رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

حركة الشباب المجاهدين في الصومال نشأتها وواقعها ومساراتها المستقبلية

تناقش هذه الدراسة واقع ونشأة حركة الشباب المجاهدين في الصومال والمسارات المستقبلية لها في ظل النشاط المتزايد للتيارات الجهادية في العالم والاهتمام العالمي بهذا النشاط بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001

حركة الشباب المجاهدين في الصومال  نشأتها وواقعها ومساراتها المستقبلية

ملخص تناقش هذه الدراسة واقع ونشأة حركة الشباب المجاهدين في الصومال والمسارات المستقبلية لها في ظل النشاط المتزايد للتيارات الجهادية في العالم والاهتمام العالمي بهذا النشاط بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ويركز الباحث على التطورات التاريخية لحركة الشباب منذ نشأة نواتها الأولى في عام 2004،  والولاءات المتأرجحة الموجودة في داخلها والصراعات بين أجنحتها المختلفة وأهمية تموضعها في منطقة القرن الإفريقي، والفرص التي لاحت لها خلال الفترة الماضية، أما فيما يتعلق بمستقبل حركة الشباب فإن الباحث يرى أن انتصارات الحركات الجهادية في إفريقيا، مثل داعش في ليبيا، وبوكو حرام في نيجيريا، وتنظيم القاعدة في مالي تمثل عامل قوة، وحافزًا على استمرار الحركة.

 

مقدمة منذ وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م ازداد اهتمام العالم بالتيارات الجهادية، وكثرت الدراسات حول فكرها الأيديولوجي، وممارساتها العسكرية، وتحالفاتها الاجتماعية، وقد شهدت التطورات العسكرية للجماعات الجهادية في العراق وسوريا وليبيا ومالي ونيجيريا والصومال في العامين الماضيين زخمًا كبيرًا في وسائل الإعلام المتنوعة، ومراكز البحوث، ودوائر صنع القرار، ولاسيّما بعد بروز تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بداعش، أقوى التيارات الجهادية انتشارًا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأصبح بمقدوره ضرب أهداف إستراتيجية في كل من أوربا والسعودية والخليج.

وأصبحت الصومال منذ الحادي عشر من سبتمبر أرضًا خصبة للصراع الدولي ضد ما يسمى بالإرهاب، وبعد أن تسلّم اتحاد المحاكم الإسلامية زمام الأمور في البلاد وجد التيار الجهادي المتمثل في حركة الشباب فرصة للتجنيد والعسكرة، وسعت بعد انهيار حكم المحاكم الإسلامية إلى الاعتماد على قوتها، وتنظيم نفسها بوصفها حركة جهادية عالمية تتبوّأ منطقة القرن الإفريقي، ووكيلة للجهاد فيها نيابة عن المنظمات الجهادية الدولية، وتحظى بالاهتمام الإقليمي والدولي.

إن المتانة التنظيمية للحركة، واستمرارية نشاطاتها وعملياتها العسكرية رغم تراجع نفوذها العسكري والاقتصادي أدى إلى اعتبارها أقوى فروع الجهاديين في إفريقيا، وبخاصة في القرن الإفريقي وشرق إفريقيا، الأمر الذي أدى إلى تورط دول كثيرة عسكريًّا في الصومال، لتقويض البنية التحتية العسكرية للحركة، حتى لا تهدد مصالح تلك الدول.

وفي هذه الدراسة نلفت النظر إلى بنية الحركة التنظيمية، وتاريخ نشأتها، وتطورها، ومدى تموضعها في المنطقة، ونسلّط الضوء على الولاءات المتأرجحة بين القاعدة وداعش في داخل حركة الشباب، ونتناول مستقبل الحركة في ظل التطورات في ميدان التيارات الجهادية والتطورات العسكرية.

نشأة الحركة:

 كانت قيادة تنظيم القاعدة تُطلِقُ على المتدرِّبين الجهاديين عَادةً اسم (الشباب) في أيِّ بلَدٍ، ومن هنا فإن شيوع هذا المصطلح في الصومال منذ بُزوغ فَجر المحاكم الإسلامية لم يكن وَلِيد تلك الفترة، لكن مع ذلك لم يكن اسم (الشباب) يدلُّ على تنظيم له هيَاكِل إداريَّة في الصومال، بل كَانت هناك خَلايا عَدِيدة من الشباب المتدرِّبين، يتَّسِع نفوذُهم، وتتنامى أنَشطتهم، وهو الذي لفَتَ أَنظار الولايات المتحدة الأمريكية، وألَّبَ عليهم زعماء الحرب الذين كانوا–آنذاك–  في صِراع سياسي مع الرئيس الصومالي الانتقالي الراحل عبد الله يوسف أحمد، وأمَدَّتهم بعَون لم تمدَّه للرئيس الصومالي.

