رؤية تركية
أفكار متحدية

الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

البعد الديني وأثره في تعزيز العلاقات الأفروتركية

البعد الديني وأثره في تعزيز العلاقات الأفروتركية

البعد الديني وأثره في تعزيز العلاقات الأفروتركية

ملخص تعتبر تركيا الحديثة دولة مهمة على الساحة الدولية والإقليمية وفي مختلف المجالات الدبلوماسية والإنسانية والثقافية ومن موقعها كعضو في مجموعة العشرين، ومن أجل تحقيق وضع أفضل على الساحة الدولية، هناك حاجة إلى انشاء عمق في أكثر من مكان وخاصة العمق الأفريقي، وبمراعاة البعد الديني للنزاعات العثمانية في القرن السادس ونضال السلاطين العثمانيين ضد الحروب الصليبية في شمال إفريقيا تقدم هذه الورقة معالجة لبعد مهم وهو أثر الدين في تعزيز العلاقة، وتبادل المصالح، وبناء علاقات دبلوماسية قوية بين تركيا وأفريقيا.

توصَّل دارسو حضارات التاريخ إلى أنّ كلّ حضارة من الحضارات كان مبناها الأول على أساس ديني، وفي ذلك يقول هنري بريدجستون: "وُجِدت حضارات بغير بناء وعمار، إلاَّ أنّه لم توجد حضارة من غير معابد"، ويثبت هذا أن حركة الإنسان لا يمكن أن تنطلق من أساس غير إيماني، سواء أكانت العقيدة حقيقة أم وهمًا، صحيحة أو باطلة، وقد تبلور هذا في التحالف اليهودي النصراني الذي عُرِف بالصهيونية المسيحية، وكان الدِّين بمثابة الركيزة القوية والدعامة المنيعة في هذا التحالف.

تُعَدّ تركيا الجديدة دولة محورية على الصعيدين الدولي والإقليمي، وفي مجالات مختلفة: دبلوماسية، وإنسانية، وثقافية، وهي بهذه الصفة تتلمّس موقعها بصفتها دولة عضوًا في مجموعة العشرين الـG20، وبغيرها من الاعتبارات، ولاسيّما في العمق الإفريقي. ولتحقيق هذه المكانة في الخريطة الدولية لابدّ من وسائل وآليات وأساليب تحقّق ما تصبو إليه في العمق الإفريقي، بسبب البعد الديني لتركيا، المتمثّل في الخلافة العثمانية التي امتدت لأكثر من ستة قرون، ووقوف السلاطين العثمانيين بقوة أمام هجمات الصليبية التنصيرية، ولاسيّما في شمال إفريقيا وشرقها، ودورهم الكبير في وسط إفريقيا.

 ما ذُكِر آنِفًا يعطي هذا البحث أهمية كبيرة، لأنه يرسم خريطةَ طريق مستقبلي للعلاقات التركية الإفريقية؛ لتقوية أواصر العلاقات وتبادل المصالح، وبناء دبلوماسية متينة بين الطرفين، ولما تهدف إليه من بيان هذه الصورة الذهنية للبعد الديني في إفريقيا، والجوانب التي يمكن الاستفادة منها، وكيفية تحقيق ذلك عبر هذا البعد المهمّ. يقدّم البحث ذلك في أربعة مباحث: المبحث الأول الذي تناول مكانة البعد الديني للدول العظمى، والاستفادة منه في تحقيق غاياتها ومصالحها، والمبحث الثاني الذي تناول البعد الديني التاريخي لتركيا في إفريقيا؛ الراسخ في الصورة الذهنية الإفريقية،  والمبحث الثالث الذي بيَّن المجالات التي يمكن أن تمثّل الرؤى المستقبلية للعلاقات التركية الإفريقية، والمبحث الرابع الذي قدّم طائفة من بعض الوسائل، التي من خلالها يمكن تحقيق هذه الرؤى وتعزيزها.

 

البعد الديني ودوره في تكوين الدول الغربية

كان للدين حضورٌ كبيرٌ ونصيب الأسد في تأسيس الكثير من دول النصارى، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا وهولندا، حيث أصبحت التكتلات الدينية النصرانية عاملًا حاسمًا في إبراز الزعامات وصناعة القرارات. وفيما يأتي سنقدّم دور الدين في تشكيل الدول الغربية وتكوينها، بما فيها (إسرائيل).

