رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

الواقعية الإيرانية والاتفاق النووي بحث في الدوافع والمسارات

تفترض هذه الدراسة أن أكثر النظريات قربًا من تفسير السلوك السياسي لإيران في محيطها الإقليمي هو الواقعية الجديدة (Neo-realism). تتضمن هذه الدراسة توضيحًا عامًّا لأهم المبادئ التي بنيت عليها الواقعية الحديثة، ومن ثم التطرق لأبرز المحددات العامة للسياسة الخارجية الإيرانية، على أن يتبع ذلك تحليل لسياسة إيران تجاه منطقة الشرق الأوسط.

الواقعية الإيرانية والاتفاق النووي  بحث في الدوافع والمسارات

مقدمة

ربما يكون من الصعب تحديد سلوك دولة ما على وجه الدقة في بيئة شديدة التقلّب مثل البيئة السياسية في الشرق الأوسط، ويزداد الأمر صعوبة إذا كان الحديث عن دولة مثل إيران، تتداخل فيها عوامل التاريخ والجغرافيا والدين والأسطورة في رسم سياساتها الدولية والإقليمية. ومن المهمّ منذ البداية تأكيد أن المنهج الاستشرافي خارج نطاق هذه الدراسة، إنما هو سرد تاريخيّ لوقائع السياسية الإيرانية تجاه منطقة الشرق الأوسط في العصر الحديث. ويُعَدّ فهم الظروف والدوافع التي أفضت إلى هذه السياسات منطلقًا منطقيًّا لفهم سياسة إيران الحالية، ويضع إشارات متينة حول سياساتها المستقبلية، ويزيد الأمر وضوحًا إذا ما تم وضع هذه السردية ضمن نظرية منهجية. وبما أن الحديث يدور حول السياسة الخارجية فإن هذه الدراسة تفترض أن أكثر النظريات قربًا من تفسير السلوك السياسي لإيران في محيطها الإقليمي هو الواقعية الجديدة (Neo-realism). ويعود السبب في ترجيح هذه النظرية على غيرها إلى أنها أكثر النظريات تصالحًا مع موضوع السياسة الخارجية بشكل عام، والتي تُعدّ الاستمرارية واحدة من أبرز سماتها. فالسياسة الخارجية للدول في النظام العالمي الحديث تتصف بالاستمرارية، وما يحدث من ثورات أو انقلابات في الأنظمة إنما يؤثر وفق النظرية الواقعية الجديدة في الدوافع والتصورات لا في المسارات.

وبناء عليه، فإن هذه الدراسة ستتضمن توضيحًا عامًّا لأهم المبادئ التي بنيت عليها الواقعية الحديثة، ومن ثم التطرق لأبرز المحددات العامة للسياسة الخارجية الإيرانية، على أن يتبع ذلك تحليل لسياسة إيران تجاه منطقة الشرق الأوسط، وذلك وفق الوقائع التاريخية الممتدة من الفصل الأخير من عهد الشاه محمد رضا بهلوي، وصولًا إلى عهد الرئيس الحالي حسن روحاني.

 

الواقعية الجديدة:

تُعَدّ الواقعية الجديدة امتدادًا للواقعية التقليدية، غير أنها أعطت مفهوم القوة أبعادًا جديدة، فإذا كانت الواقعية التقليدية قد حصرت القوة ضمن نطاق القتال والحرب؛ أي القوة العسكرية، فإن الواقعية الجديدة تجاوزت ذلك إلى أشكال أخرى من القوة، مثل القوة الاقتصادية والجيوسياسية والجيوثقافية. هذا مع تأكيد أن الواقيعة الجديدة تبنت المنطلقات الرئيسة للواقعية التقليدية، مثل الطبيعية الفوضوية للنظام الدولي (Anarchy)، والدور المحوري للدول المستقلة على أساس أنها الوحدات الرئيسة المكونة لهذا النظام، بالإضافة إلى الأهمية المحورية للقوة، والسعي إلى مضاعفتها بصفته معيارًا يحكم العلاقات البينية بين هذه الدول.

ينصب تركيز النظرية الواقعية في العلاقات الدولية على دراسة النظام السياسي، لا الوحدات المكونة لهذا النظام، على افتراض أن هذه الوحدات تتصرف وفق ما تمليه عليها طبيعة النظام الذي تمارس فيه سيادتها من خلال القواعد التي يفرضها، وبذلك لا يكون لطبيعة النظام الداخلي للدولة سواء أكان ديمقراطيًّا أم ثيوقراطيًّا أم ديكتاتوريًّا أثرًا كبيرًا في سياسة الدولة الخارجية، وبذلك يمكن التنبؤ بسلوك دولة ما بالنظر إلى موقعها في هذا النظام على ما يقرره كينيث والتز[1].

يتشكل النظام الدولي من خلال سعي الدول للحفاظ على وجودها، من خلال تعزيز قواها الذاتية، فالواقعية الجديدة تنطلق من افتراض مفاده أن المبدأ الحاكم للنظام الدولي يقوم على حالة الفوضى. والفوضى هنا ليست بفمهوم التخبط والعشوائية، وإنما تعني خلو هذا النظام من حكومة مركزية تمتلك القدرة والشرعية على فرض النظام ومعاقبة المارقين، وبذلك تسعى كل دولة لحماية نفسها بذاتها، من خلال اكتساب المزيد من القوة، وهو ما يؤدي إلى معضلة الأمن (Security Dilemma)، حيث يكون تعزيز الأمن لدولة ما تهديدًا لدولة أخرى.

وتنقسم الواقعية الجديدة من حيث حجم القوة التي يفترض بالدولة حيازتها قسمين: الواقعية الهجومية (Offensive Realism)، والواقعية الدافعية (Defensive Realism). أما الواقعية الهجومية التي يُعَدّ "ميرشايمر" من أبرز مناصريها فتدعو الدولةَ إلى امتلاك أكبر قدر من القوة، والسعي لفرض الهيمنة إذا كان ذلك في متناول يدها[2]، وأمّا الواقعية الدافعية التي يُعَدّ "والتز" من أبرز مناصريها فتدعو الدول إلى امتلاك القوة الكافية لضمان أمنها القومي وردع خصومها.  

في نهاية المطاف يعتقد الواقعيون الجدد أن مضاعفة القوة وسيلة إلى غاية، والهدف الأخير للدولة هو الحفاظ على وجودها. وبناءً على هذا التصور فالواقعية الجديدة تعرِّف المصالح القومية على أنها كل ما يعزز أو يضمن الأمن القومي للدولة، بالإضافة إلى تأثيرها السياسي وقدراتها العسكرية والاقتصادية. بالنسبة للنظرية الواقعية بشكل عام فإن القوة كما يجادل "جون رورك" تخلق الحق، أو على أقلِّ تقدير تضمن النجاح[3].

 

المحددات العامة للسياسة الخارجية الإيرانية

  • أولًا: الموقع الجيوسياسي والجيوإستراتيجي لإيران

تُعَدّ إيران من الدولة شبه-المغلقة، فحدودها الشمالية والشرقية والغربية محاطة باليابسة، وليس لها منفذ بحري يربطها بالعالم إلا الخليج العربي، ولأجل ذلك كانت إيران خلال تاريخها مشغولة بهذه المنطقة على وجه التحديد، وتُعِدّها الفضاء الحيوي لمصالحها القومية.

إستراتيجيًّا تقع إيران على طول الخطوط التجارية المهمّة في آسيا، كما عُدَّت تاريخيًا الجسر الواصل بين آسيا وأوروبا. هذه الخصائص الجيوإستراتيجية جعلتها عرضة خلال التاريخ للغزو الخارجي من قبل اليونان والعرب والمغول والروس. علاوة على ذلك تُعَدّ إيران من الدول الجبلية، أي أنها محاطة بسلسلة جبال شاهقة (مثل جبال زاغروس) مثّلت على مرّ التاريخ الحدود الطبيعية للدولة الإيرانية، وصبغت الشخصية الإيرانية بالتميّز الذي احتفظ به الإيرانيون عن غيرهم من الأقوام المجاورة، وصاغوا به نموذجهم الحضاري والثقافي الذي عرفوا به. وقد كان للتمازج بين الميزة الجيوإستراتيجية والتمايز الحضاري للقومية الإيرانية انعكاسات عميقة على علاقة إيران بمحيطها الخارجي، حيث شكّل هذا التمازج مادة لعزلة إيران على المستوى السياسي والثقافي والديني؛ فالمذهب الشيعي الذي تبنته الدولة الإيرانية في زمن الصفويين وضعها في معزل عن محيطها السُّني، في حين وضعتها إثنيتها الفارسية في معزل عن محيطها التركي والعربي. وكثيرًا ما يمكن تفسير سلوك إيران الخارجي بناء على رغبتها في كسر حلقة العزلة هذه، فالعزلة لا تجلب للدولة إلا الشعور بالضعف والخوف الدائم من الأخطار الخارجية، وبذلك يكون كسر العزلة إحدى مقدمات تعزيز الأمن القومي والمحافظة على الوجود. 

 

  • ثانيًا: الإرث التاريخي

تتمتع الأمة الإيرانية بإرث تاريخي عريق، يشكل مادة للاعتزاز الحضاري لدى أفرادها، ومركبًا أساسيًّا في روح الأمة الإيرانية، وعاملًا محوريًّا في توحيد رؤاها وتطلعاتها ونظرتها لنفسها ولمحيطها الخارجي. وقد اصطدم هذا الإرث العريق والقديم بالنكسات التي تعرضت لها الأمة الإيرانية في تاريخها الحديث، الأمر الذي شكل ارتدادات نفسية عميقة تمثلت بالرفض التام، والحساسية المطلقة تجاه النفوذ الخارجي. تمثلت بداية هذه النكسات بالخسارات الفادحة التي تعرضت لها إيران مع الاتحاد السوفيتي، ونجم عنها احتلال مباشر لمساحات شاسعة من الأراضي الإيرانية، ومن ثم الهيمنة البريطانية على إيران، حيث اتخذت منها فضاءً عازلًا بين درة التاج البريطاني– الهند وبين الاتحاد السوفيتي، وهي بذلك قد حرمت إيران من أي تنمية ظفر بها غيرُها من المستعمرات، فبريطانيا لم تر أبدًا إيران على أنها مستعمرة تستحق هذه المكرمة. ومن ثم جاء التدخل الأنجلو-أمريكي والذي تمثل في الإطاحة بالحركة القومية التي كان يقودها رئيس الوزراء محمد مصدق، والتي سعى من خلالها إلى تأميم صناعة النفط الإيرانية. 

