ارتبطت عودة الصراع اليمني هذه المرة بتغير في موازين القوى وحسابات الأطراف المحلية والإقليمية، ولكن النظر من عدسة أوسع يكشف أن عودة الحرب من جديد مشكلة أعمق بكثير من ربطها بمصالح القوى المحلية والإقليمية المنخرطة في الصراع، بل إن جذور الصراع الحالي مرتبطة بإرث من المظالم والانتهاكات. وقد عانى اليمن صراعات متلاحقة، ما تزال آثارها معلقة، ولم تتمّ معالجتها بطريقة منصفة وعادلة. ومن هذا المنطلق، يجب ألا تُقرَأ عودة الحرب في اليمن على أنها مجرد انهيار للهدنة غير الرسمية الممتدة منذ 2022، بل هي مؤشّر على استمرار الصراعات القابلة للتجدد في أي وقت. وتبرز العدالة الانتقالية بوصفها مدخلًا إلى تحليل هذه المعضلة؛ لأن الهُدَن أو الاتفاقات السياسية الهشّة، أو حتى الانتصارات العسكرية المؤقتة، لا تعني بالضرورة حلَّ جذور النزاعات المتراكمة. والعدالة الانتقالية لا تعني الانتقام، بل تسهم في معالجة المظالم والانقسامات المجتمعية.... وتهدف إلى تحقيق سلام دائم. ولهذا، فإن "تدابير العدالة الانتقالية لا تصب في مصلحة الضحايا فحسب، بل يمكن أن تشكل مخرجًا آمنًا لمن ارتكبوا الانتهاكات إذا اعترفوا بها، واعتذروا عنها، وطلبوا العفو، والتزموا بعدم تكرارها، وقاموا بتعويض الضحايا تعويضًا مُرضيًا". وهي أيضًا عبارة عن آلية للخروج السلمي من حالات الصراع والنزاع إلى حقبة جديدة يسودها السِّلم والعدل والديمقراطية. ووفقًا لتقرير الأمم المتحدة لعام 2004، فإن العدالة الانتقالية تُعرَّف بأنها: "مجموعة كاملة من العمليات والآليات المرتبطة بمحاولات المجتمع للتصالح مع إرثٍ من الانتهاكات واسعة النطاق، لضمان المساءلة وتحقيق العدالة والمصالحة".
وفي هذا الإطار، تهدف هذه الورقة إلى تحليل عودة الحرب وحاجة اليمن إلى عدالة انتقالية تمنع تكرار الصراع، حيث يحتاج اليمن إلى عدالة حقيقية تعالج جذور النزاعات وقضايا الضحايا، والاعتراف بمظالم الناس، بما يقود إلى مصالحة سياسية واجتماعية تمنع عودة النزاعات مجددًا. وتنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن تجاهل مظالم الصراعات السابقة والحالية قد يحوِّل أي اتفاق سياسي، أو حتى انتصار عسكري لطرف ضد آخر، إلى فترة مؤقتة سرعان ما تتفجر بعدها الصراعات من جديد. ولذلك، لا يبرز السؤال حول من يملك القدرات العسكرية لفرض شروطه، وإنما: لماذا أخفقت التسويات السياسية السابقة في معالجة إرث الصراعات، ممّا أدى إلى عودتها مجددًا؟ وهل يمكن للعدالة الانتقالية أن توفر مدخلًا إلى معالجة جذور الأزمات اليمنية ومنع إعادة تكرار موجات العنف والصراعات العسكرية؟ وللإجابة عن هذين السؤالين، تدافع الورقة عن أطروحة مفادها أن استمرار الصراعات في اليمن وقابلية تكرارها لا يرتبطان بتغير موازين القوى على الأرض أو بالتدخلات الخارجية، وإنما بإرثٍ من الانتهاكات والمظالم التي لم تستطع الحكومات السابقة ولا التسويات السياسية السابقة معالجتها. من ثَمّ، فإن أي تغير في موازين القوى العسكرية على الأرض، أو أي تسوية سياسية جديدة، لن يكون قادرًا على تحقيق سلام مستدام ومنع عودة الصراعات ما لم يتضمن مسارًا للعدالة الانتقالية يعالج المظالم ويضع الضمانات اللازمة لعدم تكرار الصراع.
