رؤية تركية
أفكار متحدية

الشئون التركية والدولية


| عروض الكتب < رؤية تركية

من 28 شباط إلى 15 تموز: منظور جديد للدولة

من 28 شباط إلى 15 تموز: منظور جديد للدولة

من 28 شباط إلى 15 تموز: منظور جديد للدولة

تأليف عدنان تانريفردي

مراجعة حسن حسين  تشاغران

 

يُعَدّ المُؤلّف عدنان تانريفردي الذي تخرج في الكلية الحربية عام 1966، وعمل بعد تخرجه في شعبة قيادة الضباط- ذا خبرة في المجالين الأمني والعسكري؛ فقد تدرج في وظائف عسكرية وأمنية عدة، وبعد تقاعده في عام 1996 واصل عمله في منظمات المجتمع المدني، حيث أسّس بعض هذه المؤسسات، وعمل في إدارة مؤسسات أخرى في سياق رؤية سخّر نفسه لتحقيقها. إن كتاب عدنان تانريفردي بعنوان (من 28 شباط إلى 15 تموز) يجمع ملاحظات سياسية عن تركيا خلال الـ20 سنة الماضية، سواء عن الفترة التي عمل بها المؤلف في المؤسسة العسكرية، أم الفترة التي انخرط فيها في العمل المدني، حيث يروي في الكتاب خلاصة مشاهداته وتجربته.

عند النظر إلى اسم الكتاب نلاحظ وجود تاريخين، هما: 28 شباط و15 تموز، ويقصد الكاتب بتاريخ 28 شباط القرارات التي أصدرها مجلس الأمن القومي التركي بعد اجتماعه في 28 شباط 1997، التي أُبعِد بموجبها رئيس الوزراء آنذاك نجم الدين أربكان عن رئاسة الوزراء في الحكومة الرابعة والخمسين، كما أن تاريخ 28 فبراير يحمل معه ذكريات للضغوط التي تعرض لها المتدينون في تركيا في الجيش وفي المناصب البيروقراطية، حيث إنّ المؤلف كان يُعدّ من الخط المتدين في تركيا، ولذلك أُبعِد عن الجيش. أما تاريخ 15 تموز 2106، فهو الأكثر شهرة، حيث جرت المحاولة الانقلابية بقيادة تنظيم فتح الله غولن الإرهابي. كما أنّ الكاتب يسلّط الضوء في الكتاب على تواريخ مفصلية في الفترة التي يغطيها الكتاب، مثل تاريخ 7 شباط 2012، أو ما يُعرَف بأزمة الاستخبارات، وكذلك تاريخ 7 ديسمبر 2013، الذي وقعت فيه عمليات قضائية ضد قضايا الفساد والرشوة، وفي العام نفسه وقعت أيضًا أحداث غيزي بارك، وصولًا إلى المحاولة الانقلابية في 15 تموز.

وإلى جانب اهتمام الكاتب بالسياق السياسي في الأحداث المفصلية يقدّم تقييمًا اجتماعيًّا عميقًا، وهنا يمكن أن يرى البعض الكتاب من فئة كتب التاريخ السياسي، وقد يراه آخرون كتابًا تحليليًّا، أو كتابًا يتناول قضايا حاضرة على المشهد التركي، وفي الوقت نفس نجده كتابًا يقدّم من خلال كل ما سبق حلولًا للمشكلات البنيوية الموجودة في الدولة التركية. وكما ذكرنا عندما نستحضر أهمية القضايا التي يتناولها الكتاب وبخاصة تقييم الجمهورية التركية مع قيمة الكاتب وتجربته- فإن هذا يضيف مزيدًا من الأهمية للكتاب. وفي الوقت نفسه فإن الكتاب يمثّل عقل الدولة في عرض لأفق يتجاوز حدود رؤية الدولة القومية، مستندًا إلى حصيلة ثقافية وتاريخية. ولا يقدّم الكاتب لنا عرضه في إطار نظري؛ بل بشكل مباشر من خلال حقائق واقعية عاشها بصفته أحد أبناء هذه الجغرافيا.

يستعرض المؤلف أولًا (الأحداث المهمّة في تاريخ الجمهورية وتاريخ الانقلابات في الجمهورية) مبينًا أهم النقاط المفصلية في الفترة منذ عام 1918 وحتى أيامنا في طريقة تجذب انتباه القارئ، ويعرض هنا الأسس التي بُنِيَت عليها الجمهورية، وكيف حُكِمت بسياسة الحزب الحاكم، وكيف بُنِيت العلاقة بين العسكر والمدنيين رغمًا عن الإرادة الشعبية، وكيف تشكّلت العقلية الانقلابية. ويرى الكاتب أن هذه الفترة تميزت بعدة عناصر، مثل البيروقراطية، وعلى حدّ وصفه كانت هذه الفترة (أبًا للانقلابات) ، حيث إن الجيش بمجموعه كان يعمل في انقلاب عام 1960 وفقًا للتفكير الانقلابي الذي يعمل على قهر الإرادة الشعبية، ويتحكم بها، ويقدّم الكاتب هنا ملاحظات على أدوار الضباط الشبّان ومواقفهم في الانقلابات من 1960 مرورًا بـ28 شباط، وصولًا إلى 15 تموز 2016. ويضعنا الكاتب أيضًا بشكل مدروس في السياق السياسي الاجتماعي الذي خرج فيه تنظيم غولن بوصفه تنظيمًا إرهابيًّا يعمل ضمن مخططات استخبارية.

