رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

تجربة حزب الإصلاح اليمني  وما بعد الربيع العربي

تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن علاقة حزب التجمع اليمني للإصلاح ذي التوجّه الإسلامي، وأكبر المكونات السياسية في اليمن- بثورة الربيع اليمني، أو ما تعرف داخليًّا بثورة 11 فبراير2011م، من حيث موقفه منها، وذلك في إطار حجمه، وتأثيره، وعلاقاته بمكونات الثورة الفردية والجماعية، مرورًا بعاصفة الحزم

تجربة حزب الإصلاح اليمني  وما بعد الربيع العربي

ملخص تهدف هذه الدراسة إلى الكشف عن علاقة حزب التجمع اليمني للإصلاح ذي التوجّه الإسلامي، وأكبر المكونات السياسية في اليمن- بثورة الربيع اليمني، أو ما تعرف داخليًّا بثورة 11 فبراير2011م، من حيث موقفه منها، وذلك في إطار حجمه، وتأثيره، وعلاقاته بمكونات الثورة الفردية والجماعية، مرورًا بعاصفة الحزم، كأبرز عامل تحوّل شهدته البلاد مؤخرًا، وانعكاس ذلك على الحالة الإسلامية في اليمن، مع محاولة استشراف المستقبل. وفي سبيل ذلك استهلّت الدراسة وجهتها بالتمهيد لبدايات نشوء الإصلاح وجذوره، وخلفية مؤسسيه، وواقعه الراهن.البدايات:

  يبدو أنه ليس بالإمكان تقديم تاريخ محدّد عن لحظة انطلاق حزب التجمع اليمني للإصلاح، لكون جذوره ضاربة العمق في العلاقة العضوية بالجذو الفعلية ذات الصلة بحركة الإخوان المسلمين، ومركزها القائم في مصر، غير أن عددًا من الشواهد تتضافر لتؤكّد أن عقد الخمسينيات من القرن الميلادي المنصرم يمثّل اتجاه البدايات الفعلية النظامية لها، حيث كان للإخوان المسلمين في مصر، دور محوري فيها، ولاسيّما من خلال (مندوبهم) رجل الحركة، الجزائري الأصل السيّد (الفضيل الورتلاني)، الذي قدم إلى اليمن بصفة رجل أعمال لأول مرة في 1947م، ثم تبلور ذلك الاتجاه أكثر من خلال الشاهد الفعلي الأبرز المتمثل في التنسيق الفعلي المباشر بين قيادة حركة الإخوان في مصر وبعض الطلبة اليمنيين الدارسين هنالك، وبالتحديد في 1963م، حسبما يذهب إليه بعض الباحثين[1]. وهنا يفرض السياق لزامًا الإشارة إلى أسماء بعض الرواد الأوائل في تلك المرحلة وأبرزهم: أبو الأحرار القاضي محمّد محمود الزبيري (ت: 1965م) أكبر الرموز الفكرية والنضالية والثقافية للثورة اليمنية، في ثورتي 1948 و1962م، والأستاذ عبده محمّد المخلافي (ت:1969م) أول مراقب عام لحركة الإخوان المسلمين في اليمن، والشيخ عبد المجيد الزنداني، أحد أبرز مؤسسي الحركة الإسلامية وطلائعها الأوائل إلى جانب آخرين[2].

وظلت الحركة على حالة السرّية والعمل تحت الأرض، ككل الأحزاب والمكونات السياسية المجرّم ظهورها العلني، بحكم الدستور الدائم للجمهورية اليمنية القائم -وقتئذ- الصادر سنة 1970م، المستمر حتى إعلان الوحدة اليمنية بين شطري البلاد شمالًا وجنوبًا في 22/5/1990م. ولم تعلن الحركة عن نفسها تحت عنوان (التجمع اليمني للإصلاح) إلا في 13/9/1990م،  بعد توافر جملة عوامل موضوعية، لعلّ أبرزها سماح الدستور اليمني الجديد في مادته (58) بحق المواطنين في تنظيم أنفسهم "سياسيًّا ومهنيًّا ونقابيًّا..."[3]، فانعكس ذلك على قائمة المؤسسين الستين بالنسبة للتجمع اليمني للإصلاح، حيث شمل أسماءً من مختلف مناطق اليمن شمالًا وجنوبًا، وشرقًا وغربًا ووسطًا.

 

تشكّل حزب الإصلاح من مجموعة مكوّنات، أبرزها الجماعة التي كانت تصنّف على (الإخوان المسلمين)، وهي ذات الثقل الغالب، مع مكونات فرعية أخرى تمثّل روافد ثانوية، وتمثلت في عدد من الشخصيات الاجتماعية والمثقفين، والرموز القبلية، وبعض رجالات الأعمال، مع الإشارة هنا إلى أن بعض تلك الرموز وفي مقدّمتها الشيخ الراحل عبد الله بن حسين الأحمر، شيخ مشايخ حاشد، رئيس الهيئة العليا للإصلاح، مع رئاسته البرلمان اليمني حتى وفاته في (2007م)، عُرِفت بعلاقة ودّ ومناصرة لحركة (الإصلاح) الإسلامية طوال فترتها التي بدأت أولى معالمها مع ثورة 1948م (الدستورية).

وتضمّ الحركة اليوم جمهرة واسعة من الأعضاء من المثقفين المدنيين والعسكريين والأفراد من مختلف الفئات الاجتماعية. ولأن عددًا غير قليل من أولئك الأعضاء لا يشكّلون عضوية تنظيمية بل حشدًا جماهيريًّا في الظروف التي تتطلب ذلك؛ فإنهم إلى الأنصار أقرب، وبخاصة حين يُلحظ -وفق متابعين- غيابهم عن الفعل المؤثّر في مسار الحزب وقراراته ومواقفه واتجاهاته، في الأوضاع العادية، ولا يظهر صوتهم الداعم لمواقف الحزب إلا في المواسم الساخنة، كالانتخابات النيابية أو الرئاسية أو المحليّة –على سبيل المثال- وعند الأزمات الكبرى، وأكبرها بإطلاق الثورة الشبابية الشعبية التي اندلعت في منتصف شهر فبراير من عام 2011م،[4] ثم مواجهة الانقلاب الحوثي (نسبة إلى الحركة الحوثية التي أسسها حسين بدر الدّين الحوثي ت: 2004م)، والصالحي (نسبة إلى قوات الرئيس السابق علي عبد الله صالح) ، التي اجتاحت صنعاء في 21/9/2014م.