 كانت خلايا الشباب تتكوَّن مِن خليَّة الشمال بقيادة أحمد عبدي غودني، وإبراهيم جامع ميعاد الأفغاني، وخَليَّة الجنوب بقيادَة آدم حاشي عيرو، ومختار روبو أبي منصور في مقديشو، وبعد الاستيلاء على مَالٍ ضَخْم في مدينة وَجَالي الحدودية مع إثيوبيا انضمَّت خلية الشمال إلى معسكر آدَم عيرو في مقديشو.[1]

  يَعتقِد أكثر البَاحثين عن تاريخ حركة الشباب أَنَّ نُواتها الأولى تشكَّلَت عام 2004م، واتخذت مُعَسكر صَلاح الدِّين (مَقابر الجنود الإيطاليين بعد نَبْشِها) في مقديشو مقَرًا لها، ويرى د. عبد الرزاق محمود تكر أنها أُسِّست رسميًّا عام 2002م، وبدَأ نشاطها في عام 2003م، حيث شاركت حركة الشباب في استِهْدَاف شخصِيَّات غير صومالية داخل الشمال الصومالي (أرض الصومال)ـ واستقطبت الأنظار لدى مقتل الأستَاذَين: ريتْشَاردْ وإينيد إينتون في أكتوبر 2002م، والهجوم على قافِلة المساعدَات الألمانية في شمال الصومال، في مارس 2002م.[2]

إلا أن الأمر الأكثر انتباهًا في نشاطات الحركة كان في عام 2003م، إذ نفّذ مسلحون ينتمون إلى خلايا الحركة التي كانت لاتزال في طور التكوين أوَّل هجوم على مسؤولي الجمارك الإثيوبيين في مدينة تُدعى وجالي، التي تقع على الحدود بين إثيوبيا وأرض الصومال، حيث نصب خمسة مسلحين كمينًا لقوافل تحمل أكثر من 10 مليارات ريال إثيوبي، جمعها مسؤولو الجمارك من المدينة التي تحدُّ أرض الصومال، ونجحوا في الاستيلاء على المال، والتوجه إلى أرض الصومال من دون أن يقتلوا أحدًا، ومن دون أن يصيبهم أذى.

 ضبطت سلطات أرض الصومال اثنين من هؤلاء المسلَّحين، إلا أن البقيَّة نجحت في الإفلات من الطوق الأمني الذي نُصِب لها، فأوصلت المال إلى رؤسائها: أحمد عبدي غودني، وإبراهيم حاج جامع ميعاد المعروف بإبراهيم أفغاني لمشاركته في حرب أفغانستان.

وحملت هذه العمليَّة أحمد غودني وزميله إبراهيم أفغاني على الرحيل من مدينة هرجيسا، حيث كان يعمل غودني محاسبًا لدى شركة الاتصالات الصومالية الخاصة «تيليصوم». وتوجَّه الاثنان إلى مقديشو، لينضمَّا إلى زملائهما في «الفكر»، مثل عمر طيري الملقب بـ”أبي الجبل”، الذي قتل في إثيوبيا في عام 2005م، وآدم حاشي عيرو الملقب بـ”أبي محسن الأنصاري” الذي كان يحاول من جانبه إنشاء ميليشيات للحركة في معسكر داخل مقديشو، والذي قُتل في هجوم أمريكي في الأول من أيار(مايو) 2008م في مدينة طوسمريب في وسط الصومال.

كانت الأموال التي سُرقت من الإثيوبيين أكبر مال حَصلت عليه الحركة في بداية نشأتها، وفق رواية مسؤول شارك في التخطيط لها، وبهذا المال استطاعت الحركة دعم بواكير مشروعاتها العسكرية كتدريب شبابها، وهو الأمر الذي اضطلع به "عيرو" ونفذه في العاصمة.

