رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

الأحزاب السياسية والنظام السياسي وتركيا

تهدف هذه الورقة إلى دراسة هذه العلاقة بالتركيز على بلدان مختلفة، وبشكل خاص تركيا، من خلال تناول قوانين الأحزاب السياسية وآليات عملها، وعرض مقدمة عن أنواع الأحزاب وأنظمتها. ويجادل بعض المختصّين أنه كلما كان النظام أكثر ديمقراطية، كانت الأحزاب السياسية أكثر ديمقراطية، وكلما زاد حرص الأحزاب على أن تعمل بطريقة أكثر ديمقراطية، ازدادت القدرة الديمقراطية للنظام السياسي على التوسع.

الأحزاب السياسية والنظام السياسي وتركيا

ملخص: على الرغم من أن الأحزاب السياسية ليست الأشكال الوحيدة للتنظيم في أي نظام ديمقراطي، إلا أنها تجسد إرادة الشعب بشكل قوي، وقد أُجرِي عدد كبير من البحوث التجريبية لتوضيح العلاقة الدورانية بين أنواع النظم الانتخابية، والنظام الحزبي والنظام السياسي. تهدف هذه الورقة إلى دراسة هذه العلاقة بالتركيز على بلدان مختلفة، وبشكل خاص تركيا، من خلال تناول قوانين الأحزاب السياسية وآليات عملها، وعرض مقدمة عن أنواع الأحزاب وأنظمتها. ويجادل بعض المختصّين أنه كلما كان النظام أكثر ديمقراطية، كانت الأحزاب السياسية أكثر ديمقراطية، وكلما زاد حرص الأحزاب على أن تعمل بطريقة أكثر ديمقراطية، ازدادت القدرة الديمقراطية للنظام السياسي على التوسع.

إطلالة نظرية عامة

على الرغم من أن الأحزاب السياسية ليست الأشكال التنظيمية الوحيدة في ظل أي نظام ديمقراطي، كما أوضح الفقيه الفرنسي جورج بوردو منذ فترة طويلة، إلا أنها تجسد إرادة الشعب بشكل مؤثر. لذا لا يمكن تصور الديمقراطيات الحديثة من دون وجود الأحزاب السياسية. في هذا الصدد، فإن الأحزاب السياسية تحافظ على استمرار الديمقراطية، وتدين بوجودها للأنظمة الديمقراطية. لهذا السبب، فإن الأنظمة الديمقراطية ملزمة بتوفير الأرضية القانونية والسياسية الضرورية للأحزاب السياسية لتمثيل الشعب. من ناحية أخرى، ينبغي على الأحزاب السياسية ألا تلحق الضرر بهذا الأساس الذي يعدّ سبب وجودها، ويجب عليها ألا تنظر إليه باعتباره أداة فقط لتلبية مطالب أنصارهم.

أيضًا لابدّ أن تتمتع الأحزاب بعقلية وسلوك ديمقراطيين، بحيث تتمكن من إمداد النظام بمتطلبات الديمقراطية وسيادة القانون، بصفتها ضرورة لديمقراطية قوية. وفي هذا السياق، فإن الأحزاب السياسية، أولًا، توحّد الناس حول الانضمام إلى الحكومة. وفي خضم هذا، يجب عليها أن تلجأ إلى وسائل قانونية وشرعية. وبالتأكيد، مثل هذه الخصائص للأحزاب السياسية، تشجع على المنافسة؛ أي الانتخابات.

بشكل عام، تخوض الأحزاب السياسية الانتخابات على الرغم من أن بعضها يرفض المشاركة، معتبرًا أن القيام بذلك سوف يضفي شرعية على الأنظمة، (مثل الحزب الشيوعي في أيرلندا)، أو ببساطة يعتقد أن الانتخابات ليست لديها أهداف طويلة الأجل. ومن ثَمّ، فإنه من أجل إضفاء الشرعية على الأحزاب السياسية التي تحكم البلاد، تعدّ الانتخابات أمرًا لا غنى عنه للآليات السياسية، تمامًا مثل أهمية الأحزاب السياسية للديمقراطية. في الواقع، أثبتت البحوث حول النظم الانتخابية أن النظام الانتخابي يحدّد الاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي تهيمن على المجتمع ومطالب التمثيل السياسي والقادة السياسيين والإداريين الذين ينبغي أن تُعهَد إليهم مهامّ التنفيذ. بعض المؤسسات الدولية الرائدة والمبادرات البحثية (على سبيل المثال، فريدوم هاوس، نظام الحكم الرابع) يعزّي وجود الأحزاب السياسية إلى مستوى دمقرطة النظام السياسي للبلد، ويراعون أيضًا مدى عدالة المنافسة بين الأحزاب السياسية وتناوب السلطة.

بناء على ما سبق، بالنسبة لكثير من علماء السياسة، فإن العلاقة بين الأحزاب السياسية والنظام الانتخابي تعدّ مجالًا رئيسًا للبحث من أجل فهم نوعية النظام الديمقراطي وطبيعة التغيير السياسي في البلاد. عادة، تشير البحوث كافة في هذا المجال إلى وجود علاقة دورانية بين النظام الحزبي السياسي ونوع النظام السياسي؛ بمعنى أن النظام الانتخابي (مثلًا، التمثيل النسبي) قد يحدّد نوع النظام الحزبي (التعددية الحزبية)، والذي بدوره قد يحدّد شكل النظام السياسي في البلاد. ومع ذلك، قد يكون العكس هو الحال أيضًا؛ فاستمرار نوع معين من النظم السياسية قد يحتاج إلى نوع معين من النظم الحزبية، والذي يمكن أن يتحقق عن طريق نوع معين النظم الانتخابية، وهذا هو السبب الذي يكمن وراء العلاقة الدورانية.