 

الإصلاح والربيع اليمني:

تؤكّد كل الشواهد أن الإصلاح تمكّن من إدارة عملية المشاركة في ثورة الربيع اليمني أو ما يطلق عليها داخليًّا بثورة 11 فبراير 2011م بآلية لافتة، فعلى حين يدرك كل المتابعين أن قاعدته الشبابية كانت الأصل الذي شكّل البنيان الأساس، والقاعدة الغالبة لشباب الساحات في مختلف محافظات الجمهورية؛ إلا أنه ظل ملتزمًا مع بقية القوى والأحزاب السياسية المعارضة الفاعلة[5] مسار الدعوة إلى الإصلاح السياسي. ولم يعبّر عن الموقف من الثورة صريحًا بمفرده، بل في صورة جماعية وردت في إطار دعوة أحزاب اللقاء المشترك للمكونات الحزبية والمجتمعية كافة إلى النزول إلى الشارع ومساندة المحتجين المطالبين برحيل الرئيس علي عبد الله صالح عن الحكم، وذلك في 20فبراير/شباط2011م، عقب سقوط أول شاب ثائر برصاص قوات الأمن الموالية للرئيس السابق صالح[6]، وبعد بلوغ تلك الأحزاب حالة اليأس من كل الجهود الإصلاحية التي بذلتها الأحزاب بقيادة أمين عام الحزب الاشتراكي اليمني -حينذاك- الدكتور ياسين سعيد نعمان، الرئيس الدوري لأحزاب اللقاء المشترك، في محاولة الحصول على ضمانات حقيقية لإثناء الرئيس السابق علي عبد الله صالح عن عدم الترشح لدورة قادمة، وعدم التوريث لنجله، وإصلاح مؤسسة الحكم.

ورغم تزايد الروح الثورية الشبابية الغاضبة خاصة على مسار الأحزاب والتنظيمات السياسية وفي مقدّمتها الإصلاح، من تردّدها وبقائها لفترة تتسول -في نظرها- محاولة إقناع الطبقة الحاكمة بقبول الإصلاحات السياسية، بعيدة عن المشاركة الرسمية العلنية مع الثوّار، والنزول إلى الساحات والميادين- إلا أن السلطة السياسية تمكنت بدهاء لافت -عبر أدواتها من الأجهزة الأمنية والوسائل الإعلامية والإعلام الجديد، ومن خلال اللقاءات، وما يُعرف في اليمن بجلسات (التخزين) أو (القات)- أن تدفع جمهرة كبيرة من الشعب، خارج ساحات التغيير، وحتى داخلها، بل حتى داخل الأحزاب ذاتها لتصوّر أن الأحزاب هي رأس الفساد، وجوهر المشكلة ولُحمتها وسداها، بحيث لا ينبغي إفساح المجال لها للمشاركة في الثورة، كي لا تفسدها، ثمّ تمكّنت السلطة بعد ذلك بدهاء أكثر أن تختزل مصطلح (الأحزاب)، في حزب التجمع اليمني للإصلاح! بل عمدت من خلال أدواتها الإعلامية إلى استخدام (فزّاعة) مصطلح (الإخوان المسلمين)، مقرونًا عادة باسم الإصلاح، وذلك بغية التأثير في المحيط الإقليمي، واستدرار عطف القوى الدولية التي تضع الإخوان في مقدّمة أجندة المكافحة بكل الوسائل، وعمدت في سبيل ذلك إلى البدء بهجوم مسلّح على حيّ الحصبة، بدءًا من منزل الشيخ صادق الأحمر، لتعمّ بعد ذلك حي الحصبة والحارات المجاورة، قبل أن تنتقل إلى بعض المديريات في محافظة صنعاء، مثل أرحب، ونهم، والحيمة -عدا مدينة تعز- وذلك بين قوات الجيش المؤيدة للرئيس السابق صالح وبين بعض المكونات القبلية المؤيّدة للثورة (من آل الأحمر خاصة)، مستخدمة كل أدوات الحرب، عدا الطائرات، لتصوّر الأمر أن الثورة ليست سلمية، بل السلمية مجرّد شعار فارغ المضمون، مع أن المراقبين بمن فيهم لجنة الوساطة المشكل أحد أطرافها بل رئيسها من جهة الرئيس السابق حمّلته المسؤولية في الابتداء بالقصف على منزل الشيخ صادق الأحمر (نجل الشيخ الراحل عبد الله الأحمر)، وحيّ الحصبة، وتكرّر القصف حتى في أثناء حضور لجنة الصلح القبلية الشهيرة[7]، وذلك قبل أن يُقصف المنزل بصاروخ في أثناء انعقاد لجنة الوساطة في 24/5/2011م، برئاسة اللواء غالب القمش رئيس اللجنة، وأصيب فيها بجراح، ويظهر أنه على خلفية نتيجة موقفها المدين للرئيس صالح -حينذاك- ضُرِبت. ولوحظ أن ساحات المعتصمين  وميادينهم ظلت -بصورة عامة- في كل محافظات الجمهورية متمسّكة فعليًّا بمنهج السلمية، رغم ما أصابها من عنف السلطة، خاصة حين كانت تسيّر مسيرات، أو ترتّب لبعض الفعاليات، ورغم استشراء قطع السلاح، في بلد لم يشتهر بأي شهرة قدر اشتهاره بحمل السلاح، لكن تُعدّ تلك آية الثورة السلمية في اليمن، برأي كل المراقبين.  