هذه الصدمة التي نتجت جراء التشابك بين ماضٍ قديم عريق، وماضٍ حديث مليء بالنكسات- ولّدت لدى الإيرانيين نظرة متحيزة للعالم الخارجي، وخصوصًا للدول العظمى، وأصبحوا ينظرون إلى النظام الدولي على أنه يتشكل من دول مهيمِنة ودول مهيمَن عليها، وقد ساعدت هذه النظرة في تشكيل واحدة من أهم المبادئ التي بنى عليها الزعيم الإيراني الخميني سياسته الخارجية، حيث قسم العالم إلى مستضعَفين ومستكبِرين، وأن من واجب الدولة الإسلامية الإيرانية الدستوري الوقوف مع المستضعفين ونصرتهم. 

بالمحصلة هناك قناعة تشكلت لدى الإيرانيين أن التعامل مع الدول العظمى في حده الأدنى هو الأنسب لخدمة مصالحهم، والتي تتمثل في عدم الخضوع لهيمنة واحدة من هذه الدول، الأمر الذي قد يهدد استقلالهم، ولا الذهاب لدرجة الاشتباك المباشر معها، بحيث يهدد الوجود القومي لدولتهم. في حين يُعَدّ تحرك إيران الإقليمي، والسعي إلى الفوز باعتراف كامل بدورها المحوري في المنطقة، خصوصًا في منطقة الخليج واحدًا من أهم المسارات التي يسعى من خلالها الإيرانيون للتصالح مع ماضيهم الإمبراطوري.

 

  • ثالثًا: الأيديولوجيا الدينية– القومية

من المهمّ لفهم السياسة الخارجية لدولة ما النظر في المبادئ التي تتشكل منها أيديولوجيتها القومية. وبشكل عام تتشكل القومية من خلال امتزاج ثلاثة عناصر رئيسة، هي: اللغة، والإثنية، والدين. وفي إيران الحديثة تمتزج اللغة الفارسية، والإثنية الأنجلو-هندية، مع الإسلام الشيعي لتكوين القومية الإيرانية التي تشكل الوعاء الذي تتشكل فيها التوجهات العامة للسياسة الإيرانية.

للوهلة الأولى ربما يظن القارئ أن هناك حالة من الانسجام التام والوفاق الكبير بين هذه المكونات الثلاثة، ولكن في الحقيقة هناك الكثير من التصدعات فيما بينها، فعلى جانب اللغة هناك أقليات لغوية في إيران، مثل الكردية والعربية، في حين يُعَدّ الصدع الإثني أكثرها حدة مع البلوش والعرب والأكراد والأتراك-الأذربيجانيين الذين ما فتئوا يطالبون بحقوقهم القومية، أما فيما يخص الدين فالحدة تتضاءل على أساس أن الغالبية الساحقة في إيران تدين بالمذهب الشيعي الاثني عشري.

بالنظر إلى أن الدين الشيعي يُعَدّ واحدًا من مكونان القومية الإيرانية، فإن التاريخ الإيراني الحديث شهد صراعًا متواضعًا بين الدين والقومية إبان فترة انتعاش القومية في نهاية القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. ويعود السبب في ذلك إلى عدة عوامل، من أهمها أن الإسلام– الشيعي يُعَدّ واحدًا من مكونات الشخصية الإيرانية منذ أيام الشاه إسماعيل الصفوي الذي اتخذ من المذهب الاثني عشري الدين الرسمي للدولة الصفوية، وثانيًا أن المراجع الشيعية الدينية (الحوزات العلمية) لطالما تمتعت بنوع من الاستقلال المالي والإداري عن الدولة، وقد أدركت الدول المتعاقبة في إيران أهمية بقاء الحوزات الشيعية على استقلالها النسبي، هذا ما دامت تؤيد الدولة وتضفي عليها الشرعية الدينية.

كانت الصبغة الأيديولوجية للنخب الحاكمة البارومتر الذي حكم علاقة القومي بالديني في السياسية الإيرانية، فإذا كانت هذه النخب تتبنى الأيديولوجية العلمانية فإن معاير اللغة والتاريخ (ما قبل الإسلام) والإثنية تطغى على الاعتبارات الدينية في التوجهات العامة للسياسية الإيرانية، وقد كان ذلك واضحًا جليًّا في عهد الأسرة البهلوية، الأمر الذي تبدل بعد الثورة الإسلامية، حيث سيطرت النخب الدينية على مفاصل الدولة، وهو ما جعل الاعتبارات الدينية مقدمة على غيرها من الاعتبارات، مع التركيز أن التقديم والتأخير في هذه الاعتبارات يأتي وفق سلم الأهمية النسبية لا التنافسية.

 

هل حقًّا تصرفت إيران وفق هذه المحددات؟

أولًا: إيران الشاه... وشاه إيران

في الفترة الممتدة من عام 1953 (وهو العام الذي وقع فيه الانقلاب على حكومة مصدق، واستعاد فيه الشاه محمد رضا جميع سلطاته) وحتى عام 1979 (وهو العام الذي حدثت فيه الثورة الإسلامية بزعامة الخميني) سيطرت ثلاثة توجهات عامة على السياسة الخارجية الإيرانية: الحلف المحيطي (periphery doctrine)، والدعامة المزدوجة (Dual-pillars Doctrine)، والخيار العربي (Arab Option).

أدرك الشاه بعد الانقلاب على مصدق والاستفراد بحكم البلد أن الخطر الحقيقي على عرشه لم يَعُدْ يكمن في الداخل الإيراني، وإنما يكمن في الجار الشمالي المتمثل في الاتحاد السوفيتي، الذي يرى أن الحصن الوحيد المتبقَّى له للوصول إلى مياه الخليج الدافئة هو إيران، وبذلك لابد من إسقاط الشاه وتنصيب حكومة موالية للسوفييت في طهران. اشتد خوف الشاه عندما أصبح السوفييت على تواصل مباشر مع التيارات اليسارية المعارضة للشاه، مثل "حزب تودة"، وميليشيات عسكرية في الداخل الإيراني، مثل "مجاهدي خلق"، و"فدائيي خلق". وتضاعف هذا الخوف عندما أظهرت الحركة الناصرية بقيادة جمال عبد الناصر في مصر ميولها الاشتراكية وتقاربها مع الاتحاد السوفيتي. 

في تلك الفترة، أي في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات من القرن العشرين، لم تكن إيران تحظى بقيمة إستراتيجية معتبرة في السياسة الخارجية الأمريكية، ولإدراك الشاه أن التصدي للخطر السوفيتي لن يكون في متناول اليد ما لم يكن للولايات المتحدة نصيب في ذلك فإنه لا محالة سيكون ضحية التمدد السوفيتي في المنطقة، وبناء على ذلك كان من أولويات الشاه تعزيز مكانة إيران وقيمتها الإستراتيجية في عيون الأمريكيين؛ لاتخاذهم عاملًا مكافئًا لموازنة السوفييت. كانت لتعزيز علاقة إيران بالولايات المتحدة طرق محددة، من أبرزها التقارب مع إسرائيل. فقد تكونت قناعة لدى الشاه أن الطريق إلى البيت الأبيض يمر بتل أبيب. وقد التقط الشاه بذكاء حاجة إسرائيل إلى تحالفات إقليمية مع دول غير عربية لفك العزلة عن نفسها، وتعزيز أمنها القومي في محيط عربي معادٍ. دخل الشاه في "الحلف المحيطي" الذي اقترحه رئيس وزراء إسرائيل الأسبق دافيد بن غوريون، والذي تشكل بالأساس من الدول غير العربية في منطقة الشرق الأوسط لتطويق الدول العربية، فبالإضافة إلى كل من إسرائيل وإيران كانت هناك تركيا وإثيوبيا ضمن التحالف المذكور.

يجادل تريتا بارزي في كتابه (حلف المصالح المشتركة: التعاملات السرية بين إسرائيل وإيران والولايات المتحدة) أن "جوهر الاتفاق التفاهمي الإيراني– الإسرائيلي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي لم يكن تحالفًا محتمًا غير عربي ضد الجماهير العربية، وإنما كان تطابقًا في المصالح أَمْلَتْه مواطن الضعف المشتركة بين إيران وإسرائيل. فالدولتان كانتا تتقاسمان مصالح مشتركة؛ لأنهما كانتا معرضتين لخطر مشترك. وتوازن القوى –لا التركيبة غير العربية لهذين البلدين- هو الذي مهّد الطريق أمام الاتفاق التفاهمي الإيراني– الإسرائيلي[4]". يؤكد هذه الفرضيةَ روحي رمضاني بقوله: إن "نية الشاه في بناء علاقة مع إسرائيل لا تأتي من قبيل التحالف الخفي (discreet entente) ضد الدول العربية المعادية، وإنما في سبيل إنشاء حاجز إيراني– إسرائيلي فعَّال ضد النفوذ السوفيتي المتنامي في المنطقة العربية[5]".

كان الشاه في تلك الفترة مهتمًّا ومشغولًا بدرء المخاطر عن عرشه والمحافظة عليه، ولم تكن مرحلة اغتنام الفرص للتمدد وزيادة النفوذ الإيراني في المنطقة قد أتت بعد. وإذا كان من المهم تعزيز العلاقة مع الولايات المتحدة أداةً في سبيل تحقيق الهدف المشار إليه، فإن تقليل التوتر في المنطقة وعدم إثارة العرب لا تقلّ أهمية عن ذلك. فقد اعتقد الشاه أن التوتر في المنقطة جراء الصراع العربي– الإسرائيلي يمهد الطريق للتمدد السوفيتي، ولذلك كان حريصًا على تقليل حدة هذا التوتر من خلال إبقاء قنواته الدبلوماسية مفتوحة مع الكثير من الدول العربية، وعدم استثارة الرأي العام العربي بالمجاهرة بعلاقته مع إسرائيل، ومن هنا كان الشاه حريصًا على إبقاء جميع تعاملاته مع تل أبيب تحت الطاولة، حتى إنه لم يوافق أبدًا على منح إسرائيل اعترافًا كاملًا رغم إلحاح الإسرائليين على ذلك كثيرًا، وإنما اكتفى بمنحها اعترافًا بحكم الأمر الواقع (De facto Recognition). 