وبينما تولَّى عيرو تدريب الشباب بنفسه، كان الشيخ إبراهيم أفغاني، الذي يحمل الجنسية الأمريكية، وكان يدرس في  جامعة سعودية لكنه لم يكمل دراسته- يتولَّى مهمة شحذ همم المتدربين. ويقرأ عليهم المنشورات والكتب الجهادية، مثل «أخلاق المجاهد»، و«العمدة في إعداد العدة» وغيرها”.[3]

 وعلى الرغم من ذلك كله فإنه لم يكن هناك تأسيس رسمي لخَلايا مجموعَات الشَّباب في الواقع حتى سبتمبر 2006م، وذلك بعد أن أحكم اتحاد المحاكم الإسلامية سيطرته على جنوب الصومال، وأصبح القوة الرئيسة في الصومال.

وفي أحد اللِّقاءات السرِّية كان الاتفاق على تَشكِيل كيَّان له قَرارته الخاصَّة، يشمَل كلَّ مَن له تَوجُّه سلفي جهادي، بشرط أن يبقى الأمر غيرَ مُعلَن، ليكون من ضمن (مجلس المحاكم الإسلامية في الصومال)، وشُكِّلت (حركة الشباب المجاهدين) مِن خَلايا أَحمد عبدي غدني، وآدم حاشي عيرو، ومن مجموعة رَأْس كامبوني، ومَن مَعها مِن تنظيم القاعدة، واختِيرَ الشيخ عبد الرحمن إسماعيل عرالي أميرًا للحركة.[4]

حجم التطورات التي لحقت بحركة الشباب:

منذ فبراير 2006 بدأت المناوشات بين تحالف مكافحة الإرهاب الذي كان يضم معظم زعماء الحرب في مقديشو وتدعمه الولايات المتحدة للقضاء على الجهاديين، وبين اتحاد المحاكم الإسلامية الآخذ في التوسع بانضمام كل من له فكر إسلامي أو وطني إليه، وفي بادئ الأمر لم يكن في حسبان قادة المحاكم خوض معارك دموية وحاسمة مع تحالف مكافحة الإرهاب، بل كانوا يفضِّلون عدم بدء المعارك وإنهاء الأزمة بالتفاوض، لكن مسلّحي الشباب (المجاهدين) الذين كانوا يتطلعون إلى حرب حاسمة مع زعماء الحرب أصبحوا النواة الأولى لبدء المعارك الشرسة في مقديشو، واستفادوا من هذا المناخ لصالحهم فعسكروا المجتمع. 

 وبعد الانتصار الخاطف على زعماء الحرب في مقديشو صيف عام 2006م هيمن المجاهدون الشباب على مسيرة المحاكم الإسلامية، وألغوا كلّ سياسة تختلف مع أجندتهم وأيدولوجيتهم، فقد حاول المجتمع الدولي أن يجمع بين المحاكم الإسلامية والحكومة الانتقالية في الخرطوم تمهيدًا لولادة حكومة وحدة وطنية، لأن زعماء الحرب خرجوا من الساحة بعد أن كانوا أداة عقبة لإيجاد نظام فاعل في الصومال، لكنَّ قَصْد المجاهدين لم يكن الاندماج مع أيِّ كيان صومالي آخر مهما كانت توجُّهاته، بل كانت أجندتهم السيطرة على البلد بالقوة العسكرية مهما كان الثمن، ولذلك أخفق كلّ المحاولات في التسوية، وسيطر الشباب على كيسمايو من دون موافقة مجلس الشوى للمحاكم الإسلامية، كما أن إعلان الحرب على إثيوبيا والتهديد بالاستيلاء على أديس أبابا لم يكن صادرًا لا من المكتب التنفيذي (دائرة الإعلام)، ولا من مجلس الشورى للمحاكم الإسلامية.[5]

بعد التَّدَخُّل العسكري الإثيوبي في الصومال نهاية عام 2006م لإسقاط نظام المحاكم الإسلامية انفرط عقد الإسلاميين في الصومال، إذ لم يتوقَّعوا أن هجومًا عسكريًّا إثيوبيًّا كاسحًا سيقضي على البنية العسكرية للمحاكم الإسلامية.

 وفي منتصف عام 2007م في دولة إرتيريا أَسّست قيَاداتٌ مِن المحاكم الإٍسلامية، ومن المنشَقِّين عن برلمان حكومة عبد الله يوسف الرافضين للتدخل الإثيوبي، وقياداتٌ مِن المجتمع المدَني والمغتربين الصوماليين- (تحالفَ إعادة تحرير الصومال)، إلا أن حركة الشباب المجاهدين نَأَتْ بنفسها عن هَذا التحالف الذي وصفته بالعلماني، وعزَّزَت سَيطرتها على جنوب الصومال ووسطها، لهذا برَزَت الحركة في الساحة بوصفها حركة جهَادِية واسِعة لها أُطُرها التنظيمية، ولم تَكُن للجماهير الشعبية تعرفها من قبلُ، بل لم يكن الناسُ يـُميِّزونها عن المحاكم الإسلامية التي كانت سَقْفًا للجميع.[6]

