رؤية تركية
أفكار متحدية

الشئون التركية والدولية


| كلمة رئيس التحرير < رؤية تركية

المشهد السياسي التركي في انتخابات 24 حزيران وبعدها

لا تزال الانتخابات التركية الأخيرة تمثّل حجر الزاوية في المشهد السياسي بالدولة التركية؛ نظرًا لما أحدثته من نقلة فارقة في تاريخها الحديث المعاصر، انطلاقًا من ذلك نسعى في العدد الجديد من مجلة (رؤية تركية) إلى سبر أغوار هذا المشهد الانتخابي الأخير، مع تقديم رؤية شاملة وافية حول حاضر أحداثها وانعكاساتها المستقبلية هذا من جهة، وإفساح المجال لموضوعات متنوعة تتناول زوايا مغايرة تتعاطى بشكل كبير مع الواقع السياسي التركي من جهة أخرى.

المشهد السياسي التركي في انتخابات 24 حزيران وبعدها

السنة 7 العدد 3 

لا تزال الانتخابات التركية الأخيرة تمثّل حجر الزاوية في المشهد السياسي بالدولة التركية؛ نظرًا لما أحدثته من نقلة فارقة في تاريخها الحديث المعاصر، انطلاقًا من ذلك نسعى في العدد الجديد من مجلة (رؤية تركية) إلى سبر أغوار هذا المشهد الانتخابي الأخير، مع تقديم رؤية شاملة وافية حول حاضر أحداثها وانعكاساتها المستقبلية هذا من جهة، وإفساح المجال لموضوعات متنوعة تتناول زوايا مغايرة تتعاطى بشكل كبير مع الواقع السياسي التركي من جهة أخرى.

باكورة بحوثنا في هذا العدد للأكاديمي والباحث التركي فخر الدين آلتون بعنوان: (انتخابات 24 يونيو حجر الأساس لتركيا الجديدة)، وبدا من عنوانه جاذبًا ومثيرًا للاطلاع والكشف.

أكّد الباحث آلتون في دراسته أن الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي تجاوزت نسبة المشاركة بها 85 في المئة، كانت بلا شكّ مصيرية في تاريخ تركيا السياسي؛ لكونها الخطوة الأخيرة في مسار التحول إلى النظام الرئاسي الجديد الذي عرفته تركيا للمرة الأولى في تاريخ انتقالها إلى الجمهورية، وهي مكمّلة لاستفتاء 16 أبريل 2017.

سعى آلتون من خلال بحثه إلى تقديم جملة من الأسباب والمسبّبات التي أدّت إلى تبكير الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وبخاصة بعد دعوات المعارضة، ومن ثَمّ إقرارها من قبل السلطة، وهو ما أثار حينها جملة من اللغط حولها.

وعزفًا على ذات المقطع يأتي الباحث والأكاديمي التركي علي أصلان ليقدّم تصوّرًا متكاملاً آخر حول الانتخابات التركية الأخيرة، وذلك في بحثه: (المعنى السياسي لانتخابات 24 حزيران 2018).

سعى أصلان إلى الكشف عن المعنى السياسي لتلك الانتخابات؛ بهدف تقييم السياسة المحلية والوطنية التي كرَّس لها حزب العدالة والتنمية، وسعى إلى تقديمها من جهة، وإبراز نطام حوكمة رئاسة الجمهورية ومحدداتها الرئيسة من جهة أخرى، وتتجلّى أهمية هذا البحث في أنه قام بعمل تعريفي وتركيبي شامل لجميع الأحزاب السياسية القائمة في الداخل التركي، مع إبراز حجم الفروقات بينها، وميزات كل حزب عن نظائره من الأحزاب الأخرى،  فضلًا عن تقديم كشف حساب لمخرجاتها السياسية خلال العقود الفائتة، وذلك منذ انطلاقتها السياسية، وبخاصة في المشهد السياسي المعاصر، وانطلاقًا من ذلك كان لزامًا رصد رؤى المعارضة وتحليلها، ثم تفكيكها- حِيال هذه التحولات التي قادها فصيل حزبي جسّده (العدالة والتنمية)، وهو ما يضيف أبعادًا مهمّة وميزات لهذه المقالة من زاوية جدّية ومغايرة .

 

منذ صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة السلطة في 2002 سعى بشكل حثيث إلى تكريس الاصطفاف الشعبي وهدم الفوارق ورأب الصدع بين التنويعات الجغرافية والإثنية والعرقية، بل والمذهبية، داخل الدولة التركية باعتباره جسدًا واحدًا، حتى بات يتضاءل شيئًا فشيئًا تأثير هذه الفوارق التي عزّزت وجودَها الأنظمةُ العسكرية السابقة في السلطة، من خلال محاولة الفصل بين الإثنيات والعرقيات، وخصوصًا بين الكرد منها وبقية الشعب التركي.