أظهر الشاه وعيًا بأهمية لعبة توازن القوى في النظام العالمي، واستطاع من خلال مهارته في عقد التحالفات أن يبرهن على الواقعية التي ينتهجها في سياسته الخارجية. في نهاية المطاف تؤدّي التحالفات دورًا محوريًّا في سياسة توازن القوى، وإذا ما تم مقارنتها في بناء القدرات الذاتية (العسكرية والاقتصادية) للدولة في سبيل ضمان أمنها، تُعَدّ التحالفات "بشكل عام أسرع، وأقل تكلفة، وأكثر فعالية[6]". وهذا لا يعني أن الشاه قد أهمل سياسة بناء القدرات الذاتية. ففي نظام عالمي يقوم على الفوضوية (anarchic) وغياب السلطة العليا تقع مسؤولية ضمان الأمن والبقاء على قيد الحياة على عاتق الدولة بشكل منفرد؛ وبناء عليه "فإن كل دولة ينبغي عليها أن تعتمد على ذاتها وعلى مصادرها الذاتية للحفاظ على وجودها وضمان أمنها وازدهارها[7]". لم تغفل إيران جانب البناء الذاتي، فالشاه لم يكن مطمئنًّا لسياسة التحالفات فقط، وهذا الأمر لا يعود لمجرد جدية التهديد السوفيتي، وإنما يعود في قسط منه إلى عدم جدية الولايات المتحدة في الدفاع عن إيران إذا ما تعرضت لغزو مباشر من الاتحاد السوفيتي. يذكر بارزي الأثر الذي تركته محادثة جرت بين السفير الأمريكي والشاه في بداية الخميسينات من القرن الماضي على قناعة الشاه في وجوب بناء القدرات الذاتية لإيران، وعدم الاكتفاء بالاتكاء على واشنطن وتل أبيب. قال السفير الأمريكي: إن "أمريكا لن تدخل في حرب أبدًا مع السوفييت من أجل إيران أو من أجل إنقاذ إيران[8]".

عزز الشاه من قدرات إيران العسكرية. بداية، أعاد تسمية وزارة الدفاع بوزارة الحرب. وفي الفترة بين عامَي 1954 و1977 نمت ميزانية الجيش بمقدار 12 ضعفًا، وارتفعت نسبتها في الميزانية السنوية من 24% إلى 35%- من 60 مليون دولار عام 1954 إلى 5.5 مليار دولار عام 1973، ثم ارتفعت أكثر إلى 7.3 مليار دولار عام 1977. وقد توسعت عدد القوات من 127 ألف رجل إلى 410 آلاف. وبحلول عام 1977 كان لدى الجيش العادي ما يزيد على 220 ألف عسكري، والقوة الجوية 100 ألف، والجندرمة 60 ألفًا، والبحرية 25 ألفًا. وبحلول عام 1975 كان لدى إيران أكبر بحرية في الخليج العربي، وأكبر قوة جوية في غرب آسيا، وخامس أكبر جيش في العالم كله. وقد ذكر تقرير للكونغرس أن إنفاق إيران على الأسلحة يفوق إنفاق جميع الدول القوية في المحيط الهندي[9].

حقّقت إيران هذه الطفرة العسكرية بسبب العائدات الضخمة من قطاعي النفط والغاز، حيث أصبحت إيران في تلك الفترة رابع أكبر بلد منتج للنفط في العالم، وثاني أكبر مُصدّر له. وتشير الأرقام إلى أن عائدات إيران من النفط ارتفعت من 34 مليون دولار أمريكي في عام 1954-1955 إلى خمسة مليارات دولار في عام 1973-1974، وارتفعت أكثر إلى 20 مليار دولار في عام 1975-1976. وخلال هذه الأعوام الثلاثة والعشرين أمدَّ النفطُ إيرانَ بأكثر من 55 مليار دولار، وقدّم للحكومة في المتوسط أكثر من 60% من إيراداتها السنوية، و70% من عائداتها من النقد الأجنبي[10].

وفّر هذا التفوق العسكري والطفرة المالية لإيران هامشًا رحبًا من الحركة لكي تمارس دورًا محوريًّا في الترتيبات الأمنية والسياسية في المنطقة، وهو ما ضمن لها دورًا قياديًّا ونفوذًا إقليميًّا بارزًا. ففي عام 1974 منح الشاه 850 مليون دولار على شكل منح لمصر، و7.4 مليون دولار للأردن، و30 مليون دولار للمغرب، و150 مليون دولار للحكومة السورية الموالية للسوفييت[11]. وقد خدمت هذه المساعدات المالية، والمواقف السياسية التي اتخذتها إيران لدعم القضايا العربية في الصراع العربي– الإسرائيلي التوجهات التي تبناها الشاه في سياسته الخارجية للتقارب مع العرب، وهو ما أطلق عليه لاحقًا "الخيار العربي". فقد وصل الشاه إلى قناعة أن إيران لن تحقق الريادة الإقليمية من غير اعتراف عربي بهذا الدور، وهذا ما يفسر الانقلاب السريع في موقف الشاه من الخلافات الحدودوية مع العراق، وتوقيعه معاهدة الجزائر في عام 1975 ليضع بذلك حدًّا للنزاعات الحدودية بين البلدين. 

غير أن الاعتراف الأهم بدور إيران الإقليمي وربما في السياسة الدولية أيضًا جاء من الولايات المتحدة الأمريكية، التي أصبحت ترى إيران في ظل تفوقها العسكري والاقتصادي حليفًا استراتيجيًّا يمكن المراهنة عليه في سياستها العالمية لاحتواء النفوذ السوفييتي. ففي عام 1969 أعلن البريطانيون عن عزمهم سحب أسطولهم البحري من الخليج العربي، واضعين بذلك نهاية لهيمنة استعمارية دامت لعقود طويلة، ولم يكن في وسع الولايات المتحدة المنخرطة في حرب ضروس في فيتنام أن تملأ هذا الفراغ الإستراتيجي، وهو ما يشكل خطرًا حقيقيًّا في ظل التطلعات السوفيتية للوصول إلى المياه الدافئة. ولا شك أن توسع رقعة النفوذ السوفيتي في المنطقة سيوجه ضربة قاصمة لسياسة الاحتواء الأمريكية. من هنا لجأت واشنطن لحلفائها الإقليميين لسد هذا الفراغ. اعتمدت الولايات المتحدة سياسة الدعامة المزدوجة (Daul – pillars policy) لتأمين منطقة الخليج العربي من النفوذ السوفيتي. وقد تشكلت الدعامة المزدوجة من إيران والمملكة العربية السعودية. غير أنه وبسبب التفوق العسكري والاقتصادي والسكاني لإيران، فقد وقع على عاتقها القسط الأكبر من المسؤولية في تنفيذ هذه السياسية. وقد شعرت إيران بالرضا عن دورها هذا، حيث وفّر لها هذا الاعتراف من الولايات المتحدة الشرعية التي تريدها لتأكيد محورية دورها في المنطقة، ونفوذها المتنامي. ومما يدلل على أهمية إيران الإستراتيجية في السياسة الأمريكية في ذلك الوقت الامتيازات التي حصلت عليها إيران من أمريكا، حيث وافقت إدارة نيكسون على بيع جميع الأسحلة الأمريكية لطهران ما عدا النووية منها، وهو امتياز لم تحظ به أي من حلفاء أمريكا عدا إسرائيل، وقد عبّر الرئيس نيكسون في زيارته للشاه عام 1972 عن حاجته لإيران بالقول له مباشرة: "احمني[12]".

في المجمل كانت سياسة إيران الخارجية تحت حكم الشاه تقوم على ضمان أمنها القومي في مواجهة التمدد السوفيتي، وذلك من خلال: أولًا، اللعب على سياسة موازنة القوى، حيث تحالفت مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وثانيًا من خلال بناء القدرات الذاتية على الجانب العسكري والاقتصادي. كما أنها تبنت سياسة إقليمية تقوم على الانخراط الإيجابي لزيادة نفوذها وحماية مصالحها القومية، وذلك من خلال مساعيها للحصول على اعتراف الدول العربية وخصوصًا الدول الخليجية، وقد استثمرت إيران جيدًا في الصراع العربي الإسرائيلي، فهي من ناحية دعمت المطالب العربية المشروعة باسترداد الأراضي المحتلة، ومن جانب آخر أبقت علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع إسرائيل فاعلة من تحت الطاولة لضمان استمرار التقارب مع أمريكا. في نهاية المطاف لم تحاول إيران الخروج عن السياقات العامة القائمة في النظام العالمي، بل عملت وفق مبادئه لخدمة مصالحها القومية وضمان أمنها.

 

ثانيًا: إيران الثورة وسياستها الخارجية

مع اندلاع الثورة الإسلامية ومجيء الخميني حدثت تحولات كبيرة في التوجهات العامة للسياسة الخارجية الإيرانية. فالخميني لم يكن يهدف من خلال الثورة الإطاحة بالملكية في إيران فقط، بل جاء بمشروع متكامل يبدأ بإزالة حكم الشاه، وتنصيب حكومة إسلامية مكانه، وجعل إيران دولة قائدة؛ بل الدولة المحورية الوحيدة في العالم الإسلامي. ويمكن الافتراض هنا أن أحد الأسس التي أفضت إلى نجاح الثورة الإيرانية هو قيامها على نظرية واضحة المعالم، متبلورة بشكل متكامل، وهي نظرية ولاية الفقية، التي أصبحت عماد النظام السياسي الإيراني بعد الثورة. وقد حكمت تصورات النخب الدينية الحاكمة التوجهات العامة للسياسة الخارجية، والتي اعتمدت على ثلاث دعامات رئيسة، هي: أولًا، عدم التبعية لأحد المعسكرين الشرقي الاشتراكي أو الغربي الرأسمالي، حيث رُفِعَ شعار "لا شرقية ولا غربية... ثورة إسلامية"، ثانيًا، تقسيم العالم إلى مستكبِرين ومستضعَفين، وأن من واجب الحكومة الإسلامية الدستوري نصرة المستضعفين. وأخيرًا، العمل على تصدير الثورة. وإذا كانت الاستفاضة في الحديث عن هذه المبادئ الثلاثة خارج نطاق هذه الدراسة، فإن إشارة سريعة لأهم دلالاتها تظهر حجم التحول الذي حدث على بنية النظام السياسي في إيران وتوجهاته بعد الثورة.