وينقسم الكتاب قسمين: أحدهما بعنوان (السياسة المحلية/ الداخلية)، والآخر بعنوان (السياسة الخارجية). يعالج قسم (السياسة الداخلية) الأحداث التي وقعت في الماضي القريب في ضوء إمكانيات وحدود السلطة في تركيا، كما يناقش الهيكل السلطوي والبيروقراطية والعلاقات المدنية والعسكرية والمشكلات التي سببتها قرارات مجلس الأمن القومي، والمجلس العسكري الأعلى التي تجاهلت الإرادة الوطنية. ويركز الكاتب هنا على ما كتبه إلى السلطات المختصّة في يناير 1997، وهي رسالة إلى أعضاء مجلس الشورى العسكري تحت عنوان  "أوقفوا المذبحة"، حيث يمكن أن تُعدّ هذه الجزئية توضيحًا لروح تلك الفترة.

ويتكون قسم (السياسة الخارجية) أيضًا من نصوص تتناول تحليل المنطقة والسياسة العالمية فيما يتصل بتركيا، وبخاصة إستراتيجيات القوى المتحكمة في السياسة العالمية، وبخاصة أمريكا وإسرائيل، ويبين موقف تركيا من القضايا الرئيسة. كما تناول الكاتب التطورات في قبرص وسوريا والعراق. وفي هذا القسم يطرح الكاتب (القضية الفلسطينية) بصفتها واحدة من (قضايا الدرجة الأولى في تركيا)، ويعرض عناوين، مثل: (إسرائيل هي عدو الإنسانية) ، ويعبّر تانريفردي عن عدم ارتياحه من أنه على الرغم من الإمكانات الكبيرة الموجودة لدى الدول التي تشكل العالم الإسلامي إلا أنها تُعدّ الأكثر تراجعًا من حيث الاستقرار، ولا تكاد تخلو من الرعب والفوضى، وتدير مواردَها القوى الأجنبية، أما حكوماتها فتمارس الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان والحريات، ويهيمن عليها عدم الاستقرار الاقتصادي، والكاتب يؤكد خطأ توقُّعِ إيجاد مجلس الأمن والأمم المتحدة حلولًا عادلة لمشكلات العالم الإسلامي في ظل بحث مجلس الأمن الدولي المكون من 5 أعضاء دائمين عن المصالح الخاصة لهذه الدول. ويشير الكاتب إلى أن السلام في الجغرافيا الإسلامية لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تجمّع الدول الإسلامية تحت (إرادة) واحدة، وهذا ما شكّك في إمكانية تحقيقه قريبًا.

ويرى الكاتب أن الاختلافات والصراعات التي تسببت في تدهور حال الجغرافيا الإسلامية أو العالم الإسلامي أصلها التحالفات في أوراسيا وشمال الأطلنطي التي لم تجد تركيا حتى الآن نفسها في تحالفات خارجها، ولذلك ينبغي على تركيا أن تجد تحالفات خارج هذه التحالفات في آسيا وإفريقيا، ويقدّم الكتاب مقترحات لأساسات هذا المحور الذي ينبغي إنشاؤه. ومن الجدير ذكره أن الكاتب لا يتناول الموضوع من جانب فردي لحالة تركيا معزولة عن محيطها، بل من خلال واقع النظام الدولي التي هي موجودة فيه، داعيًا إلى تغيير النظام الذي لا يسمح بتأسيس العدالة.

ويرى الكاتب أن الإرادة الوطنية في تركيا يمكنها أن تشمل مؤسسات الدولة كافة، ويلمح الكاتب بين السطور إلى أن الأتاتوركية والعلمانية عندما تبنتا مقاربة ضد الإيمان الشعبي فإنّ ذلك أدّى إلى خسارة تركيا، ومنعها من تحقيق الكثير من المكاسب. إن كتاب (من 28 فبراير إلى 15 تموز) الذي بين أيدينا يحتوي على تقييمات لا يمكن تجاهلها، وتُعَدّ من التقييمات الفُضلى للمشهد في تركيا، ولاسيّما للسنوات العشرين الماضية، سواء داخليًّا أم في إطار السياسة العالمية.

كما أن الكاتب الذي بدأ العمل مستشارًا في الرئاسة التركية منذ 15 أغسطس 2016 يقدّم لنا منظورًا شاملًا غير مختزل للدولة التركية، ويقيّم من خلال العديد من الملاحظات السنوات العشرين الماضية في تركيا، وهو كتاب يُوصَى بقراءته والاستفادة منه.


ملصقات
 »