رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

قطاع النشر المحافظ و توازن الهيمنة في عهد حزب العدالة والتنمية

تتناول هذه الدراسة التطورات والمستجدات التي حصلت في مجال النشر خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية، وتدرس ماهية انعكاسات النشر وتداعياته في أثناء حالات الاستقطاب في البلاد، وترى أنّ أوّل ما يُلاحَظ في مجال النشر على مدى الخمسة عشر عامًا هو الارتفاع الكبير في عدد المنشورات

قطاع النشر المحافظ و توازن الهيمنة في عهد حزب العدالة والتنمية

ملخّص: تتناول هذه الدراسة التطورات والمستجدات التي حصلت في مجال النشر خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية، وتدرس ماهية انعكاسات النشر وتداعياته في أثناء حالات الاستقطاب في البلاد، وترى أنّ أوّل ما يُلاحَظ في مجال النشر على مدى الخمسة عشر عامًا هو الارتفاع الكبير في عدد المنشورات. ولا شكّ أنّ توازن الميزانية الذي حققه الاستقرار السياسي كان له دور في ذلك، حيث تتبوّأ تركيا المرتبة الـ11 عالميًّا في مجال النشر بحسب اتحاد الناشرين الدولي، وتصل الدراسة إلى أن قطاع النشر المحافظ في تركيا أبدى تطورًا ملحوظًا، لكنه ليس كافيًا، وقد اتُّخِذت خطوات في هذه النقطة، ولاسيّما من حيث الكمية. وإنّ عدد المنشورات التي صدرت بعد محاولة انقلاب 15 تموز يبعث الأمل، ولكن لاتزال هناك أشواط ينبغي قطعها في موضوع النوعية.

أحرز حزب العدالة والتنمية نجاحاتٍ لم يحرزها أيّ حزب سياسيّ آخر في تاريخ تركيا. فهذا الحزب الذي استطاع الوصول إلى سدّة الحكم بعد تأسيسه مباشرةً واجه تحدياتٍ مختلفةً خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية بقيادة رجب طيب أردوغان؛ إذ تراجعت من جهةٍ الوصاية العسكرية الكمالية، وتواصلت من جهةٍ أخرى مكافحة التنظيمات الإرهابية، أمثال تنظيم حزب العمال الكردستاني وتنظيم داعش وتنظيم غولن. إضافة إلى ذلك، لقي حزب العدالة والتنمية صعوبات عديدة، منها الأزمة المالية العالمية التي حصلت عام 2008، والربيع العربي، ومن ثمَّ انعدام الاستقرار في الحدود الجنوبية، وتدفق اللاجئين، وتوتّر العلاقات مع الاتحاد الأوربي والدول الإقليمية، وغيرها من المسائل الأخرى المتعددة. فكان هذا كله تداعيات وانعكاسات الجدل حول من سيدير تركيا.

إنّ الانقلابات التي كانت تحصل عادةً كل عشرة أعوامٍ إبان حكم الحزب الواحد شكّلت إنذارًا يبيّن الحدود للإدارات التي ترتقي سدّة السلطة من خلال الانتخابات. فالأيديولوجيا الكمالية تسيطر منذ سنواتٍ على الجامعات والجيش والبيروقراط في جانب، وشريحةٌ واسعةٌ من المحافظين تمّ إقصاؤهم لفتراتٍ طويلةٍ ولم تسمح لهم الانقلابات والمحظورات والقرارات القضائية بالاقتراب من المركز في جانب آخر. ويمكن القول إنّ هذه الشريحة الواسعة التي لم تكن تملك في يدها قوةً سوى الأصوات التي تستعملها في الانتخابات- استطاعت أن تحقّق نجاحات مهمّة تحت مظلّة هذا الحزب، رغم العراقيل التي ظهرت في العام الـ15 من حكمه للبلاد، لكن توطيد هذه النجاحات على أسس مؤسساتية ذات جذور عميقة لن يتحقق إلا بعد انتخابات 2019، حيث تُطبَّق حينها التعديلات التي قُبِلت في استفتاء 16 نيسان 2017.