وكما جرت العادة مع الثورات خلال التاريخ، فإن أحد أهم أعمالها هو القطع مع الماضي، ومحاولة خلق واقع جديد. كان من أولويات الخميني محو الإرث الشاهي تمامًا على مستوى التنظير والسلوك. فالحليف السابق للشاه وهو الولايات المتحدة أصبح في نظر الخميني وأتباعه أعدى أعداء الثورة، وأخذوا ينعتونها "بالشيطان الأكبر" أما "الشيطان الأصغر" فقد كانت إسرائيل، وإذا كانت الاعتبارات السياسية بالأساس هي التي شيطنت واشنطن، فإن تداخل الاعتبارات السياسية بالدينية كانت السبب وراء شيطنة تل أبيب. أما الاتحاد السوفيتي فقد نال حظه أيضًا من الشيطنة، ولكن بقدر أقل، وذلك يُعَدّ من أبرز الأدلة على سيطرة الاعتبارات السياسية على فكر الخميني وأتباعه، لا الاعتبارات الدينية فقط، إذ كيف يكون أهل الكتاب (أمريكا واليهود) أكثر عداوة من الملحدين (السوفيت) في قائمة أعداء النظام الثوري الإيراني؟!

كان هذا التصنيف الجديد لقائمة الأعداء المسمار الأخير في نعش السياسة الخارجية الإيرانية السابقة للثورة، فلم يَعُد لسياسة توازن القوة ومبدأ التحالفات أي معنى في ظل تصنيف جميع القوى الكبرى على قائمة الأعداء. ومن هنا انصب الجهد كاملًا على مبدأ البناء الذاتي. وحيث إن المزاج الثوري هو السائد وليس المزاج السياسي، فقد حاولت الثورة البحث عن وسائل غير تقليدية في بنائها الذاتي واستغلال الوسائل المتاحة كافة، في ظل تعقد وضعها السياسي، نظرًا إلى حالة العداء والتوجس التي استجلبتها الثورة على نفسها، سواء على المستوى الدولي أم الإقليمي.

كان من أهم الأدوات غير التقليدية التي استخدمتها إيران– الثورة توظيفُ البعد الديني في تحقيق أهدافها السياسية. لم يكن مستغربًا مثل هذا النوع من التوظيف، فعلى مستوى البناء السياسي الداخلي قام النظام السياسي الإيراني بعد الثورة على نظرية دينية هي ولاية الفقيه، التي كانت في السابق تقتصر على بعض الجوانب في الحياة المدنية للمنتمين إلى المذهب الشيعي، ويُعَدّ من الأمور البدهية أن ينسحب هذا التوظيف إلى السياسة الخارجية والنظرة إلى الآخر، ففي ظل وجود ثورة وليدة مهدّدة من القوى الكبرى ودول الجوار الإقليمي يكون لزامًا عليها العمل على توظيف جميع إمكاناتها وأدواتها للحفاظ على وجودها وضمان أمنها. وإذا كان الشاه تحرك وفق الأيديولوجية القومية لتحقيق هذه الأهداف السياسية، فإن إيران– الثورة تحركت وفق الأيدولوجية الدينية التي منحتها هامشًا أوسع في الحركة، فالقومية الإيرانية في نهاية المطاف قومية قُطرية تقتصر على الحدود الطبيعية لإيران مع الفضاء الإستراتيجي المتمثل بحوض الخليج العربي والحدود الشمالية الشرقية للمحيط الهندي، أما الأيديولوجية الدينية فقد جعلت العالم الإسلامي ساحة لعملها وتمددها، وإن كان الهدف الرئيس تركز على منطقة الخليج العربي لقرب المسافة، واحتوائه على جاليات كبيرة من الشيعة.

 قام البعد الخارجي للأيديولوجية الدينية الإيرانية على مبدأ تصدير الثورة، وذلك وفق نظرية "أُم القرى" التي تُعِدّ إيران مركز العالم الإسلامي الذي ينبغي على الدول المنتمية إليه أن يدوروا في فلكه، وتبني توجهاته العامة. وبذلك منحت إيران لنفسها الحق في الدفاع عن العالم الإسلامي ضد الإمبريالية الغربية وحلفائها الإقليميين، وبناء على ذلك لم تر في الحدود السياسية مانعًا للتواصل مع الجماعات الشيعية في هذه الدولة تحت ذريعة الحماية وصد المشروعات الاستعمارية.

 وقد برزت الحاجة الماسة لهذا التوظيف إثر الهجوم العراقي المفاجئ على إيران عام 1980 واحتلاله منطقة الأهواز. عززت الحرب العراقية– الإيرانية الشعور بالعزلة والاستهداف لدى الإيرانيين. فالعراق لم يكن يقاتل لوحده بل مدعومًا من القوى العظمى وغالبية الدول العربية (ما عدا سوريا، والجزائر، وإلى حد ما ليبيا)، ولا شك أن دولة بمثل هذا الوضع الإستراتيجي المتأزم ستلجأ إلى الوسائل كافة بغض النظر عن مشروعيتها، للدفاع عن نفسها وحماية وجودها وضمان أمنها. فقد وظّفت إيران جميع إمكاناتها الجيو- سياسية والجيو- دينية للحفاظ على مصالحها. وكما يعبر عن ذلك المفكر عزمي بشارة، فإن "هذه الأدوات هي في الوقت ذاته أهداف، لأن الأدوات هي نفسها مصالح يشكل ناتجها الجمعي المصلحة القومية الصرفة للوحدات الدولية في النظام الدولي. فمن لا يمتلك الأدوات محكوم عليه التخلي عن الأهداف[13]".

عجَّلت الحرب من وضع إيران على مسار الحسابات السياسية، وتسخيرها الديني في خدمة السياسي. فقد استطاعت إيران أن تزاوج بذكاء بين خطابها الثوري العام والمعلن، وبين شبكة علاقاتها السّرية في خدمة مصالحها. ففي ظل العداء العام من قبل الدول العربية للنظام الثوري في إيران ووقوفها مع صدام حسين، فقد تجددت المنطلقات الموضوعية للتقارب الإيراني– الإسرائيلي، ولكن نظرًا للأبعاد الدينية، وضرورة توظيف العداء لإسرائيل على مستوى الخطاب من أجل كسب قلوب الشارع العربي للضغط على حكوماته للتخفيف من حدة دعمها للعراق، فإن الكثير من التقارير تشير إلى استمرار قنوات التواصل بين طهران وبين تل أبيب طوال فترة حكم الخميني، حيث أشارت هذه التقارير إلى دور إسرائيل في تسهيل صفقات السلاح الأمريكية وغير الأمريكية إلى النظام الإيراني، وتعد فضيحة إيران – كونترا أوضح دليل على هذا التعاون[14].

بشكل عام يمكن القول إن إيران في السنوات العشر الأولى من الثورة كانت منبوذة على المستويين الدولي والإقليمي؛ بسبب نظامها الثوري وتوجهاتها الدينية. وبناءً على ذلك فقد تغيّرت نظرة الولايات المتحدة لموقع إيران في سياستها الكونية. فبعد أن كانت إيران أهم دعامة في سياستها في المنطقة، تحولت إلى عدو. لم يَعُد التهديد لأمن الخليج في نظر الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين ينبع من التوسع السوفيتي الذي انشغل بحرب واسعة في أفغانستان، بل أصبح ينبع من إيران، وبذلك تحولت الإستراتيجية الأمريكية من احتواء الاتحاد السوفيتي إلى احتواء إيران، وكان أهم دعامة لتحقيق ذلك استخدام العراق، ولذلك كان هناك دعم واضح لصدام حسين من قبل واشطن.

تلخيصًا لما تقدّم يمكن القول إن إستراتيجية الخميني الحيوية كانت الحفاظ على الحكومة الإسلامية في طهران من خلال الفوز بالحرب على العراق، فالخميني كان مصرًّا على أن الفوز في الحرب لا يشكل فقط ضمانة لأمن واستمرار الثورة، وإنما بوابة لانتشارها وتوسعها، ومن هنا كان الشعار الذي رفعه ونادى به بأن: "الطريق إلى القدس يمر من كربلاء". أدّت الحماسة الثورية، والخطابات والتوجهات الدينية دورًا محوريًّا في رسم السياسات الإيرانية في هذه الفترة، ولكن في نهاية المطاف ما كان يُعتقد أنه سبيل لحماية الثورة وانتشارها، أصبح يشكل خطرًا جوهريًّا على وجودها، فقد تشكلت لدى الدائرة الضيقة حول الخميني أن الاستمرار في الحرب في ظل حالة الإنهاك الشديدة التي وصلت إليها البلاد ضرب من الانتحار، ولذلك قادت حملة شرسة لإقناع الخميني بضرورة الموافقة على وقف إطلاق النار، وهو ما تحقق لها، حيث وافق الخميني على وضع حد للحرب في أغسطس/آب 1988. كان قرار الخميني هذا إعلانًا لانتصار التيار البرغماتي داخل إيران، فقد كان من أشد المتحمسين لوقف إطلاق النار حجة الإسلام هاشمي رفسنجاني، الذي أصبح أول رئيس للجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد وفاة الخميني في يونيو/حزيران 1989.

 

ثالثًا: البراغماتية الإصلاحية .. وإصلاح الثورة

كانت الحصيلة التي ورثها التيار البراغماتي ثقيلة جدًّا، فقد كانت لعشر سنوات من الحرب الضروس آثار مدمرة على إيران في المستويات كافة: السياسية والاقتصادية والإنسانية. فعلى الجانب السياسي (وهو ما يهمّنا في هذه الدراسة) وجدت إيران بعد نهاية الحرب نفسها في عزلة إقليمية ودولية محكمة. يصف "احتشامي" هذه العزلة في كتابة[15] (ِAfter Khomeini: The Iranian Second Republic) فيقول: إن المراجعات التي قام بها الإيرانيون في هذه الفترة جاءت نتيجة "زيادة وتيرة تواجد الأسطول الغربي في مياه الخليج، والهزيمة التي لحقت بالأسطول البحري الإيراني على يد القوات الأمريكية، وأعمال الشغب التي حدثت في مكة، والقطيعة السياسية مع العربية السعودية، وزيادة التوترات مع الكويت، والعزلة التي فرضت على طهران من العالم العربي (الدليل على ذلك اللهجة الخشنة التي اسْتُخدِمت ضدها في القمة العربية التي عُقدت في عَمَّان في عام 1987)، وعزلة طهران في المنظمات والهيئات الدولية، واللهجة الحادة من مجلس الأمن، وتهديده بفرض حظر على السلاح على كل طرف لا يقبل بوقف إطلاق النار، (والمَعنيّ هنا إيران؛ لأنها كانت ترفض وقف إطلاق النار على عكس العراق الذي رضي به من بدايات الحرب)".

