لا يمكن قراءة قمة أنقرة بوصفها حدثًا بروتوكوليًّا، فهي عقدت في مرحلة يتآكل فيها النظام الدولي القديم، من دون أن يتبلور نظام جديد مستقر وقابل للتنبؤ. إن التنافس بين القوى الكبرى توسع ليشمل الاقتصاد والطاقة والرقائق والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد والمعادن الحيوية والفضاء والمجال السيبراني والممرات البحرية. وفي هذا العالم المتشظّي، لا تكفي القوة العسكرية وحدها لصناعة الأمن؛ بل تصبح المرونة الاقتصادية والسيادة التكنولوجية والقدرة الصناعية وحماية البنى التحتية وأمن الإمداد جزءًا لا يتجزأ من معنى الردع.
من هنا تأتي أهمية هذا العدد، الذي يتخذ من قمة أنقرة والناتو مدخلًا لتحليل الأسئلة الأوسع التي تواجه تركيا وأوروبا والشرق الأوسط والنظام الدولي. فالقمة لا تختصر مستقبل الحلف وحده، بل تفتح نقاشًا حول طبيعة الأمن في عصر الانتقال: هل يستطيع الناتو الحفاظ على ثقافته الأمنية وتماسكه السياسي في ظل تباين التهديدات بين جناحيه الشرقي والجنوبي؟ وهل تستطيع أوروبا تحويل خطاب الاستقلالية الإستراتيجية إلى قدرات دفاعية وصناعية متماسكة؟ وهل يملك الحلف بالفعل إستراتيجية متكاملة تجاه الشرق الأوسط، أم أنه لا يزال يدير الجنوب عبر شراكات متفرقة واستجابات جزئية؟ وما الذي يعنيه صعود التكنولوجيا غير المأهولة، والحرب الإلكترونية، والدفاع الجوي المتكامل، بالنسبة إلى المعايير القديمة للتفوق العسكري؟
تتقدم تركيا في هذه الأسئلة بوصفها حالة مركزية لا هامشية. فموقعها الجغرافي، وقدراتها العسكرية، وصناعاتها الدفاعية المتنامية، وخبرتها في مكافحة الإرهاب، وصلاتها مع البلقان والبحر الأسود والقوقاز والشرق الأوسط وشرق المتوسط، تمنحها دورًا لا يمكن اختزاله في الإسهام بالقوات أو استضافة القواعد. وهي دولة عضو في الناتو، لكنها في الوقت نفسه دولة متعددة المجمعات الأمنية، تتحرك عند تقاطعات تهديدات روسية وأوروبية وشرق أوسطية وآسيوية، وتواجه تحديات الهجرة والإرهاب والطاقة والبحر الأسود والنزاعات الإقليمية ضمن بيئة واحدة مترابطة.