لا شكّ أنّ ما جرى خلال الخمسة عشر عامًا لم يؤثر في السياسية فحسب، بل أثّر أيضًا في مجالات أخرى مختلفة بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة. في هذه الدراسة نتطرق إلى التطورات والمستجدات التي حصلت في مجال النشر خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية، وندرس ماهية انعكاسات النشر وتداعياته في أثناء المشاجرات أو المشاحنات التي ذُكِرت آنفًا، ونحصل على بعض الاستنتاجات في ضوء البيانات والمعطيات، ونتناول بعض المقترحات والتوصيات المتعلقة بالنشر المحافظ على وجه الخصوص في الفترة المقبلة. ولا شكّ أنّ قطاع النشر يشمل حقلًا واسعًا يؤثر في حوانيت الكتب الصغيرة، والموزعين، وسوق الأوراق، ومجالات الإعلام المختلفة، والمعارض التي تقام داخل القطر وخارجه. وله محتويات شاملة تمتد من كتب الأطفال إلى الدراسات الأكاديمية، ومن كتب الاختبارات إلى الأعمال الأدبية. هذا المقال لا يتناول كثيرًا حزب العدالة والتنمية في عامه الخامس عشر، بل يقيّم التطورات بنواحيها المطلّة على السياسة.

وفي البداية لابدّ أن نشير إلى أنّ مجالات الفن والثقافة والنشر كانت لسنوات عديدة في تركيا حكرًا على مجموعات اليسار العلماني، وكانت هذه المجموعات أو المؤسّسات تدعمها الدولة التي تبنّت الأيديولوجيا الكمالية، ومع انسحاب أو تراجع العلمانية في عهد حزب العدالة والتنمية أصبح هناك بروز لدُور النشر ذات الهوية الدينية، ومع الحساسية التي أبدتها دور النشر المحافظة تجاه قيم ومعتقدات أغلبية الشعب التركي- رفضت هذه الدُّور نشر ما له علاقة بإهانة هذه القيم. وإذا أردنا ضرب مثال على هذا الأمر  يمكن القول إنه بينما كان لدور النشر العلمانية ولاسيّما اتحاد الناشرين التركي دور في دعم الجهات التي خرجت في أحداث غيزي بارك ضد حزب العدالة والتنمية وضد رئيس الوزراء آنذاك رجب طيب أردوغان-  فإن العديد من دور النشر المحافظة توحدت تحت إطار اتحاد النشر والصحافة، ودعَمت الحكومة، ومع ذلك لا توجد حدود فاصلة أو حاسمة بين الاتحادين، حيث يوجد العديد من الناشرين الذين لهم عضوية في كلا الاتّحادينِ.

أين نحن في عالم النشر؟

أوّل ما يلاحظ في مجال النشر على مدى الخمسة عشر عامًا هو الارتفاع الكبير في عدد المنشورات. ولا شكّ أنّ توازن الميزانية الذي حقّقه الاستقرار السياسي، والإصلاحات التي تسهل الاستثمار، والاقتصاد الذي يمكن التنبؤ به؛ كلّ ذلك يشكل أسبابًا أساسية وراء هذا التطور. لكن التطور الآخر الذي حقّق هذا النمو هو الأوساط التي بناها حزب العدالة والتنمية مع حلول عام 2002. فالسياسات التي يتبعها حزب العدالة والتنمية بعزيمةٍ وإصرارٍ جعلت السياسات الكمالية العلمانية القاسية المتبعة منذ إعلان الجمهورية التركية تتآكل، ومنحت الفرصة لشريحةٍ واسعةٍ من المجتمع أن تعبّر عن هويتها وتمارس عقيدتها بحرية. وأول ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن السياسيات؛ رفع حظر ارتداء الحجاب في المدارس والجامعات والقطاع العام، وإطلاق عنان القنوات التلفزيونية باللغة الكردية، وافتتاح قنوات تلفزيونية رسمية تبث باللغة الكردية، والإصلاحات المتعلقة بأوقاف غير المسلمين.