 لا يُمكن للمتابع لمسار الصراع متعدّد الوجوه بين الإصلاح والسلطة في أثناء الثورة أن يُغفِل أن السلطة تمكنت في سياق حربها المدروسة على الإصلاح من التأثير في أعداد هائلة من أعضائه وأنصاره بمستوياتهم المختلفة حين سوّقت لشعار (لا حزبية ولا أحزاب، ثورتنا ثورة شباب)، وذلك داخل ميادين الثورة وساحات الاعتصام، ولاسيما في أكبر تلك الميادين والساحات بإطلاق، أي ساحة التغيير بالعاصمة صنعاء. وبدلًا من أن يُناقش الثوار-بمن فيهم شباب الإصلاح- ذلك برويّة، راحوا يُردّدون تلك المقولة كغيرهم، وكثيرًا ما سُمع الترديد الجماعي الهادر لها، ومرماهم التأكيد أحيانًا أن لا علاقة للأحزاب -والإصلاح في مقدّمتها- بالثورة، ولا تأثير لقياداتها في مسارها، من أي وجه، وذلك وإن كان صحيحًا من بعض وجوهه، ولكن لوحظ أن الأمر لم  يقتصر على الاستقلالية في القرار الخاص بالثورة وفعلها وأنشطتها واتجاهها، بل تجاوز ذلك إلى النفي شبه الكلي، عن أي ّ علاقة للأحزاب بالثورة، من دون أن يسأل الثوار -وفي مقدّمتهم شباب الإصلاح- عما إذا كانت تلك  (تهمة) حقيقية كي تُنفى على ذلك النحو؟ أم يمكن استحضار مقولة: "تهمة نُنكرها، وشرف لا ندّعيه" -مثلًا- إذ استبطنت المشايعة تلك الاعتراف بأن الحزبية (خيانة وطنية)، أو رجس من عمل الشيطان يجب اجتنابه، لإثبات البراءة والطهر! مع ما يعلمه كل متابع لشأن الثورة الشبابية الشعبية في اليمن أن الأحزاب -وحزب الإصلاح على وجه الخصوص- هو من كان ذا أثر بالغ في مسار هذه الثورة في عمومها، وإن لم يُعلن عن ذلك، نظرًا لوجود مثل تلك الحساسية، التي غذتها السلطة، من خلال وسائلها الإعلامية، والاستخبارية؛ بل يمكن القول -من وجهة نظر متابعين غير حزبيين- إنه كان يستحيل تخيّل ثورة على ذلك النحو لا يشارك فيها الإصلاح، نظرًا لحجم تضحياته، واتساع قاعدته، وتأثيره البشري، وقدراته الإدارية والفنية والمادية.

ولعل من أبرز الشواهد القوية التي يمكن أن تساق في معرض التدليل على الحضور الفعلي المؤثّر للأحزاب، سواء تلك المرتبطة بالسلطة -وقتئذ- أم المحسوبة على الثورة -والإصلاح (خاصة) بوصفه موضوع هذه الدراسة- أنها هي شكّلت الحكومة مجتمعة، وليس غيرها، وعلى حين مثّل حزب المؤتمر وحلفاؤه نصف الحقائب، فقد مثّل اللقاء المشترك وشركاؤه الثورة والثوار في التوقيع على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية الموقَّعتين في الرياض بتاريخ 23/11/2011م، في إطار مساعي البحث عن مخرج للأزمة التي عصفت بالبلاد، ثم تسلّمت جميعها زمام السلطة وحقائب الوزارات في الحكومة المؤقتة. ويأتي ذلك بالنسبة لأحزاب اللقاء المشترك بوصفها محصلة لنضال شبابها وأعضائها في مختلف الساحات وميادين التغيير في عموم محافظات البلاد، وكان نصيب الإصلاح منها خمس حقائب، من أصل 18 وزارة، هي نصيب أحزاب اللقاء المشترك وشركائه، وفقًا لنصوص المبادرة الخليجية، التي منحتها 50% من الحقائب الوزارية الإجمالية، حيث عدده الكلي 36 حقيبة. وذلك شاهد آخر على الدور الريادي للإصلاح في قيادة الثورة وشبابها؟ ومن المعلوم أنه كان لشباب الساحات موقف سلبي مُعلن من المبادرة الخليجية تلك، بسبب منحها الرئيس السابق وكل من عمل معه من تاريخ بداية حكمه إلى حين توقيع الاتفاقية حصانة شاملة من المساءلة القانونية، أو الملاحقة عن كل ما وجّه إليهم من تهم الفساد والانتهاكات[8]، وذلك على خلاف موقف قيادة الأحزاب، التي أعلنت موافقتها على المبادرة، لكونها أقل المخارج كلفة، ومن ثمّ وقّعت عليها بصفتها طرفًا رئيسًا في الاتفاقية. ولو لم تكن الأحزاب هي من قادت الثورة -وحزب الإصلاح بشكل رئيس- لما استسلم الشباب في الساحات والميادين لضغوطها، خاصة بعد أن وقعت فعليًّا عليها، ومعلوم أن الشباب -وفي مقدّمتهم شباب حزب الإصلاح- لم يكونوا عاجزين عن الإعلان عن ثورة جديدة على الحكومة الجديدة، لو كانت حقًّا لا تمثل أغلبيتهم -على الأقلّ- تلك التي التفت نحو حكومة الوفاق الوطني، ومرشّح الرئاسة التوافقي المشير عبد ربّه منصور هادي!  ودفعت بشبابها للتصويت على انتخابه في 21فبراير/شباط 2012م.

وإذا كانت بعض استطلاعات الرأي -حسب مركز أبعاد للدراسات- توقّعت أن نسبة شباب الساحات المؤيدين للمشاركة في الانتخابات الرئاسية قبيل إجرائها قُدِّر بـ80%؛ فإن الواقع الفعلي أكّد أن نسبتهم تجاوزت ذلك عمليًّا. والواقع أنّه من غير المتصوّر من الأساس قيام ثورة –ناهيك عن نجاحها- في واقع كواقع المجتمع اليمني حاليًّا بلا مشاركة للأحزاب، ولاسيما حزب الإصلاح على خاصة.

إن تبني الأحزاب للثورة وقاها من مغبة العواقب التي كان يمكن أن تودي بها فيما لو انجرّت إلى استفزازات النظام ومن عرفوا بـ(البلاطجة)، وتابعت الشباب بحماسته المعهودة، في غير ما موقف ومرحلة، خاصة بعد أن اشتدت المناداة الصاخبة بجملة (الحسم الثوري)، وهو العنوان الذي تداخل فيه الممكن مع المستحيل، واتضح لاحقًا –وربما منذ اللحظات الأولى لدى البعض- أن المصطلح  لا يخلو من (هلامية) في أحسن الظنون، ومن (خُبث) في أسوئها، ومفاده المباشر البسيط: الانجرار نحو عملية انتحار جماعي لدى نظام أرعن، أدمن الجريمة، ولا يتورّع عن القتل بأي طريقة وأيّ عدد، وربما كنا قد شهدنا سوريا أخرى!