   وأَعْلَنت الحركة في يوم السبـت 12/12/1428هـ الموافق لـ22/12/2007م عَن أَمِيرها الجَديد أَحمد عبدي غودني -واسمه التنظيمي (مختار عبد الرحمن الملقب بأبي الزبير)- خلَفًا لقائدها السابق السيد عبد الرحمن إسماعيل عرالي الذي أُلْقِي القبض عليه في جيبوتي منتصف عام 2007م، وهو في طريقه إلى إريتريا، ثم أَعلنت الولايات المتحدة الأمريكية إدراج حركة الشباب المجاهدين في قائمة المنظمات الإرهابية في 13/3/2008م بسبب ارتباطها بتنظيم القاعدة، وتردَّدَ اسم حركة شباب المجاهدين بوَتيرةٍ عالية في وكَالات الأنباء المحلية والعالمية، وهو ما أَعطَى زخمًا كبيرًا في عمليَّاتـِها العسكريَّة ضدِّ حكومة علي محمد غَيدِي آنذاك والقوَّات الإثيوبية التي ساندتها.

  وعلى الصعيد الميداني حقَّقَت الحركة مَكَاسب على الأرض، حيث بسَطَت سَيطرتها على مُعظَم مناطق جُنُوب الصومال ووسطها، وأسَّسَت وِلايات إِسلامية في معظم هذه المناطق، وخَضَع لسَيْطَرتها ثُلُثا مسَاحة أَحياء العاصِمة مقديشو من 2009م حتى أواخر عام 2011م، وكانت الرَّصَاصات الطَّائشة لمقاتِلي الشباب المجاهدين تحصُدُ الأرواح في بَاحَة القَصر الرئاسي".[7]

  تسَارعَت الأحداث لصَالح حركة الشباب، وخَضَع مُعظم جنوب الصومال لسيطرتها مدَّة طويلة، وفي فبراير 2012م أَعلن أَمير الحركة مختار أبو الزبير في تَسجِيلٍ له عَن ولاء حركته لتنظيم القاعدة، ومبايعة زعيمه أيمن الظواهري.

  ومنذ عام 2013م وَاجهَت الحركة تحدِّياتٍ كبيرة، مِن بينها الهُجُوم الكبير الذي شنَّته قوَّات الاتحاد الإفريقي أميصوم والقوَّات الصومالية عَلَى معاقلها، فانسحبت مِن جميع المدن والقُرَى الكبيرة التي كانت تسيطر عليها منذ أكثر من عَامين في وسط وجنوب الصومال.

 ونشبت الخلافات الدَّاخِلية بين قيَادات الحركة، حيث اتهم الرجل الجهادي الأول إبراهيم الأفغاني أمير الحركة أحمد عبدي غودني (أبا الزبير) بالديكتاتورية، وقال في رسالة إلى أيمن الظواهري عنونها بـ(إنّي أنا النذير العريان): "إن الأمير يمارس حربًا قذرة ضد كل من يتمثل بأمر الشرع بالنصح له ولغيره, وذلك بممارسة كل الضغوط التي لا يمكن تخيّلها، من الإشاعات الكاذبة، إلى تشويه الصورة، إلى إغداق الأموال، وهناك سجون سرية تابعة للأمير, الداخل لها مفقود والخارج منها مولود, وهي أنواع متعددة وكثيرة, لا يُسمَح للعلماء ولا للقادة زيارتها ومراقبتها, وما يحدث فيها من انتهاك لحقوق السجناء يشيب لها الولدان, إنها أمور لم يأمر بها شرع ولا دين، والله المستعان، إن الأمير يبتعد عن نهج الشورى كنهج لإدارة دفة الأمور داخل الحركة".[8]

 ساند عدد من قيادات الحركة ثورة إبراهيم الأفغاني، وطالبوا بالتصحيح، فأمر أمير الحركة باعتقال هؤلاء جميعهم، أو تصفيتهم إذا رفضوا، فكان اغتيال إبراهيم الأفغاني ومعه معلم برهان، وفر الشيخ حسن طاهر أويس إلى معقل عشيرته بوسط الصومال، وبعدها استسلم للحكومة الصومالية، واحتمى الشيخ مختار روبو أبو منصور –الناطق السابق باسم الحركة– بقبيلته في بادية محافظة بكول، أما زكريا إسماعيل –المسؤول الأمني السابق- فاستسلم للحكومة الصومالية، وأعلن عن تراجعه عن فكره الجهادي.

