رؤية تركية
أفكار متحدية

الشئون التركية والدولية


| عروض الكتب < رؤية تركية

فقه الواقع في التراث السياسي الإسلامي

حاول مدحت ماهر الليثي تقديم قراءة متماسكة ومعالجة شاملة للواقع السياسي في التراث السياسي الإسلامي فعرض تصورات كل من الفقيه والأصولي والفيلسوف والمؤرخ للواقع السياسي ومناهجهم المتنوعة في تبصره.

فقه الواقع في التراث السياسي الإسلامي

المؤلف مدحت ماهر الليثي

  إن أصل الكتاب الذي بين أيدينا هو رسالة ماجستير في العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة أشرف عليها الدكتور سيف الدين عبد الفتاح ونوقشت عام 2010م  وقد نشرته الشبكة العربية للأبحاث والنشر-بيروت-عام 2015م، وقدمت له الدكتور هبة رؤوف عزت، وهو العدد الثاني من سلسلة الفقه الاستراتيجي التي يشرف عليها منتدى الفقه الاستراتيجي.

   ليست مهمة يسيرة اختصار كتاب في صفحات مهما كانت مقدرة الباحث، وتزداد هذه المهمة صعوبة إذا كان سفرا عميق المغزى جديد المنهج بالغ الطرافة كالذي بين أيدينا اليوم. إن حسب الباحث في هذا المقام عرض ما يغري بقراءته وإيصال أهم أفكاره.

   في 560 صفحة حاول مدحت ماهر الليثي تقديم قراءة متماسكة ومعالجة شاملة للواقع السياسي في التراث السياسي الإسلامي فعرض تصورات كل من الفقيه والأصولي والفيلسوف والمؤرخ للواقع السياسي ومناهجهم المتنوعة في تبصره.

   وقد قسمت الدراسة إلى أقسام ثلاثة وخاتمة، تناول القسم الأول المدخل الفقهي في تصوير الواقع السياسي والثاني المدخل الفلسفي فيما تكفل الثالث بالمدخل العمراني وقد بين المؤلف في القسم الأول كيف يقترب الفقيه من الواقع وماهية هذا الواقع الذي يتفاعل معه فالفقيه بحسب المؤلف (يرصد الواقع المتحقق ويسجل أحداثه ليصور الواقع بها)، والفقيه إنما يتكلم عن (الواقع المعتاد ويقدر الممكن وقوعه فيه بحكم العادة الغالبة والتجارب والقدر المعقول من الأمور المشاهدة للجميع)، ومسلكه في ذلك تجريد الواقع (من عوالم الأشخاص المحددين والمؤسسات المتعينة لتحل محلها الأوصاف والأحوال والمهام والأشغال والممارسات والأفعال بعامة، وليجاب عنها بالأحكام من الحلال والحرام).

   وبين يدي استكشاف الطريقة التي عالج بها الفقيه الظاهرة السياسية قدم المؤلف مقدمات أساسية تنَقَّل فيها من عموم الفقه إلى خصوص الفقه السياسي مستعرضاً محددات الإطار الفقهي العام لدراسة الواقع السياسي، ومنها ولج إلى المعين الذي اختار منها مصادره، فحدد معينه بالفقه السياسي المتخصص ومصادره بثلاثة نماذج، الفقه المدرسي ومثل له بالإمام الماوردي ومؤلَّفه الأحكام السلطانية، ونموذج إعمال الأصول، ومثل له بالإمام الجويني ومؤلَّفه غياث الأمم، ونموذج الاقتراب من العمل، ومثل له بالإمام ابن تيمية ومؤلَّفه السياسة الشرعية، ويتتبع المؤلف كل نموذج من هذه النماذج باحثاً عن مكنوناته شكلاً ومضموناً ومنهجية يتَغَيّى في ذلك بيان الإمكانيات التي يتمتع بها تراث الأمة الفكري والسياسي.

