رؤية تركية
أفكار متحدية

الشئون التركية والدولية


| كلمة رئيس التحرير < رؤية تركية

التجربة السياسية للحركات الإسلامية بعد الربيع العربي

تظل التجربة السياسية للحركات والتيارات الإسلامية عقب الربيع العربي من التجارب المهمّة التي وجب تسليط الضوء عليها ووضعها تحت المجهر البحثي؛ نظرًا إلى حجم التحولات التي صاحبت التجربة ما بين صعود وهبوط ونجاح وإخفاق في مناطق متفرقة من العالمين العربي والإسلامي، وهو ما عقدنا عليه العزم في العدد الجديد من مجلة (رؤية تركية)، حيث تناولنا تجارب هذه الحركات والتيارات السياسية ابتداء من المشرق، ومرورًا بالمغرب العربي، وانتهاءً بتموضع تلك التجربة في الغرب.

التجربة السياسية للحركات الإسلامية بعد الربيع العربي

تظل التجربة السياسية للحركات والتيارات الإسلامية عقب الربيع العربي من التجارب المهمّة التي وجب تسليط الضوء عليها ووضعها تحت المجهر البحثي؛ نظرًا إلى حجم التحولات التي صاحبت التجربة ما بين صعود وهبوط ونجاح وإخفاق في مناطق متفرقة من العالمين العربي والإسلامي، وهو ما عقدنا عليه العزم في العدد الجديد من مجلة (رؤية تركية)، حيث تناولنا تجارب هذه الحركات والتيارات السياسية ابتداء من المشرق، ومرورًا بالمغرب العربي، وانتهاءً بتموضع تلك التجربة في الغرب.

انطلقت ثورات الربيع العربي من تونس حيث (ثورة الياسمين)، لذلك كانت باكورة مقالاتنا في هذا العدد من هناك، حيث تناول الأكاديمي التونسي نور الدين علوي تجربة حركة النهضة في سياقاتها السياسية والمجتمعية؛ مبينًا أهم جوانب الحركة، منذ انطلاقتها السياسية الفعّالة، بعد قطيعة مع المشهد التونسي دامت عقودًا، أسهمت فيها فترة حكم الرئيس التونسي الأسبق بن علي.

تأتي تجربة النهضة في الساحة التونسية من خلال محطات سياسية ومجتمعية مهمّة ومتنوعة ومتشابكة أيضًا،‏ مع فواعل حزبية أخرى تعجّ بها الساحة السياسية التونسية… ويبرز الأكاديمي التونسي حجم التحولات والمتغيرات التي عايشتها تونس خلال السنوات الست من عمر الثورة، وما أبدته الحركة في مسيرتها من مرونة وبراغماتية عالية، يسرت لها سبل البقاء حتى اللحظة في صدارة المشهد، رغم إخفاقات موازية لتجارب مماثلة تنتمي إلى التجربة الإسلامية الحزبية ذاتها، وبخاصة في مصر ودول أخرى، حيث فقدت بعض هذه الحركات تموضعها السياسي والاجتماعي أيضًا‏، وأصبحت تعيش حالة من الانزواء والعزلة فرضتها وقائع المشهد الراهن.

يتناول العلوي في مقالته كيف استفاد رجالات النهضة وبخاصة الشيخ راشد الغنوشي -الذي يقف على رأس هذه الحركة- من تقلبات المشهد الإقليمي من حوله، ونجاحه في قيادة سفينة الحركة إلى أن ترسو على الشاطئ، متجنبًا موجات الربيع العربي وتداعياته.

