رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


رهانات الاستقرار والعدالة في الشرق الأوسط

تعايش منطقة الشرق الأوسط جملة من التحوّلات المهمّة والجادّة التي وضعتها في صدارة المشهد السياسي العالمي. وفي العدد الجديد من مجلتنا "رؤية تركية" سعينا إلى رصد التحولات التي يعايشها الإقليم ولا يزال، وبخاصة في ظلّ وجود حراك سياسي في بعض من دوله، بدءًا من الجزائر، ومرورًا بالسودان، وليبيا، والقضية الفلسطينية وإشكالاتها الحاضرة والمسألة الإيرانية، ثم تقاطعات علاقات تركيا مع الإقليم.

رهانات الاستقرار والعدالة في الشرق الأوسط
رهانات الاستقرار والعدالة في الشرق الأوسط

 تعايش منطقة الشرق الأوسط جملة من التحوّلات المهمّة والجادّة التي دفعت بها إلى أن تتبوّأ صدارة الأحداث في المشهد السياسي العالمي، فمنذ انطلاقة شرارة الثورات في المنطقة العربية في مطلع 2011م، وما تبعها من ردّات متوالية- لا تزال المنطقة تعجّ بقدر من المتغيّرات الحادثة حتى اللحظة على أكثر من صعيد سياسي واقتصادي وأمني، وممّا أفرزته صعود الراديكاليات المتنوعة بشقيها السياسي والديني من تأثيرات مباشرة في طبيعة المكونات السياسية والمجتمعية في الإقليم، توازيًا مع ظهور قوى إقليمية باحثة عن التمركز وإعادة التموضع في مشهد يبحث عن بدائل سياسية لواقع متجدّد في ظلّ تحلّل أنظمة سياسية وميلاد أخرى.

وفي العدد الجديد من مجلتنا "رؤية تركية" سعينا إلى رصد التحولات التي يعايشها الإقليم ولا يزال، وبخاصة في ظلّ وجود حراك سياسي في بعض من دوله، بدءًا من الجزائر، ومرورًا بالسودان، وليبيا، والقضية الفلسطينية وإشكالاتها الحاضرة والمسألة الإيرانية، ثم تقاطعات علاقات تركيا مع الإقليم، والدور الذي أدّته حيال تلك التحولات، فضلًا عن معالجات تتناول الحالة السياسية والمجتمعية في الداخل التركي.

في باكورة مقالاتنا يتناول الباحث الجزائري جلال خشيب قراءة متوازنة للحراك القائم في المشهد الداخلي سياسيًّا واجتماعيًّا، وأمنيًّا، ولاسيّما بعد انتهاء حقبة الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، وما أنتجتها تلك الحقبة من انعكاسات لا تزال آثارها ممتدة حتى اللحظة.

سعى الباحث خشيب في ورقته إلى تقديم رؤية جيوبولتيكية -بحسب وصفه– لـ"الجزائر الجديدة"، حاول من خلالها تحديد أبرز نقاط القوة الكامنة التي تتميز بها الجزائر، ودور الحراك في تسليط الضوء عليه، وما يمكن فعله في توظيف هذا الحراك واستثماره، بهدف البدء في عقد اجتماعي وسياسي جديد للمشهد السياسي، منطلقًا من روح التغيير الّذي ولّده هذا الحراك.

ويرى خشيب أنّه لا مجال للشكّ في أن الفواعل السياسية الجديدة بالداخل الجزائري، التي أنتجها الحراك هناك تدفع نحو رسم ملامح مغايرة عن سابقاتها في الماضي القريب، وهذا يستلزم إعادة تخطيط ورسم منهجية واضحة ومسار محدد ملامحه؛ للتحوّل من دون استنساخ تجربة النظام القديم مرة أخرى بوجوه جديدة، وهو ما يطمح إليه الباحث الجزائري في ورقته من تقديم رؤية استشرافية نقدية ومنهجية تحمل معها خريطة طريق واضحة وناجزة إلى قدر ما.

ومن الجزائر إلى السودان الذي يعايش هو الآخر تجربة مماثلة في المشهد السياسي في الإقليم، بدءًا من انتهاء حكم البشير الذي استمر 30 عامًا بعد موجة من الاضطرابات والتحرّكات السياسية للشارع، توزّعت بين أكثر من شريحة طبقية في الداخل السوداني، وقد حاولَ الباحث التركي سرحات أوراكجي الوقوف على أهمّ تلك التحوّلات التي شهدها السودان مؤخرًا ولا يزال، ففي بحثه: "الثورة والثورة المضادّة في السودان والبحث عن الاستقرار" يحلّل الكاتب ثمّ يقيّم موجة الاضطرابات والحراك الذي تعالت موجاته إلى أن أنهت حكم البشير، وأسهمت في تفاقم الوضع الاقتصادي إلى درجة لم يشهدها السودان من قبل، فضلًا عن المرحلة التي تلتها من قدوم مجلس عسكري حاكم للبلاد خلفًا له، يميل إلى محور إقليمي، مثلث أضلاعه: مصر، والإمارات، والسعودية، مخالفًا النظام السابق جملة وتفصيلًا.