كانت أوساط الحرية الديمقراطية التي جاءت بها هذه الموجة وسيلةً لتعبّر الأفكار المختلفة عن نفسها براحة أكبر، وكان لهذا أثره المباشر في عالم النشر وازدياد عدد الكتب المنشورة في عهد حزب العدالة والتنمية بشكل ملحوظ، وهذه الزيادة لم تكن التطور الأوّل أو الفريد في تاريخ تركيا، ففي عهد الحزب الديمقراطي الذي تسلّم السلطة في تركيا عقب انتخابات 1950 والانتقال من نظام الحزب الواحد إلى نظام متعدد الأحزاب، لوحظ أيضًا ارتفاع كبير في عدد المنشورات، وتطور في مجال الحرية في البلاد انعكس سريعًا على النشر، وحصل أمرٌ مشابهٌ لهذا في العهود الأخيرة من الدولة العثمانية، إذ اضمحلت أوساط الاستبداد إبّان إعلان المشروطية للمرة الثانية عام 1908، وازداد عدد المنشورات زيادة سريعة جدًّا. وهكذا تبيّنُ هذه الأمثلة من التاريخ القريب أن النشر يتطور، والأفكار تجد مساحة أكبر للتعبير عن نفسها عندما تتوسع الحريات.

وقد سبق بيان الاستقرار الاقتصادي الذي تنعم به تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية ودوره في تطوير قطاع النشر. يدلّ على ذلك عدد الطوابع الضريبية (الباندرول) وعدد ISBN (الرقم الدولي المعياري للكتاب) الممنوح للكتب. فعدد الطلبات السنوية المقدمة للحصول علىISBN بلغ 13177 طلبًا عام 2000، وازداد سريعًا حينما تولى حزب العدالة والتنمية زمام الأمور في البلاد. فبينما وصل هذا العدد إلى ما يفوق 25 ألفًا عام 2005، تجاوز هذا العدد 35 ألفًا عام 2010، وفي عام 2016 تجاوز هذا العدد 50 ألفًا. 

 

السّنة الميلادية

عدد الطلبات

2000

13,177

2002

16,426

2003

20,010

2005

26,000

2007

29,312

2009

31,414

2010

35,775

2011

43,190

2012

39,367

2013

42,655

2014

44,613

2015

49,148

2016

51,113

الجدول1: العنوان الجديد المنشور (عدد أرقام ISBN المأخوذة)

المصدر: سوق الكتب في تركيا[1].

الشكل1: الطلب السنوي على الطابع الضريبي (الباندرول)

(العدد بالملايين)

 

ومن اللافت للانتباه أيضًا الارتفاع الحاصل في عدد الطوابع الضريبية (bandrol)[2] المأخوذة، إذ تفيد بيانات اتحاد الناشرين (YAYFED) أنه تمّ شراء 214 مليون طابع ضريبي عام 2010، وارتفع في عام 2013 ليبلغ 330 مليون طابع، ومع حلول عام 2016 تجاوز 400 مليون طابع ضريبي[3]. واستمر الارتفاع المستقرّ في عام 2017 أيضًا[4]. وهناك نقطة يجب الانتباه إليها هنا وهي أن النمو في مجال النشر لم يتباطأ رغم محاولة الانقلاب التي نفّذها تنظيم غولن في 15 تموز 2016.

من جانب آخر؛ تتبوّأ تركيا المرتبة الـ11 عالميًّا في مجال النشر بحسب اتحاد الناشرين الدولي مقابل الصورة العامة لتركيا التي تأتي في المرتبة الـ17 عالميًّا من حيث حجم الاقتصاد، وبذلك يتبين أن النشر أحد القطاعات المتقدمة. ومن الجدير بالذكر هنا أن عدد الكتب التي تقع على كل فرد في تركيا سنويًّا هو 8,4 كتابًا ابتداءً من عام 2016[5].