أولًا: مكانة الدِّين في إسرائيل: 

استندت الحركة الصهيونية في القرن التاسع عشر إلى عنصر الدين، جاعلة منه ركيزة أساسية في المطالبة بولاية قومية خاصة باليهود، وذلك في وقت كان فيه مبدأ القوميات يشكل زِيّ العصر. إذ راح دعاة هذه الحركة يرتكزون على مبدأ القوميات، ومبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها في المطالبة بـ"العودة" إلى فلسطين بغية إقامة "دولة قومية" لليهود هناك، على أساس أن الشعوب الأوربية التي صمّمت على إعمال حقّها في تقرير مصيرها بإقامة دول قومية لن تراجع منطقها بالنسبة لليهود.[1]

راحت الحركة الصهيونية تُسَخِّر -بدهاء عميق ودأب متصل- الادّعاءات الدينية، والأساطير التاريخية؛ بغية ضمان تأييد الدول الكبرى لتطلعاتها من جهة، وابتعاث الحمية الدينية لدى عامة اليهود من جهة أخرى. وقد تحوّلت النصوص والأسفار المقدّسة وأحداث التاريخ المزيّف إلى معين لا ينضب، تعوّل عليه الحركة الصهيونية، وتستمد منه تأثيرها وفعاليتها بين عامة اليهود في فجاج الأرض، ولاسيّما المتدينين منهم. وادعاءاتهم الدينية تتمحور حول ثلاث أفكار، هي: فكرة "الوعد الإلهي" الذي قطعه "إله بني إسرائيل" لـ"شعبه المختار" بتملك "الأرض المقدسة"، وفكرة أن اليهود هم "شعب الله المختار"، وفكرة المسيح المخلِّص.[2]

إنّ هذا الاتجاه القومي الذي يقوم على أساس الدين، وعلى توظيف مكانته والاستفادة من مكانته الواسعة والكبيرة- يمثّل الاتجاه المختلف والمغاير لاتجاه القوميات الأوربية التي قامت على الولاء للوطن أو الحكومة، وعلى فصل الدين عن الدولة، وإضعاف الرابط الديني، وذلك كردّ فعل على تجاوزات الكنيسة الكاثوليكية في القرون الوسطى في أوربا. كما استطاعت الثورة الفرنسية الكبرى 1789م صياغة شكل الدولة "العلمانية" التي تقوم على مبادئ الحرية الفردية، والمساواة بين الأفراد جميعًا، والفصل التام بين سلطة الكنيسة وسلطة الدولة الزمنية. إنه مبدأ الفصل بين الدولة والكنيسة الذي قامت عليه الدول القومية في أوربا في القرن التاسع عشر.[3] 

راحت الحركة الصهيونية تقتنع بالإيمان بفكرة "الولاء القومي"؛ بقصد تحقيق هدفين اثنين: أوّلهما تجنيب اليهود عمليات الاضطهاد والتمييز التي كانوا يتعرضون لها في المجتمعات المسيحية الأوربية بسبب انتمائهم، وثانيهما اتخاذ هذه الفكرة مسوِّغًا تؤيد به الحركة مطالبها بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

كان الدين لدى دعاة الصهيونية السياسية أحد الأساليب الناجعة في تحقيق أهدافهم، على الرغم من أنهم لم يكونوا من صفوف التيار اليهودي الأرثوذكسي، حيث كان معظمهم من الملحدين الذين لا يعيرون الدين أدنى اهتمام. وقد أدرك هؤلاء أهمية عنصر الدين في توحيد صفوف الجماعات اليهودية خلف دعوتهم، وفي جذب أفرادها -وبخاصة المتدينون منهم في شرق أوربا- نحو الهجرة إلى فلسطين. وإنّ القارئ لفكر هرتزل ودعاة الصهيونية الآخرين، يصطدم بين الحين والآخر بعبارات تنضح بالعواطف الدينية، وتؤكّد الإيمان بطريق الآباء والأجداد، والحنين إلى "أرض التوراة"، كما تكثر في خطب هؤلاء الاقتباسات التلمودية، ممّا يوحي ببعض التناقض واللَّبس مع ما تبيّن لنا من علمانية هؤلاء القوم دعاة الصهيونية.

 فإذا علمنا أن هذه الاقتباسات والتصريحات الرنّانة كانت من أساليب دعاة الصهيونية التي تطلعت إلى الاستثمار الأقصى للدين، واستغلال القيمة الدعائية، والرصيد العاطفي الذي تمتلكه العقائد الدينية عادة، في سبيل أهداف الصهيونية- زال اللَّبس واختفى التناقض[4].

كما أن هناك مكانة وقداسة لرجال الدِّين اليهود (الحاخامات)؛ فهم مفسّرو الشريعة عند اليهود، ولهم حضور دائم، رغم المظاهر العلمانية والنمط الغربي للحكومات اليهودية المتتالية في فلسطين. واستطاع هؤلاء تشكيل الملامح السياسية البارزة فيها، وأصبحوا المحرك لها، ومفاتيح الكثير من القضايا؛ وذلك لدورهم الأساسي في تأسيس الفرق الدينية، والمدارس الأهلية، والأحزاب السياسية وقيادتها، وإصدار الفتاوى.