جرت بحوث تجريبية عديدة لتوضيح العلاقة الدورانية بين أنواع النظم الانتخابية، والنظم الحزبية والنظام السياسي. على سبيل المثال، تناولت أماندا هوفمان[1] اثنين من الفرضيات الأساسية، وأكدت وجود مثل هذه العلاقات على أساس بيانات حصلت عليها؛ تنص الفرضية الأولى على أن الزيادة في عدد الأحزاب السياسية في البلاد تزيد من مستوى الديمقراطية في ذلك البلد. وتنص الفرضية الثانية على أن الدول التي تستخدم نظام التمثيل النسبي لديها مستوى أعلى من الديمقراطية مقارنة بالدول الأخرى التي لا تقوم بذلك. ووجدت نتائج مماثلة لخبراء آخرين، مثل آرند ليبهارت، ومايكل بارينتي وبيبا نوريس[2].

تشير العلاقة الدورانية المذكورة آنفًا أيضًا إلى سمة أساسية للديمقراطية؛ هي التمثيل السياسي. على سبيل المثال، نظام التمثيل النسبي الذي ينتهجه العديد من الديمقراطيات اليوم يعزّز من شرعية النظام الديمقراطي، وينهض بالمعايير الديمقراطية التي وضعها، ومن ذلك آليات المساواة والمشاركة الأوسع نطاقا للنساء والأقليات على وجه الخصوص، إضافة إلى مجموعة واسعة من الاتجاهات والمطالب.

من ناحية أخرى، كلما زاد الهيكل السياسي الأكثر تعددية، من شمولية النظام الديمقراطي بوصفه هدفًا للتمثيل النسبي، زاد من عدم الاستقرار الحكومي. وهذه المسألة موضع اعتراض. وإن كان لمثل هذا الاعتراض بعض أوجه الصحة التي لا يمكن استبعادها في بعض البلدان؛ إلا أن بعض الدراسات التجريبية، مثل التي أجراها آريند ليبهارت[3]، أثبتت أن هذا الاعتراض ليس قويًّا بحيث يكفي للتخلي عن (التمثيل النسبي) في كثير من النظم الديمقراطية.

ومن هنا، يتضح أن توسيع حدود التعددية من خلال نوع النظام الانتخابي في أي نظام ديمقراطي ليس السبب الوحيد لعدم الاستقرار السياسي. الحقيقة أن إيجاد توازن بين التعددية والاستقرار السياسي هو من خصائص الديمقراطيات الناضجة.

ومع ذلك، من الممكن التساؤل؛ هل يسبب عامل اتساع أو ضيق حدود التعددية (على سبيل المثال التمثيل السياسي الشامل) عدم الاستقرار في الديمقراطية؟ يجيب ليبهارت عن هذا السؤال لمصلحة تضييق حدود التعددية على الرغم من اختلاف نتائج الدراسات حول التمثيل السياسي، وحقوق الجماعات بصفة عامة، وحقوق الأقليات على وجه الخصوص.

فكما يوضح فلوريان بيبر[4]، فإن بعض الباحثين يعدّون تداعيات الأنظمة الانتخابية على التمثيل السياسي نوعًا من الترتيبات المختلفة. مثلًا، يعارض البعض مشاركة الأقليات، في حين لا يزال البعض الآخر محايدًا (رسميًّا). وبينما يميل البعض إلى دعم منافسة أحزاب الأقلية وضمان مشاركتهم، يدافع آخرون عن الإقليمية العرقية.

كما يتضح من بعض المناهج المختلفة فيما سبق، فإن تمثيل الأقليات ليس العامل الوحيد الذي يحدد استقرار نظام ديمقراطي ما. وإنّ الاستقرار في ظل الديمقراطية يعتمد على العديد من العوامل (مستوى التنمية الاقتصادية، والثقافة السياسية، وما إلى ذلك) بصرف النظر عن التمثيل السياسي.

لا جدل أن نوعية النظام السياسي في أي بلد، تحددها الطريقة التي يُتعامَل بها مع حقوق الأقلية (المجموعة)، ووضعها حيز التنفيذ عبر التمثيل السياسي. في هذا الصدد، يتناول علماء السياسة بالدراسة النظم السياسية في فئتين: التوافقية والليبرالية. إن علة وجود الديمقراطية التوافقية (التي يدعو ويدافع عنها العالم ليبهارت) هي الحد من التوتر السياسي المحتمل الذي قد ينجم عن (غياب الديمقراطية)؛ ولاسيما بسبب نظام التمثيل النسبي للانتخابات، والتمثيل من خلال تعزيز بعض الآليات السياسية (فيتو الأقليات، والحكم الذاتي، وتمثيل الكتلة، وغيرها).

وفقًا لذلك، فإن الهدف هنا هو ضمان مشاركة الأقليات في العملية السياسية، ومن ثَمّ إحباط محاولات إيجاد حلول للمشكلات خارج البرلمان. من ناحية أخرى، النوع (الليبرالي)، منذ البداية، يرفض التمثيل السياسي على مستوى المجموعة، ويعلق أهمية على الحقوق الفردية بدلًا من الحقوق الجماعية. في هذا الصدد، فإن وجهات النظر (الليبرالية) ترى أن الشبكات السياسية، ولاسيما الشبكات السياسية القائمة على الأقلية، تعدّ عاملًا من عوامل زعزعة الاستقرار في العملية السياسية والنظام.

ونتيجة لذلك، فإن النوع التوافقي ينظر إلى التمثيل الأوسع للتجمعات السياسية باعتباره علاجًا للديمقراطية الأقل نضجًا التي نتجت عن تقسيم المجتمعات المنقسمة بالفعل بسبب غياب الديمقراطية. النوع الليبرالي، من ناحية أخرى، يدعي عكس ذلك: منح الحقوق والتمثيل للمجموعات السياسية سوف يسبب مزيدًا من الانشقاقات في المجتمعات المنقسمة أصلًا.