   يقترب الماوردي من الواقع السياسي اقتراب الفقيه، فالشرع حَكَم، والواقع محل حكم الفقيه، والأخير يصدر عن (الوحي والواقع نفسه)، وللماوردي في الواقع خبرة عالية كونه أحد الفاعلين السياسيين في عصره، أما طريقته في تصوير الواقع السياسي فيرسمها المؤلف منشوراً ثلاثي الأوجه، مؤسسي، وآخر بنائي وظيفي، ومدخل حضاري، وعبرها يتراءى له المجال السياسي على هيئات متنوعة: مؤسسات ومسؤوليات وصلاحيات ومقاصد، ويفصِّل المؤلف ذلك بشواهد الوحي والواقع، فيتناول مقارباته المتنوعة في الحقل السياسي بالوصف والتحليل والمقارنة والنقد.

    ومما يلفت نظر القارئ هنا الجهد الذي بذله المؤلف في اقتناص المجموعات المفاهيمية التي سلها من مدونة الماوردي فأسهب في عرضها وبيان دلالاتها ورسم سياقاتها المعرفية، أما الجويني فهو وإن تقاطعت منهجيته مع الماوردي إلا أنه كان حريصا على تجاوزه؛ بل والتقليل من شأن مؤلَّفه والتشكيك في علمه ومنهجه، لذا ركز الكاتب على إضافاته المنهجية، فأسهب الحديث في إعمال الجويني النظر الكلي، ومعالجته السياسي ضمن حركة المجال العام، وتأسيسه نظرية الواقع المقدَّر (الافتراضي).

   وأهم معالم هذه الطريقة تجلت في إعمال المدخل المقاصدي ونظرياته المتعلقة بالمصلحة، وتقعيد الفقه السياسي في مجملات، وتمييز المظنون من المقطوع، والنزعة نحو فقه إصلاحي.

  وأما ابن تيمية فيرى المؤلف مطالعته القارئ باليقين في قدرات الوحي ونصوصه على العطاء، فنراه يبرز جوامع السياسة (القواعد الجامعة في المجال السياسي)، وطريقته في تصوير الواقع السياسي تتدرَّجُ من بناء الهيكل وتَقصيده، مارَّة بعالم الأشياء –والأموال موضع عناية في رسالته-لتنتهي بالحقوق والنظام العام، وفي تنظيره هذا لا يفتر ان تيمية يؤكد مرجعية الشريعة وتحقيقها الصلاح الدنيوي كما الأخروي.

    وبذلك ينتقل الفقه مع ابن تيمية من (النظرية السياسية) إلى (العمل السياسي)، ومعه تحضر المقاصد وتتوظف القيم وتبرز مفاهيم (العدل والأمانة والرعاية والاجتهاد والشورى والنَّصَفَة)، وتتجلى في كل ذلك وتتصل بالوظائف والأعمال.

   ويختم المؤلف هذا القسم باستخلاص المنهجية الفقهية لإدراك الواقع السياسي وتصويره، فتنحصر محدداتها بالمصادر المعرفية (الوحي والوجود –الواقع)، وتصوراتها الكلية، ب (معتقدات الفقيه عن الوجود والإنسان والنفس الإنسانية والحياة الاجتماعية والسياسية).

   ثم يبحث الكاتب تموضع الفقه والفقيه في معركة السياسة الشرعية ذات الطبيعة المعيارية مع أخرى وضعية، فلا يرى في هذه الطبيعة ما يحول دون قراءة الواقع ومطالعة الحوادث، وينقم على الفكر الوضعي الأوروبي المعاصر تجاوزه الكلي والمطلق.

   ثم يعرض بعض الآليات المنهجية المستفادة من الفقه السياسي (آلية التأويل المنهجي للنص-آلية النمذجة المستفادة من النص والسيرة والتاريخ-آلية الرصد المباشر باستعمال أداتي المشاهدة والتلقي –آلية تكوين الخبرة السياسية واستعمالها).

   ويستهل المؤلف القسم الثاني المعنون بالمدخل الفلسفي في تصوير الواقع السياسي بمقدمة حول الفلسفة السياسية في السياق المعرفي الإسلامي يخلص فيها أنه إذا كان التفلسف هو أساس النظر فإن السياسة والنظر فيها هي تاج العلوم، ووقع اختياره على مدونة نصر الدين الفارابي المسماة ب"آراء أهل المدينة الفاضلة" لبحث الظاهرة السياسية في الدرس الفلسفي.