وتبرز منزلتهم الدينية من نصوص تشريعية يهودية واضحة، رفعت مكانتهم، وأحاطتهم بالقداسة والعصمة، ومنها: "من يحتقر كلمات الربانيين يستحق الموت"، "إن كلّ الربانيين حتى في أيامنا هذه متنطّقون بالسلطة الإلهية، وكلّ ما يقولونه يخرج من فم الله"، "مخافة الربانيين هي مخافة الرب نفسها"، "كلمات الربانيين هي كلمات الله الحية". وهذه النصوص وغيرها أصبحت تاجًا على رؤوس الحاخامات، وأعطتهم أحجامًا ثم أدوارًا في المجتمع اليهودي، امتدت إلى دوائر القرار في قمة الهرم السياسي اليهودي المعاصر في فلسطين.

ثانيًا: دور الدين في أوربا:

للدين حضورٌ كبيرٌ في أوربا، وكان له نصيب الأسد في تأسيس كثير من الدول الأوربية التي تؤمن بعقيدة عودة اليهود إلى أرض أجدادهم تمهيدًا للعودة الثانية للمسيح والعيش تحت ظل الألفية السعيدة، حيث تصعد الأرواح إلى الرب. والأمثلة الحية الشاهدة على ذلك كثيرة، ولا تكاد تخلو دولة من الدول الأوربية قديمًا وحديثًا من الإيمان بجملة من هذه الأفكار، إذ نشأت الأرض المنخفضة على أساس عقَدي يؤمن بالمبادئ البروتستانتية، وذلك بعد هزيمة القوات الكاثوليكية وقيام جمهورية هولندا على أساس المبادئ البروتستانتية الكلفانية، عام 1609، وهي تُعَدّ الركيزة الثانية، ومن قبلها تعدّ بريطانيا الركيزة الأولى بعد انفصال الملك هنري الثامن عن روما، التي هي مفتاح لحركة الإصلاح الديني لبريطانيا والتمركز بها, وأصبحت نواة لنشوء الفكر الصهيوني. تُعَدّ هاتان الركيزتان الدعامة القوية لانتشار الدعوة البروتستانتية في عموم أوربا، والقوة الفاعلة لنشر تيار الصهيونية المسيحية في أوربا.

 في الدنمارك حثَّ ملكها هولغر بولي ملوك أوروبا على القيام بحملة صليبية جديدة؛ لتحرير فلسطين والقدس من الكفار، وتوطين اليهود وارثيها الأصليين الشرعيين. وفي عام 1696م قدّم خطة مفصّلة إلى ملك إنكلترا وليم الثالث، طالبًا منه أن يعيد احتلال فلسطين ويسلّمها لليهود؛ لإقامة دولة خاصة بهم[5]. وفي بولندا وعندما زار البابا بولس يوحنا أرض أجداده وآبائه استُقبِل استقبال الفاتحين، واشتركت السلطة في الاستقبال، وكانت هتافات المستقبلين: "نريد الله في مدارسنا، نريد الله في منازلنا، الله هو ربنا".[6]

وفي فرنسا -وقد سبق نابليون كلّ الصهاينة المسيحيين بسنوات عديدة- يقول بير موروا رئيس الوزراء الأسبق في حفلٍ أقامتْه مجلة المنير اليهودية الناطقة بلسان الطائفة اليهودية في فرنسا :" يوجد تشابه كبير بين الرسالة التوراتية التي نحملها معًا والتي تشكل قاعدة كل ثقافة غربية، وبين الأهداف التي نسعى إليها".[7]

وعن ألمانيا يقول الأمير  شكيب أرسلان[8]: "هل يظنّ الناس عندنا في الشرق أن نهضة من نهَضات أوربا جرت دون تربية دينية؟! أفلم يَقُل رئيس نظار ألمانيا في الرايستاغ منذ ثلاث سنوات: إنّ ثقافتنا مبنية على الدين المسيحي؟!".[9]

كما أنَّ التعليم الديني إجباري في المدارس إلى سن الرابعة عشرة، إذ يُفرَض على الطالب البروتستانتي تعلّم اللوثرية، وعلى الطالب الكاثوليكي تعلّم الكاثوليكية.[10]

ولا يخفى أن الدين كان واضحًا وبارزًا ومسيطرًا على نتائج الانتخابات الرئاسية الألمانية الأخيرة، حيث استطاع الحزب الديمقراطي المسيحي بقيادة ميركل أن يؤخر نتيجة إعلان الفائز، بل تقدّم الحزب بفارق ضئيل على الحزب الديمقراطي الاجتماعي بقيادة المستشار شرودر.