إلى جانب هذا، خطَت تركيا خُطواتٍ لاكتساب مكانةٍ عالميةٍ في مجال النشر منذ وقتٍ طويل. وهذه الخطوات التي يمكن وصفها انعكاسًا للسياسات التركية على الخارج في عهد حزب العدالة والتنمية- تشكّل إلى حدٍّ ما جزءًا من قوة تركيا الناعمة، إذ شاركت تركيا بصفة ضيف شرف في معرض الكتاب بفرانكفورت عام 2008، وفي معرض الكتاب بجنيف عام 2009، ثم في الدوحة عام 2010، ثمّ في معرض الكتاب المقام في لندن عام 2013 الذي يُعدّ أحد أهم المعارض في قطاع النشر. وفي عام 2014 شاركت تركيا باعتبارها ضيف شرف في معارض في بوخارست وبكين، ثمّ في مدريد عام 2015. وفي عام 2016 شاركت في معرض الكتب الدولي بسراييفو، ثم في معرض الكتب في سيؤول عاصمة كوريا الجنوبية عام 2017 بصفتها ضيف شرف[6]. وقد أُقِيمت في جميع هذه المعارض أنشطة تعريف بتركيا والأدب التركي وقطاع النشر فيها، وألقى كتّاب أتراك محاضرات من مجالات مختلفة، واشترت دور النشر حقوق التأليف باللغة التركية، وبيعت حقوق التأليف من اللغة التركية إلى اللغات الأجنبية.

لم يقتصر انفتاح قطاع النشر التركي على الخارج على المشاركة الفعّالة في هذه المعارض بصفة ضيف شرف، بل عُمِل أيضًا على إطلاق برنامجٍ يشجّع ترجمة الكتب والأعمال التركية إلى اللغات الأجنبية. من هنا جاء برنامج "دعم نشر الأعمال الثقافية والفنية والأدبية بلغاتٍ غير اللغة التركية (TEDA)" باعتباره برنامجًا يدعم النشر والترجمة، ويشجّع الناشرين خارج القطر الراغبين في نشر الكتب والأعمال التركية بلغاتٍ أجنبية[7]. وفي إطار هذا البرنامج الذي أطلقته وزارة الثقافة والسياحة عام 2015 طُبِع 2312 كتابًا بعد ترجمتها من اللغة التركية إلى اللغات الأجنبية في نهاية عام 2016. ولا تقتصر الأعمال المدعومة على اللغات المشهورة، إذ توجد ترجمات للناشرين من بلدانٍ مثل فيتنام وآيسلندا وبوركينا فاسو. أما اللغات التي تلقّت الدعم الأكبر في مجال الترجمة فهي البلغارية والألمانية والألبانية والعربية على التوالي[8].

ولو تطلّب الأمر أن نقدّم تقييمنا اعتمادًا على البيانات لأمكننا القول إن قطاع النشر في تركيا بلغ مستويات مهمّة، ولا يزال يحمل قدرة على النمو، لكنه واجه تحدّيات كبيرة حتى وصل إلى هذه النقطة. ومن المفيد هنا أن نَلفت الانتباه إلى بعض التطورات المحورية المتعلقة بمحتويات الكتب الصادرة في الفترة المذكورة، وأمامنا صورة إيجابية للغاية.

النشر في ظل الرياح الشديدة التي تهبّ على السياسة:

شهدت تركيا كما أسلفنا تطورات مهمّة جدًّا خلال الأعوام الخمسة العشر التي أمضاها حزب العدالة والتنمية في سدة الحكم. وإنّ ردود الأفعال التي أبداها قطاع النشر حيال هذه التطورات أمرٌ يستحقّ مزيدًا من الدراسة والتمحيص. عندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى سدّة الحكم عام 2002 كان البيرواقراط والجيش اللذان يحملان الأيديولوجيا الكمالية لايزالان يهيمنان على إدارة الدولة. وكان الكماليون الذين يرون أنفسهم مؤسّسي الدولة وأصحابها ينظرون إلى حزب العدالة والتنمية نظراتٍ لا تختلف عن نظراتهم إلى الحزب الديمقراطي الذي أنزل حزب الشعب الجهموري من سدّة السلطة بزعامة مندرس. وعدّت هذه الشريحة حزب العدالة والتنمية مركزًا للرجعية و(ثورة مضادة)، وأباحت كلّ الوسائل لإبعاده عن السلطة. ووصلت هذه المساعي إلى ذروتها مع نهاية فترة ولاية رئيس الجمهورية الـ11 أحمد نجدت سيزر؛ لأن الأفق كان ينجلي عن جلوس واحدٍ من شريحة المحافظين الذين أُبعِدوا عن إدارة الدولة لسنين طويلة- على أعلى كرسيّ في الدولة، ولم يقبل الكماليون أن يتركوا (للرجعيين) كرسيّ رئاسة الجمهورية الذي بات بالنسبة لهم (القلعة الأخيرة)، ولاسيّما بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم.