والمتأمل لطبيعة العلاقة القائمة في اللحظة الراهنة داخل التكوينات المجتمعية بتنويعاتها المختلقة يجد هذا التلاحم والتعاضد وتلاشي الفوارق، وهو ما يُحسَب في جزء منه لحزب العدالة والتنمية الذي ضمّ الكثير من الرموز الكردية السياسية والأكاديمية المهمّة، التي كان لها بالغ الأثر في انصهار تلك التنويعات داخل الدولة الوطنية التركية الواحدة.

بيد أن الإرهاب المسلَّح لبعض التنويعات العرقية في الداخل التركي وحلفائها في الخارج، ممثّلًا في حزب العمال الكردستاني، والذي على شاكلته في الداخلين السوري والعراقي- حاول جاهدًا زعزعة هذا الاستقرار القائم في تركيا، وبخاصة في مساحات شعبوية مجتمعية، وهو ما دفع الأكراد في تركيا دومًا إلى تأكيد وقوفهم في وجه هؤلاء الذين يدّعون انتماءهم زورًا وباطلاً إلى الحالة الكردية في أصالتها الوطنية.

وهنا يقدّم الباحث حسين ألب تكين في بحثه: (تقييم الانتخابات التركية في 24 يونيو حزيران 2018 من خلال مدن الشرق) رؤيته حول اتجاهات الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية الأخيرة؛ انطلاقًا من الفواعل السياسية في الحالة الكردية جغرافيًّا وسياسيًّا، من خلال وضع حزب الشعوب الديمقراطي، وما يمثّله من لاعب رئيس داخل (السياسة الكردية الإثنية)، وحزب الدعوة، وبقية الأحزاب الصغيرة، وذلك في أبعاد مكانية، وتحديدًا في مناطق الشرق ومناطق جنوب الشرق ذات الأغلبية الكردية.

ولم يغفل الباحث ألب تكين عن لفت النظر إلى دور العدالة والتنمية بوصفه حزبًا غير إثني موجهًا إلى الشعب في تركيا بتنويعاته وتفصيلاته كافة، وأنّ ذلك كان آلة جذب رئيسة لكتلة كبيرة داخل الحالة الكردية، مثّلت بعدًا تصويتيًا مهمًّا، برز في الانتخابات البرلمانية والرئاسية الأخيرة في حزيران 2018.

في موازاة ما سبق يأتي الباحثان نبي ميش وهزال دوران ليتحدثا عن أهمية الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 24 حزيران 2018 في السياسة التركية، ولكن من زوايا مكمّلة لما طُرِح آنفًا، وذلك بمعالجات تتناول قانون التحالفات الانتخابية، وتحولات النظام السياسي، والمسائل الرئيسة التي تأتي في طليعة مرحلة ما بعد الانتخابات.

ويُعَدّ حزب الشعب الجمهوري من الأحزاب المهمّة في الشارع السياسي التركي؛ لما له من حضور لا بأس به، ولدوره البارز في الانتخابات البرلمانية والرئاسية التركية الأخيرة.

وانطلاقًا من ذلك يُقدّم الباحث التركي أركوت أيواز دراسة تحليلية عن حزب الشعب الجمهوري، والأدوار  السياسية التي أدّاها على مستويات متعددة، وتفاعله مع الشارع والجمهور في الانتخابات الأخيرة، وذلك من خلال تسليط الضوء على مقارباته التي شملت الوعود الانتخابية، والخطابات والرؤى الإستراتيجية، وأهم مرشحيه، مع إبراز تاريخ الحزب وتوثّباته ومحطاته المختلفة، في صيرورة السياسة التركية الحديثة والمعاصر،ة منذ انطلاقته في أواخر الربع الأول من القرن العشرين.

وحول مرشح الحزب في الانتخابات الأخيرة سعى الباحث أركوت إلى تسليط الضوء على محرم إنجه، الذي أتى في الترتيب الثاني في نتائج الانتخابات الرئاسية، بفارق كبير عن الرئيس أردوغان يتجاوز نسبة 20 بالمئة، إذ سعى أركوت إلى محاولة فك شيفرات إنجه السياسية وتلخيصها وتقديم زواياها المختلفة والمتنوعة.

وفي سياق الموضوعات المهمّة التي تسعى مجلة (رؤية تركية) إلى إبرازها بين الفينة والأخرى موضوع انقلاب 15 تموز 2016 الفاشل، الذي لا يزال كثير من جوانبه وزواياه لم ينكشف حتى اللحظة، بيد أن المفارقة هنا تكمن في محاولة الربط بين ما أحدثه هذا الانقلاب في تركيا وموقف إحدى الدول العربية المجاورة خاصة منه، ممثلة في العراق، الذي لدى الدولة التركية علاقات إستراتيجية مهمّة ومميزة معه على الصعيدين السياسي والمجتمعي، وهو ما يعطي هذا الربط أهميته ومصداقيته في آن معًا.