وفي السويد حيث يقول أحد السويديين: "ربما كان السويديون أكثر الناس تدينًا في أوربا، ولكنك لن تفهم هذا البلد أبدًا، إلاَّ إذا أدركت أن مؤسساتنا وممارساتنا الاجتماعية وأسرنا وسياستنا وأساليب حياتنا كلّها متأثرة بتراثنا اللوثري".[11]

وفي بريطانيا، أين هو فصل الدين عن الدولة "العلمانية"؟! أليس ملك بريطانيا هو رئيس الكنيسة في الوقت نفسه؟! يقول أحد الصحفيين: "ملكة إنكلترا هي رئيسة الكنيسة الإنكليزية، ولكنها لا تأمر وتوجّه، بل هي ناقلة رأي الكنيسة إلى البرلمان المنتخب من الشعب".[12]

وقد مهّدت بريطانيا -التي لا تزال تحمل الصليب في علمها الرسمي- لقيام دولة اليهود... فبأيّ خلفية أصدر وزير الخارجية وعده لليهود بوطن قومي في فلسطين؟! ولنسمع، كيف تصف لنا ابنة أخته[13] إيمانها العميق بالتوراة وبصهيونيته: "لقد تأثر بلفور منذ نعومة أظفاره بدراسة التوراة في الكنيسة، وكان كلّما اشتد عوده زاد إعجابه بالفلسفة اليهودية، وكان دائمًا يتحدث باهتمام عن ذلك".

ثالثًا: دور الدين في أمريكا:   

يعتقد الشعب الأمريكي بأنهم متدينون، وهم يترددون على الكنائس بأعداد كبيرة،[14] كما أنَّ تأثير الكنيسة في المجتمع الأمريكي واضح وضوح الشمس، وبخاصة مع بروز حركة الأصوليةfundamentalist Movement [15] في 1909- 1919م، ومدى اتساع نمو التعليم الديني، سواء على شكل زيادة عدد المدارس الدينية اليومية أم تزايد عدد التلاميذ الملتحقين بها. ففي العام الدراسي 1954- 1955م كان عدد المدارس الدينية اليومية لا يزيد عن 123 مدرسة تضم 12 ألف تلميذ، لكن هذا العدد تضاعف مئات المرات في عام 1980م، ليبلغ عدد المدارس الدينية 18 ألف مدرسة تضم أكثر من مليوني تلميذ.[16]

   وفي أمريكا نجد الأمر بارزًا عند اليمين المسيحي المتطرف، حيث استطاع هذا اليمين المتطرف أن يتعامل مع كثير من القضايا بدوافع دينية، كما أن بعضًا من رجال الدين يطرحون بقوة إنهاء الفصل الدستوري بين الدين والدولة. وقد استُحدِث في البيت الأبيض -ولأول مرة في تاريخ أمريكا- مكتبٌ معْنيٌّ بالشؤون الدينية، واسمه: مكتب البيت الأبيض للأديان والمبادرات الاجتماعية.[17]   White House Office of Faith_ Based & Community Initiatives _ OFBCI  ولا يخلو خطاب من خطابات الرؤساء الأمريكان من ذكر أمر الدين، ولكن تتفاوت هذه الجوانب من رئيس لآخر[18]،  فقد عبر رونالد ريغان في خطاب له في 23/أغسطس 1983 في مدينة تكساس عن إيمانه بدور الدين في المجتمع الأمريكي، رغم الاعتراف بمبدأ الفصل بين الدين والدولة. ومما جاء في خطابه: "يلعب الدين دورا حاسمًا في الحياة السياسية لأمتنا"[19]، وعندما سُئِل بيل كلينتون عن وضع الدين في المجتمع، قال:" إننا جميعًا جزء من مجتمع عالَميّ في تطور دائم، وقد يشهد هذا المجتمع تغيرات سياسية وتقدمًا تكنولوجيًّا، وتصاعدًا في التنمية الاقتصادية، غير أنّه إضافة إلى ذلك نُواجَه بأخطار قديمة وحديثة، من أبرزها الإرهاب، وأسلحة الدمار الشامل، ومخاطر البيئة، والفقر والجوع والصراعات الحادة. وفي إطار مواجهتنا لهذا التحديات والمتغيرات، هناك شيء ثابت يتخطى الحواجز الجغرافية، وحدود الجنس واللون، وهو الدين، ولاشكّ أن له دورًا بارزًا في إضفاء روح المسؤولية وبث اليقين على القدرة على مواجهة المشكلات، نحن في حاجة للدين كمصدر من مصادر القوة، ومنبع من منابع اليقين"، وقد كانت إجابته عن سؤال ذكره أحد القسس من أن: "صلواتنا هي التي تساعد على تماسك العالم".[20]