كان فك العزلة السياسية أحد الشروط الضرورية لإنجاح الأولويات الرئيسة في السياسة الإيرانية بعد الخميني، والتي تمثلت: أولًا، بإعادة البناء (Reconstruction) داخليًّا من خلال تنشيط الاقتصاد، وترميم البنى التحتية والإنسان. ثانيًا، بإعادة إدماج إيران بالنظام الدولي والإقليمي (Reintegration).

كان من مقتضيات إحراز تقدم ملموس في هذين العنوانين العمل على إحداث تغييرات مهمّة على مستوى السلوك والخطاب في السياسة الإيرانية. أما من ناحية الخطاب فقد تبنت إيران خطابًا تصالحيًّا وأكثر انفتاحًا مع العالم، ومع جوارها من دول الإقليم، وقد استطاعت في غضون عام واحد (1989) أن تعيد علاقاتها الدبلوماسية مع كل دول الخليج ما عدا العراق والسعودية، كما أنها عدلت من مفهومها لتصدير الثورة، والذي كان سائدًا طوال فترة الخميني، والقائم في الأساس على الوسائل الخشنة، حيث أصبح تصدير الثورة يعني العمل على جعل إيران نموذجًا إسلاميًّا، يقتدي بها غيرها من الدول الإسلامية بناء على الرغبة المحضة بدون الإكراه، وهو ما عزز من الدبلوماسية الناعمة لإيران.

غير أن الأهم من ذلك كله هو أن الإيرانيين كانوا يراقبون جيدًا التحولات التي يشهدها النظام الدولي، فالاتحاد السوفيتي يتداعى، وأخذت الولايات المتحدة تبرز قوة عظمى وحيدة في العالم، هذا كان يعني لدى الإيرانيين أن الرجوع إلى سياسة توازن القوى لم يَعُد مجديًا، فليست هناك بعد الآن قوة يمكن أن توازي الولايات المتحدة. بناء على ذلك كان المبدأ الذي يحكم سياسة إيران تجاه الولايات المتحدة هو الحياد الذي يتراوح بين الإيجابي والسلبي، بما تقتضيه التطورات السياسية، بمعنى أن إيران كانت تتجنب استفزاز الولايات المتحدة بالقدر الذي لا يؤدي إلى مواجهة مباشرة معها، وعدم الرضوخ لها بالقدر الذي يهدد سيادة الدولة واستقلالها. ظهر ذلك في سياستها في أزمة الخليج بين العراق والكويت، فقد أدّت إيران دورًا سياسيًّا كبيرًا قبيل الحرب؛ لإيجاد حل للأزمة، وأصبحت طهران المنصة السياسية الرئيسة التي يلتقي عليها المتخاصمون لحل النزاع، وعندما اندلعت الحرب، وقفت إيران على الحياد السلبي. في المجمل كان دور إيران في أثناء الأزمة بنّاءً. كان سلوكها إثباتًا لحسن نواياها، ولكنها بدلًا من أن تكافأ على سلوكها هذا، تمت معاقبتها وتشديد العزلة الدولية عليها. إقليميًّا توجهت دول الخليج العربي إلى كل من سوريا ومصر، ووقعتا معهما معاهدات أمنية لحماية أمن الخليج، وهي المعاهدة التي عرفت بـ(6+2)، وعندما لم تفلح هذه المعاهدة، توجهت هذه الدول إلى كل من أمريكا وبريطانيا، وأهملت تمامًا إيران التي كانت قد اقترحت منذ وقت مبكر (عام 1988) صيغة شاملة لترتيبات أمنية في منطقة الخليج بالتشارك مع جميع الدول المعنية. على الصعيد الدولي تم إقصاء إيران من محادثات السلام في مدريد على أن محادثات السلام هي بين المتنازعين، وهم العرب من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. غير أن الإيرانيين قد قرأوا المشهد بشكل مختلف، فالسلام بين العرب وإسرائيل سوف يحرر الأخيرة من قيودها الأمنية، ويبرزها القوة الأكبر في المنطقة، خصوصًا في ظل مشروع بيرز-رابين الذي سمي حينها "بالشرق الأوسط الجديد"، والذي كان من المخطط أن تمارس فيه إسرائيل القطب الاقتصادي، على غرار هونغ كونع، وهو الأمر الذي سوف ينقل الثقل الاقتصادي من الخليج إلى البحر المتوسط، وهو ما سوف يشكل ضربة اقتصادية قاصمة لإيران. على صعيد آخر فإن محادثات السلام تشمل الدولة العربية الحليفة لإيران وهي سوريا، وخروج سوريا من الفلك الإيراني سوف يحرم طهران من البوابة الوحيدة والأكثر أمنًا إلى العالم العربي.

أدى السلوك الدولي والإقليمي الإقصائي بإيران إلى تغيير سلوكها البناء[16]، بالأمس كانت تسعى لفك عزلتها من خلال حالة من التشابك (engagement) مع النظام الإقليمي والدولي، أما اليوم فقد بدأت تسلك سبيل الاشتباك عبر تخريب (sabotaging) سياسة الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين في المنطقة، وعلى رأسهم إسرائيل. وقد كان على سلم أولوياتها تعطيل (أو تخريب) عملية السلام التي شكّلت عصب سياسة عزل إيران من خلال دعم ما كان يعرف بجبهة الرفض التي تشكلت من إيران، وسوريا وقوى المقاومة الفلسطينية غير المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير[17]

أدت سياسة الاشتباك إلى زيادة التوتر بين إيران والولايات المتحدة، ومع مجيء إدارة الرئيس بيل كلينتون التي كان للوبي اليهودي الأمريكي نفوذ كبير فيها ، كان واضحًا أن التصعيد سيأخذ أشكالًا أكثر حدة، فقد تبنت إدارة كلينتون سياسة الاحتواء المزدوج (Dual Containment)، التي تُعَدّ تحولًا كبيرًا في سياسة أمريكا الشرق أوسطية، مع أنها تتناسب مع المستجدات البنيوية على النظام الدولي. في السابق وإبان الحرب الباردة كانت أمريكا تعتمد في سياستها لاحتواء الدب السوفيتي على سياسة توازن القوى عبر المحيطات (Off-shore Balance of Power)، وذلك بالاعتماد على حلفاء/وكلاء محليين، مثل ما حدث في الشرق الأوسط في سبعينيات القرن الماضي، وهو ما عرف بسياسة الدعامة المزدوجة، التي تشكلت من إيران والسعودية، كما تمت الإشارة إلى ذلك في الفصل السابق، أما الآن وقد وضعت الحرب الباردة أوزارها، وأسفرت عن وجود قطب واحد في العالم، فلا حاجة للولايات المتحدة لسياسة توازن القوى عن بعد، ما دامت قادرة على الانخراط بشكل مباشر.

مثَّل الوجود الأمريكي المباشر في الخليج، وحالة العداء لكلّ من إيران والعراق (وهما الخصمان اللدودان) معطيات جديدة فرضت على إدارة كلينتون انتهاج سياسة الاحتواء المزدوج. طبعًا لا يمكن أن نغفل دور اللوبي اليهودي في هندسة هذه السياسة[18]، فاحتواء إيران والعراق يُعَدّ مطلبًا إسرائيليًّا، فإسرائيل وحتى ذلك الوقت، ورغم الضعف الذي أصاب العراق، إلا أنها أبقت على تقديرها الإستراتيجي لخطر الجبهة الشرقية، أما إيران فلابد من عزلها وإضعافها في سبيل ضمان التفوق الإسرائيلي في المنطقة، على أساس أن إيران وحدها القادرة على تشكيل منافس إقليمي إستراتيجي لإسرائيل، وليس أي دولة عربية، خصوصًا بعد اتفاقية السلام مع مصر.

كان من مقتضيات سياسة الاحتواء فرض الحصار الاقتصادي على إيران، وتشديد العزلة السياسية عليها، ومن هنا أصيبت سياسة رفسنجاني الطامحة إلى إعادة البناء والاندماج في مقتل، وقادها للإخفاق. ولكن وعلى عكس التوقعات لم يؤدّ هذا الإخفاق إلى تقوية الجناح المتشدد في إيران، بل مكَّن للتيار الإصلاحي من تصدّر المشهد السياسي في إيران، بانتخاب محمد خاتمي رئيسًا لها في عام 1997. وإن كانت الحركة الإصلاحية امتدادًا للتيار البراغماتي الذي قاده رفسنجاني، إلا أنها كانت أكثر انفتاحًا على الغرب، وأكثر تحررًا فيما يخص السياسات الاقتصادية وحقوق الإنسان. وأقصد بالأكثر تحررًا بالمفهوم الإيراني لا الغربي، حتى لا يفهم من هذا الكلام أن خاتمي قد خالف المبادئ العامة للثورة الإيرانية، التي أسسها وقعّدها الخميني.