ومن تونس الهادئة إلى ليبيا التي تعيش مكوناتها السياسية والمجتمعية على صفيح ساخن لم تهدأ حرارته منذ الإطاحة بالقائد الليبي السابق معمر القذافي إلى يومنا هذا، ويسعى الأكاديمي المصري خيري عمر من خلال مقالته (الإسلاميون والحوار السياسي في ليبيا) إلى تحليل الرؤى الإسلامية بتنويعاتها الحزبية والحركية صوب آليات الحل السياسي، وحجم تعاطيها مع الفرقاء السياسيين والأطر الحاكمة في الداخل الليبي، التي تتوزع جغرافيًّا بين أقاليم وأمصار شتى، من جرّاء الفواعل السياسية المتباينة والمتساجلة فيما بينها، وحجم الصراع المسلح الذي لحق بالدولة الليبية عقب الإطاحة بالقذافي.

وتسلط الدراسة الضوء بشكل خاص على تجربة الإخوان المسلمين في الداخل الليبي، ومدى تأثيراتها الداخلية وتعاطيها مع الواقع السياسي والعسكري الجديد، خصوصًا مع الجنرال خليفة حفتر، وانعكاسات ذلك على البنية السياسية الحزبية لإخوان ليبيا، وحجم التراجعات التي تعايشها التجربة ذاتها في أماكن متفرقة من شمال إفريقيا.

ويذهب بنا الأكاديمي اليمني أحمد الداغشي إلى مقاربة فكرية وسياسية حول تجربة حزب الإصلاح اليمني عقب الربيع العربي، وإلى ما تعيشه الدولة اليمنية في الوقت الراهن من حالة ارتداد على الدولة الوطنية، عقب الانقلاب الذي قام به الحوثيون بالتعاون مع علي عبدالله صالح الرئيس اليمني السابق، الذي أجهض حلم التغيير، وما كانت تطمح إليه الدولة اليمنية عند انطلاق ثورتها في 11فبراير 2011، مع رسم المحددات المستقبلية للحركة، انطلاقًا من تفاعلات الواقع الحالي ورهاناته.

في موازاة ذلك، جاء صعود الحالة الراديكالية في إفريقيا مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بـ(داعش) لتطفو على السطح تنظيمات جهادية راديكالية تدين بالولاء لهذا التنظيم حينًا، أو تنشق عنه وتنظم صفوفها في تيارات أخرى حينًا آخر.

وتعجّ منطقة الغرب الإفريقي‏‏ والساحل بحزمة من تلك التنظيمات المتشددة التي تعيق -مع عوامل أخرى- حركة التقدم والنهضة في تلك المناطق التي تحررت من أتون الاستعمار الغربي، وهو ما تناوله الأكاديمي والباحث المصري حمدي عبد الرحمن حسن في مقالته (التنظيمات الجهادية في الساحل والغرب الإفريقي‏‏)، حيث قدّم عرضًا بانوراميًّا لتلك الجماعات الجهادية العابرة للحدود، وبحث مدى تأثير وجودها في الغرب الإفريقي‏‏ في مجالات الأمن والسياسة والدولة، والأسباب والمسببات التي دعت لتمدد هذه الظاهرة الراديكالية على الرغم من الوجود (الصوفي/الطرق) بوصفه مرجعية روحية للتيارات الإسلامية هناك.

وفي السياق ذاته يعرض الباحث العراقي صهيب الفلاحي تجربة أشرس التنظيمات الجهادية الراديكالية (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، وقصة صعوده سنة 2014، وانحساره وانكماشه في الأشهر القليلة الفائتة، والأسباب والمسببات التي أسهمت بقدر كبير في إيجاد هذه الظاهرة في الداخل العراقي، وامتداداتها المتفرقة في سوريا وعدد من الدول العربية والإسلامية، ويقدم الفلاحي تقييمًا دقيقًا للتحولات التي صاحبت الظاهرة الجهادية وأطوارها التكوينية، مع قراءة مستفيضة للبنى الفكرية للتنظيم، وقراءة مستقبلية له، تتيح للقارئ مقاربة سوسيولجية تسبر أغوار هذا التنظيم، وتكشف النقاب عن الكثير من الألغاز والعلامات التي رافقت انطلاقته وتمدده وانتشاره.