في الواقع، هناك العديد من الإجراءات اللازمة لتنفيذ التمثيل السياسي بشكل تام؛ لذلك فإن تقليص هذه الاجراءات إلى مجرد العلاج (السياسي) تحت أي ظرف من الظروف، يعني تجاهل جميع العوامل الأخرى التي تسبب غياب الديمقراطية، وأهمها حجم التمويل الذي يملكه أولئك الذين يطالبون بالتمثيل. لهذا السبب، فإن الجهل بالاقتصاد السياسي للأحزاب، يؤدي إلى رؤية أبعاد معينة فقط من غياب الديمقراطية، حيث تكون الأحزاب الفاعل الرئيس للانتخابات وآليات تجسيد التمثيل.

ورغم ذلك، يؤكد بعض العلماء أن التمويل العام للسياسة لديه العديد من العيوب، كما أن له فوائد أيضًا. وتشير البحوث إلى أن الرغبة في الحفاظ على موقع متميز بفضل التمويل العام، يبدو عاملًا في منع مشاركة الأحزاب الجديدة في النظام السياسي. من ناحية أخرى، فإن توزيع الحوافز المالية أو حوافز الدولة اعتمادًا على النجاح الانتخابي (نسبة الأصوات التي تحصل عليها وعدد المقاعد) يبعد الأحزاب السياسية عن أهدافها المحددة في برامجها وعن قيمها الأيديولوجية، ويحولها إلى أحزاب لاقطة، تهدف فقط إلى الحصول على أكبر عدد من الأصوات[5]. ونتيجة لذلك، تهيمن أحزاب الكارتل Cartel Parties على السياسة[6].

بالرغم من هيمنة الأحزاب السياسية على المسرح السياسي في العالم الغربي منذ القرن التاسع عشر وحتى خمسينيات القرن الماضي، إلا أنها لم تخضع لأي تنظيم قانوني. ومع ذلك، في سياق الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، أُدرِجت الأحزاب السياسية في إطار دستوري، وذلك لمواجهة إعادة صعود ديكتاتوريات الحزب الواحد في إيطاليا وألمانيا، وكذلك الفاشية. فأُدرِجت الأحزاب السياسية ضمن الأطر الدستورية في إيطاليا (1947) وفي ألمانيا (1949). ومن هنا، لم تعد تشكل تهديدًا استبداديًّا على النظم الديمقراطية.

وتمهيد الطريق لتنظيم دستوري أيضًا، جعل هناك حاجة إلى تشريع قانوني للمصادر المالية (الدخل والنفقات) للأحزاب. وقد خرج هذا التشريع إلى النور في السبعينيات. في تلك الفترة، سُلِّط الضوء على (سياسة التمويل) بسبب الفساد والفضائح المالية في النظم السياسية لبعض الدول الغربية، بما في ذلك بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة واليابان، وهو ما استلزم أنظمة قانونية/ دستورية.

إنّ اللوائح القانونية والدستورية التي هي موضع الاهتمام، ليست لتتظيم الأحزاب، ولكن لتوفير المساواة في العملية السياسية، والمنافسة، وحماية الأحزاب من آثار العوامل المالية الخارجية؛ ومن ثَمّ، مساعدتها على اكتساب الحكم الذاتي من خلال الدعم المالي الذي ستقدمه الدولة أو الشعب (تعدّ دراسة أنغريد فان بيزين حول هذا الموضوع دراسة قيمة)[7].

دراسات أنواع الأحزاب والأنظمة

عرض موريس دوفيرجيه التصنيف الأول والمقبول على نطاق واسع للأنماط الحزبية فيما يتعلق بكوادرها وشعبيتها. فمثلًا، أحزاب الكوادر، لا تتطلب الكثير من الجهد، حيث تقتصر مهامها على فترات الانتخابات، وتقودها مجموعة صغيرة من الناس (مؤثرة في الدوائر الانتخابية)، ولا تسعى إلى كسب أعضاء جدد. في واقع الأمر، تعدّ أحزاب الكوادر أحزابًا قديمة، وُضعت أسسها في البرلمانات قبل تنفيذ مبدأ الاقتراع العام.

لكن لاحقًا، أدّى تبنّي الاقتراع العامّ إلى تزايد رغبة الجماهير في السعي إلى الحصول على حق التصويت. ومن هنا، انضمت أحزاب الجماهير إلى التنافس السياسي على الرغم من اختلاف هياكلها التنظيمية. وثمة سبب آخر لظهور أحزاب الجماهير، وهو أنه يمكن التغلب على الصعوبات في سياسة التمويل، فقط إذا انضمت شرائح اجتماعية أوسع.

لذلك، فإن عدد الأعضاء مهمّ في أحزاب الجماهير، ليس فقط لاعتبارات مالية، بل لاعتبارات أيديولوجية وسياسية أيضًا. وعلى الرغم من أن أحزاب الجماهير بهذه الخصائص تعدّ ظاهرة سياسية في القرن العشرين، إلا أننا نرى نسخًا مختلفة منها اليوم، وأبرز مثال عليها حزب الحركة movement party: يعتمد ظهور حزب سياسي على حركة ما (الحركة الوطنية، والحركة الإسلامية والحركة الثورية، والحركة النسوية، والخضر، ونحو ذلك)[8]. ومع ذلك، تنوعت اليوم أحزاب الجماهير إلى أشكال عدة.

وثمة حقيقة مهمّة في هذه الأيام؛ وهي أن الأحزاب السياسية تتبنى الجوانب الاقتصادية في المنافسة للانضمام للحكومة، وتعرض نفسها على أنها كيان اقتصادي، تعدّ ناخبيها وأصواتهم ربحًا؛ ومن ثَمّ، فإنها تقلّل من شأن الجماهير إلى كونهم مجرد زبائن تُسوَّق لهم بضاعة سياسية، (رؤية الحزب ومشروعه... وغيرهما). بذلك، فإن الأحزاب السياسية، في نهاية المطاف، أثّرت في تشكيل ثلاثة أنواع من الأحزاب: الأحزاب اللاقطة، وأحزاب الأعمال، وأحزاب كارتل.