 وفي الأوَّل مِن سبتمبر 2014م قُتِل أَميرُ الحركة أحمد عبدي غودني (مختار أبو الزبير) في غارة جوية أمريكية بالقُربِ مِن مدينة براوه جنوب الصومال، كما قُتِل مسؤول المخابرات عبد الشكور تهليل في غارة أُخرى في جوبا الوسطى أواخر عام 2014م.

 أعلنت الحركة اختيار أَميرها الجديد محمد عمر أبا عبيدة، وتعهَّدَت بمواصلة الجهاد ضد القوات الأجنبية والحكومة الصومالية، واستمرَّت في شنِّ هجمات كبيرة مستهدفة الأماكن المهمة للدولة وقوات أميصوم الإفريقية.

مدى تموضع الحركة في (القرن الأفريقي):

منذ سيطرة حركة الشباب على جنوب ووسط الصومال عام 2010م لقيت اهتمامًا متزايدًا من القيادات الجهادية في العالم، فقد منحتها عملياتها الميدانية والنوعية، وهجماتها المميتة على كينيا وأوغندا شهرة وقوّة، ووصِفت بأنها الحركة الجهادية الأكثر أهمية في القرن الإفريقي.

 وجاء تطوّر الحركة بالتزامن مع تطوّر مماثل لتنظيم "بوكو حرام" في نيجيريا، وتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في الشرق الأوسط، وفروعه في شمال إفريقيا، وهو تطوّر من شأنه رفد خلايا تلك التنظيمات بجرأة إضافية، تجلّى بعضها في عمليات عدة حول العالم

 وإذا كان تنظيم "داعش" وتنظيم "بوكو حرام" باتا خطرًا أكيدًا مع توسّع كلّ منهما في نطاقه الجغرافي، فإن دور "حركة الشباب " –كما يرى الكاتب بيار عقيقي- يبدو مشابهًا، من ناحية الإمساك بالقرن الإفريقي، مع ما يستجرّ ذلك من توسيع رقعة الصراع، وإغراق بلدان عدة في المستنقع الصومالي، وبخاصة إثيوبيا وكينيا.

وإذا كانت الحرب "التقليدية" هي التي سيطرت في العقد الماضي، وتحديدًا بعد أحداث 11سبتمبر/أيلول 2001، فإن مراحل "التطوير" التي دشّنها "داعش" في يونيو/حزيران من العام الماضي عبّدت الطريق أمام "بوكو حرام" و"حركة الشباب" لـ"تطوير" تمددهما الجغرافي.

 فاختار "بوكو حرام" التمدد في عمق الجزء الأعلى من جنوب الصحراء الإفريقية، الذي يبدأ من نيجيريا ويصل إلى تشاد، ويهدّد ليبيا والسودان، في مسعى لتكريس إمارة موالية لـ"داعش" في وسط إفريقيا، أما "حركة الشباب"، فإن انتقالها النوعي في عملياتها، سواء في الداخل الكيني أم في الصومال، يؤشر إلى مرحلة جديدة من الصراع، ستعمد من خلاله الحركة إلى العمل على حسم الوضع في جنوبي الصومال، مستغلّة عدم قدرة الاتحاد الإفريقي على التورّط أكثر في البلاد بفعل الأزمات المتلاحقة في القارة السمراء، مما سيضع كينيا وإثيوبيا –بحسب تحليل عقيقي- أمام حلّ واحد هو التدخّل المباشر.

ويمكن قراءة تطوّر الحركة من خلال تطوّر دورها وهيكليتها من "الاتحاد الإسلامي" (1994-2006)، إلى"اتحاد المحاكم الإسلامية" (يونيو/حزيران 2006- ديسمبر/كانون الأول 2006)، وصولًا إلى تركيبتها الحالية، التي ظهرت بالتزامن مع التغييرات المماثلة للتنظيمات التابعة لـ"القاعدة" في العراق، وشبه الجزيرة العربية، وشمال إفريقيا، ومن المرجّح أن تستعيد "حركة الشباب" دور "حركة طالبان" في أفغانستان وباكستان، لكن بطريقة أكثر "إفريقية"، وإن كان عنصرا "القبلية "و"الدين" سيبقيان طاغيين، ومن المؤكد أن الحركة ليست مجرّد تنظيم عابر، قد ينتهي قريبًا، بل هي "مشروع" واضح، لن يتوقف قبل السيطرة على القرن الإفريقي.[9]