   يقف الكاتب بين يدي صورة الواقع في فلسفة الفارابي مطولاً عند محددات المدخل الفلسفي وخصائصه وأهم مفاهيمه بهدف تأصيل مقاربة الفيلسوف للواقع السياسي، والكاتب وإن بدا أنه أسهب في بعض هذه المقدمات الفلسفية إلا أن البناء عليها دون بيانها للقراء عسير.

   إن الواقع السياسي عند الفارابي شبيه بالجسم البشري، فتتكون دولته (المدينة ) من أعضاء (أشخاص) متفاضلة الفِطَر، يستعملون موارد (أشياء)، وتحكمهم تصورات (أفكار) ولهم أحوال (فاضلة وغير فاضلة)، وغايات (سعادة حقيقية- موهومة)، وهناك تصور عضوي متكامل: رؤساء (حكام)  بمثابة القلب إن لم يكونوا أنبياء فهم حكماء، خادمون (محكومون) بمثابة الأعضاء المتراتبة بعضهم قيادي وبعضهم جنود، ولهذه المدينة بمكوناتها المتنوعة أسس(معرفة الحق-النزوع إليه) ومقاصد، يتعاون الجميع لتحقيقها، وإنما تتمايز الدول بآرائها فتكون فاضلة او جاهلة.

   يتناول الفيلسوف الواقع بصورة تجريدية وبشكل كلي لذا تتشكل تصوراته بواسطة التأمل دون النظر في الواقع، وللفارابي بل للفيلسوف عدد من النظريات التي تقوم بوظائف التحليل والتفسير لظواهر السياسة.

   يتعرض الكاتب لنظرية تراتب الوجود السياسي عند الفارابي، وفيها يقترب الفيلسوف من الواقع ضمن دوائر من الكل إلى الجزء فيبدأ بالمعمورة (دائرة البشرية) فالأمة (الكيان الحضاري الحاضن)، فالمدينة الفاضلة (الدولة )   ومن لفتات المؤلف الرائعة في هذا السياق خلوصه إلى أنه كلما تزايد منسوب القيمية والإيجابية في الدول كلما تصاعد الميل النظري لدى الفيلسوف؛ في حين يزداد منسوب واقعيته كلما كان الواقع سيئا وكريهاً.

   والدول أربعة نماذج عند الفارابي تقابل مدينته الفاضلة، فهي: جاهلية (تجهل المقصد السياسي والاجتماعي)، وفاسقة (آفة أهلها في الأفعال لا الأفكار)، ومتبدلة (آفتها في الأفكار والأفعال معاً)، وضالة ( تظن في العقل الفعال آراء سيئة)، وحول هذه الأنماط يؤسس الفارابي نظريته حول أنماط الدول والعلاقات بينها.

   وفي كل دراسته السابقة يستعمل الكاتب أساليب النقد والتحليل والمقارنة للمفاهيم والأفكار والتصورات التي سادت كلاً من الفلسفة السالفة والفلسفة المعاصرة، ليختم هذا القسم بتعداد وبيان عدد من آليات وأدوات وإجراءات التفلسف السياسي (آلية التجريد- آلية التصنيف- آلية الاستنباط- آلية النمذجة- آلية النظم المنطقي).

   ثم ينتقل المؤلف في القسم الثالث للحديث عن المدخل التاريخي والعمراني في تصوير الواقع السياسي  ويؤسس الكاتب مدخله هذا على موسوعة الإمام ابن خلدون (المقدمة)، والتي نقد فيها ابن خلدون عمليات التأريخ وكتاب التاريخ الإسلامي قبله الذين اعتمدوا على مجرد النقل دون النظر في أصول العادات وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني.