الأحزاب اللاقطة ليست قوية من حيث الهيكل التنظيمي والأيديولوجي، لكن قيادتها قوية. حيث إن هدفها الحصول على تأييد جماعات المصالح والقطاعات المختلفة، كما تهدف إلى أن تروق لجميع الناخبين[9]. أما بالنسبة لأحزاب الأعمال، فإن زعيم الحزب في نفس وقت زعامته للحزب، يمتلك شركة تجارية، ويتمتع بنفوذ سياسي بسبب الشبكة الاجتماعية للشركة. وتهدف هذه الأحزاب إلى كسب دعم الناخبين عن طريق مكانة الزعيم الاجتماعية وتأثيره، مثل كونه شابًّا، وحسن المظهروالمستوى التعليمي... ونحو ذلك، ومن أجل كسب أكبر عدد من الأصوات، يوجّه فريق فني متميز من الخارج حزب الأعمال بدلًا من مجموعة المتطوعين السياسيين[10].

ومن سمات أحزاب الكارتل أنها تبدو مختلفة إلى حد ما على الرغم من أنها تقوم على عقلية الآخرين نفسها. (الكارتل)، في الأصل، مفهوم في مجال الاقتصاد، ويعني الاتفاق الضمني أو الصريح بين مجموعة من الشركات المستقلة على العمل معًا كما لو كانوا مُنتجًا واحدًا، ومن ثَمّ الحد من المنافسة أو إنهاء المنافسة.

وبالتأكيد، إذا أبرمت مثل هذه العقلية التي توجه الأنشطة الاقتصادية- الاتفاقات بين الأحزاب المسيطرة على السياسة، فإن أحزاب الكارتل ستظهر على الواجهة. وأحزاب الكارتل تعني تحالفًا سياسيًّا بحكم الأمر الواقع بين الأحزاب التي تتقاسم مصلحة مشتركة. في الحقيقة، يكمن وراء مثل هذا التحالف دافع حماية وتعزيز حقوق ومواقف ومميزات مكتسبة للأحزاب الموجودة في النظام. بمعنى آخر، أحزاب الكارتل توحي بأن المحسوبية هي الهدف السياسي. ومن هنا، ترمز إلى شدة معركة التقاسم بين الأحزاب[11].

في الحقيقة استُخدِم المعيارُ الرقمي لدوفيرجيه لتصنيف النظم الحزبية لفترة طويلة ، ويستخدم هذا المعيار الرقمي عدد الأحزاب في نظام ما، ويصنّف الأحزاب إلى ثلاث مجموعات: نظام الحزب الواحد، ونظام الحزبين، ونظام متعدد الأحزاب. وقد أدّت عيوب تصنيف دوفيرجيه للأحزاب السياسية (على سبيل المثال، اقتراحه بشكل فضفاض ومفرط، لفئات غير مهمّة تتضمن أنواعًا مختلفة، مثل نظام الحزب الواحد) إلى ظهور انتقادات بين بعض الكتّاب، الذين يرون أن المعيار الرقمي ليس كافيًا. أما فيما يتعلق بتصنيف النظم الحزبية اليوم، فقد طوّر العالم السياسي الإيطالي جيوفاني سارتوري إطارًا تحليليًّا أكثر عمقًا[12]، وهو مختلف اختلافًا تامًّا عن التصنيف الكلاسيكي، ويحدد سارتوري سبع فئات للنظم الحزبة:

  1. نظام الحزب الواحد
  2. نظام الحزب المهيمن
  3. نظام الحزب المسيطر
  4. نظام الثنائية الحزبية
  5. نظام التعددية الحزبية المقيدة
  6. نظام التعددية الحزبية المطلقة
  7. النظام المفتّت

أولًا فرّق سارتوري بين هذه الأنظمة الحزبية على مستوى الأنظمة السياسية، وقسمهم إلى أنظمة تنافسية ولا تنافسية، ووفقًا لذلك، هناك فئتان فرعيتان في الأنظمة التنافسية: التعددية القطبية، والتعددية المعتدلة. إن نظام الحزبين ونظام الحزب المسيطر هما أمثلة على التعددية المعتدلة. أما الأنظمة اللاتنافسية -من جهة أخرى- فتتضمن نظم الحزب الواحد والحزب المهيمن، والفئات الفرعية لها هي: نظام الحزب الواحد الشمولي، والحزب الواحد السلطوي، والحزب الواحد البراغماتي، والأيديولوجي المهيمن، ونظام الحزب البراغماتي المهيمن. يشكل تصنيف سارتوري خلفية مفاهيمية للأنظمة الحزبية. على سبيل المثال، يميز سارتوري بين النوع والعملية عندما يتعلق الأمر بنظام الحزبين. لذلك، عندما نناقش نظام الحزبين في أي بلد ما، فهذا قد يعني إما أن هناك نوعين من الأحزاب في هذا البلد أو أن عملية النظام الحزبي في ذلك البلد تشبه نظام الحزبين. ومع ذلك، ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار تأثير الأحزاب الثلاثة هنا. على الرغم من أنه يبدو أن سارتوري يقبل (نظام الثلاثة أحزاب) بصفتها فئة، إلا أنه يرفض تصنيفات بعض الكتّاب، مثل نظام (الحزبين ونصف الحزب). بالنسبة لسارتوري، من الضروري الحديث عن نظام الحزبين إذا كان الحزب الثالث، كما هو الحال في بريطانيا، لا يؤثر في نظام الحزبين. إن وجود نظام الحزبين يعتمد على الشروط الآتية:

  1. المنافسة على أغلبية المقاعد البرلمانية يجب أن تبقى بين حزبين.
  2. أحد الأحزاب المتنافسة يجب أن يحظى بالفوز.
  3. الحزب الذي يحصل على الأغلبية يجب أن يشكل الحكومة.
  4. ينبغي أن تكون هناك علاقة بين الأحزاب الحاكمة والمعارضة.