 

البعد الديني للدولة التركية في ذاكرة الشعوب الإفريقية المسلمة

رأينا فيما مضى كيف استطاع الدين تشكيل الدول الغربية؛ لأن التدين فطرة مركوزة في النفس الإنسانية، تحتاج إلى من يستطيع أن يحركه، ويكيّفه، ويقدّمه لعامّة الناس؛ لكي يلتفوا حوله، لبناء حضاري راسخ، فقد توصَّل دارسو حضارات التاريخ إلى أن كلَّ حضارة من الحضارات كان مبناها الأول على أساس ديني وإيماني، وفي ذلك يقول هنري بريدجستون: "وُجِدت حضارات بغير بناء وعمار، إلاَّ أنه لم تُوجَد حضارة من غير معابد"، ويثبت هذا أن حركة الإنسان، لا يمكن أن تنطلق من أساس غير إيماني، سواء أكانت العقيدة حقيقة أم وهمًا، صحيحة أم باطلة؟

إنّ مشاهد البطولة الإسلامية الممزوجة بدماء المجاهدين العثمانيين راسخة في ذاكرة الشعوب الإفريقية، لا تغيب عن خيالها، وقد شكّلت الوجدان الإفريقي، ورسمت لوحة الودّ والحبّ والتقدير والاحترام لدولة الخلافة العثمانية، ولاسيّما فتح القسطنطينية، وتحقيق نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلم، بمكانة القائد الفاتح وجيشه، وهي تفتح باب التعاون والتواصل الأفروتركي، على مصراعيه، فالعلاقات الإنسانية المختلفة، حينما تقوم على أرض صلبة من الثقة، والإحساس بالأمان والاطمئنان، وتغذيها مياه الصدق والإخلاص، وتتسلّل إليها أشعة شمس الحق، تُنبِت شجيرات الخير، التي تمدّ أغصان التعاون وفروعها بعيدًا، لتثمر ثمار النماء والنهضة والتقّدم المتبادل بين الفريقين.

وسوف يتناول الباحث طائفة من هذه الصور الراسخة في ذاكرة الشعوب الإفريقية، وفي وجدانها، التي يمكن الاستفادة منها في تعزيز العلاقات الأفروتركية، وذلك فيما يأتي:

فتح القسطنطينية:

تُعَدّ القسطنطينية من أهم المدن العالمية، وقد أُسِّست في عام 330م على يد الإمبراطور قسطنطين الأول، ولها موقع عالمي فريد، حتى قيل عنها: "لو كانت الدنيا مملكة واحدة، لكانت القسطنطينية أصلح المدن لتكون عاصمة لها". ومنذ تأسيسها اتّخذها البيزنطيّون عاصمة لهم، وهي من أكبر مدن العالم وأهمّها.[21]

عندما دخل المسلمون الجهاد مع الدولة البيزنطية، كان لهذه المدينة مكانتها الخاصّة في ذلك الصراع ، ولذلك بشَّر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بفتحها في عدة مواقف، من ذلك: ما حدث في أثناء غزوة الخندق[22]؛ ولهذا تنافس خلفاء المسلمين وقادتهم على فتحها عبر العصور المختلفة؛ طمعًا في أن يتحقّق فيهم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: " لَتُفْتَحَنَّ القُسْطَنْطِينِيَّةُ، فَلَنِعْمَ الأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الجَيْشُ ذَلِكَ الجَيْشُ".[23]

لذلك تقدّمت نحوها القوات المسلمة المجاهدة، منذ أيام أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان في أولى الحملات الإسلامية سنة 44هـ، ولم تنجح هذه الحملة، وتكرّرت حملات أخرى في عهده، حظيت بالنتيجة نفسها.

كما قامت الدولة الأموية بمحاولة أخرى لفتح القسطنطينية، تمّت في أيام سليمان بن عبد الملك سنة 98هـ،[24] وتُعدّ هذه الحملة أقوى الحملات الأموية عليها.

واستمرت الحمَلات لفتح القسطنطينية؛ حيث شهد العصر العباسي الأول حملات جهادية مكثّفة ضد الدولة البيزنطية، لكنها لم تتمكن من الوصول إلى القسطنطينية نفسها وتهديدها، مع أنها هزّتها وأثّرت في الأحداث داخلها، وبخاصة تلك الحملة التي تمّت في أيام هارون الرشيد سنة 190هـ.[25]

وفي يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى من عام 857ه، الموافق لـ29 مايو 1453م، تحقّقت بشارة الرسول صلى الله عليه على يد الأمير محمد الفاتح.[26]

كانت عزيمة المسلمين الأصفياء قوية في فتح هذه المدينة، منذ القرون المفضّلة، وفي المقابل، قابل هذا العزمَ والتصميمَ على فتحها، إعجابٌ وإيمان ووفاء، ظل متأصّلًا طوال السنين والأزمان، في ذاكرة الشعوب الإفريقية المسلمة، يحرّك وجدانها، ويلهب عواطفها، ويثير كوامنها.