موضوعيًّا كانت محركات التوتر في العلاقة بين إيران والولايات المتحدة في الفترة الثانية من رئاسة رفسنجاني قد بدأت بالخفوت مع مجيء خاتمي، فمشروع الشرق الأوسط الجديد قد أخفق بتعثر عملية السلام التي وصلت إلى طريق مسدود مع اعتلاء حزب الليكود الرافض لعملية السلام سدة الحكم، وتشكيل الوزارة الأولى لبنيامين نتنياهو في عام 1996، واغتيال رابين في السنة التي سبقت هذه الانتخابات. ولكن ومع ذلك بقي التوتر وسوء العلاقات الدبلوماسية سيد الموقف بين طهران وواشنطن، ويعود السبب في ذلك إلى الصورة الذهنية النمطية التي تشكلت لدى كل طرف عن الطرف الآخر، والتي تعد غاية في السلبية والتشكيك وفقدان الثقة، كانت لأحداث من قبيل الانقلاب على مصدق بمساعدة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عام 1953، وأحداث الرهائن في السفارة الأمريكية في طهران عام 1979 تأثيرات بليغة في تشكيل هذه الصورة النمطية. يقول المبعوث الأمريكي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط دينس روس: "تبدأ صورة معينة بالتشكل، وعندما تتشكل ستعطي الكثير من الوزن لتلك الأفعال التي تؤكدها، حتى عندما تبدو السلوكيات متناقضة مع الصورة، وستصرف النظر عن تلك السلوكيات التي تشير إلى اتجاه آخر. كان مصير الإشارات التي أطلقها [خاتمي] الإهمال، ولكنها كانت موجودة. والسلوكيات التي تلاءمت مع الصور التقليدية لإيران عوملت كما لو أنها إيران الحقيقية[19]".

 وعليه فإن منهجية خاتمي في الخطاب، وطريقته في توجيه الرسائل أشارت إلى إدراك الرجل أن الرهان في تحسين العلاقات مع الغرب بشكل عام ومع أمريكا على وجه الخصوص يمكن بإدخال تحسينات على هذه الصورة النمطية، ولذلك تبنى مبدأ "حوار الحضارات"، وأبدى إعجابه "بالشعب الأمريكي العظيم ومنجزاته"، وأدان الإرهاب وفاعليه[20]، وأكد أنه لا يوجد عداء متأصل بين إيران وأمريكا، وعبّر عن أسفه لأحداث السفارة الأمريكية في طهران، وأكّد حرص إيران على دعم خيارات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

علاوة على ذلك، لم تقتصر محاولات إيران في ترميم علاقاتها مع الغرب والولايات المتحدة، وتحسين صورتها على مستوى الخطاب؛ بل تجاوز ذلك ليشمل السلوك السياسي أيضًا. بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2000، أصبح واضحًا عزم الولايات المتحدة التحرك ولو بشكل أحادي، لتأديب أولئك الذين تجرأوا على ضربها في عقر دارها. كان الهدف الأول أفغانستان. وقد كانت هناك مصلحة إيرانية في التخلص من حكم طالبان المتشدد، الذي تربطه علاقات سيئة جدًّا مع إيران. لأجل تذليل التعاون بين البلدين فُتحت قناة جنيف للحوار الإستراتيجي. واجتمع المندوبون الإيرانيون والأمريكيون وجهًا لوجه لمناقشة تفاصيل التعاون من أجل إتمام المهمّة. كان لإيران دور حاسم في نجاح الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، ليس على الجانب العسكري فقط[21] بل على الجانب السياسي أيضًا، ظهر ذلك جليًّا في مؤتمر بون الذي انعقد في ديسمبر/كانون الأول 2001، فقد أقنع المندوب الإيراني حينها جواد ظريف ممثل تحالف الشمال الأفغاني بقبول العرض الأمريكي؛ بقبول 16 وزارة بدلًا من 18 كما يطالب تحالف الشمال، وهو ما أنقذ المحادثات من الانهيار.

غير أن النتيجة بعد هذا التعاون والملاطفة من قبل إيران للولايات المتحدة كان الخطاب الشهير للرئيس الأمريكي بوش الابن في 29 يناير/كانون الثاني 2002، الذي صنف فيه إيران في محور الشر مع كل من العراق وكوريا الشمالية. أُصِيب التياران المؤيدان للحوار في كلا البلدين بخيبة أمل كبيرة، فالتيار الإصلاحي في إيران، وفريق وزير الخارجية كولن باول في وزارة الخارجية الأمريكية قد اعتقدا أن قناة جنيف قد تقود إلى حوارات إستراتيجية في موضوعات أخرى عالقة بين البلدين، كالملف النووي، من أجل ترميم العلاقات بين البلدين بشكل نهائي. يصف ظريف خيبة الأمل هذه بالقول: "في غضون أيام قليلة، تحولت سياسة التعاون إلى سياسة مواجهة. ولاتزال (كارين أيه) لغزًا ظهر في الوقت المناسب، بالنسبة إلى الأشخاص الذين أرادوا منع حدوث تقارب أمريكي إيراني[22]".

و"كارين أيه" هي السفينة التي ضبطتها البحرية الإسرائيلية في المياه الدولية في البحر الأحمر في 3 يناير/كانون الثاني 2002، وادعت أنها سفينة إيرانية تحمل أسلحة إلى السلطة الفلسطينية، وذلك في أثناء انتفاضة الأقصى. وقد اتخذ المتشددون من المحافظين الجدد في إدارة بوش وعلى رأسهم نائب الرئيس ديك تشيني، ووزير الدفاع رونالد رامسفيلد ومن ورائهم اللوبي اليهودي هذه الحادثة ذريعة للانقلاب على حوارات التقارب التي تجري بين واشنطن وطهران. لا أحد يجادل أن التقارب الإستراتيجي بين الولايات المتحدة وإيران يضر بالمكانة الإستراتيجية لإسرائيل، سواء في المنطقة  أم في السياسة الأمريكية. عندما تكون هناك دولة عظمى وحيدة في العالم يكون المنطق في ضمان الأمن، وتحقيق المصالح القومية للدول الأخرى، بالتقارب منها ومجاراتها، لا بمنافستها واستدعاء الأحلاف عليها، وهذا المنطق بالذات الذي كان كلٌّ من إيران وإسرائيل تتنافسان عليه. لتحقيق النفوذ في المنطقة كان لابد من الاعتراف من الولايات المتحدة، وهذا ما كانت تسعى إيران لاكتسابه، وتسعى إسرائيل للحفاظ عليه ومنع ضياعه.

لا شك أن التيار المحافظ في إيران قد استفاد من هذه الحادثة للانقضاض على خاتمي وسياساته المنفتحة على الغرب. ما فتئ هذا التيار يرى في هذا التقارب تهديدًا لمصالحه الاقتصادية والسياسية، وخروجًا عن مبادئ الثورة. بعد هذه الحادثة خفَت صوت خاتمي حتى ظهر وكأنه دخل في عزلة سياسية، وقويَ على الجانب الآخر التيار المحافظ. أصبح واضحًا أن حدة التوتر في السنوات المقبلة سوف تتعزز على خلفية التغيرات السياسية داخل إيران من جهة، والتطورات السياسية الإقليمية من جهة أخرى.

فقد أخذت الولايات المتحدة تجهز العدة لغزو العراق. منذ البداية كانت سياسة إيران تدور حول ثلاثة محاور: أولًا، تسهيل غزو العراق للإطاحة بالنظام العراقي الذي يُعَدّ حتى ذلك الوقت تهديدًا إستراتيجيًّا في الاعتبارات الأمنية الإيرانية. ثانيًا، عدم تمكين أمريكا من العراق حتى لا تكون المنصة التي منها ينطلق الأمريكان لضرب إيران، التي ستصبح عمليًّا بين فكي الكماشة الأمريكية في العراق غربًا وأفغانستان شرقًا. ثالثًا، عدم قيام عراق قويّ من جديد، وهو ما يعني استغلال حالة الفراغ الأمني والسياسي بعد الغزو، من أجل تعزيز النفوذ الإيراني في العراق باستخدام ورقة الطائفية السياسية– الدينية.

 

رابعًا: المحافظون الجدد... وإحياء الثورة

كان لوصول الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد إلى سدة الرئاسة، وهو الشخصية المحافظة، وذو الميول الدينية المتينة، وأحد أتباع خط الإمام، وأحد المشاركين النشطين في أحداث السفارة الأمريكية عام 1979- دلالة واضحة على السياسة الخارجية التي سوف تنتهجها إيران في السنوات القادمة، ولاسيّما أن هذا يترافق مع سيطرة المتشددين على المؤسسات السياسية كافة المنتخبة في إيران، بالإضافة  إلى المؤسسة العسكرية والحرس الثوري، وهو ما يعني أن لهم اليد العليا في توجيه سياسة إيران الخارجية من غير معارضة قوية تذكر.

عكست خطابات نجاد مقدار التحول في سياسة إيران، فالرجل أعلن في أبريل/نيسان 2006 أن إيران دخلت النادي النووي، وأن إسرائيل سرطان لابد من إزالته من الخارطة، وغيرها من خطابات التعبئة، التي تشير إلى أن إيران التي تبنت في السابق سياسة الانفتاح، ولاقت الصدّ والعزلة سوف تلجأ لتحقيق أهدافها وطموحاتها وهيبتها من خلال التحدي والمناكفة لا الانفتاح والمسايرة.

وفي ظل بيئة أمنية مليئة بالتحديات حاولت إيران تعزيز أمنها وحماية مصالحها من خلال الانكفاء من جديد على تعزيز قدراتها الذاتية، ومن ثم نسج شبكة من التحالفات الإقليمية والدولية، خصوصًا على مستوى الجماعات شبه– الدول (Non-state actors). على المستوى الداخلي بدأت في تسريع وتنشيط مشروعها النووي، وزيادة دعمها للجماعات المحسوبة عليها في الدول المجاورة، مثل حزب الله في لبنان، والفصائل الشيعية في العراق، وفصائل المقاومة الإسلامية في فلسطين، والحوثيين في اليمن. كان الهدف من هذا الدعم في الأساس هو عملية إشغال لأعدائها ومنافسيها الإقليميين والدوليين، وإبعادهم عن توجيه الضربات العسكرية لها، فالولايات المتحدة انشغلت في المستنقع العراقي، وإسرائيل تعرضت لهزة عنيفة على مستوى قوى الردع لديها بعد حربها الفاشلة مع حزب الله في عام 2006، وانسحابها أحادي الجانب من غزة، الذي سيطرت عليه "حماس" ومعركتها الفاشلة معها نهاية عام 2008، أما السعودية فقد دخلت في حرب مع الحوثيين في اليمن، وبذلك يكون ألد خصومها الإقليميين والدوليين منشغلين بأزماتهم الأمنية، والعسكرية، والاقتصادية بسبب الأزمة المالية العالمية عام 2008.