مما سبق، يتضح أن بريطانيا، والولايات المتحدة الأمريكية ونيوزيلندا والنمسا وكندا لها الأسبقية في تطبيق نظام الحزبين. ويمكن الحصول على الأغلبية بأدنى فارق، أو أن يكون فارق التصويت كبيرًا. إذا كان الأخير هو الحاصل، فإن أحد الحزبين قد يتمكن من البقاء في الحكومة لفترة طويلة، وتصبح إمكانية التناوب بين الحكومة والمعارضة ضعيفة. لذا، إذا كان فارق نسبة التصويت بين الحزبين ضخمًا، فإن الأقوى سيستمر في البقاء في الحكم. في هذه الحالة، قد يكون من المناسب دراسة نظام الحزب المهيمن.

وفقًا لسارتوري، نظام الحزب المسيطر هو النظام الذي يسيطر فيه أحد الأحزاب في نظام متعدد الأحزاب على السلطة والتشريع، وتكون الأحزاب الأخرى منافسة مستقلّة عن الحزب المسيطر، والتناوب أمر غير وارد بالنسبة للانضمام للحكومة. والأحزاب نفسها تفوز دومًا في الانتخابات وتتمتع بأغلبية مطلقة في البرلمان. يصنف المؤلف البلدان التي لديها نظام الحزب المسيطر وفقًا لفترة هيمنة الحزب المسيطر، ويضم تركيا لهذه الفئة (فترات 1950-1960، 1965-1973) (وبدون شك، علينا أن نضيف إلى ذلك فترات حكومات حزب العدالة والتنمية من 2002 وحتى يومنا هذا).

ومع ذلك، على الرغم من أن سارتوري يضع نظام الحزب المهيمن في الفئة اللاتنافسية، إلا أنه يجب الانتباه إلى سمة من سمات الحزب المهيمن، والتي تذكرنا بنظام الحزب المسيطر. الواقع السياسي في ظل نظام الحزب المهيمن هو أن حزبًا واحدًا فقط  تتاح له فرصة حكم البلاد (إما اسميًّا، أو بحكم الأمر الواقع)، والأحزاب الأخرى لا تستطيع. وبعبارة أخرى، لا توجد منافسة بين الأحزاب الحقيقية أو تبادل للسلطة (لأسباب أيديولوجية وبراغماتية) على الرغم من وجود العديد من الأحزاب. وهذا أمر مهمّ على الأقل من ناحية تحول نظام الحزب المسيطر إلى المهيمن تحت بعض الظروف.

الفئة الأخيرة في تصنيف سارتوري هي التعددية المصغرة. يشير سارتوري إلى أنظمة الأحزاب في البلدان الآسيوية والإفريقية بشكل خاص حيث تسود التعددية المتطرفة والمستقطبة في فترات معينة من الزمن. عادة تتأرجح الأحزاب في هذه الدول بين أنظمة الحزب الواحد والتعددية الحزبية. على الرغم من أن المجتمعات الآسيوية والأفريقية، والتي بها العديد من الأحزاب غير المبلورة- تنطلق من نظام الحزب الواحد إلى نظام تعددي متطرف؛ إلا أنها تعود لاحقًا إلى نظام الحزب الواحد؛ نظرًا إلى عدم وجود مفهوم  تأسيسي متطور.

الوضع في تركيا

تنصّ الفقرة الثانية من المادة 68 في دستور عام 1982 على أن: "الأحزاب السياسية هي عناصر لا غنى عنها لحياة سياسية ديمقراطية"، والفقرة الأولى تنصّ على ما يأتي: "للمواطنين حق تكوين الأحزاب السياسية، وحق الانضمام إليها، والانسحاب منها...". وينصّ الدستور على أن "تُؤسَّس الأحزاب السياسية من دون الحصول على إذن مسبق، وأن تتابع أنشطتها وفقًا للأحكام المنصوص عليها في الدستور والقوانين". وتنصّ الفقرة الثالثة من المادة 68 على أن الأحزاب السياسية يجب أن تخضع لإطار قانوني. ومع ذلك، فإن الدستور نفسه، من خلال بعض القيود (في المادة 68 الفقرة4)[13] يقضي بأن طبيعة "الأحزاب السياسية كونها عناصر لا غنى عنها للحياة السياسية الديمقراطية" ليست مطلقة. بشكل أدق، فإن الدستور يسمح بتفسير (الحقيقة المطلقة) المذكورة سابقًا على أنها تعني أن وجود الأحزاب السياسية يجب أن يسهب في تأمين وجود الديمقراطية.

في الواقع، تنصّ الفقرة الأولى من المادة 69 على مثل هذا التفسير بطريقة أكثر واقعية: "يجب أن تتماشى الأنشطة واللوائح الداخلية ونظام عمل الأحزاب السياسية مع مبادئ الديمقراطية. وينظم القانون تطبيق هذه المبادئ". وقد تبلور هذا البند في القانون رقم 2820، ووضع حيز التنفيذ في عام 1983. مبدئيًّا، يجدر بنا تسليط الضوء على تعريف (الحزب) ومحتواه على النحو الذي اقترحه قانون الأحزاب السياسية. وهذا أمر ضروري لفهم لماذا تحتاج الأحزاب السياسية ونظام الانتخابات إلى إصلاحات، وكذلك أوجه القصور.

تصف المادة الثالثة في قانون الأحزاب السياسية، أي حزب سياسي على النحو الآتي: الأحزاب السياسية وفقًا للدستور والقوانين، تساعد في تشكيل الإرادة الوطنية من خلال الدعاية والجهود المبذولة وفقًا لرؤية الحزب من خلال برامجه ولوائحه المعلنة، من خلال الإدارة المحلية والانتخابات النيابية. الأحزاب السياسية كيانات قانونية تُنظَّم لأداء أنشطة في أرجاء البلاد كافة وتحقيق هدف النهوض بالبلاد إلى مستوى الحضارة المعاصرة في دولة ديمقراطية ونظام اجتماعي.