الدور العثماني في حماية الأراضي المقدسة (الحرمينِ الشريفينِ):

إنّ من أخطر الخطط الصليبية، وأكثرها إسرافًا في الحقد والعدوانية والوحشية- خطتهم لغزو الأماكن المقدسة في الحجاز، إذ كان البرتغاليون مندفعين بكلّ عنفوان وتصميم لدخول مياه البحر الأحمر، والانطلاق بعدها لاقتحام المسجد الحرام وهدم الكعبة ونبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، ثم التوجه للاستيلاء على بيت المقدس، لتكون المقدسات الإسلامية في حوزتهم.

وتمهيدًا لتنفيذ خطتهم في غزو الأماكن المقدسة في مكة والمدينة -بعد أن ثبتوا أقدامهم على سواحل الهند، وسواحل شرق إفريقيا، وأقاموا قواعد ثابتة لهم هناك- شرع البرتغاليون منذ عام 1505 لإرسال حملات للسيطرة على مفاتيح البحر الأحمر، والخليج، والبحر العربي، مثل عدن وهرمز والشحر وملقا، واحتلال نقاط ارتكاز لتحركاتهم على طول الخط التجاري، وتدعيمها بالقلاع اللازمة لحمايتها. تلتها حملة ثانية عام 1506م.[27]

وفي عام 1507 كان بدء ظهورهم في الخليج، واستيلاؤهم على هرمز، تبع ذلك احتلالهم عدة مناطق، كالبحرين والبصرة ومسقط ، وأنشأوا لهم قلاعًا محصنة، وحاميات عسكرية، كانوا ينطلقون منها لفرض سياسة القهر والتنكيل والعسف المبالغ فيه، من خلال استخدام القوة المفرطة ضد المسلمين.

وقد تصدّت لهذه المحاولات القوات العثمانية التي شارك فيها السلطان سليم الأول بنفسه، حيث أحبطت محاولتين للسفن البرتغالية في اجتياح ميناء جدة؛ كانت الأولى منهما عام 923 هجرية الموافق 1517م، والثانية بعدها بثلاثة أعوام 926 هجرية/ 1520م.[28]

وبعد أن رتّب السلطان سليم الأول أمر حماية الحرمين الشريفين، بإقامة حامية عثمانية دائمة في ميناء جدة، وأمّن طريق الحجاج، وعيّن الولاة لمصر والشام عاد أدراجه إلى إسطنبول، وكان في نيّته توجيه حملة بحرية إلى الهند، لضرب قواعد البرتغاليين هناك، لكن وافاه الأجل بَغْتةً عام 1520 عن واحد وخمسين عامًا. فكان على ابنه السلطان سليمان الأول القانوني 1520-1566 أن يواصل رفع راية الجهاد ضد الصليبيين والصفويين.

وكان من الطبيعي أن تتجه أنظار الدولة العثمانية إلى أرض الحجاز؛ نظرًا لمكانتها الدينية، لما حوته من مقدسات. وقد تناغمت هذه الرؤية العثمانية، مع رغبة شريف مكة بركات بن محمد الحسيني، في الدخول في ولاء الدولة العثمانية لحماية أراضي الحجاز، وتعيينه حاكمًا على مكة في ظلّ حكم العثمانيين. ومنذ ذلك الوقت صار اللقب الديني لسلطان الدولة العثمانية هو: حامي حِمى الحرمين الشريفين، وهو ما يشير إلى أن أرض الحجاز بمقدساتها كانت مصدر قوة للعثمانيين أيضًا. وقد أولى العثمانيون أرض الحجاز وأهلها عناية خاصة، فأعفت الرعايا من الضرائب، وأسقطت عنهم واجب الخدمة العسكرية.

 كما أنّ سلاطين الدولة العثمانية اهتمّوا بإرسال الأموال إلى أشراف تلك البلاد وعلمائها والقائمين على خدمة الحرمين، بل تعدّت تلك النفقة إلى القبائل التي تسكن بين الحرمين الشريفين، وكانت هناك قافلة الصرّة التي يرسلها السلاطين العثمانيون من العاصمة في الثاني عشر من رجب من كل عام إلى الأشراف والأعيان والفقراء ومجاوري مكة والمدينة، وهي هدايا مالية، فيها محصّلة الأموال الموقوفة على الحرمين[29].