يذهب الباحث العراقي واثق السعدون إلى تأكيد أن الانقلاب الفاشل في تركيا مساء الخامس عشر من تموز 2016 شكّل محددًا رئيسًا في توجهات السياسة الخارجية التركية بعد ذلك التاريخ، بل يمكن القول إنه مثّل محورًا مهمًّا في تشكّل البعد الإستراتيجي الخارجي لتحركات الساسة الأتراك والدولة التركية، ولاسيّما في المنطقة العربية، وكان منها العلاقات البينية التركية العراقية، وهو ما جعل السعدون في حديثه عن أهمية بحثه يذكر أنّ هدفه الرئيس يتمثّل في بيان انعكاسات محاولة الانقلاب الفاشل في تركيا على العلاقات التركية العراقية، ومن خلال سرديات بحثه كشف السعدون معلومات مهمّة حملت استدلالات قوية وجادة أوضحت الكثير من الأبعاد الغامضة.

وفي جدليات العلاقة بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران، وما تشهده من علاقات متوترة في اللحظة الراهنة على هامش محادثات البرنامج النووي ومخرجات بنود الاتفاقية بينهما- يقدّم الكاتبان قليج بوغرا كنات وحسن يوجل بحثهما: (السياسة الأمريكية تجاه إيران بعد الاتفاق النووي)، وينطلق الكاتبان من فحوى ومضمون الاتفاق النووي الذي جمع بين الدولتين إبان فترة الرئيس الأمريكي السابق أوباما، مع دراسة الموقف المعارض له من قبل الإدارة الأمريكية الجديدة، ممثّلة في الرئيس دونالد ترامب، وانسحاب واشنطن من الاتفاق، وما يرافق ذلك من إشكالات .

ومن الأمور اللافتة في النظام الرئاسي التركي الذي كرّسته وأقرته الانتخابات الرئاسية التركية الأخيرة- الكيفية التي سيبدو عليها الجهاز التنفيذي الذي سيختلف بشكل كبير عن نظيره في النظام البرلماني، وهو ما مثّل جدلية كبرى إشكاليةً تحدّث عنها المعارضون لهذا التحول؛ لذا سعى الباحثون: محمد زاهد صوباجي وعزيز كوسا أوغلو ونبي ميش في بحثهم: (النظام الجمهوري الرئاسي وإعادة هيكلة الجهاز التنفيذي في تركيا) إلى سبر أغوار هذا التحوّل، وتقديم تصوّر كامل وشامل حول الجهاز التنفيذي وماهيته في هذا النظام الجديد، وهو ما أسهم في معرفة تفصيلات النظام الرئاسي والجهاز التنفيذي داخله، وهذا جهد كبير يحسب لهؤلاء الباحثين؛ نطرًا لأهميته وجِدَّته.

وكما تناول أحد البحوث حزبَ الشعب الجمهوري في هذا العدد، فقد سعى الباحث مصطفى آلتون أوغلو إلى الحديث بشكل مفصّل عن حزب آخر لا يقلّ أهمية عن سابقه؛ بل يسبقه بمسافات، إنّه حزب الحركة القومية، الذي سلّط الباحث آلتون أوغلو الضوء على دوره في الانتخابات الأخيرة في 24 يونيو حزيران 2018، بتقييم وضع هذا الحزب، وخطوطه العامة، وتحركاته السياسية، وتعاطيه مع الأحداث على مستويات عدة، وبخاصة في ظلّ مواقف حاضرة بقوة، توازت مع مواقف أخرى سابقة، أكّدت قوة ومتانة الأواصر بين هذا الحزب من جهة، والدولة والتراب الوطني التركي من جهة أخرى، كان أبرزها موقفه السريع والحاسم الرافض لانقلاب 15 تموز 2016.

ويمثّل موقف الحزب من حزب العمال الكردستاني الرافض لممارساته الراديكالية ملمحًا واضحًا حول الهوية الوطنية له، ورغم الاختلافات الأيديولوجية بينه وبين حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا إلا أنه لم يكن حائلاً في عقد صلة توافق سياسي بين الحزبين على أرضية التوافق الوطني.

ونختتم بحوثنا في هذا العدد ببحث الاتجاهات والإمكانات والفرص في التعليم العالي بتركيا للأكاديمي التركي مصطفى آيدن، الذي تناول فرص التعليم ووسائله وآلياته المختلفة قديمًا وحديثًا في الدولة التركية، ومراحل تطوره وتكويناته المختلفة، والتحديات التي واجهته على مراحل عدة.

ولأنّ التعليم مقوّم حضاري مهمّ في صيرورة تقدّم المجتمعات الحديثة، ونظرًا للتحديّات التي يمثّلها من حيث الإمكانات والفرص- قدّم آيدن مجموعة من التصورات والرؤى التي يمكن من خلالها تفعيل الآليات الحافزة لنهضة التعليم العالي وتنويعاته في الدولة التركية.