هذا الروح الذي انعكس على الميادين في مؤتمرات الجمهورية لقي صداه في عالم النشر أيضًا. في هذا الإطار يمكن الحديث عن قاعدةٍ واسعةٍ تضم رواية (هؤلاء الأتراك المجانين) لتورغوت أوز أقمان التي طُبِعت بالمئات، وثنائية سونر يالجين بعنوان (أفندي)، وكتاب أرغون بويراز بعنوان (فوهرر ذو القبقاب/ Takunyalı Führer)، وكتب العسكريين المتقاعدين، من أمثال عثمان باموك أوغلو وأردال صاري زيبق[9]. وهذه الكتب التي حقّقت مبيعات كبيرة تصادف نفس الفترة التي شاعت فيها أقسام الكتب التي يمضي فيها القراء وقتًا طويلًا في الماركتات.

إنّ ازدياد أصوات حزب العدالة والتنمية وانتخاب عبد الله غول رئيسًا للجمهورية خفّفا نوعًا ما رياح النزعة القومية، لكن فكرة الخروج إلى الشوارع لتغيير الحاكم بقيت قائمة. فالجدل الذي انطلق إثر نقل الأشجار من غزي بارك أو حديقة تقسيم في صيف 2013 انقلب إلى حوادث عنف كبيرة. وبينما عمل العديد من الكتّاب على بناء محاكاة بين هذه الأحداث ومؤتمرات الجمهورية، أحدثت شريحة الكماليين واليساريين والمذهبيين والعلمانيين أضرارًا بالأبنية والمركبات.

وبينما كانت تتواصل أحداث غزي بارك التي وصلت إلى مستوى الحديث عن الإطاحة بحكومة حزب العدالة والتنمية، بدؤوا يصدرون كتبًا حول هذا الموضوع في وقت قصير، حيث أثنت جميع هذه الكتب على أحداث العنف التي حصلت في غزي بارك ومدحتها، إلّا قلة من الكتب التي صدرت تقول إن الحكومة الشرعية التي وصلت إلى سدّة الحكم بالانتخابات لن تتغير إلا بالانتخابات. وزعموا أنّه رغم ارتفاع معدل الأصوات التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية والدعم الشعبي له إلا أنّ ذلك أمرٌ يستحق النقاش. ويمكننا القول بتعبير آخر إنه في الوقت الذي يصفق فيه قطاع النشر لأحداث العنف، كان عدد الكتب التي تدافع عن شرعية الحكومة التي جاءت إلى رأسها عملها بانتخابات شرعية نادرًا.

إن الكتب التي أصدرها اتحاد الناشرين التركي وأبرز دور النشر التركية الأعضاء فيه، مثل جان، وإلَتيشيم، ودوغان- قدمت دعمًا كبيرًا لأحداث العنف عبر التصريحات التي أدلت بها أمام الصحافة المحلية والأجنبية. وفي المقابل أثارت مجموعة أخرى من دور النشر تساؤلات حول هذه الأحداث[10]، ونشرت كتبًا تتساءل عن أدوار اللاعبين الدوليين على وجه الخصوص[11].  