أما بخصوص التحالفات، فقد سمح التغيير الذي طرأ على النظام الدولي وبروز قوى منافسة لسيادة وتفرد الولايات المتحدة لإيران- أن تعقد شبكة من التحالفات، شكلت لها ضمانة ومنفذًا للالتفاف على العقوبات الاقتصادية، كالتحالف مع روسيا، وإلى حد ما مع الصين. وهي بذلك تجدد طابعها الخاص في التصرف بالبراغماتية المطعّمة بالنهكة الثورية. في نهاية المطاف لا تعني البراغماتية أبدًا "التخلي عن موقف أو مبدأ، بل قد تعني التمسك به بأدوات أخرى وفي ظروف متعددة[23]".

استطاعت إيران من خلال سياسة تدخلها المباشر وغير المباشر في عدد من الدول المحورية في المنطقة، ابتداء من العراق مرورًا بسوريا ولبنان وليس انتهاء بفلسطين- أن توصل رسالة للولايات المتحدة والمنافسيين الإقليميين أن ما حاولت إيران في السنوات الماضية من الحصول عليه من خلال سياسة الانفتاح والتقارب، والتي واجهت تعنتًا من الطرف المقابل فأخفقت- أصبحت قادرة على الحصول عليه من خلال فرضه كأمر واقع! والواقع يقول: إن من أراد أن يجد حلولًا لكثير من الملفات الساخنة في المنطقة فعليه أن يتوجه إلى طهران! وما تريده طهران في الأخير هو اعتراف دولي على أعلى مستوى بمكانتها ونفوذها ومصالحها في المنطقة. وكما صرح يومًا لاريجاني بخصوص الترتيبات الأمنية في منطقة الخليج: "كل دولة يجب أن تُقبل كما هي، لا نحتاج إلى تغيير أي نظام. وستكون كل دول عضوًا كاملًا، ولكن الدولة الكبيرة لها قول كبير[24]".

لم تغب حالة الأمر الواقع هذه عن نظر الإستراتيجيين الأمريكيين الذين التقطوها، وحاولوا التعامل معها بما تقضيه المصالح الأمريكية في المنطقة. فقد صدر عن مجلس العلاقات الدولية (Council on Foreign Relations) ومركز سابان (SABAN CENTER) تقرير إستراتيجي بعنوان: "التوازن: الإستراتيجية الشرق أوسطية للرئيس المقبل" (BALANCING: A MIDDEL EAST STRATEGY FOR THE NEXT PRESIDENT) تضمن فصلًا بعنوان: "الطريق إلى التعايش: سياسة أمريكية جديدة تجاه إيران" (Pathway to Coexistence: A New U.S. Policy toward Iran) تحدث عن سياسات أمريكا تجاه إيران في الفترة التي أعقبت الثورة الإسلامية، والتي تراوحت بين المقاطعة، والاحتواء، والحصار الاقتصادي والسياسي. وقد حكم كاتبا الفصل، وهما: "سوزان مالوني وراي تقيه" بإخفاق هذه السياسات، وأنه قد حان الوقت لإعادة تقييمها للوصول إلى حقيقة، مفادها ضرورة التعايش مع إيران والتشابك (لا الاشتباك) معها (Engagement) في القضايا التي تخدم مصالح الولايات المتحدة في المنطقة.

 

خامسًا: من التعايش إلى الاتفاق

كان الحديث عن التعايش والتشابك مازال في طور التنظير في الأوساط السياسية والأكاديمية في واشنطن، ولكنه تحول إلى سياسة معتمدة مع مجيء الرئيس باراك أوباما إلى البيت الأبيض. والسؤال هو إذا ما كانت حالة الأمر الواقع حول نفوذ إيران في المنطقة وحدها هي التي أدت إلى اعتماد هذه السياسة أم أن هناك عوامل أخرى؟

لا شك أن عاملًا حاسمًا آخر أدّى دورًا محوريًّا في اعتماد سياسة التشابك مع إيران. فإدارة الرئيس باراك أوباما جعلت من حوض الصين الجنوبي ومنطقة شرق آسيا المنطقة الحيوية للمصالح الأمريكية الكونية، وليس الشرق الأوسط، وقد كان أول زيارة لوزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون بُعَيد تسلمها مهامّها إلى آسيا تدليلًا على أهمية هذه المنقطة. والسبب في الأهمية التي أولتها إدارة أوباما لهذه المنطقة هي أنها تحتوي على 60% من المعاملات التجارية الدولية، ولا شك أن عامل الاقتصاد كان ضاغطًا على إدارة أوباما بسبب حالة التدهور التي شهدها الاقتصاد الإمريكي بسبب الأزمة المالية العالمية، وحروب أمريكا المكلفة. بالإضافة إلى رغبة الولايات المتحدة في احتواء العملاق الصيني الذي يشكل المنافس الحقيقي لزعامة أمريكا العالمية.

تطلبت هذه السياسة لضمان نجاحها التخفيف من الأعباء التي تتحملها الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط ووسط آسيا. فلم يُخفِ الرئيس أوباما رغبته في سحب القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان قبل انتهاء ولايته الرئاسية، وحاول أن يثبت بأنه الرجل الذي يضع حدًّا للحروب (War-ender). عند الحديث عن العراق وأفغانستان وانسحاب آمن منهما، فلابد من الأخذ بعين الاعتبار اللاعب الرئيس في هاتين الساحتين، والقادر على تقديم مساعدة بناءة في تحقيق هذا الغرض. وعند البحث قليلًا يظهر أن هذا اللاعب هو إيران، لا أحد غيرها. طبعًا هناك لاعبون كثر آخرون، مثل باكستان، ولكنّ المؤثرين منهم قليلون؛ بل نادرون. ومن هذا النادر تتربع إيران في المقدمة. بدأت قنوات التواصل بين الأمريكيين والإيرانيين منذ وقت مبكر من رئاسة أوباما، ولكنها بقيت في مستويات محدودة[25]، فطالما لم يتم التعامل مع القضايا الشائكة بين البلدين سوف يكون من الصعب إعلان هذه المحادثات وإعلاء شأنها. كان من أبرز هذه القضايا الشائكة: الملف النووي الإيراني، والدعم الإيراني "للإرهاب".

لم تكن الظروف في الداخل الإيراني مهيئة لإحداث تحول جوهري تجاه حلحلة هذه القضايا طالما بقي التيار المتشدد والمحافظون الجدد مسيطرين على مناحي الدولة كافة. كانت السياسة الأقل كلفة للولايات المتحدة هي سياسة الانتظار حتى تنتهي ولاية الرئيس أحمدي نجاد الثانية. فالأحداث التي جرت في إيران من عام 2009 وهو ما عرف بالثورة الخضراء، ولّدت انبطاعًا لا لبس فيه لدى الأمريكيين عن مدى تململ قطاعات واسعة من الشعب الإيراني من سياسة المحافظين الجدد والمتشددين. كان هناك إدراك بأن تغييرًا لابدَّ أن يحدث في النخب الحاكمة تجاه إقصاء هذا الفريق المتشدد للتخفيف من شدة الاحتقان في الشارع، رغم القسوة الشديدة التي قمعت بها المظاهرات، والإقامة الجبرية التي وضع تحتها قادة الحركة الخضراء، وعلى رأسهم حسين كروبي. كانت إرهاصات هذا التغيير بادية، ليس من خلال حركة الشارع؛ بل من خلال الخلافات التي دبّت بين فريق المحافظين الجديد، وعلى رأسهم الرئيس نجاد، وبين رأس النظام القائد خامنئي، الذي أصبح يرى أن مصلحة الثورة تكمن في إقصاء هذا الفريق، وإلا أصبحت الثورة كمن يذهب إلى حبل المشنقة برجليه. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن أمريكا لم تَعُد تنظر إلى مسألة تغيير النظام في إيران بالجدية المسبوقة؛ بل بالتعامل معه ومحاولة تدجينه وجعله يعمل وفق القواعد العامة للمجتمع الدولي- فإن ما كان يجري في إيران تجاه إقصاء الفريق المتشدد يخدم هذه النظرة الأمريكية، وهو ما سوف تثبته قنوات الاتصال التي تشكلت في أعقاب فوز الرئيس المعتدل حسن روحاني، والذي أفضت في نهاية المطاف إلى توقيع الاتفاق النووي بين إيران، ومجموعة (5+1) في يونيو/تموز 2015.

 

سادسًا: الروحاني حسن ... وأوباما حسين .. وبناء البيت

ورث الرئيس حسن روحاني الذي انتُخِب في أغسطس/آب 2013 خلفًا للرئيس محمود أحمدي نجاد- سياسة خارجية ووضعًا داخليًّا معقدًا. كانت العلاقات مع الغرب ومع أمريكا على وجه التحديد قد بلغت مستويات كبيرة من التوتر، وكان الوضع الاقتصادي متدهورًا جراء حزمة العقوبات الاقتصادية التي فرضها مجلس الأمن عام 2008، وتلك التي فرضها بشكل أحادي كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وشملت صادرات النفط الإيرانية والتعاملات المصرفية في عام 2012. أما الوضع الإقليمي فقد كان الأكثر تأثيرًا في الوضع الإستراتيجي لإيران من غيره من العوامل. فقد فاجأت الثورات العربية النظام الإيراني بالطريقة التي فاجأت فيها العالم أجمع. وقد أيدت إيران الثورات في بدايتها عندما ضربت شمال إفريقيا، ورأت أن هذه الثورات تأتي في سياق الصحوة الإسلامية التي بدأتها الثورة الإسلامية في إيران قبل ذلك بثلاثة عقود، ازدادت حماسة الخطاب المؤيد لهذه الثورات عندما ضربت الجزيرة العربية في البحرين واليمن، فقد أمّلت طهران أن تمكن هذه الثورات الأقليات الشيعية في هذه الدول من تحقيق دور أكبر في المستقبل السياسي، غير أن هذا الخطاب وهذه الحماسة اختلفا بشكل دراماتيكي عندما ضربت الثورة سوريا، فتحولت هذه الثورات في نظر إيران من ثورات "الصحوة الإسلامية"  إلى "المؤامرة الكونية". دعمت إيران النظام السوري بكل إمكاناتها المالية والسياسية والعسكرية. كانت هناك تفرقه واضحة في نظر الإيرانيين حول القيمة الإستراتيجية لكل من العراق وسوريا. فإذا كانوا ينظرون إلى العراق على أنه الحديقة الخلفية لإيران، والتي تمتلك الحق لاعتبارات الجوار والتداخل الإثنو-ديني في تعظيم نفوذها السياسي والسيادي فيه، فإن سوريا تُعَدّ الرصيد الإستراتيجي الذي يسمح لإيران بالتحكم في شرق المتوسط، الأمر الذي يجعلها في قلب الشرق الأوسط، وذلك بتحكمها بأهم المعابر التجارية في العالم.

