يمثل الحفاظ على السلام والأمن الدوليين أحد الأهداف الأساسية للقانون الدولي والتنظيم الدولي منذ إنشاء الأمم المتحدة عام 1945. غير أن تطبيق نظام الأمن الجماعي العالمي الذي أُقِيم بموجب ميثاق الأمم المتحدة واجه صعوبات كبيرة، ولا سيما مع اندلاع الحرب الباردة. إذ عوّقت المنافسة السياسية والعسكرية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي عمل مجلس الأمن بفاعلية في حالات عديدة، الأمر الذي عزز أهمية الترتيبات الأمنية الإقليمية.
في هذا الإطار، ينبغي النظر إلى معاهدة شمال الأطلسي، التي أنشأت منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لا بوصفها تحالفًا عسكريًّا ينظم الدفاع المشترك لدول بعينها فحسب، بل بوصفها كذلك أحد العناصر المكملة، على المستوى الإقليمي، لنظام السلم والأمن الدوليين. وتقوم الفكرة الأساسية التي انطلق منها تأسيس الناتو على عدّ أي هجوم مسلح يستهدف عضوًا فيه مسألة أمنية مشتركة لجميع الأعضاء، بما يردع العدوان قبل وقوعه. ومن هذه الزاوية، لا يقتصر إسهام الناتو في السلام الدولي على العمليات العسكرية الفعلية، بل يشمل أيضًا إقامته بنية أمنية دائمة تقلل احتمالات وقوع الهجوم.
تركز هذه الدراسة على ثلاثة أسئلة رئيسة، هي: ما البنية العامة لنظام السلم والأمن الدوليين؟ وما الإسهامات التي تنص عليها معاهدة تأسيس الناتو في منظومة حفظ السلام والأمن الدوليين؟ وما طبيعة الإسهامات التي قدّمها الناتو، من خلال أدائه حتى اليوم، في صون السلام والأمن الدوليين؟ وتعتمد الإجابة عن هذه الأسئلة على بحث العلاقة بين مفهوم الأمن الجماعي في ميثاق الأمم المتحدة، وآليات الدفاع الجماعي والتشاور السياسي المنصوص عليها في معاهدة الناتو.
ينبغي التمييز بين مستويين عند تقييم أثر الناتو. يتمثل المستوى الأول في وظيفة الحلف المتعلقة بضمان أمن أعضائه. أما المستوى الثاني فيتصل بالنتائج التي تترتب على هذه الوظيفة الأمنية في النظام الدولي الأوسع. ويتمثل أبرز إسهامات الناتو في المستوى الثاني في ردع العدوان، وإسباغ الطابع المؤسسي على التشاور المنتظم بشأن الأمن بين الدول الأعضاء، وتشجيع التسوية السلمية للخلافات فيما بينها، ودعم النظام السياسي القائم على الديمقراطية وسيادة القانون، والمشاركة في أنشطة إدارة الأزمات.
وعليه، لا ينبغي فهم إسهام الناتو في السلام والأمن الدوليين على أنه يقتصر على الاستخدام المشترك للقوة العسكرية في حالة الحرب. فمن أبرز إسهامات الحلف إنشاء نظام ردع موثوق يهدف إلى منع نشوب الحرب أصلًا. ويرتكز هذا النظام على التضامن السياسي، والتخطيط الدفاعي المشترك، وقابلية التشغيل البيني للقوات العسكرية، والتشاور، والتدريبات المشتركة، والقدرة على الاستعداد للأزمات.
