رؤية تركية
أفكار متحدية

الشئون التركية والدولية


| كلمة رئيس التحرير < رؤية تركية

الانفتاح التركي على القارة السمراء

ارتأينا أن نحصّص العدد الجديد من "رؤية تركية" للقارة السمراء، نغوص في إشكالياتها وقضاياها السياسية والمجتمعية والدينية، مع رصد وشائج الصلة بينها وبين "تركيا الجديدة"، وحجم التأثير والتأثر بينهما على مختلف الأصعدة، ولاسيّما بينها وبين الجزأين الجنوبي والغربي منها.

الانفتاح التركي على القارة السمراء

 

المشهد الإفريقي غني بتراثه وتضاريسه ومكنوناته الثقافية والمعرفية والهوياتية؛ لما يحويه من ثروات طبيعية بحكم موقعه الجغرافي وتوسطه القارات السبع من جهة، وتنوع الإثنيات والعرقيات والأديان والمذاهب داخله من جهة أخرى.

لذا ارتأينا أن نحصّص العدد الجديد من "رؤية تركية" للقارة السمراء، نغوص في إشكالياتها وقضاياها السياسية والمجتمعية والدينية، مع رصد وشائج الصلة بينها وبين "تركيا الجديدة"، وحجم التأثير والتأثر بينهما على مختلف الأصعدة، ولاسيّما بينها وبين الجزأين الجنوبي والغربي منها.

وبعيدًا عن الكلمات المنمّقة واللهجة الخطابية التقليدية التي تتناول عمق العلاقات التركية الإفريقية كان للباحث الجادّ محمد أوزكان في دراسته: "من القول إلى الفعل (العلاقات التركية– الإفريقية وتحليلها 1998– 2015م)" رؤية واقعية عن حجم هذه العلاقة وتشابكاتها في هذه الفترة التي رافقت صعود حزب العدالة والتنمية 2002، الذي يرجع إليه الفضل في تولّي سياسة تركيا الخارجية قبلتها تجاه القارة السمراء، من خلال مبادرات متتالية في مجال المساعدات الإنسانية والعلاقات الاقتصادية، فضلًا عن منظمات المجتمع المدني، وهذا يعني أن سياسة تركيا تجاه إفريقيا كان من أهم عوامل نجاح سياستها الخارجية.

ولا شك أن للمجتمع المدني دورًا كبيرًا في تقوية هذه العلاقات بين الجانبين التركي والإفريقي، وهو ما أبرزه للقارئ الكاتب سرحات أوراقجي، مع بيان ما نجحت فيه إلى حد كبير المنظمات غير الحكومية التي كانت بمثابة رسائل للسلام التركي في القارة بعد غياب طال لعقود نتيجة تغيرات سياسية جذرية عايشتها الدولة التركية بين حقبتين. وعلى الرغم من المحاولات الدؤوبة لهذه المنظمات في المجال الإنساني والخدمي، إلا أنها وحتى اللحظة لم ترق إلى مستوى الجهد الغربي المبذول في إفريقيا بشكل مباشر أو غير مباشر على المستويين العام "الحكومي" والخاص "الأهلي"، وهو ما يستعرضه بإيجاز الباحث أوراقجي مبينًا حجم الاختلاف بين الغايات والآليات بين الجانب التركي ونظرائه من الدول الأخرى في تعاطيهم مع القارة السمراء، وهو ما يقدّم رؤية إيجابية في الرؤية التركية حيالها.

ومن النماذج الرائدة للعمل الخدمي في إفريقيا التي قد لا يعرف عنها الجمهور العربي الكثير- مؤسسة "تيكا" التي كان للسيّد أحمد داود أوغلو رئيس الحكومة الحالية فضلًا كبيرًا في خروجها إلى النور... وهنا يرتحل بنا الرئيس التنفيذي للمؤسسة السيّد سردار تشام في مشهد بانورامي حول "تيكا" ودورها في توطيد العلاقات التركية الإفريقية، من خلال الفعاليات المتنوعة والخدمات التنموية التي تقدمها في إفريقيا.

ومن مشاهد العلاقات الدبلوماسية التي تقدمها مجلة رؤية تركية بحث: "العلاقات التركية- النيجرية: الدبلوماسية الإنسانية والدور التاريخي" لسفير تركيا في دولة النيجر الأكاديمي التركي حسن أولوصوي الذي كشف جذور العلاقة بين البلدين، وأظهر أنها تمتد إلى ما يقرب من 600 عام، كما رصدَ تنوعات المشروعات التركية في الداخل النيجري.

وكان من المهمّ ألا يفوتنا في هذا العدد مدى أهمية القرن الإفريقي في العقل الأمريكي، وبخاصة في المسألة الأمنية والعسكرية، وهو ما تولّى بيانه الباحث المصري أنس القصاص في بحثه الرصين: "أمن القرن الإفريقي في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية 2015"... ولكون الولايات المتحدة الأمريكية القوة العسكرية الكبرى في العالم، كانت لأمن القرن الإفريقي أهمية بالغة لديها؛ بوصفها منصّة مهمّة ومحطة جديرة بالعناية في مواجهة خصومها الحاليين والمستقبليين، نظرًا لمكانة القرن الإفريقي الجيوسياسية، ولاسيّما بعد الصعود اللافت للدورين الهندي والصيني في إفريقيا، فضلًا عن الدور الإيراني الذي يسبب إزعاجًا لها في بعض الأحايين بالتوازي مع الصعود الراديكالي لجماعات الإسلام الجهادي في المنطقة.