 لعل الإصلاح -ومعه بقية القوى السياسية- أدرك أن واحدًا من أسرار (تفزيع) السلطة بالأحزاب كونها جميعًا –ومنها الإصلاح- لم تقم بدورها طيلة تاريخها في مساندة الشعب – كل الشعب وليس أعضاء أحزابها وحدهم- لنيل حقوقه عمليًّا في المواطنة بكل مضموناتها، وأهمها –عنده- ضمان  الحصول على حدّ معقول من الحياة الكريمة، ونيل الحقوق المدنية الأساسية الأخرى في حدودها المعقولة، ليتميّزوا عن معاناته من السلطة السياسية القائمة -حينذاك- المتهمة بالاستئثار بالسلطة والمال والأعمال، والبغي وانتهاك المحظور، بيد أن الحقيقة أن الإصلاح وبقية الأحزاب لم تصعّد خطابها تجاه السلطة السياسية قبيل الثورة إلا لتسلُّم السلطة والفوز بالانتخابات النيابية ثم الرئاسية، وفق منطق (الهَبّة الشعبية) التي أعلنت عنها أطراف اللقاء المشترك ومؤتمر الحوار الوطني الذي أداره الشيخ حميد الأحمر في 2010م، ردًّا على (تخرّصات) حزب المؤتمر الشعبي العام (الحاكم)، الذي كان يعتزم المضي في إجراء الانتخابات النيابية منفردًا، بل مستفزًّا للجميع بمقولة (خلع) العدّاد الرئاسي على لسان أحد صقوره (سلطان البركاني) رئيس الكتلة البرلمانية لحزب المؤتمر الشعبي الحاكم -وقتذاك-! وفرض منهج (التوريث) لنجل صالح الأكبر (أحمد)، زعمًا منه أنّ ذلك يأتي التزامًا بموعد الاستحقاق المفترض وهو إبريل 2011م، الموعد الذي كان مضروبًا منذ عام 2009م، للانتخابات البرلمانية!

عاصفة الحزم: التحوّل الأبرز

لم يكد يخرج مؤتمر الحوار الوطني الذي استمر من 13مارس/آذار2013- 25يناير/كانون الثاني 2014م بقراراته وتوصياته، ومنها التوصية بتشكيل لجنة لصياغة دستور جديد- حتى وصل تمدّد جماعة الحوثيين المسلّحة من محافظة صعدة وآخرها الاستيلاء على بلدة دمّاج وتهجير أهاليها وطلبة العلم فيها في مطلع 2014م، بعد حصار دام أكثر من شهرين، ثم تلاه إسقاط منطقة حاشد بما فيها القضاء على رموز أسرة آل الأحمر، حيث مسقط رأسها هنالك، تشريدًا، وتدميرًا لمنازلهم، ونهبًا لممتلكاتهم، ثم محافظة عمران، وصولًا إلى العاصمة صنعاء في 21/9/2014م، ومنها إلى بقية المحافظات بما فيها عدن وبعض المحافظات الجنوبية، مما اضطر رئيس الجمهورية عبد ربه منصور هادي، إلى الاستنجاد بقيادة المملكة العربية السعودية، وبعض دول المنطقة، بعد أن فرّ إلى عدن، وقبل أن يصل إلى السعودية، من جرّاء سيطرة الحوثيين على صنعاء وحصارهم لمنزله، وإرغامه مع رئيس الحكومة -حينذاك- المهندس خالد بحّاح على تقديم استقالتيهما في 22/1/2015م، وملاحقتهما إلى عدن، وهو ما استدعى، تلبية السعودية وحليفاتها لطلب رئيس الجمهورية، بإعلان ما عُرف بعاصفة الحزم، التي اندلعت صبيحة 26/3/2015م. ولم تكد تندلع حتى كان الحوثيون وحليفهم صالح قد قاموا بحملة اختطافات واسعة، وتدمير لعشرات المنازل، والمساجد والمؤسسات التربوية، وخاصة مدارس تحفيظ القرآن الكريم ومراكزه، والمؤسسات الإغاثية لعناصر إصلاحية، أو مصنّفة عليها، في كل من صعدة، ومحافظة عمران، وبعض أجزاء من حجة، ثم تزايدت أكثر وأكثر بعد اجتياحهم محافظات أخرى منذ ما بعد شهر سبتمبر/أيلول2014م، ناهيك عن السيطرة على مقرات مؤسسات إعلامية مرئية ومقروءة ومسموعة وإلكترونية وغيرها، ونهبها، وتكاد كلها تكون محسوبة على الإصلاح، أو داعمة لخط رفض هيمنتهم.  

وكل ذلك دفع الإصلاح لإصدار بيان في 2/4/2011م حَمَّل فيه الحوثيين مسؤولية كل ذلك التدهور وتداعياته، بسبب انقلابهم على الشرعية وانتهاجهم مسلك العنف، بما في ذلك فرض الإقامة الجبرية على الرئيس والحكومة، وتعطيل أعمال المؤسسات، واجتياح المناطق والمحافظات، حتى بلغ ذلك تعز ولحج والضالع وأبين وشبوة وعدن وفق تعبير البيان، ومن ثمّ أيَّد العاصفة والقائمين عليها، شاكرًا للدول الحليفة وفي مقدمتها السعودية موقفها[9].

ظهر من مفردات البيان أن ثمة سياسة جديدة في طريقة تعاطي الإصلاح مع الحوثيين، بعد أن بلغت تعقيدات المشهد ذلك المدى، وحاصله استعداد الإصلاح لتحمّل ضريبة موقفه الصريح، رغم ما وفره ذلك للحوثيين من غطاء للبطش بمن لم يغادر خارج البلاد، أو يسارع إلى مأرب، أو يعود إلى محافظته التي لم يصلها الحوثيون، كحضرموت في الجنوب، من قياداته العليا، والوسطى، وناشطيه، وعموم عناصره، والاستيلاء على ما تبقى من مقراته، وبعض مؤسساته، وما يصنّف عليه، أكثر بكثير مما حدث في 21/9/2014م، وما تلاه، حيث اختُطِف العشرات من قيادات الإصلاح وناشطيهم في أمانة العاصمة على نحو ممنهج منذ 4/4/2015م، ووصلت الاختطافات في ذلك اليوم إلى بعض قيادات الصف الأول من أعضاء الهيئة العليا للإصلاح، ورؤساء دوائر وبرلمانيين، وقيادات وناشطين من مستويات مختلفة، ناهيك عن آخرين، قبل ذلك اليوم وبعده، في محافظات الحديدة، وذمار وإب وغيرها. وبحسب مركز صنعاء الحقوقي فقد بلغت الاختطافات في ذلك اليوم وحده  (122)قياديًّا وعضوًا وناشطًا في حزب الإصلاح، إضافة إلى مداهمة واقتحام (17) منزلًا ، و(9) مقرات تابعة لحزب الإصلاح، ونهب (5) من منظمات المجتمع المدني، و(6) من عمارات السكن الطلابي... ثم تتابعت عملية الاختطافات والمداهمات للمنازل في الأيام التالية[10]، لتزداد الأعداد وتتضاعف الانتهاكات، حتى قُدِّرت أعداد المختطفين بعد ذلك سواء من الإصلاحيين أم من غيرهم بنحو 6 آلاف مختطف، وكلما مرّ وقت ازدادت أعدادهم أكثر.