تعدّ الأحكام الواردة في قانون الأحزاب السياسية فيما يتعلق بوصف وظائف الأحزاب السياسية، العوامل الرئيسة وراء المشكلات التي تنشأ من ممارسات الأحزاب والنظام الحزبي. في الواقع، كشفت جهود علماء السياسة وبحوثهم في تركيا عن هذا الوضع. على سبيل المثال، البروفيسور أرغون أوزبودون في بحثه، يولي اهتمامًا كبيرًا بالتدخلات غير النظامية في الهياكل الحزبية والتغييرات في النظم الحزبية. ويعدّ التدخل العسكري في 12 سبتمبر أيلول 1980 مثالًا صارخًا على مثل هذا التدخل غير النظامي[14].

ومن المفيد أن نذكر أن مجلس الأمن القومي (MGK) أغلق جميع أحزاب ما قبل انقلاب 12 سبتمبر 1980 وحظر رؤساءها من ممارسة السياسة. وبعد ثلاث سنوات، سمح فقط لثلاثة أحزاب بالانضمام الى الانتخابات العامة في عام 1983. والسبب كان وجود عدد كبير جدًّا من الأحزاب السياسية في فترة ما قبل 12 سبتمبر وربما نتيجة لهذا، كان نظام (التعددية السياسية المتطرفة) خطيرًا. ولفت البروفيسور صبري صياري[15] في بحثه الانتباه إلى الدور الريادي للعامل التاريخي غير المرئي: دوافع نخب الدولة لتصميم السياسات الحزبية.

في الواقع، اشتغلت النخب على مثل هذه الدوافع، ومن الأمثلة المتطرفة على ذلك نظام مجلس الأمن القومي. أسس مجلس الأمن القومي نظامًا حزبيًّا سلطويًّا، عن طريق القيود المفروضة على الأحزاب السياسية والعتبة الانتخابية الـ10 في المئة. وبالرغم من ذلك، كما يشير أوزبودون فإن أي حزب سياسي شُكِّل بإرادة مسؤولي مجلس الأمن القومي (نظام الحزبين، أو نظام الحزبين ونصف الحزب) لم يدم طويلًا[16]. في الواقع، ازدادت أعداد الأحزاب المؤثرة في الفترة من 1983-1999 (في انتخابات عام 1995 على وجه الخصوص) واشتدت درجة التجزئة، كما حدث ما بين عامي 1995 و2002 حيث تجاوزت الزيادة فترة 1961-1980. وبلغ عدد الأحزاب السياسية التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار سبعة في الفترة من 1995-2002.

وتماشيًا مع هذه التطورات، يرى أوزبودون أن صعود حزب العدالة والتنمية في انتخابات عام 2002 كان نقطة تحوّل وبداية لتغييرات جذرية. ويضيف: "...نتيجة للعتبة الانتخابية الـ10 في المئة، تمكن حزبان فقط من الفوز بمقاعد برلمانية وهو الأمر الذي ساعد حزب العدالة والتنمية على الفوز بالأغلبية البرلمانية من خلال الحصول على ثلثي مجموع المقاعد (66 في المئة)، وحزب الشعب الجمهوري، لنفس السبب، حصل على 32.4 في المئة. وانخفض عدد الأحزاب الفاعلة بشكل جذري إلى واحد ونصف. وكانت إحدى النتائج الأكثر أهمية في انتخابات عام 2002 أن أحزاب يمين الوسط، والأحزاب التي سادت في السياسة التركية منذ عام 1950، خاضت فترة من الخمول وتحولت أصواتهم إلى حدّ كبير لحزب العدالة والتنمية. ويبدو أن فترة ضعف أحزاب يمين الوسط القديمة وصلت نهايتها في انتخابات 2007 و2011".

أيضًا خفّضت العتبة الانتخابية عدد الأحزاب الفاعلة إلى 1.2. وبهذا اتجه النظام الحزبي في تركيا نحو الاستقرار، والذي ظهر بجلاء في انتخابات 12 يونيو العامة 2011. وقد أصبحت نسبة هذه العتبة لاحقًا موضوعا مهمًّا للمناقشة. أولئك الذين انخرطوا في المناقشة انقسمموا إلى مجموعتين: ترى إحداهما أن العتبة الانتخابية من شأنها أن تحدّ من عدد الأحزاب الفاعلة وتحقق الاستقرار في الحكم، بينما المجموعة الثانية تؤكد أن هذه العتبة الانتخابية ستتسبب في ضعف التمثيل. ومن ثَمّ فهي تضر القاعدة التعددية الديمقراطية.

ويكفي القول إنه إذا كان (التمثيل) يعني تغير النسبة المئوية لمجموع الأصوات الذي تحصل عليه الأحزاب في أي انتخابات، إذن من الناحية الفنية، يؤكد بعض علماء السياسة أنه لا توجد أي مشكلة في انتخابات 2011 والتي طُيِّقت فيها العتبة الانتخابية. على سبيل المثال في انتخابات 2011، شاركت أربعة أحزاب في انتخابات عام 2007 (حزب العدالة والتنمية، حزب الشعب الجمهوري، حزب الحركة القومية، وحزب السلام والديمقراطية/ المستقلون). وكانت النسبة الإجمالية للأصوات التي حصلوا عليها في انتخابات عام 2007 هي 87 في المئة، وارتفعت إلى 95.5 في المئة في عام 2011. ووفقًا لأوزبودون، "يمكن أن يفسر هذا بأن نظام من أربعة أحزاب استقرّ في تركيا، وأن مثل هذا النظام أضاف قوة للبرلمان التركي مقارنة مع الفترة السابقة".