على الجانب الأمريكي كانت الثورات العربية مصدر ذهول للكثير في إدارة أوباما. فالإدارة الأمريكية التي سعت منذ أول يوم إلى التخفيف من أعبائها الشرق أوسيطة للتفرغ للعملاق الصيني، وجدت نفسها أمام واقع يدفعها للانخراط أكثر في المستنقع الشرق أوسطي، ومع مجيء الثورات المضادة والتي أدت إلى شيوع الفوضى والاقتتال الأهلي في جميع ساحات الثورات العربية، وظهور لاعبين جدد بشكل مؤثر، مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) ازداد القلق الأمريكي من إمكانية الانخراط أكثر في الشرق الأوسط.

إن هدف الإدارة المتمثل بالتقليل من الأعباء الأمريكية في المنطقة التي أصبحت في حالة أمنية هشة للغاية من جانب، ومحاربة "الإرهاب" المتمثل بتنظيم داعش من جانب آخر- لا يتحقق إلا بوجود حلفاء يمكن الوثوق بهم، ونظرًا للتصدع الكبير الذي أصاب الأنظمة العربية، وانشغالها بملفاتها الداخلية، كان لابد من النظر إلى الدول غير العربية في المنطقة، وهي إسرائيل، وتركيا، وإيران. ونظرًا للحساسية التي تتمحور حول أي دور لإسرائيل فإن التركيز يبقى منصبًّا على كل من إيران وتركيا. وبحسبة سريعة لمقدار نفوذ هذه الدول في المنقطة وحجم تأثيرها يتضح أن إيران أقوى هذه الدول وأكثرها نفوذًا في المنطقة، وهو ما يقتضي التفاهم معها، أو حتى التحالف معها، إذا اقتضى الأمر. ولكن ينبغي وضع حد للقضايا الشائكة بينهما، وعلى رأسها الملف النووي الإيراني، إذا كان يرتجى من هذا التفاهم (أو التحالف) أن يكون فعالًا، وذا قيمة إستراتيجية.  

إن الوصول إلى اتفاق حول برنامج إيران النووي يُعَدّ نقطة التقاء بين الطرفين، تخدم مصالح كل من إيران والولايات المتحدة. فواشنطن تعيد الاعتبار لسياسة توازن القوى عن بعد (Off-shore Balance of Power) ، من أجل التصدي للعملاق الصيني، وأهم شروط هذه السياسة وجود حلفاء موثوقين كما أسلفنا. في السابق ارتكزت واشنطن في سيادتها هذه في منطقة الخليج على كل من إيران والسعودية، وذلك في سبعينيات القرن العشرين، بما عرف حينها بالدعامة المزدوجة. واليوم تتكرر الحاجة لمثل هذه الدعامة، ولكنها هذه المرة قد تكون ثلاثية تتشكل من إيران وتركيا والسعودية. ولكن يبقى على الولايات المتحدة أن تقلل من حدة المنافسة الإقليمية بين هؤلاء اللاعبيين، وذلك من خلال العمل على رسم مساحات النفوذ والضغط تجاه التقليل من حدة التنافس الإثنو-ديني، وضبط الأهداف بحيث يكون محاربة "الإرهاب" هو القاسم المشترك. قد تكون هذه مهمّة صعبة للغاية في ظل حالة انعدام الثقة والتنافس الشديد بين كل من إيران والسعودية على وجه الخصوص.

على الجانب الإيراني يأتي الاتفاق النووي في الإطار العام لإستراتيجيتها المتمثلة بتحقيق مكانة ريادية في المنطقة، ونفوذ واسع، واعتراف دولي بمكانتها وتأثيرها. وفي سبيل ذلك تستخدم الأوراق التي في جعبتها، ومن هذه الأوراق الملف النووي. وحسب المبدأ الواقعي الذي تنتهجه القيادة الإيرانية فإن اكتساب القدر الكافي من القوة هو التصرف العقلاني الذي يخدم مصالحها، أما اكتساب ما فوق القدر الكافي من القوة فقد يعرضها لمعاقبة النظام الدولي، فتكون بذلك القوة مصدر تهلكة لا مصدر أمن وحماية. وهذا ما فعلته إيران بالضبط، اكتسبت من القوة ما يحفظ لها أمنها ويضمن لها مكانتها في المنظومة الدولية والإقليمية. في نهاية المطاف فالاتفاق ينص على تأجيل منع إيران من السلاح النووي، فالمشروع الذي ابتدأ منذ أربعة عقود يستطيع أن يصبر عقدًا آخر كي يتحقق، ما دام يتحقق الهدف الإستراتيجي الأهم، والذي من أجله في الأساس أُطلِق هذا المشروع، وهو التفوق الإيراني في المنطقة.

 

 

[1] Walts, Kenneth., 1988. “The Origins of War in Neorealist Theory”, Journal of Interdisciplinary History. 18 (4).

[2] John J. Mearsheimer, “Structural Realism”, International Relations Theories: Discipline and

Diversity, Vol.83, (2007)

[3] Rourke, John., “International Politics on the World Stage”, Twelfth Edition. The Unted State: Mc Graw Hill Press.

[4] بارزي، تريتا،. 2007. حلف المصالح المشتركة: التعاملات السرية بين إسرائيل والولايات المتحدة، ترجمة أمين الأيوبي. لبنان: الدار العربية للعلوم ناشرون. ص:55.

[5] Ramazani, R.K., 1978. Iran and the Arab – Israeli Conflict. Middle East Journal. 32 (4), pp. 413 – 428.

[6] Goldstein, Joshua. Pevehouse, Jon. International Relations. The United State: Pearson Press. P. 43.

[7] Rourke, Jone., International Politics on the World Stage”. The United State: McGraw Hill Press, p. 21.

[8] بارزي، تريتا،. 2007. حلف المصالح المشتركة: التعاملات السرية بين إسرائيل والولايات المتحدة، ترجمة  أمين الأيوبي. لبنان: الدار العربية للعلوم ناشرون. ص:48.

[9] للمزيد حول هذا الموضوع انظر: إبراهيميان، أروند.، 2014. تاريخ إيران الحديث. ترجمة مجدي صبحي. الكويت: سلسلة عالم المعرفة، ص. 165-176.

[10] المصدر السابق. ص: 174.

[11] بارزي، تريتا،. 2007. حلف المصالح المشتركة: التعاملات السرية بين إسرائيل والولايات المتحدة، ترجمة  أمين الأيوبي. لبنان: الدار العربية للعلوم ناشرون. ص:72

[12] المرجع السابق. ص: 64

[13] للمزيد انظر: العرب وإيران مراجعة في التاريخ والسياسة. مجموعة باحثين. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ص:10.

[14] For more detail see. Green, D. Jerrold., 1991. Arab Politics and the Iran-Contra Affair. The Middle East from Iran – Contra Affair to the Intifada. The United State of America: Syracuse University Press, pp. 119-144.

[15] Ehteshami, Anoushiravan., 2002. After Khomeini: The Iranian Second Republic. The United State: Routledge Press, pp. 147-148.

[16] في نظر بعض المحللين لم تثبت إيران حسن نواياها بالشكل الفعلي، أثبتت ذلك الحادثة التي تعرض لها رئيس وزراء إيران الأسبق شهبور بختيار بباريس في أغسطس/آب 1991 التي أفيد أنها كانت من تدبير عملاء إيرانيين. جاءت هذه الحادثة في الوقت الذي كانت إيران تسعى إلى تحسين علاقاتها مع واشنطن، وهو ما أظهر سلوكًا إيرانيًّا متناقضًا رفع التكلفة السياسية في الانفتاح عليها. (بارزي. 2007. ص:215)

[17] وإن كنت أجادل هنا أن عملية السلام لم تكن تحتاج إلى عملية تخريب من خارجها، فقد ولدت وعوامل الخراب بداخلها، وإذا ما قُورِنَ ما فعلته إيران لتخريب عملية السلام مع ما قامت به إسرائيل في سبيل ذلك نجد أن ما قامت به إسرائيل من خلال تعنتها وسياستها القمعية أكثر بكثير، وعلينا ألا ننسى أن أول ضربة قوية وجهت لعملية السلام كان اغتيال رئيس وزراء إسرائيل الأسبق إسحق رابين عام 1995 على يد متطرف ومستوطن صهيوني يدعى إيغال عامير.

[18] الذي صاغ هذه السياسة وقدمها للإدارة الأمريكية هو السفير الأمريكي السابق في إسرائيل مارتن إنديك، وهو أمريكي من أصل يهودي.

[19] بارزي، تريتا،. 2007. حلف المصالح المشتركة: التعاملات السرية بين إسرائيل والولايات المتحدة، ترجمة أمين الأيوبي. لبنان: الدار العربية للعلوم ناشرون. ص:215

[20] مع العلم أنه فرَّق بشكل واضح بين الإرهاب وأولئك الذين يقاتلون من أجل تحرير أوطانهم كما يحدث في فلسطين ولبنان.

[21] يذكر بارزي أن الإيرانيين عرضوا على الولايات المتحدة السماح باستخدام قواعدهم الجوية، وعرضوا توفير قاعدة لتنفيذ مهام البحث والإنقاذ للطيارين الذين تُسقَط طائراتهم، وخدموا على شكل جسر بين التحالف الشمالي والولايات المتحدة في قتال الطالبان. حتى إنهم استخدموا في قليل من المناسبات معلومات أمريكية للعثور على زعماء تنظيم القاعدة الفارين وقتلهم. (2007. ص:317).

[22] بارزي، تريتا،. 2007. حلف المصالح المشتركة: التعاملات السرية بين إسرائيل والولايات المتحدة، ترجمة أمين الأيوبي. لبنان: الدار العربية للعلوم ناشرون. ص:215

[23] للمزيد انظر: العرب وإيران مراجعة في التاريخ والسياسة. مجموعة باحثين. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ص:10.

[24] المصدر السابق. ص: 15

[25] للمزيد انظر: السيد، رضوان.، 2014. العرب والإيرانيون والعلاقات العربية– الإيرانية في الزمن الحاضر. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون.


ملصقات
 »