إن قراءة ذلك البيان الإصلاحي يعني أنه فتح على نفسه فصلًا جديدًا من التبرير لخصومه الحوثيين وحليفهم صالح، لارتكاب المزيد من الإيغال العنيف من جهة، وللضغط على دول التحالف لإيقاف الضربات الموجعة للحوثيين وحليفهم صالح من جهة أخرى، وهذا يعني أن بإمكان الحوثيين اللعب بأوراق كثيرة من أبرزها القيام بحملة اختطافات وانتهاكات واسعة لأبرز مؤيدي (عاصفة الحزم)، بهدف الضغط لإيقافها. واللافت في الأمر أن التأييد للعاصفة صدر على نحو أو آخر، نظريًّا، أو عمليًّا، من قبل بعض الأحزاب المعارضة، بيد أنه لم يطل قياداتها أي اختطاف أو ملاحقة، وانحصر ذلك على الإصلاح وحده!

والواقع أن الحركة الإسلامية في اليمن، ممثلة في التجمع اليمني للإصلاح، لم تمر بمنعطف حاسم، أو محنة حقيقية في تاريخها، الذي بلغ نصف القرن، أو يكاد، على نحو ما حدث لها عقب عاصفة الحزم وما تلاها. ولولا أن مشيئة الله وسنته في التدافع هيأت لها ملاذًا داخليًّا غدا آمنًا نسبيًّا، منذ بداية العاصفة، ومحافظة منيعة كمأرب، لتخطّف الحوثيون وحليفهم صالح الإصلاحيين ومن يُحسَبُ عليهم، وكل من يعارض منهجهم في الهيمنة، ولأذاقوهم جميعًا سوء العقاب. ويتذكّر كل متابع للأحداث عن كثب أنّه لما استعص إخضاع مأرب بتهديد الحوثيين وحليفهم صالح ووعيدهم؛ غدت الهدف الإستراتيجي الأول لهم، كي تُقصف بالطيران، وتحدث مراقبون على اطّلاع أن صبيحة يوم العاصفة كان يومًا للقصف المؤكّد على مأرب، لولا استباق العاصفة له بساعات[11]، مما تسبب في شلّ ذلك السلاح، وخروجه عن الفاعلية تمامًا، وإذا أضفنا إلى الملاذ الداخلي (مأرب) قيام العربية السعودية بفتح حدودها، أمام هجرة الإصلاحيين وغيرهم، أو بالأحرى فرارهم إليها، بعشرات الألوف قبيل اندلاع العاصفة، وفي أيامها الأولى تحديدًا، وحشدها للقوى المعارضة للانقلاب-والإصلاح في مقدّمتها- من الإمكانات المادية والعتاد العسكري واللوجستي، علمنا أن ذلك جعلها تستوي على سوقها، وتعود لتسنّم مواقعها في قيادة النضال مع آخرين، ضدّ الحوثيين وحليفهم الرئيس السابق صالح- وإلا لربما كانت القاضية إلى حدّ كبير. ويُلاحظ كذلك أن دور الإصلاح النضالي، عقب العاصفة كان رياديًّا، حيث قضى المئات من رجاله وقياداته وأبنائهم وشباب الإصلاح عمومًا - كما غيرهم وأكثرهم من المصنفين عليهم- في مواجهة انقلاب الحوثيين وحليفهم صالح، في الجبهات والميادين -وهو الأغلب- ومَن ظل منهم في موطنه، مصدّقًا شعارات الحوثيين أنهم لا يستهدفون، إلا من التحق بجبهات العدوان، أو أيدها -وهم يقصدون التحالف العربي بقيادة السعودية- أو لأسباب أخرى تعنيه؛ فإن عددًا منهم قضى في عمليات اغتيال، أو قتل مباشر، أو غير مباشر، أو مات تحت التعذيب في سجون الميليشيات، أو خُطِف بأساليب شتى! واللافت أن كل تلك التضحيات لم تشفع للإصلاح لدى بعض الدوائر الداخلية والإقليمية والدولية، بل ظل بعضها  يُطالبه ببذل المزيد لإثبات مصداقيته في المواجهة، ووصل ببعض الأطراف الإقليمية أن وجّهت أقلامًا وألسنة في بلدانها لتنال من الإصلاح، وتعدّه ضمن مسلسل التآمر مع الحوثيين! فيما لاتزال هي وغيرها تصنّفه واحدًا من الأطر التي تمثّل تهديدًا لها، وكثيرًا، ما كانت بعض تلك الجهات الداعمة للشرعية، والمنخرطة في إطار التحالف، تعزو أسباب تأخر حسم المعركة في بعض الجبهات والمواقع، وأبرزها جبهة محافظة تعز، إلى قيادة الإصلاح للمعركة، وهو ما أدّى في نهاية المطاف إلى مغادرة أبرز شيخ  في مقاومة تعز، أو من يصفه بعضهم بشيخ المقاومة هناك (حمود سعيد المخلافي) إلى خارج البلاد. وقد  قُرِئ -من قبل متابعين- بأنه قرار نفي مقصود، وإن جاء في صورة خروج مؤقت، لطلب المعونة لمقاومة تعز، غير أنّه تأكّدت تلك الفرضية، بعد أن ظل الشيخ خارج البلاد وخارج تعز -بوجه أخص-10 أشهر كاملة، مذ غادرها في 30/3/2016م، حتى عودته إلى البلاد، ولكن إلى مدينة مأرب في 30/1/2017م، لا إلى مدينة تعز، وبقاؤه في الأولى بعد ذلك، رغم المطالبات الشعبية من قِبل أبناء تعز خاصة بعودته، كما حدث في احتشاد جماهيري نظمته المقاومة الشعبية في مدينة تعز في 29/9/2016م، طالبت فيه الشيخ المخلافي بسرعة عودته، لاستئناف قيادة المقاومة في تعز. ومما أكّد رمزية المخلافي وضرورة عودته إلى تعز، اندلاع فوضى عارمة في منتصف شهر يناير/كانون الثاني 2017م في أوساط أطراف مصنفة على المقاومة، مما أحدث قلقًا للسكينة العامة، وترويعًا للمجتمع فوق معاناته اليومية من جرّاء الحرب المصبوبة عليه، رغم تبرؤ بعض أطراف المقاومة منها، وبعضهم محسوب على عائلة المخلافي (غزوان وصهيب المخلافي)، وهو ما دعا طرفًا آخر في قيادة المقاومة في الجبهة الشرقية بتعز، وأحد أطراف المشكلة القائمة، ويدعى الشيخ أبو العباس عادل فارع (محسوب على أحد فصائل السلفية في الجبهة الشرقية لتعز)- إلى الانتقال في 15/2/2017م  من تعز إلى مأرب، للالتقاء بالشيخ حمود المخلافي، بهدف تطويق المشكلة، وأصدر عقب عودته إلى تعز،  بلاغًا للرأي العام في 19/2/2017م، ثمّن فيه ضمنًا للشيخ المخلافي حسن تفهمه، ولبعض مشايخ مأرب الذين استقبلوه، وساعدوا على نجاح مهمته[12]. في تلك الأثناء، وفي أجواء الانفلات الأمني الذي غشى المدينة كان رئيس التجمع اليمني للإصلاح في تعز السيّد عبد الحافظ الفقيه قد تعرّض في 13/2/2017م، إلى محاولة اغتيال فاشلة، أصيب فيها سائقه ومرافقه، وجراح الأول بليغة، أفضت إلى دخوله غرفة العناية المركزة بالمشفى.