ومن الولايات المتحدة الأمريكية إلى المستعمِر القديم- الجديد للقارة السمراء "فرنسا"، من خلال بحث: "أطماع فرنسا في إفريقيا تعود تحت راية: التجنيد الدولي لمكافحة الإرهاب في مالي" للباحثة الجزائرية عبير شليغم التي ألقت فيه الضوء على السياسات الاستعمارية الفرنسية في إفريقيا بشكل عام، وفي مالي بشكل خاص، سواء أكان ذلك من خلال الحضور العسكري أم الحضور الاقتصادي الذي يُعدّ منذ عقود البوابة الخلفية للوجود الاستعماري الفرنسي في المشهد الإفريقي.

وكانت إفريقيا ولاتزال محور اهتمام السياسة الخارجية الإسرائيلية، وتتزايد أطماعها في القارة السمراء يومًا إثر يوم، وفي هذا العدد أفردنا مبحثًا تناول "السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه إفريقيا– جنوب الصحراء" تناول فيه كاتبه بشكل مفصّل حجم الاختراق الإسرائيلي للقارة الإفريقية، وأدوات إسرائيل وآلياتها لتحقيق غاياتها في وجودها المعلن وغير المعلن، وبخاصة أنها تنظر إلى إفريقيا بصفتها تمثّل الحديقة الخلفية للأمن القومي الإسرائيلي.

وعطفًا على ما سبق، كانت لظهور الجماعات المتطرفة في القرن الإفريقي تداعيات خطيرة على الأمن الإفريقي والعالمي أيضًا، حيث تتشابك وتتقاطع في مجملها مع نظرائها في الداخل والخارج من الجماعات الراديكالية الأخرى، خصوصًا بعد مبايعة جماعة "بوكو حرام" ما يسمّى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وتحويلها مناطقها إلى إحدى ولاياته في الداخل الإفريقي، من هنا يسعى الكاتب السوداني عباس صالح في بحثه: "الجهود الإقليمية لمكافحة تهديد بوكو حرام: المحددات والآفاق" إلى سبر أغوار هذا التنظيم، ومحاولة كشف أوراقه، مع التركيز على البعد الأمني في مجابهته والتصدي له إفريقيًّا، ولاسيّما بعد ما أحدثه من زلزلة سياسية وأمنية واجتماعية في نيجيريا، مرورًا بتشاد والنيجر والكاميرون وبنين.

ومن "بوكو حرام" إلى الحركة الأقدم منها: "حركة الشباب المجاهدين في الصومال" التي تحدّث عنها الباحث الصومالي أنور أحمد ميو، من خلال بيان نشأة الحركة، وواقعها، ومسارها المستقبلي، وهذا البحث من أهم الدراسات التي تناولت هذه الحركة منذ ظهورها في العقد الأخير... ونجح أنور ميو إلى حدّ كبير في تسليط الضوء على محطات سياسية وفكرية مهمّة أفرزتها هذه الحركة، ورصد الصراعات بين أجنحتها المختلفة والولاءات المتأرجحة داخلها بين القاعدة من جهة، وتنظيم الدولة من جهة أخرى، وانتهى إلى تقديم تصور استشرافي لمستقبل هذه الحركة التي باتت على شفا انقسام كبير عقب ظهور تنظيم "داعش".

ثم ننقلكم إلى انعكاسات انفصال جنوب السودان على الأمن الاقتصادي السوداني للباحث الأكاديمي السوداني يوسف خميس أبو رفاس الذي تناول تداعيات هذا الانفصال على عدة أمور، أهمها الأمن الاقتصادي للسودان، وحجم الإيجابيات والسلبيات التي رافقت هذا التحول في الدولة السودانية، وتجزئتها إلى شطرين... وفي هذه الزاوية الجديدة سعى أبو رفاس إلى تأكيد أنّ توحيد الدولة الوطنية وتماسكها يعزّز من قدرتها على الصمود والبقاء، ومجابهة التحديات والمخاطر، بل ويمثّل دعامة رئيسة في الارتقاء والنهوض اقتصاديًّا وسياسيًّا ومجتمعيًّا.

واختُتِم العدد بدراستين مهمّتين، تناولت إحداهما "تأثير التعدّد الإثني في الاستقرار السياسي والأمني في شمال إفريقيا.. دراسة حالة الطوارق في مالي إثر الحرب الليبية" للباحثة الواعدة فتيحة فرجاني التي قدّمت عرضًا يستحق المتابعة حول ظهور الطوارق وتطلعاتهم الانفصالية في مالي، وتحولاتهم عقب عام 2012، وتناولت ثانيتهما "التنافس الصيني الأمريكي على إفريقيا" للباحث السوداني وليد الطيب الذي وقف على التباينات بين الجانبين الأمريكي والصيني في تعاطيهما مع القارة السمراء، وهو ما دفع أمريكا إلى القلق إزاء نمو تأثير الصين وتمدده في السنوات الأخيرة في إفريقيا، ولاسيّما حضورها العسكري هناك... ويسعى وليد الطيب في بحثه إلى الإجابة عن أسئلة مهمّة تزيده أهمية وقوة، منها: هل حقًّا أصبحت إفريقيا ساحة صراع وتنافس بين القوى العظمى في الوقت الحالي، وبخاصة الولايات المتحدة ونظيرتها الصاعدة الصين؟ وما مستقبل هذا الصراع والتنافس؟ وأيّ كفة سترجحها إفريقيا في تعاطيها مع هذين الخصمين؟

وفي الختام نأمل من السادة القرّاء تدبّر هذا العدد الجديد من مجلة رؤية تركية, ومطالعة ما جاء فيه عن المشهد الإفريقي بإنعام, لأنه مشهد مهمّ يستحق المتابعة والإمعان.