يعالج الباحث أوراكجي مسألة الثورة والثورة المضادة من خلال تفكيك المشهد الداخلي، وتسليط الضوء على تنوّع النخب السياسية والاتجاهات الأيديولوجية وتمثلاتها المختلفة، بالتوازي مع بروز المجلس العسكري، وتأثير ذلك كلّه في مستقبل الحكم المدني في البلاد، وبخاصة أن الحديث عن تخلي العسكريين عن إدارة السلطة في اللحظة الراهنة أمر بعيد عن الحقيقة.

ننتقل بعد ذلك إلى ليبيا، بعد مرور أكثر من ثماني سنوات على ثورتها، وحجم التعثّرات التي لحقتها، والانقسام الجغرافي القائم على المحاصصات السياسية والعسكرية، مع تنوع  متضادّ يتقاتل بعضه بعضًا، فضلًا عن بروز التنظيمات الراديكالية هناك، وبخاصة بروز تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وتنظيمات مسلحة أخرى.

في بحثه: "مستقبل الأزمة الليبية بين الحل السياسي والعسكري" تناول الباحث أمره كَكِلّي تحليل تداعيات هجمات خليفة حفتر على طرابلس على التوازنات في ليبيا، ومواقف الجهات الإقليمية والدولية من القضية، ومستقبل الأزمة الليبية، وارتأى كَكِلّي في الأحداث الأخيرة التي تلتفّ بالمشهد الليبي ممثَّلًا في  هجوم الجنرال حفتر على طرابلس- بأنّها قلبت جميع المعايير الشرعية المتعلقة بالبلد، خصوصًا في ظل تواطؤ دولي حيال ما يحدث هناك، مستدلًّا على ذلك بأنّ الأزمة الليبية جزء من صراع القوى الإقليمية، وأن الأزمة لن تجد الحلّ من دون أن تصبح توازنات القوى الإقليمية واضحة، وأن القوى الدولية تحدّد مواقفها وفقًا لتوازنات هذه القوى، منتقدًا دور الأمم المتحدة التي يراها الباحث التركي تعزّز من هذه الأزمة.

ثم يقدّم الباحث الفلسطيني عبدالحميد صبرة في بحثه: "انتخابات الكنيست الإسرائيلي الحادي والعشرين: السياقات والنتائج" إطلالة على الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، مع الحديث عن صفقة القرن، وما يدور خلف الكواليس الإقليمية عن قرب إتمامها من عدمها.

ويذكر الباحث صبرة أنّه رغم إخفاق اليمين الإسرائيلي في تشكيل الحكومة بسبب عناد حزب إسرائيل بيتنا والخلاف على قانون التجنيد- إلا أنه لا تزال ثمة فرصة كبيرة لفوز اليمين مرة أخرى في انتخابات سبتمبر من العام الجاري، ويرى الباحث الفلسطيني أنّه فوز مستمرّ لـ"اليمين" لم ينقطع منذ عام 2009م، وأنّ هذا الفوز يمثّل أهمية إستراتجيىة لصيرورة "صفقة القرن"، التي لم تشقّ طريقها بعدُ، بسبب المتغيرات السياسية في الداخل الإسرائيلي.

وفي سياق العلاقات البينية في الإقليم بين تركيا من جهة والجوار الإقليمي من جهة أخرى يتناول الباحث التركي فاتح موصلو رؤية السياسة الخارجية التركية تجاه العراق في بحثه: "جدل المعبر الحدودي الجديد (أوفاكوي) والعلاقات التركية العراقية"، ويحلّل تأثير افتتاح معبر أوفاكوي الحدودي وانعكاساته على الأمن الإقليمى التركي.