 

الانعكاس على الحالة الإسلامية:

 يمرّ الإصلاح اليمني بمرحلة ابتلاء عسيرة -كشأن العديد من الحركات والجماعات السلمية المعتدلة في المنطقة بأقدار متفاوتة- فهو من جهة يسعى ليحقق أهدافه الدعوية والسياسية بأساليب سلمية، لكنه يتحول إلى ضحية لجماعات العنف على نحو مباشر كجماعة الحوثيين، ومن جهة تتّهمه أطراف داخلية وخارجية بأنه أحد جماعات العنف، أو الداعم لها، في الوقت الذي يُطالَب بأن يقدّم القرابين من عناصره وأفراده، دفاعًا عنها، تُجاه خصوم خصومه، كي يثبت مصداقيته في  ولائه لوطنه وأمته وأشقائه، حتى ممن يصنّفونه في عداد جماعات العنف! ولا شك أن لهذه الضغوط ولهذا التربص انعكاساته على فكر الإصلاح، وأدائه السلوكي المرحلي -على الأقل-. ومن ذلك يمكن تسجيل الملحوظات الآتية:

  • تراجع ذلك الصوت المنادي بدولة إسلامية أو ما في حكم ذلك الشعار، من مثل تطبيق الشريعة، أو الحكم بما أنزل الله، أو نحو ذلك، ليظل محصورًا في الاتجاه (العُلَمَائي) -إن صحّ الوصف- أو ما يوصف بـ(المحافظ) داخل الإصلاح، وغدا الاتجاه الغالب ذو الصوت العالي هو التحوّل نحو المناداة بدولة (مدنية ديمقراطية حديثة)، بوصف ذلك لا يتعارض مع الدولة الإسلامية المنشودة، لكن من غير مناداة صريحة أو مباشرة بها، ويبدو أن ذلك علاوة على كونه قد جاء متأثّرًا بشعارات الثورات السلمية التي سبقت الثورة اليمنية؛ فإنّه قد أرسل تطمينًا للخارج الذي يراقب مجريات الثورة عن كثب، ليحدّد موقفه النهائي مَن الطرف الأكثر تأثيرًا؟ وما إذا كانت مقاليد الأمور ستؤول إليه بعد رحيل صالح وعائلته ونظامه؟ فكأن ذلك التطمين قد جاء في صورة شعار (الدولة المدنية)، حتى لا يخشى الخارج من سيطرة أكبر الأحزاب وأقواها (الإصلاح) على الثورة الشبابية الشعبية، هذا علاوة على التطمين الداخلي كذلك لحلفاء الإصلاح في إطار اللقاء المشترك-قبل غيرهم- الذين ربما ساور بعضهم الشكّ في استحواذ حليفهم الأكبر على  نصيب الأسد من حصاد الثورة، ولهذا رأينا استباق الأمين العام المساعد لحزب الإصلاح الذي أصبح حاليًّا وزيرًا للتخطيط والتعاون الدولي (عن الإصلاح) في حكومة الوفاق الوطني الدكتور محمّد سعيد السعدي في بعض لقاءاته، ليؤكّد باكرًا على أن الشراكة بين الإصلاح وحلفائه ستظل عشر سنوات قادمة على الأقل، ثم جاء تأكيد الناطق الرسمي الأسبق لأحزاب اللقاء المشترك عضو الهيئة العليا للإصلاح السيّد محمّد قحطان في بعض لقاءاته الإعلامية كذلك على المضمون ذاته. ولعل من أكبر الشواهد العملية التي قدّمها الإصلاح لتعزيز ذلك الاتجاه المتمثّل في عدم نيته السعي نحو الانفراد بالحكم في المرحلة المقبلة اقتصار مشاركته في حكومة الوفاق الوطني على خمس حقائب، من أصل 18 حقيبة تمثّل التي تمثّل 50% -كما سبقت الإشارة- وهي ملحوظة تشير إلى مصداقية الحزب في عدم الحرص على الاستئثار، رغم ما يشهد به الجميع من الحضور والحجم والتأثير، علاوة على التضحية البشرية والمادية!

 وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على خصوصية التجربة السياسية اليمنية وثورتها السلمية، إذ بينما حصد الإسلاميون في كل من تونس ومصر والمغرب والكويت أغلبية الأصوات والمقاعد البرلمانية، ومن ثم رأسوا الحكومات، أو شاركوا فيها بحجمهم غالبًا، وكذا المجالس النيابية، على نحو ما جرى في تونس والمغرب -على سبيل المثال- حتى وصف الشيخ القرضاوي هذا الحراك الهادر في المنطقة بأنّه يمثّل عصر الإسلاميين أو حكوماتهم أو بتعبيره:" إن الليبراليين والعلمانيين أخذوا زمانهم، وهذا هو زمان الإسلاميين"[13].

  • تأكيد خصوصية الحركة الإسلامية اليمنية ممثلة في التجمع اليمني للإصلاح؛ لتجنّب ربطها بجماعة الإخوان المسلمين، نظرًا لما تمثله الثانية من حساسية لدى المجتمع الإقليمي والدولي، وفي ذلك صدر بيان من قبل الحزب عقب الثورة، في 30/10/2013م، وورد فيه الرد المباشر على الرئيس السابق صالح، حين أصرّ على ذلك الربط شخصيًّا، أو عبر وسائله الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، وجاء في البيان:

"وإننا مع تأكيد احترامنا لتجربة الإخوان المسلمين التاريخية العريقة والناضجة المنطلقة من الوسطية كمنهاج دعوة وحياة، فإننا نؤكد أن التجمع اليمني للإصلاح هو حزب سياسي يمني رسمي، ولا تعنينا أية تسميات أخرى، يطلقها علينا الغير، مادحًا كان أو قادحًا، وهو كيان سياسي مبني على السلمية في بناه التنظيمية، ويرفع شعار (النضال السلمي طريقنا لنيل الحقوق والحريات) منذ مؤتمره العام الثالث المنعقد في ديسمبر 2002م كشعار متجذر في أدبياته وأفعاله ومواقفه"[14].