الولاءات المتأرجحة لأعضاء الحركة بين القاعدة من جهة وتنظيم الدولة "داعش" من جهة أخرى:

إن الأمر الأكثر تعقيدًا في هذا الشأن هو مدى تلاقي أو تصادم المصالح بين تنظيم "القاعدة" الذي تنتمي إليه "حركة الشباب"، وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، خصوصًا أن "القاعدة" باتت حاضرة في السواحل الجنوبية لشبه الجزيرة العربية، وعلى مشارف القرن الإفريقي، فيما بات تنظيم "داعش" حاضرًا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وتبدو "نقطة الالتقاء" الميداني الأقرب بينهما في شبه الجزيرة العربية، وهو ما سيحدد صدامهما أو تلاقيهما، لذلك يبدو أن دور "حركة الشباب"، أكثر وضوحًا من دور "بوكو حرام"، وأكثر جرأة في المرحلة المقبلة.[10]

ويرى الأستاذ عبد الرحمن سهل الخبير في الجماعات الجهادية أن حركة الشباب تشترك مع داعش في كل أدبياتها وأفكارها المنهجية والفكرية، إضافة إلى أساليب القتال حيث لاتراعي الحركة الضوابط الشرعية أثناء تنفيذها الهجمات، بل هدفها هو الوصول إلى عدوِّها، ولو كان في أماكن مزدحمة أو في الطرقات، كما تكفِّر الحركة كل من يخالفها وتهدر دمه، وتقتل العلماء والمثقفين والأعيان.

 النقطة الأخرى أن حركة الشباب تمجّد بطولات ونهج أبي مصعب الزرقاوي الأردني، وهو المؤسس الحقيقي لمدرسة داعش قبل أن يظهر هذا الاسم، حيث ابتكر وسائل جديد أكثر عنفًا، واختلف مع قيادات تنظيم القاعدة في أفغانستان، ومن ثَمّ فإن حركة الشباب توالي تنظيم القاعدة إداريًّا، غير أن مشروعها العملي يلتقي مع مشروع داعش.[11]

الصراع داخل حركة الشباب بين الولاءات المتأرجة:

في الفترة القريبة الماضية نشب صراع دامٍ بين موالين لداعش وموالين لتنظيم القاعدة داخل حركة الشباب، وبدأت القصة عندما ظهر الشيخ عبدالقادر مؤمن في أكتوبر الماضي –وهو من أهمّ منظري الفكر الجهادي في الصومال وعضو حركة الشباب- في تسجيل صوتي تداوله أنصار تنظيم الدولة يقول فيه: إنه “طاعة لله ولرسوله، وللزوم توحيد صف الجماعة، نعلن نحن مجموعة من مجاهدي الصومال بيعتنا للخليفة إبراهيم بن عواد الحسيني القريشي (أبي بكر البغدادي) على السمع والطاعة”.

 كما ألقى الشيخ حسَّان حسين المنظّر الجهادي المقيم في العاصمة الكينية نيروبي وعددٌ من الدعاة والكوادر بثقلهم لضمّ الشباب إلى داعش، حيث دعوا الحركة إلى مبايعة تنظيم الدولة الإسلامية داعش، وبعد ذلك نشب صراع مسلح خاطف بين الداعشيين المرابطين بجنوب الصومال وبين حركة الشباب الموالين للقاعدة في قرى بمحافظة جوبا الوسطى بجنوب الصومال، ولقلة عدد الداعشيين كانت الغلبة للقاعديّين (الحركة الأم)، وهرب الداعشيون إلى الأدغال في المحافظة.

ويرى الأستاذ عبد الرحمن سهل -وهو رئيس مركز الإرشاد للحوار الفكري في مقديشو– أن الصراع الحالي بين داعش والحركة في الصومال صراع نفوذ إداري وسياسي وميداني فقط، لا صراع ديني فكري، إلا أن القيادة العليا للحركة لا تزال متمسكة بولائها وبيعتها لأيمن الظواهري, والأمر الثاني هو ارتباط حركة الشباب بالقاعدة في اليمن، وهي علاقة عضوية وإستراتيجية، ومن ثَمّ فإن حركة الشباب قد لا تستغني عن تنظيم القاعدة في اليمن بسبب حصولها على معونات عدة.