الدور العثماني لحماية حجاج بيت الله الأفارقة:

وصلت الأساطيل البرتغالية الصليبية إلى الهند في أواخر القرن الخامس عشر، واتّخذت لها مراكز ثابتة هناك، ومن ثَمّ راحت سفنها تنطلق منها للانقضاض على سواحل المسلمين، وإغراق سفن الحجاج في البحر، ومهاجمة السفن الإسلامية والشرقية بلا هوادة.

وخلال سنوات 1502- 1507 اجتاح فاسكو دي غاما ودالبوكركي وغيرهما من مشاهير الأميرالات البرتغاليين شواطئ المحيط الهندي، فاستولوا على السفن التجارية، وأحرقوها بمن عليها من الحجّاج المسلمين، فقُتِل المئات وتشوّه الآلاف. كان البرتغاليون يجدعون أنوف السبايا من النساء من دون رحمة، أمّا الرجال فكانوا يَجدعون أنوفهم ويَبترون أيديهم اليمنى.

اعتنى سلاطين الدولة العثمانية أشدّ العناية بالحجّ إلى بيت الله الحرام، وأمّنوا طريق الحج، ووفّروا سبل الراحة والأمان لحجاج بيت الله، وأرسل السلاطين الأموال إلى بلاد الحرمين تحت حراسة الحاميات العثمانية.

 

منع اليهود من الاستيطان في سيناء:

لما فتح السلطان سليم الأول مصر عام923هـ- 1517م أصدر فرمانًا بمنع اليهود من الهجرة إلى سيناء، وأوضح في إصدار هذا المرسوم، بأن اليهود كانوا يريدون الهجرة إلى هذا الإقليم المصري واستيطانه، على أساس أنه يضمّ الوادي المقدس طُوى، الذي كلم الله سبحانه وتعالى فيه موسى عليه السلام تكليمًا؛ لهذا أصدر السلطان سليم الأول الفرمان، الذي سدَّ الطريق في وجوه اليهود. ولما تولّى ابنه سليمان القانوني عرش الدولة عام 926 هـ/ 1520م أصدر فرمانًا لاحقًا، أكّد فيه ما جاء في الفرمان السابق، وهذا يدلّ على أن الخطر اليهودي كان لا يزال ماثلًا من حيث رغبتُهم في استيطان سيناء، واستعمارهم لها، وهذا كان يقلق الدولة العثمانية.

الجهاد العثماني الصومالي ضد التحالف الحبشي البرتغالي

وفي حين تكفّل المغول المسلمون الذين قدموا من آسيا الوسطى بالقضاء على مملكة فيجايانجار الهندوسية، وتكفّل الصوماليون والعرب في الجهاد ضد مملكة أكسوم الحبشية- أخذ العثمانيون يناضلون ضد البرتغاليين في المحيط الهندي، وقامت القوات البحرية العثمانية بأربع حملات بحرية كبرى لتأديب البرتغاليين في المحيط الهندي: كانت الأولى عام 1538م، وكانت نتائجها: الاستيلاء على عدن وأجزاء من اليمن، ومحاصرة قلعة ديو في الهند، والثانية عام 1551م، والثالثة عام 1552، والرابعة عام 1557 وانتهت بتدمير الأُسطول البرتغالي في شرقي إفريقيا، وتأسيس ولاية الحبش العثمانية.

وتستمدّ هذه الحملات أهميتها من أهمية مضيق باب المندب وسواحل البحر الأحمر بالنسبة للإستراتيجية العثمانية لحماية الحرمين الشريفين. ومن خلال هذه الحملات البحرية نجح العثمانيون في إقفال مضيق باب المندب نهائيًّا في وجه الأساطيل الأوروبية، وتحويل البحر الأحمر إلى بحيرة إسلامية عثمانية، يحظر الإبحار فيها إلا للأسطول العثماني، وبذلك أمّنوا الحرمين الشريفين من الصليبيين، واستمر الحال كذلك حوالي أربعة قرون.[30]

الدولة العثمانية والتصدّي للغزو الصليبي البرتغالي الإسباني

ترتّبَ على سقوط القسطنطينية في يد العثمانيين عام 1453، وتوغّلهم في البلقان- انفجار براكين الغضب والحقد الديني في نفوس المسيحيين الأوروبيين تجاه المسلمين، وبخاصة لدى البابوية في روما. تحت ضغوط المشاعر العدوانية الملتهبة والمشوبة بالخوف، الذي أثاره التهديد العثماني الزاحف على أوروبا من الغرب. أخذ البابا، وقادة الممالك الأوروبية، وزعماء الكنيسة الكاثوليكية، يفكرون، لا في كيفية نقل المعركة بعيدًا عن ديارهم فقط، بل في كيفية توجيه رد صاعق للمسلمين في قلب بلادهم، وفي عقر دارهم، من حيث لا يحتسبون.[31]

ولم يكن أمام الممالك والقوى الصليبية المتحفّزة آنذاك -وعلى رأسها البرتغال وإسبانيا- سوى وسيلة واحدة لذلك، هي: المغامرة، وركوب الأمواج العاتية، والانطلاق عبر البحار والمحيطات؛ وصولًا إلى الشرق، حيث الإسلام عدوّهم اللدود.