  كما ورد تأكيد ذلك في مقالة نشرها رئيس هيئته العليا السيّد محمد عبد الله اليدومي على حائطه في الفيس بوك، في ذكرى تأسيس الحزب السادسة والعشرين، أي في 13سبتمبر/أيلول 2016م في أثناء وجوده هو وعدد من قيادة الحركة، وبعض عناصرها في السعودية، في ظل المواجهة مع الانقلابيين[15].

  • زيادة التركيز على حزب الإصلاح وهو ما فُهِم منه نفسه من خلال استهدافه إقليميًّا -بوجه أخص- حيث يخرج بين الحين والآخر اتهام شبه رسمي، بلسان أو قلم شخصيات مقرّبة من صانع القرار، في دولة الإمارات العربية المتحدة -على سبيل المثال- لتشير -بنظر متابعين- إلى الرغبة الرسمية في النيل من الإصلاح، والتشكيك في مواقفه واتجاهاته، فعلاوة على تصريحات الفريق ضاحي خلفان القائد العام لشرطة دبي سابقًا، وأنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية المتكررة في النيل من الإصلاح والتشكيك في مواقفه وولاءاته، فقد كان هناك صدى سلبي واسع في وسط الإصلاح، وأنصاره، والمتعاطفين مع مواقفه، ولاسيما في الظرف الراهن إزاء ما نشره موقع 24 الإماراتي من أن قيادات إصلاحية باعت أسلحة ضخمة للحوثيين، من بينها صواريخ متوسطة المدى، استهدف بها الحوثيون المدن السعودية، قبل أن تقوم قوات المقاومة الشعبية بضبط بعضها إثر عملية عسكرية تمت في مديرية البقع، بمحافظة صعدة[16]ومع ذلك فقد لوحظ عدم القيام بأي رد فعل رسمي من جهة الإصلاح، حرصًا -فيما يظهر- على عدم تعكير مسار الدور العسكري الإماراتي في الحرب الدائرة.
  • شعور متزايد لدى عدد غير قليل من شباب الإصلاح وأعضائه بضعف القيادة، ومن ثَم حدثَ

قدر من اهتزاز الثقة في بعضها، خاصة منذ حدثت الصدمة الكبرى بسقوط صنعاء بأيدي الحوثيين وحلفائهم في 21/9/2014م، مع الإدراك المفترض لما حدث من خيانة واسعة، من قبل القيادة  العسكرية وأبرزها في قيادة مؤسسة وزارة الدفاع، وكأن تلك بدت مفاجأة لحظية، رغم كل المقدّمات التي تشي بقدر من هذه النتائج، في ظل انعدام قيام الدولة بوظيفتها، في حماية مواطنيها، وترديد وزير الدفاع السابق اللواء محمد ناصر أحمد بأن الجيش اليمني يقف على الحياد مما يجري، وذلك  منذ سقوط بلدة دماج بمحافظة صعدة أواخر 2013م.

  • شعور عدد غير قليل من شباب الإصلاح وأعضائه باضطراب في بعض المبادئ الكلية، ومنها المفهومات السياسية الكلية، كالعلاقة بين الدين والدولة، وبخاصة في ضوء الإخفاقات المتتابعة في بعض النماذج السياسية، التي أُجهِضت سواء في السودان، أم مصر، أم سواهما، والتناقض في الأطروحات الإسلامية بين الجماعات والطوائف والمذاهب، مع الاجتهادات التي تبدو في بعض جوانبها إلى التعارض الجوهري أقرب، علاوة على هجمة ثقافية غربية ليبرالية، تقدّم العلمانية مخرجًا لكل ذلك. ومهما يكن في ذلك من لبس، وضعف إدراك، وتزييف وعي، وتداخل، -عند التحقيق- لكنها تركت أثرًا سلبيًّا، في وعي و(لا وعي) بعض أولئك الشباب.
  • لا يمكن إنكار سيطرة النَّفَس الطائفي والمذهبي والمناطقي على عدد غير قليل من المنتسبين للإصلاح، بوصفه رد فعل للتطرف المقابل، من قبل الحوثيين الذي يصفون الإصلاحيين والسلفيين معًا منذ بداية زحفهم في السيطرة على المحافظات، بدءًا من محافظة صعدة في 2013م حتى إسقاط صنعاء في 2014م، وما بعدها، بتهمة التكفير والداعشية والوهابية، ليرد عليهم بعض الإصلاحيين بتهم المجوسية والرافضية ونحو ذلك.
  • حدث كذلك تسلل للنَّفَس المناطقي إلى بعض الأفراد في حزب الإصلاح في بعض المدن والمحافظات ذات الخلفية السنيّة (الشافعية)، على خلفية الهجوم الحوثي المصحوب -في ظاهره- بحمولة مذهبية شيعية زيدية إلى مناطق شافعية أبرزها تعز والحديدة وجنوب البلاد، ومن ثم ظهرت مصطلحات ذات دلالة سلبية، مثل مصطلح الهضبة الشمالية، وسكان شمال الشمال، وهما مصطلحان وإن ظهرا محايدين جغرافيًّا لكنهما يتضمنان حمولة سلبية، تعني أن كل سكان الهضبة وشمال الشمال، أو حتى أغلبيتهم، يؤيدون الحوثيين في انقلابهم وغزوهم للمناطق الشافعية، وذلك غير صحيح على الإطلاق -من وجهة نظر مراقبين- إذ إن عدد ضحايا الحوثيين في تلك المناطق يصل إلى الآلاف، وكذا الجرحى، أما المشردون والجرحى فبمئات الآلاف، كما أن مئات البيوت والمساجد والمؤسسات دمرها الحوثيون في تلك المناطق، بدءًا من صعدة ومرورًا بحاشد وعمران وصنعاء، وذمار، أو جزء غير قليل من هذه المحافظة الأخيرة، غير أن أبرز التضحيات تصدرتها محافظات صعدة وصنعاء وعمران، وكلها تقع في الهضبة الشمالية أو شمال الشمال. وتعدّ مقاومة تلك المناطق من أقوى المقاومة، وتكاد كلها تكون من أبناء تلك المناطق.