فمنذ استلام حزب العدالة والتنمية زمام الحكم في البلاد ناشد بعضهم بضرورة أن تقوم القوات المسلحة التركية بالانقلاب في الجيش والقضاء والجامعات وبقية مؤسسات الدولة. وإنّ عمليات أرْغَنَكون التي انطلقت لصدّ الذين يعملون على القيام بمحاولة انقلاب على حزب العدالة والتنمية شبيهة بالانقلابات العسكرية التي شهدته تركيا مرات عديدة؛ لكن تم تحريفها عن هدفها من قبل تنظيم غولن الذي سُجِّل تنظيمًا إرهابيًّا بعد محاولة انقلابات 17-25 كانون الأول 2-13. وكان إغلاق المعاهد الدراسية وأزمة جهاز الاستخبارات الوطنية في 7 شباط 2012 في أعقاب العملية التي كنَّس فيها تنظيم غولن الإرهابي كل من وقف ضده لإدخال مليشياته إلى المؤسسات البيروقراطية العالية- بداية نهاية تنظيم غولن الإرهابي. علاوة على ذلك، أُثيِرت التساؤلات مرات عديدة حول دور تنظيم غولن الإرهابي في تحوّل أحداث عنف غزي بارك التي صادفت الفترة التي سبقت مباشرة محاولة انقلاب 17-25 كانون الأول إلى أحداثٍ جماعية.

تغلغل تنظيم غولن في الدولة كالأخطبوط بدون أن يهمل أيضًا قطاع النشر، وأخذ مكانه في أسواق الكتب بما لديه من دور نشر مختلفة، مثل (مجموعة كاينك للنشر، وزمان كتاب)، وعملت على نشر كتب الاختبارات، والمنشورات الثقافية، وأدبيات الأطفال، والأعمال الخيالية، وغيرها. إلى جانب ذلك، لم يهمل تنظيم غولن نقاط البيع والتوزيع (NT)، وأسس دور النشر التي يديرها متعاطفون معه من دون أن يكونوا أعضاء فيه (مثل دار أفق للنشر)[12]. حتى إن أعضاءه في البيروقراط استعملوا إمكانات الدولة لشراء هذه المنشورات[13]. فيما بعد عملت هذه المؤسسات التي تمّ تعيينها قيّومًا في إطار مكافحة الإرهاب على نشر أطروحات تنظيم غولن بشكل كبير. علاوة على ذلك، طوّر تنظيم غولن تكتيكات مختلفة لسحب المؤسسات الأخرى في القطاع إلى خطوطه السياسية الخاصة به[14].

ولكن استمرارية الدعم الشعبي لأردوغان وحزب العدالة والتنمية في الانتخابات التي أُجرِيت في الفترة التي أعقبت 17-25 كانون الأول أوضحت أنه لن يُسمَح لتنظيم غولن الإرهابي بالحياة. وقد عَدّ التنظيم هذا الوضع تهديدًا لوجوده، فقرر إطلاق حملته الأخيرة بالتعاون مع خلاياه النائمة في الجيش، وقام بمحاولة الانقلاب في 15 تموز 2016، لكنها أُحبِطت بإرادة رئيس الجمهورية أردوغان، وتدفقِ الشعب إلى الميادين والساحات، واستشهاد 250 شخصًا. بعد محاولة الانقلاب انتعشت أسواق الكتب، وصدرت عشرات الكتب التي تتناول تنظيم غولن الإرهابي ومحاولة انقلاب 15 تموز، حتى إن دور النشر التي تصدر بمفردها قرابة عشرة كتب تناولت محاولة انقلاب 15 تموز لمرات عديدة. وأُصدِر 139 كتابًا في هذا الموضوع قبل أن يمر عام على محاولة انقلاب 15 تموز[15].

