة إلى إعادة هيكلة أجهزة الدولة، وعلى رأسها الاستخبارات والأجهزة الأمنية، بحيث تكفل عدم تكرر مثل هذه المحاولات مستقبلًا، لكن المتظاهرين أشاروا أيضًا إلى أن مواجهة تنظيم غولن وامتداداته داخل مؤسسات وأطر الدولة يجب أن تكون ضمن الأطر القانونية والحقوقية. وقد أبدى أكثر من نصف من شاركوا في المقابلات دعمهم لإعادة تفعيل قرار الإعدام، حيث دعا معظم من دعم تفعيل قرار الإعدام إلى أن يشمل عبد الله أوجلان رئيس حزب العمال الكردستاني، وعلى الرغم من دعم شريحة كبيرة لإعادة تفعيل قرار الإعدام إلا أنها أشارت إلى أن الظروف الموضوعية تضع عقباتٍ أمام تفعيله، وهو الأمر الذي دعوا للاستعاضة عنه بحكم القرار المؤبد للمتورطين في المحاولة الانقلابية.

يُقرّ الباحثون في مقدمة كتابهم أن معظم المشاركين في (نوبات الديمقراطية) كانوا من الشريحة اليمينية والمحافظة، وهذا يحمل خطورة ألا تمثل العينات التي أجريت المقابلة معها شرائح الشعب التركي كافة، وقد حاول الباحثون تلافي هذه النقطة من خلال إجراء مقابلات في مهرجان حزب الشعب الجمهوري الذي جرى في ساحة تقسيم في إسطنبول بتاريخ الرابع والعشرين من شهر تموز/يوليو، وكذا مع بعض الأشخاص في ديار بكر ووان حتى ممن لم يشاركوا في هذه التجمعات، وإن كان الباحثون لم يجيبوا عن طريقة اختيارهم لهذه العينات المقابَلة.

في الفصل الرابع والأخير والمعنون بدور وسائل التواصل الاجتماعي في المحاولة الانقلابية و(نوبات الديمقراطية) يقدّم الكتاب معطيات كمية وكيفية تفصيلية عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتحديدًا (توتير) في الليلة الانقلابية وما تلاها سواءً من المناهضين للانقلاب أم من أنصار وأعضاء تنظيم غولن، ويشير إلى دور هذه الوسائل في حفز وتنظيم الحركة الاحتجاجية... كما يوفر الكتاب معطيات وبيانات عن حجم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في تلك الفترة والتفاعل معها، وكذلك أهم التغريدات والوسوم (الهاشتاغ) التي انتشرت ليلة الانقلاب وما تلاها.

يقدّم الكتاب دراسة استقصائية نوعية للانطباع والإدراك الشعبيين للمحاولة الانقلابية، ويوفر من خلال مقابلاته المباشرة والبيانات التي عرضها مادة أولية يمكن استخدامها من قبل باحثين آخرين؛ لفهم التفاعل المجتمعي مع المحاولات الانقلابية، ومستوى الوعي والتفاعل السياسي في الشارع التركي أيضًا.


ملصقات
 »