 إلا أن هناك مبررات ودوافع تسهم في انتشار داعش في الصومال، منها:

1- جاذبيَّة اسم الخلاقة وعالميَّته، لكونها حلم كل من يشترك مع هذا التيار الجهادي.

2- الانتصارات العسكرية التي حققها تنظيم داعش في سوريا والعراق، وتمدُّده في أوربا وإفريقيا وآسيا، وضربه أهدافًا في عدد من دول العالم.

3- التراجع الميداني لحركة الشباب في الصومال منذ انسحابها من مقديشو العاصمة في أغسطس 2011م، وانسحابها من المدن الإستراتيجية في جنوب ووسط الصومال في السنوات التي تلتها.

4- شح الإمكانيات المادية لدى الحركة، بسبب استيلاء الجيش الصومالي بدعم من القوات الإفريقية على المدن الساحلية والموانئ، مثل: كيسمايو وبراوي ومركا.

5- شعور قيادات ميدانية بالتهميش، أو تهميشها عمدًا وإبعادها عن مواقع النفوذ والقرار، والتصفيات الداخلية التي صاحبت ذلك.

وبناءً على ذلك يضيف سهل أن أنصار الحركة من الصف الثاني والثالث يرحبون بداعش... وما ينقص داعش في الصومال حاليًّا هو شح الإمكانات المالية والأسلحة، ومن المتوقع تعاظم دورها، وخوضها معارك شرسة ضد الحركة، والأخيرة مستعدة أيضًا لحسم مسألة داعش عسكريًّا، ولكن قد يكون هذا بعيد المنال في الوقت المنظور.

أما الحديث عن مصير التجاذبات بين الحركة وداعش في الصومال فإنه سابق لأوانه، إذ إن للحركة خبرة عسكرية وأمنية، وحالها أفضل من حال داعش، لأن الحركة تسيطر على مدن وقرى وبلدات صغيرة، وهي قادرة على التعبئة والحشد. لمطاردة عناصر تنظيم داعش قبل أن يستفحل أمره في الصومال.

أما مصير تنظيم داعش في الصومال فمرتبط بثلاثة عوامل، هي:

  1. حصوله على دعم مالي ضخم من داعش الأم.
  2. وصول عناصر خارجية من داعش لنقل خبرتهم إلى الصومال.
  3. مستوى قيادة داعش في الصومال الإداري والعسكري والسياسي.

مثلًا، هل تطرح داعش مشروعًا سياسيًّا مختلفًا عن مشروع الحركة يكون مرتبطًا بالشعب، مثل الضرائب والزكاة، والتعامل مع القات، وشكل الحكم ومشاركة الشعب فيه؟.[12]

الفرص التي مهدت لبروز حركة الشباب:

 منح دخول القوات الإثيوبية نهاية عام 2006م في الصومال، ودحرها سلطة المحاكم في مقديشو- حركة الشباب المجاهدين فرصة قوية للظهور وإثبات الوجود، وخلقت مسوّغات لفرض أجندتها الجهادية، وهذه الفرصة تتمثل في:

  1. لجوء قيادات المحاكم الإسلامية إلى أريتريا، والشروع في دخول تحالفات سياسية مع قوى وطنية يتهمها معظم شباب المحاكم بالعلمانية والارتباط بالغرب؛ في وقت قررت فيه قيادات حركة الشباب المجاهدين البقاء في الداخل، وملء الفراغ القيادي ميدانيًّا وروحيًّا لدى المقاتلين الإسلاميين، وهذه النقطة جعلت خطاب حركة الشباب المجاهدين أكثر قبولًا لدى فئة الشباب الحاملين للسلاح.
  2. يقول رئيس علماء الصومال الشيخ بشير أحمد صلاد: إن حركة الشباب استفادت من فرص كثيرة، منها أن البلد كان مدمرًا، ولم تكن فيه إدارة قوية، وكان مرتعًا خصبًا للتدخلات الخارجية والتأثيرات الإقليمية والعالمية، فاستطاعت أن تسلط الضوء على هذه الأمور، وأن تجند الكثير من الشباب بناء على أن البلد مستهدف وتحت الاحتلال الإثيوبي، كما استفادت الحركة من عدم وجود برامج تستقطب فئة الشباب، وتوفر لهم ما يحتاجونه من وظائف وتعليم، مع انتشار البطالة والجهل.
  3. تُعَدّ الصومال بيئة مناسبة لخطاب حركة الشباب المجاهدين بسبب ما تعرض له الشعب الصومالي خلال العقدين الماضيين من حروب أهلية، وغياب الدولة المركزية، وموجات الجفاف، والمجاعات، والحرمان من التعليم والرعاية الصحية اللازمة، وجهل أبناء البلد، والتخلف كليًّا عن ركب الحياة، وبخلوّ الساحة من أي خطاب آخر سواء أكان إسلاميًّا أم وطنيًّا سيبقى الخطاب الجهادي البديل الوحيد المتوفر.

