عندما انضمت تركيا إلى حلف الناتو عام 1952، كان المنطق الإستراتيجي واضحًا: دولة كبيرة ذات قدرات عسكرية، تتمتع بموقع جغرافي حاكم عند الحافة الجنوبية الشرقية للحلف، وتوفر عمقًا وردعًا وقدرة على الوصول إلى المحيط السوفياتي. وعلى مدى معظم سنوات الحرب الباردة، كانت تركيا دولة جناح؛ مهمة بلا شكّ، لكنها هامشية نسبيًّا؛ بمعنى أن الجبهة المركزية كانت تمرّ عبر أوروبا الوسطى لا عبر الأناضول. وبعد أربعة وسبعين عامًا، لم يعد هذا التأطير قائمًا.
فالتهديدات التي باتت تحدد أجندة الناتو اليوم: الحرب الهجينة، وانعدام أمن الطاقة، وعدم الاستقرار في البحر المتوسط، وقوس الصراعات الممتد من غزة إلى القوقاز، والحرب المستمرة في أوكرانيا- تتركز تحديدًا في المنطقة التي تعمل فيها تركيا. لقد أصبح الجناح الجنوبي الشرقي جبهة. ونتيجة لذلك، تحوّلت دولة أمضت عقودًا في بناء الكفاءة العملياتية، وقدرات صناعة دفاعية محلية، وخبرة ميدانية مكتسبة بثمن باهظ- تحوّلت إلى كيان مختلف نوعيًّا عمّا كانت عليه عام 1952: ليست دولة جناح، بل حليفًا مركزيًّا.
ولن تمثّل قمة الناتو في أنقرة عام 2026 مجرد محطة تنظيمية أو لوجستية؛ بل هي اللحظة التي يصبح فيها هذا الترتيب الإستراتيجي الجديد ظاهرًا على المستوى المؤسسي. فقرارات الحلف في أنقرة بشأن تقاسم الأعباء، وأهداف القدرات، والعلاقة بين الناتو والاتحاد الأوروبي- ستشكل بنية الأمن الأوروبي-الأطلسي لجيل كامل. ولم تكن حصة تركيا في هذه القرارات، ولا قدرتها على التأثير فيها، أكبر مما هي عليه اليوم.