إن تركيا التي لم تستطع أن تُصدِر بما فيه الكفاية صوتًا في الانقلابات السابقة وارتضت أن تُسلَب إرادتها- أبدت منعكسات مغايرة تمامًا في 15تموز، فتدفقت إلى الميادين، ودافعت عن قائدها الذي انتخبته بأصواتها، وعن أرضيتها السياسية. ومن الصواب القول هنا: إن قطاع النشر الذي عانى كثيرًا الأنظمةَ العسكرية والتدخلَ في الديمقراطية، وتلقى ضررًا كبيرًا في هذه الفترات؛ تمسّك بمستقبله وهو يبدي اهتمامًا بالغًا بـ15 تموز. وما يُنتَظَر من قطاع النشر في الأيام المقبلة هو أن يواصل مسيره هذا، وألا يسمح بإبعاد  التيار الرئيس من قبل الذين يتعاطفون مع الأفكار الهامشية ، وألا يسمح لهم بالسيطرة على الأسواق، وأن يقوم بأعمال لا تختلف عن أعمال نظائره في الغرب من حيث التصميم وجودة الطباعة لدى مقارنته بالمنشورات الموجودة بلغات مختلفة في معارض الكتب بلندن أو فرانكفورت. ومن حيث المضمون ينبغي على قطاع النشر ألا يخاطب الأحياء المتدينة فحسب، بل يخاطب تركيا كلّها، ويعمل على ترجمة الأعمال والكتب التركية إلى اللغات المنتشرة في المنطقة، ولاسيما في بلاد البلقان والشرق الأوسط، حتى تتم قراءتها بأريحية. وينبغي القيام باستثمارات كبيرة في مجال الموارد البشرية المؤهّلة، وقوائم منشورات اللغات الأجنبية، وملحقات الكتب، ومعارض الكتب داخل البلاد، والتحرك بروح 15 تموز.

كيف سيتمّ ملء مضمون الوقفة (الوطنية والشعبية) التي يبدو أنها ستضع دمغتها على السياسة التركية في الفترة المقبلة؟ وكيف سيتمّ تذكّرها؟ إن هذه الأمور ذات صلة مباشرة بما تفعله أو لا تفعله دور النشر التي تدافع اليوم عن 15 تموز. والكارثة الكبرى التي يمكن أن تحلّ برأس قطاع النشر الذي اجتاز مع تركيا مصائب كبيرة- هي أن يُعتمَد على دُور نشر لا يُعرَف كيف وصلت إلى هذه الأيام؟! ولا يُعرف من أين تتلقى الدعم والتمويل في قراءة الخطابات التي تقول: إن تركيا تقود العالم في موضوع المعونات الإنسانية أو (العالم أكبر من5) التي برزت في هذا المجلد من سلسلة (حزب العدالة والتنمية في عامه الـ15) وفي المجلدات الأخرى؟!

خاتمة

حصل حزب العدالة والتنمية على نسبة عالية من الأصوات في الانتخابات خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية فأحرز نجاحات كبيرة. وانعكست هذه النجاحات على العديد من القطاعات، وباتت شريحة المحافظين الذين يشكّلون الأغلبية يُمثَّلون بشكل أفضل. مع ذلك لا يمكننا الحديث عن صورة ناجحة في كل مجالات الحياة، فقد أبدى قطاع النشر المحافظ تطورًا ملحوظًا لكنه ليس كافيًا، واتُّخِذت خطوات في هذه النقطة ولاسيّما من حيث الكمية، وعدد المنشورات التي صدرت بعد محاولة انقلاب 15 تموز تبعث الأمل، ولاتزال هناك أشواط ينبغي قطعها في موضوع النوعية. فالتنوع والتعددية المنتظران في مجال النشر لم يحصلا بعد كما يجب. فمن الضروري أن تنعكس الأفكار المختلفة على النشر على شكل قاعدة واسعة، وإلا فإن هناك تهلكة من قبيل أن تُسجَّل حكاية نجاح 15 عامًا بشكل وحيد الطرف. ومن ثَمّ لا مفرّ من أن تتناول الكتب التي تتحدث عن عهد حزب العدالة والتنمية مبحثًا أساسيًّا يقول فيه: إن تركيا في حركة مكوكية بين (ديكتاتورية الشرق الأوسط) و(المرّوجين للغرب والتغرّب). ولا يمكن تناول الأشواط التي قطعها حزب العدالة والتنمية في السياسة من منظور مختلف إلا من خلال تطوير قطاع النشر المحافظ وتحقيق تعدديته.

الهوامش والمراجع:

 

[1] أوميت يشار غورزم، ومتين جلال زيني أوغلو، ومنير أوستون فخري أرال، سوق الكتب في تركيا، (Turkish National Organizing Committee for International Book Fairs, 2013).