وعلى وقع الحالة الجهادية الراديكالية ذاتها وفي خضم مشهد تمددها في منطقة الشرق الأوسط يقدّم الباحث اللبناني محمد علوش مقالة يتناول فيها تلك التنظيمات الجهادية في الداخل اللبناني ما بين النزعة الداخلية والارتباط الإقليمي، ونظرًا إلى التنوع المذهبي والإثني والعرقي في لبنان، تبقى ظاهرة السلفية الجهادية من الظواهر المهمّة والمقلقة، في ظل تنوع تلك المكونات السياسية والمجتمعية ذات الانتماءات الأيديولوجية والقناعات الحزبية المختلفة، وهذا يجعل تسليط الضوء على الموضوع في غاية التعقيد والحساسية، خصوصًا في ظل تثوير الحالة المذهبية على النحو القائم، التي عمقتها بدايةً تطورات المشهد العراقي، ثم تداعيات الحالة السورية وانعكاساتها على المشهد الإقليمي.

يتناول علوش أهم الرموز والتنويعات الحزبية والعَقَدية و(الجماعاتية) السلفية في الداخل اللبناني، مع تفكيك الظاهرة الجهادية، من خلال رصد محطاتها السياسية والميدانية المختلفة، وحجم التقاطعات معها ومع نظرائها في الإقليم، والعولمة التي لحقتها وأسهبت في إخصابها وتمددها.

أمّا الأكاديمي المغربي بلال التليدي فيبصرّنا بزاوية أخرى داخل الفضاء السلفي الفضفاض، من خلال تسليط الضوء على فكرة المراجعات التي عايشتها تلك التجربة داخل المغرب، في مقالته (مراجعات التيارات السلفية في المغرب) التي تناولت أهم التيارات السلفية في المشهد المجتمعي الديني، وتحولاتها صوب مفاهيم وأطر مختلفة تباينت مواقفها إزاءها، وعلى رأسها فكرة الديمقراطية والقبول بالعمل السياسي، فضلًا عن رفض العنف وممارسته، وهي من الإشكاليات الكبيرة التي ظلّت تمثل حالة من الجدل داخل الدوائر السلفية في المغرب.

وعن تجربة جماعة الإخوان المسلمين في مصر يقدّم الباحث المصري جمال نصار عرضًا بانوراميًّا لفترة وصولها إلى سدة السلطة من خلال حزب الحرية والعدالة، وحجم التفاعلات التي بدت بين تجربة الإخوان السياسية وبين السياسة منذ ثورة 25 يناير حتى إزاحة الرئيس محمد مرسي عن السلطة في 2013، وذلك في مقالته (التجربة السياسية للإخوان المسلمين في مصر بعد ثورة يناير: الدور والتأثير وآفاق المستقبل).

ثم يأتي كل من أوزجان خضر وأنس القصاص ليتحدّث كلّ منهما عن الحالة الإسلامية وتموضعها الأصولي و(الجماعاتي) في الغرب من خلال مقالتين: الأولى بعنوان (السلفية الأصولية في أوربا وبعض خصائص التيارات السلفية وإشكالياته)، والثانية بعنوان (مستقبل التنظيمات الإسلامية في أوربا وأمريكا الشمالية في ظل صعود اليمين)… ثُمّ يُختتَم الملف بمعاودة الحديث عن المغرب من خلال دراسة الباحث الأكاديمي المغربي إسماعيل حمودي عن تجربة حزب العدالة والتنمية المغربي في السلطة عقب أحداث احتجاجات 11 فبراير وموجات الربيع العربي.

وفي النهاية أضع بين أيديكم العدد الجديد من مجلتنا لتأمل بحوثه ودراساته وعروض الكتب، وآمل أن يلقى استحسانكم، ويقدّم لكم ما هو جديد ونافع… والله الموفِّق.