   وتقع السياسة عند ابن خلدون في قلب نظرية العمران، ويفارق منهجه طريقة الحكماء (المثالية المجردة)، والفقهاء (التشريعية النظرية) ويُجَلِّي الكاتبُ في مقدمته العديد من خصائص المدخل العمراني، لعل أهمها: حاكمية السنن للمجال السياسي، التطور والتحول الدائم في الواقع، ميل الواقع نحو التوسع والتشعب كلما تطور العمران، تردد الدولة بين أطوار السذاجة والنضوج والشباب والشيخوخة والقوة والوهن، أهمية العنصر المالي في مسار النظام السياسي، بالإضافة إلى توظيف نظرية القيم والمقاصد في تصوير الواقع السياسي وتقويمه، وبذلك يصبح التاريخ حياً مع ابن خلدون حيث يحضر الزمن (التقلب-التحول-النمو-التطور...إلخ) ممزوجا بالحركة الإنسانية.

   ويقف الكاتب مطولاً عند المفاهيم الخلدونية ويصنفها في مجموعات (مفاهيم كيانات-مفاهيم حالات-مفاهيم علاقات وتفاعلات) يبحثها في سياقاتها المعرفية والسياسية  فنظام الحكم من المدخل العمراني جد مختلف، وفيه يظهر ابن خلدون مفهومه الأثير (العصبية) محاولاً تخليصه من مذمات الشرع، مميزا بين العصبية بحق والعصبية بباطل، ليفسر التاريخ الإسلامي وصراع علي بن أبي طالب ومعاوية خاصة في ضوئه.

   والاقتصاد وفق الرؤية الخلدونية لا يكاد ينفك عن الواقع السياسي، وفيه يظهر اين خلدون مقولته الخالدة (الظلم مؤذن بخراب العمران)ولا يخفى على القارئ حفاوة الكاتب بهذا النموذج، وهو أمر مبرر جدا خاصة وأن موضوع كتابه: الواقع السياسي.

   وفي الخاتمة يلخص الكاتب أبرز القضايا التي عالجها الكتاب لكن أهم ما ورد فيها سؤاله: كيف يمكن الاستفادة من تجربة هذا التراث الفكري في تطوير الفكر المعاصر المتعلق بعلم السياسة ومناهجه؟

   ويعدد بعض تلك الكيفيات أهمها تأكيده على أزمة نظرية المعرفة الغربية اليوم، وضرورة الاستفادة من توجيه منهجي النظر السياسي والتناول المنهجي من خلال المداخل التي اجترحتها الدراسة، وضرورة الحاجة إلى المدخل المعرفي غير السياسي في تكييف الظاهرة السياسية.

   ولا يتسع المقام هنا لتعداد ملاحظات الباحث على هذا السفر الرائع بعد هذه السياحة الشائكة والممتعة ولعل مقاما آخر يسمح بها. لكن يمكن الإشارة على عجل إلى أمر هام لاحظه الباحث وأشارت إليه د.هبة رؤوف في تقديم الكتاب، وهو حصر مَعِين الدراسة ومصادرها بكتب الفقه السياسي دون الرجوع إلى كتب المنهج، وأعني بها في هذا السياق: كتب علم الأصول، حيث إنها ذاخرة بآليات وأدوات من شأنها تجلية ثروات في النظر إلى الواقع السياسي من منظور أصولي (منهاجي) لا تتكشَّف في الفقه السياسي ذي الصبغة العملية، ويزداد العتب على الكاتب حين ندرك أن للجويني كتاباً في المنهج ككتاب البرهان، ولابن تيمية سِفْر كدرء تعارض العقل والنقل.

   ومهما يكن من أمر فإن الكتاب الذي بين أيدينا مساهمة جادة لتطوير دراسات فقه الواقع بواسطة مداخل الخبرة السياسية الإسلامية، ومع ذلك لا تزال بعض المواطن تحتاج إلى مزيد من التدبر والتطوير، وأبعد من ذلك يحتاج هذا الجهد الكبير إلى مستوى آخر من العمل، وهو تنزيل هذه الدراسة لدراسة الواقع السياسي المعاصر من منظور حضاري إسلامي.

 


ملصقات
 »