لهذه الأسباب وغيرها أثبتت حركة الشباب المجاهدين حضورها على المشهد الصومالي في وقت قياسي، وخاضت معارك عنيفة جدًّا ضد الحكومات الانتقالية المتعاقبة.[13]

مستقبل حركة الشباب:

هناك تساؤلات حول مدى القوة العسكرية التي تتمتع بها الحركة عقب تراجعها خلال انتكاسات عسكرية منيت بها في الأعوام 2012 و2013 و2014م، في ظل الهجمات التي تشنها عليها قوات الاتحاد الإفريقي (أميصوم) مع القوات الصومالية، والغارات الناجحة التي نفّذتها ضدها طائرات أمريكية بدون طيار، وكل ذلك أدى إلى تراجع الحركة، وانحصار نفوذها في الجنوب، إلا أن الحركة عادت وتبنت أسلوب الهجمات، لا المواجهة الشاملة مع القوات المهاجمة.

وكشفت الهجمات التي شنتها الحركة على أهداف كبيرة وإستراتيجية في كل من مقديشو ومدن أخرى أن الحركة لاتزال قادرة على البقاء لفترة أطول، وأنه من الصعب إنهاء وجودها في الصومال.

كما يظهر شن هجمات حركة الشباب على كينيا وجيبوتي وأوغندا في الأعوام القليلة الماضية مدى تموضع حركة الشباب في القرن الإفريقي، وارتدائها عباءة إمارة الجهاد في المنطقة، بعد كل تلك الجهود نحو مكافحة ما يسمى بالإرهاب.

وتمثل انتصارات الحركات الجهادية في إفريقيا، مثل داعش في ليبيا، وبوكو حرام في نيجيريا، وتنظيم القاعدة في مالي- عامل قوة، وحافزًا في استمرار الحركة، وفي حصولها على عناصر لديها قابلية لتبنّي أفكارها المتطرفة، وعلى هذا الأساس فإن تحركات أتباع القاعدة سيستمر في الصومال حتى قيام نظام قادر على ردعهم وتحجيمهم وحبس أنفاسهم، كما هو الحال بالنسبة للدول القوية المتماسكة أمنيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا.

الهوامش والمراجع:

[1] "الحركات الإسلامية الصومالية... مراحل النشأة والتطور"، أنور أحمد ميو، كتاب قيد الطباعة.

[2] "تاريخ وموقع حركة الشباب من خارطة جماعات الغلو والتطرف"، د.عبد الرزاق محمود تكر، ورقة قدمت في مؤتمر (ظاهرة الغلو والتطرف) الذي عقد في فندق الجزيرة في العاصمة الصومالية مقديشو 7-11/09/2013م، وورقة المؤتمر قيد النشر والطباعة.

[3]  ”حركة الشباب الصومالية خرجت من صدام بين حماسة الشباب وعجز الشيوخ”، محمد الخضر محمد، صحيفة الحياة اللندنية، 23يناير 2010م.

[4] "الحركات الإسلامية الصومالية..."، مرجع السابق.

[5] "مراجعات إستراتيجية في الشأن الصومالي"، أنور أحمد ميو، مطابع السودان للعملة، 2011م ص89.

[6] "الحركات الإسلامية الصومالية..."، مرجع سابق.

[7] "تاريخ وموقع حركة الشباب من خارطة جماعات الغلو والتطرف"، مرجع سابق.

[8] رسالة إلى قيادة القاعدة بعنوان: (إني أنا النذير العريان)، بقلم إبراهيم الأفغاني، نشرت على المواقع الجهادية العالمية.

[9] "حركة الشباب... إمارة القرن الإفريقي"، بيار عقيقي، العربي الجديد، الأحد 28/06/2015م.

[10] المرجع السابق نفسه.

[11] مقابلة مع الأستاذ عبد الرحمن سهل، الخبير في الجماعات الجهادية ورئيس مركز الإرشاد للحوار الفكري في مقديشو، 17/11/2015م.

[12] المرجع السابق نفسه.

[13] "تاريخ وموقع حركة الشباب من خارطة جماعات الغلو والتطرف"، مرجع سابق.


ملصقات
 »