استشراف المستقبل:

لعلّ من الصعوبة بمكان التكهّن بمستقبل الإصلاح على المستويين المتوسط والبعيد، أما على المستوى القريب، فإنه رهن بما ستسفر عنه الحرب القائمة بين الحوثيين وحليفهم صالح من طرف والقوات الحكومية والمقاومة الشعبية ومن ضمنها الإصلاح من طرف آخر، وورهن كذلك بطبيعة الحل المفترض، فيما إذا كان عسكريًّا أو سياسيًّا، أو عسكريًّا يُلجِئ الحوثيين وعلي عبد الله صالح إلى الرضوخ للحل السياسي السلمي، الذي يعني في أبرز مدلولاته نزع سلاح الحوثيين ومن يقف إلى جانبهم من القوى غير العسكرية الرسمية، كي ينعم الجميع بالسلام والاتجاه نحو البناء، وإلا فإن الإصلاح، جزء من شعب مسلّح، وهو حاليًّا يتصدّر المقاومة المسلحة، جنبًا إلى جنب مع الجيش الوطني، ولن يقبل أعضاء الإصلاح وأنصاره- وفقًا لمسار الأحداث- ببقاء الحوثيين عامل تهديد مستمر لأمنهم ومجتمعهم، وربما يقول قائلهم: لم يعد لدى الإصلاح ما يخسره، فإما دولة عدالة يخضع لحكمها الجميع، وإما استمرار المقاومة إلى أن يتحقق ذلك الهدف، سواء أطال الزمن أم قصر!

الهوامش والمصادر:

 

[1]عبد القوي حسان، الحركة الإسلامية في اليمن (دراسة في الفكر والممارسة): التجمع اليمني للإصلاح نموذجًا (ملخص كتاب)، مجلة المستقبل العربي، أيلول/سبتمبر2014م، السنة 37، العدد427، ص45، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

[2] لمعرفة طبيعة النشأة وظروف المرحلة راجع -على سبيل المثال- أحمد محمد الشامي، رياح التغيير في اليمن، 1984م، د.م: المطبعة العربية، وحميد شحرة، مصرع الابتسامة: سقوط مشروع الدولة الإسلامية في اليمن: 1938-1948م، 2000م، صنعاء: المركز اليمني للدراسات الإستراتيجية، والتجمع اليمني للإصلاح، الإصلاح: النشأة والمسار: 2002م، صنعاء: مكتبة خالد بن الوليد، وناصر محمد الطويل، العلاقة بين النظام السياسي والإخوان المسلمين في اليمن: دراسة في المحدّدات الداخلية والخارجية، 2008م، كلية التجارة ، قسم العلوم السياسية والإدارة العامة، جامعة أسيوط (رسالة ماجستير نشرت لاحقًا)، وعبد القوي حسّان، الحركة الإسلامية في اليمن (دراسة في الفكر والممارسة): التجمع اليمني للإصلاح نموذجًا،2014م، ط الأولى، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، وفريق من الباحثين، دراسات في مسيرة التجمع اليمني للإصلاح، 2012م، صنعاء: المركز اليمني للدراسات الإستراتيجية.

[3] رئاسة الجمهورية اليمنية، المركز الوطني للمعلومات، دستور الجمهورية اليمنية، 1991م، الباب الثاني (حقوق وواجبات المواطنين السياسية)، المادة (58).

[4] أحمد محمد الدغشي: الإصلاحيون بين تطلعات الأمس وتحدّيات اليوم: مقاربة تربوية في ضوء الثورة- صحيفة الجمهورية (اليمنية)، خمس حلقات بدءًا من العدد 15426-15432، 3 - 7 مارس 2012م.

 [5]أي ما تعرف في اليمن بأحزاب اللقاء المشترك التي أُسِّست في فبراير/شباط2003م، وشملت -حينذاك- إلى جانب الإصلاح خمسة مكونات أخرى، ثلاثة منها يسارية، هي: الحزب الاشتراكي اليمني، والتنظيم الوحدوي الشعبي الناصري، وحزب البعث العربي الاشتراكي (جناح سوريا)، وحزبان مذهبيان تقليديان هما: اتحاد القوى الشعبية، وحزب الحق، اللذان تحولا مع حزب البعث في أثناء المواجهات بين الحوثيين وصالح من طرف والحكومة الشرعية من طرف آخر- إلى طرف الحوثيين وصالح.

[6] تكتل أحزاب اللقاء المشترك، عدن الغد، http://adengd.net/news/141417/

[7] موقع الفجر، خفايا وأسرار حرب الحصبة، 12/4/2014م (دخول في 21/2/2017م). http://alfjeralgaaded.com/news_details.php?sid=119

[8]البند التاسع من الآلية التنفيذية المزمنة للمبادرة الخليجية، مأرب برس، 24/11/2011 http://marebpress.net/mobile/articles.php?id=13465&lng=arabic

 [9]نص بيان حزب الإصلاح المؤيّد لـ(عاصفة الحزم) في موقع يِمَرِس، 5/4/2015م (دخول في 27/1/2017م). www.yemeress.com/freedom/26092،3/4/2015

[10] موقع التغيير نت مركز صنعاء الحقوقي: المليشيا الحوثية ارتكبت 159 انتهاكًا خلال 24 ساعة ، (دخول في 20/2/2017م). http://www.al-tagheer.com/news78892.html

[11] تحدّث بذلك السيّد عبود مبخوت الشريف، وكيل محافظة مأرب، رئيس التجمع اليمني للإصلاح بمأرب، إلى قناة سهيل الفضائية،  ضمن حديث له في برنامج مستقبل وطن (حوار: مختار الفقيه).

[12] بلاغ الشيخ عادل فارع (أبو العباس)، بلاغ توضيحي للرأي العام حول زيارتنا إلى مأرب بهدف الصلح، 20 جمادى الأولى 1438هـ- 19فبراير/شباط2017م (منشور منفصل).

[13]          يوسف القرضاوي، موقع القرضاويhttp://qaradawi.net/new/Articles-5339،5/9/2011م (دخول في 21/2/2017م).

[14] بيان الإصلاح على موقع يمرسhttp://www.yemeress.com/hshd/25069 ، الصادر في 25 - 12 - 1434هـ الموافق 30 - 10 - 2013م 31/10/2013م (دخول في (19/2/2017م) (دخول في 10/2/2017م).

[15] محمد عبد الله اليدومي، منشور له على حائطه في الفيس بوك انظره على موقع المصدر أون لاينhttp://almasdaronline.com/article/84536،13/9/2016م (دخول في 17/2/2017م).

[16] راجع موقع الخليج الجديد، 20/11/2016، https://goo.gl/C9kpTY


ملصقات
 »