من ناحية أخرى، يرى البروفيسور صياري في بحثه الذي نشر عام 2007 أن النظام الحزبي التركي المجزّأ، بين عامي 1991 و 2002، بدأ يتطور إلى نظام الحزب المسيطر بوصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في عام 2002. وبالفعل، بدأ حزب العدالة والتنمية الفوز بانتخابات متتالية، وبزيادة تدريجية في أصواته. وأثبتت هذه الانتخابات أن تركيا لديها نظام الحزب المسيطر.

وخلاصة نظام الحزب المسيطر، بقيادة حزب العدالة والتنمية هو الاستقرار السياسي. وكما أوضح البروفيسور صياري في بحثه، شُكِّلت 14 حكومة من عام 1983 حتى انضمام حزب العدالة والتنمية إلى الحكومة في نوفمبر تشرين الثاني عام 2002، وكانت ستة من تلك الحكومات حكومات الحزب الواحد، في حين كانت الحكومات الأخرى حكومات ائتلافية. وصل حزب العدالة والتنمية إلى السلطة منذ نوفمبر تشرين الثاني عام 2002، وفقا للنظام الانتخابي, الذي يسمّى بطريقة ( دي هونت D’hondt) الانتخابية وعتبة الـ10 في المئة، واستمرّ في الحفاظ على حكومة الحزب الواحد.

كان حزب العدالة والتنمية ضحية الثقافة السياسية لنظام الوصاية الذي حظر الأحزاب السياسية ضمانًا للاستقرار. لذلك، سعى حزب العدالة والتنمية إلى توسيع حدود النظام السياسي الديمقراطي من خلال الاستفتاء على الدستور في عام 2011، ومن خلال التعديلات الدستورية. وعزّزت التعديلات الدستورية من نفوذ الحزب، وجعلته ينأى عن عقلية الماضي التي تؤمن أن (إغلاق الأحزاب) يجلب الاستقرار.

في الواقع، تخضع الأحزاب السياسية إلى اللوائح القانونية/ الدستورية فيما يتعلق بوظائفها في إطار نظام ديمقراطي. وبعبارة أخرى، تعدّ اللوائح القانونية بشأن الأحزاب السياسية مجموعة كاملة من المعايير التي تدل على كيفية ممارسة لعبة السياسة الديمقراطية. كما أن القواعد الخاصة بتأسيس حزب سياسي موجودة مسبقًا، لمعرفة المعايير التي بموجبها سيُغلَق حزب سياسي وبأي أجهزة (دستورية)، ومنع التعسف السياسي، وضمان ممارسة السياسة بطريقة عادلة. هذا الفهم هو معيار عالمي في دولة القانون.

للوهلة الأولى، وتمشّيًا مع الرأي السابق، فإن سلطة اتخاذ قرار إغلاق الأحزاب السياسية في تركيا تقع على عاتق المحكمة الدستورية، لا على المحاكم العامة. في دستور عام 1982، ورد ذكر هذه السلطة، في الفقرة الخامسة من المادة 69، على النحو الآتي: "الحكم النهائي بشأن إغلاق الأحزاب السياسية يقع على عاتق المحكمة الدستورية بعد أن يرفع مكتب المدّعي العام للجمهورية الدعوى". ولكن، بالأخذ بعين الاعتبار العدد الإجمالي للأحزاب التي أغلقتها المحكمة، وهو 24، إذن من المشكوك فيه أن اللوائح الدستورية القانونية / في تركيا توفر (الضمانة السياسية) للأحزاب السياسية.

وعندما ننظر إلى بلدان أخرى، نرى أيضًا ضرورة أن يكون إغلاق الحزب وفقًا للوائح القانونية والدستورية الخاصة بالأحزاب السياسية، كما هو الحال في ألمانيا[17]، والنمسا، وبلجيكا، والدنمارك، وأستونيا، وفنلندا، وفرنسا، والهند، وهولندا، وبريطانيا، وإسبانيا، والسويد، وإيطاليا، وليتوانيا، والمجر، وبولندا، والبرتغال، ورومانيا، وسلوفاكيا.

تختلف اللوائح القانونية الخاصة بالأحزاب السياسية في بعض الدول المذكورة. ففي بعض البلدان، تعدّ الأحزاب جمعيات تعمل في إطار الدستور من دون أي أحكام دستورية محددة. ولا توجد تنظيمات قانونية خاصة، مثل (قانون الأحزاب السياسية) الموجود في بلدان أخرى؛ على سبيل المثال، يتم التعامل مع الأحزاب بموجب أحكام القانون المدني. وتختلف أيضًا أجهزة الدولة التي تمتلك سلطة إغلاق الأحزاب. إن  سلطة إغلاق الأحزاب يمكن أن تقع على عاتق المحكمة الدستورية، أو الحكومة، أو المدّعي العام، أو محكمة الاستئناف العليا أو المحكمة الإدارية العليا.

تختلف أسباب إغلاق الأحزاب السياسية أيضًا من بلد إلى آخر، ففي ألمانيا، وإيطاليا، على سبيل المثال، شكلت النازية والفاشية والشيوعية، بوصفها حزبًا أو اتجاهًا، سببًا لإغلاق أو حظر الأحزاب السياسية، وذلك بسبب الصدامات السياسية التي نتجت عن النازية والأيديولوجيات الفاشية التي سبقت الحرب العالمية الثانية. وقد أغلقت المحكمة الدستورية في ألمانيا الحزب النازي في عام 1949، والحزب الألماني الاشتراكي (Sozialistische Reichspartei Deutschlands) في عام 1952. والحزب الشيوعي الألماني (Kommunistische Partei Deutschlands) في عام 1956. كما أُغلِقت الحكومة في إيطاليا الحزب الوطني الفاشي الذي أسسه موسوليني في عام 1943. كما أُغلِقت الأحزاب السياسية بسبب (العنصرية وكراهية الأجانب) في بلجيكا وبسبب (الانفصالية) في إسبانيا. على سبيل المثال، حزب باتاسونا (التابع لحركة إيتا) أغلِق في عام 2003 لهذا السبب. وفي تركيا أُغلِق 24 حزبًا حتى الآن: 11 جزبًا منها بسبب (الانفصالية)، وأربعة بسبب (مناهضة العلمانية)، و9 بسبب (عدم اكتمال الإجراءات القانونية).[18]