[2] الباندرول هو لاصق أمني رقمي أو لاصق أمني يملك خاصية الذواكر الهولوغرافية، يُلصَق على المنشورات غير الدورية، ونُسَخ الأعمال الفكرية والفنية للحيلولة دون تقليدها ونسخها بدون إذن، ويتمزق عند انتزاعه، ويجعل المادة الملصوقة عليها تفقد خاصيتها. على كل كتاب يوجد باندرول واحد. من أجل معلومات أوفى، انظر: "الباندرول"، وزارة الثقافة والسياحة/ المديرية العامة لحقوق التأليف، http://www.telifhaklari.gov.tr/Bandrol، (تاريخ زيارة الموقع: 15 تشرين الثاني 2017).

[3]" YAYFEDتصرح بيانات الباندرول آب 2017"، YAYFED، https://www.yayfed.org/website/content/270، (تاريخ زيارة الموقع: 15 تشرين الثاني 2017).

[4] " YAYFEDتصرح بيانات الباندرول آب 2017".

[5] عدد الكتب التي تقع على كل شخص ارتفع إلى 8,4 كتابًا، إن تي في، 6 كانون الثاني 2017.

[6] محمد عاكف ممي، "قطاع النشر في تركيا تخطو خطوات"، تركيا الجديدة، 15 حزيران 2017، http://thenewturkey.org/turkeys-publishing-sector-making-strides، (تاريخ زيارة الموقع: 15 تشرين الثاني 2017).

[7] “What’s TEDA”, TEDA Project,http://www.tedaproject.gov.tr/EN,53638/whats-teda.html, (accessed date:  8 June 2017).

[8] “Subsidized Works”, TEDA Project,http://www.tedaproject.gov.tr/EN,53646/subsidized-works.html, (accessed date: 8 June 2017).

[9] دوغان غوربينار، "النزعة القومية: الزعامة الأيديولوجية وتابعوها"، (دار الكتاب للنشر، إسطنبول 2011)، ص 183-185.

[10] محمد عاكف ممي، "النشر في تركيا باعتباره مجالًا سياسيًّا"، تحليلات ستا، عدد: 192، (شباط 2017)، ص 15-16.

[11] من أجل مثال، انظر: جميل أرتم وماركار أسايان، الميدان والانقلاب والديمقراطية: يوقف العالم 60 يومًا، (دار إلتيشيم للنشر، إسطنبول 2013).

[12] هذه هي دور النشر التي أُغلِقت بناء على قرار بحكم القانون المتعلق بالترتيبات القانونية التي تخص بعض المؤسسات والمنظمات والتدابير الواجب اتخاذها في إطار حالة الطوارئ المعلنة في 27 تموز 2016: دُور ألتن برج للنشر، براق للطباعة والنشر والتوزيع، دفينة للنشر، دولوناي للتعليم والنشر والتوزيع، غيرسون للطباعة والنشر والتوزيع، غونجا، غول يوردو، GYV، إشق أكاديمي، إشق للنشر والتعليم الخاص، إليكيم للطباعة والنشر والتسويق، كايدرك للنشر، كاينك للنشر، كروان للطباعة والنشر، كوجك للنشر، موشتو للنشر، نيل للنشر، رهبَر للنشر، السرعة للطباعة والنشر والإعلانات والأطر التعليمية، سوتون للنشر، شاه ضمار للنشر، أفق للطباعة والنشر والتسويق ووكالة الأخبار، أفق للنشر، Waşanxaneya Nil، ياي للطباعة والتوزيع، يني أكاديمي، يتيك خزينة، زنبق للطباعة والنشر.

[13] أورال جاليشلر، تاريخ تنظيم غولن، (Kopernik Kitap، إسطنبول 2017)، ص393.

[14] إسماعيل دميرجي، "صفر بش جميل في NT والقرارات التنظيمية التي اتخذها"، يني شفق، 10 آب 2016.

[15] محمد عاكف ممي، "ما الذي تتحدث عنه كتب 15 تموز؟"، الإعلام في 15 تموز: مجرى الانقلاب والمقاومة، المحرر: إسماعيل جغلر ومحمد عاكف ممي وفخر الدين ألتون، (منشورات ستا، إسطنبول 2017)، ص205.


ملصقات
 »