حيث يذهب الباحث موصلو إلى أن معبر أوفاكوي الحدودي وما يمثّله من تأثيرات في عدة مستويات اقتصادية وسياسية في العلاقات بين أنقرة وبغداد- سيفتح المجال أمام تعميق الصلة بين البلدين؛ نظرًا لإتاحة الفرص المتنوعة لتعميقها من خلال تطوير التجارة البينية، بتدشين خط مباشر، مع خفض تكاليف النقل بوجود معبر آخر بدل معبر الخابور، إضافة إلى ذلك تسعى تركيا نحو تعميق الصلات الأمنية ولاسيّما الحدودية منها؛ للحدّ من نفوذ الوحدات الراديكالية لحزب العمال الكردستاني بنسخته القائمة في الجانبين التركي والعراقي، وبخاصة الموجودة في منطقة سنجار- عبر علاقة مباشرة مع حكومة إقليم كردستان العراق، والدولة العراقية عمومًا.

في موازاة ذلك لا يزال الدور الإيراني وتعامله مع القضية الفلسطينية من المسائل المهمّة التي تستدعي مزيدًا من التحليل والتفكيك، خصوصًا في ظلّ تصاعد هذا الدور الإيراني في القضية الفلسطينية، وانتشار مظاهره العسكرية في أكثر من بلد عربي.

يتناول الباحث الفلسطيني حمدان عبدالله أبو عمران في بحثه: "الدور الإيراني تجاه القضية الفلسطينية: الأهداف والمحدّدات" ما أنتجته الثورة الإيرانية وتحولاتها الإقليمية في الاشتباك المباشر مع القضية، وتصاعد الدور الإيراني حيالها، وبخاصة بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية 2006.

 بيد أن ثورات الربيع العربي شكّلت حالة فصل، تأثرت بها هذه العلاقة بين إيران وحركات المقاومة الفلسطينية، نتيجة عوامل عدة، أبرزها الموقف من الأزمة السورية؛ لذا يقدّم الباحث الفسطيني تحليلًا دقيقًا عن عمق هذا التناول الإيراني للقضية، إذ يذكر أبو عمران، أن الدور الإيراني في القضية الفسطينية مردّه جملة من الأهداف والمصالح السياسية والإستراتيجية والمذهبية. 

وفي الإشكالية الفلسطينية ذاتها يجري تناول موضوع شائك يقدّمه عمر تللي أوغلو في بحثه: "الهجرة اليهودية إلى فلسطين بين عامي 1882-1914في وثائق الأرشيف العثماني والمناهج المطبقة في انتقال الأراضي إلى الصهاينة".

يتناول الباحث تللي أوغلو انتقال الأراضي الفلسطينية إلى اليهود والآليات التي استخدمها الصهاينة من مكر وخديعة للاستيلاء عليها، وردّ الشُّبه التي كانت تزعم أن الفلسطينين باعوا أراضيهم، فيما يدلّل الباحث التركي على ذلك بتقديم وثائق من الأرشيف العثماني التي توضح بالدليل والبراهين القطعية حقيقة لجوء الصهاينة إلى آليات المكر والخديعة للاستيلاء على الأراضي، والوصول إلى أهدافهم الخبيثة.

ثمّ نرحل إلى الشأن التركي الداخلي، والحديث حول سياسات التعليم، التي أخذت منحنيات عدة نتيجة التحوّلات التي عايشتها الدولة التركية منذ إعلان الجمهورية 1921، وبخاصة التعليم الديني الذي عايش هو الآخر جملة من التحدّيات كان لها عظيم الأثر على صيرورته الزمانية والمكانية، وذلك منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة السلطة 2002، وقد عايش التعليم في تركيا وتبوأ مرحلة مغايرة عن سابقاتها.

ويشرح الباحث إبراهيم أشلمجي ذلك بإسهاب في بحثه: "حزب العدالة والتنمية والتعليم الديني وتطبيقاته"، الذي يتناول فيه السياسات التعليمية ومنهجيتها التي طُبِّقت منذ ذلك التاريخ، ابتداءً من المرحلة الابتدائية، ومرورًا بالمرحلة الإعدادية، وثانويات الأئمة والخُطباء، والمعاهد الدينية العليا، وانتهاءً بمعاهد حفظ القرآن الكريم.

تكمن أهمية التعليم الديني التركي في خُطوات إعادة رسم ملامحه مجددًا بعد أن توارى عن الأنظار، نتيجة سياسات سابقة أسهمت في تراجعه؛ لاعتباره من باب الرجعية والارتداد، خصوصًا عقب التحوّل من العثمانية إلى الجمهورية.

ونختتم بحوث العدد بموضوع مهمٍّ للباحثينِ الجزائريينِ سامية بن يحيى وعبد الرحيم رحموني، عنوانه: "الأمن الجيوطاقوي لبحر قزوين في إستراتيجيات الاتحاد الأوروبي وتركيا" الذي يتناول موضوعات الأمن الطاقوي وإشكالاته في الفضاء المشترك بين تركيا والاتحاد الأوروبي.


ملصقات
 »