على الرغم من بعض الإختلافات، وضعت اللجنة الأوروبية للديمقراطية خطوطًا إرشادية لحل الأحزاب السياسية من خلال القانون المعروف أيضًا باسم لجنة البندقية، التي تتألف من فقهاء قانونيين مستقلين، وأسّستها لجنة وزراء مجلس أوربا في عام 1990. تقوم هذه اللجنة بإجراء بحوث ونشر النتائج حول (الوضع الدستوري) و(إغلاق الأحزاب) للبلدان الأعضاء، بما في ذلك تركيا. وقد أصدرت اللجنة تقريرها الأول، استنادًا إلى دراسة استقصائية، بعنوان (تقرير حول حظر الأحزاب السياسية والتدابير المماثلة) في عام 1998. وبعد هذا التقرير، أعدت لجنة البندقية (المبادئ التوجيهية لحظر وحلّ الأحزاب السياسية والتدابير المماثلة) في عام 1999، وقدمته إلى الجمعية البرلمانية لمجلس أوربا (PACE) ومكتب الأمين العام. وتعمل لجنة البندقية على تعزيز العلاقة بين الأحزاب السياسية والديمقراطية.

الخاتمة:

كلمة (حزب) تعني (قطعة) باللغة التركية. وستصبح مفعلة بشكل تامّ إذا تمت بلورة كلمة (الكل) الذي تنتمي إليه (القطعة). إن كلمة (الكل) تتكون من قِطَع تسمَّى الأحزاب السياسية، وهي النظام السياسي الديمقراطي. هذا هو الحال، علاقة جدلية بين الأحزاب السياسية والنظام السياسي الذي تعمل فيه: لذا كلما كان النظام السياسي أكثر ديمقراطية، كانت الأحزاب السياسية أكثر ديمقراطية. من ناحية أخرى، كلما ازداد حرص الأحزاب السياسية على العمل بطريقة ديمقراطية، اتسعت القدرة الديمقراطية للنظام السياسي على التوسع.

 

المراجع:

 

[1] Amanda Hoffman, “Political Parties, Electoral Systems and Democracy: A Cross-national Analysis,” European Journal of Political Research, No. 44 (2005).

[2] Hoffman, “Political Parties, Electoral Systems and Democracy: A Cross-national Analysis.”

[3] Arend Lijphart, Demokrasi Motifleri, (İstanbul: Salyangoz Yayınları,2006), Translated by Güneş Ayas and Utku Umut Bulsun

[4] Florian Bieber, “Seçim Sistemleri ve Orta ve Güney doğu Avrupa’da Azınlık Partileri,”in Ersin Erkan (ed.), Seçim Sistemleri ve Etnik Azınlıkların Parlamenter Temsili, (İstanbul: BETA Basım,2010).

[5] Jonathan Hopkin, “The Problem with Party Finance,”Party Politics, Vol.10, No.6 (2004).

[6] Mark Blyth and Randy Katz, “From Carch-all Politics to Cartelisation: The Political Economy of the Cartel Party,” West European Politics, Vol.28, No.1 (2005); Klaus Detterbek, “Party Cartel and Cartel Parties in Germany,”German Politics, Vol.17, No.1 (March, 2008).

[7] Ingrid van Biezen, “Financing Political Parties and Election Campaigns-Guideline,” Council of European Publishing, (December, 2003).

[8] Ayşen Uysal and Oğuz Topak, Particiler (İstanbul: İletişimYayınları, 2010).

[9] Otto Kircheimer, “The Transformation of the Western European Party Systems,” in Joseph La Palombaraand Myron Weiner (Eds.), Political Parties and Political Development, (New York: West European Politics, 1969).

[10] Jonathan Hopkin and Caterina Paolucci, “The Business Firm Model of Party Organization: Cases from Spain and Italy,” European Journal of Political Research, No.35 (1999).

[11] Petr Kopecky et al., “Beyond the Cartel Party? Party Patronage and the Nature of Parties in New Democracies,”IPSA/ECPR Conference (Sao Paulo, February, 2011), pp.16-19.

[12] Giovanni Sartori, Political Parties and Party Systems (New York: ECPR Press, 1976).

[13] تنصّ المادة 68/4 على ما يأتي: "لا يجوز أن تتعارض القوانين والبرامج، وكذلك أنشطة الأحزاب السياسية مع استقلال الدولة،  وسلامة ووحدة أراضيها وشعبها، وحقوق الإنسان، ومبادئ المساواة وسيادة القانون، وسيادة الأمة، ومبادئ الجمهورية الديمقراطية والعلمانية؛ ولا يجوز أيضًا أن تسعى إلى تشجيع، أو تأسيس دكتاتورية، أو دكتاتورية جماعية، أو تحريض المواطنين على ارتكاب الجريمة".

[14] Ergun Özbudun, Türkiye’de Parti ve Seçim Sistemi (İstanbul: İstangul Bilgi Üniversitesi Yayınları, 2011).

[15] Sabri Sayarı, “Non-Electoral Sources of Party System Change in Turkey”, in Prof. Dr. Ergun Özbudun’a  Armağan, Vol.1 (Ankara, 2008).

[16] Özbudun, Türkiye’de Parti ve Seçim Sistemi

[17] Beyhan Kaptıkaçtı, et al., “Siyasi Partilerin Kapatılması Konusunda Türkiye ve Bazı Ülkelerdeki Yasal Düzenlemeler,”Turkish Grand National Assembly (TGNA) Research Center, (March, 2008).

[18] Kaptıkaçtı, “Siyasi Partilerin Kapatılması Konusunda Türkiye ve Bazı Ülkelerde ki Yasal Düzenlemeler.”


ملصقات
 »