كان البرتغاليون هم الذين سبقوا الجميع لتلبية هذا النداء، وأعلنوا الاستعداد للتحرّك عبر البحار للوصول إلى الهند وإلى قلب ديار المسلمين منذ منتصف القرن الخامس عشر الميلادي/ التاسع الهجري؛ أي بعد الفتح العثماني للقسطنطينية بقليل.

ولم يلبث البرتغاليون حتى انطلقوا إلى هدفهم مشبَعين بالحقد والكراهية، ومزوَّدين بصكوك الغفران وببركات البابا التي رفعت طاقاتهم المعنوية إلى ذروتها، وزادت من تعصبهم المحموم، ومن نزوعهم الإجرامي، وأغرتهم أكثر فأكثر للمخاطرة بأرواحهم؛ لتحقيق الهدف المقدّس الذي أُوكِل إليهم تحقيقه، وهو تصفية الحساب وبشكل نهائيّ مع الإسلام، بتوجيه ضربة قاتلة إليه من الخلف، والعمل على سحقه، مستفيدين من الفارق التقني الذي تحصّلوا عليه .ومن هنا فقد كانت أساطيلهم ترفع شعارًا مكونًا من ثلاث كلمات: الإنجيل والمجد والذهب.

وفي سبيل تحقيق هذا المخطط الصليبي الخبيث -وهو ضرب الإسلام في مهده- لم يكتف البرتغاليون بالاعتماد فقط على أساطيلهم ومدافعهم وأسلحتهم النارية المتطورة، وعلى روح المغامرة والحماس الديني لدى قراصنتهم المتوحشين الهمجيين- بل عمدوا أيضًا إلى التحالف مع ثلاث قوى أساسية في المنطقة المحيطة بالعالم الإسلامي، هي: دولة فيجاياناجار الهندوسية في الهند، والدولة اليعقوبية في الحبشة في شرق إفريقيا، والدولة الصفوية الشيعية في إيران[32].

وفي هذه الفترة ظهرت قوة إسلامية في مغرب الوطن العربي، يقودهما القائدان المغربيان: خير الدين -المعروف عند الأوربيين باسم باربا روسا- ذو اللحية الشقراء، وأخوه عروج. ولخير الدين باربا روسا يرجع الفضل الأول في سيطرة العثمانيين على المغرب العربي، وذلك عندما طلب مساعدة الدولة العثمانية لطرد الأوربيين، بعد حصوله على موافقة أهالي الجزائر على ذلك، عقبَ ذلك أعلن أن الجزائر تابعة للدولة العثمانية في عام 1518م، فمنحه السلطان العثماني لقب بكلربكي، ومنذ ذلك الوقت أصبحت الجزائر ولاية تابعة للدولة العثمانية، وهو ما ساعد على إنقاذ بقايا المسلمين في الأندلس، وكان الأوربيون قد نقلوا الحرب التي كانت في الأندلس ضد المسلمين إلى الشمال الإفريقي، وذلك لتعقبهم المسلمين الذين فرّوا بدينهم من الأندلس، على أثر انهيار الدولة العربية الإسلامية هناك.

أما عروج الذي اشتهر أيضًا بحمايته للسواحل المغربية، ويسميه بعض المؤرخين عروج تركيا، وهو من سكان بحر أرخبيل، فإنه قاد عدة هجمات ضد الأوربيين لمساعدة المسلمين الفارّين من الأندلس وأنقذ الكثير منهم[33].

الدور العثماني لمواجهة التحالف البرتغالي الصفوي الشيعي:

يُعَدّ التحالف البرتغالي الصفوي الشيعي التحالف الأكثر خطورة والأكثر ضررًا بالمسلمين؛ لأن الصفويين لم يكونوا يتربّعون على عرش إمارة صغيرة، بل كانوا يحكمون إمبراطورية مترامية الأطراف، تمتدّ من جبال تورا بورا في قندهار إلى هجر والقطيف في شرق جزيرة العرب، مرورًا بإيران في حدودها الحالية كلّها، وأذربيجان وأرمينيا والعراق، وكانوا شديدي العداء لأهل السنة، وكلِّ ما يرمز إليهم. ومن هنا جاء تحالفهم مع البرتغاليين والقوى الصليبية الأخرى، مع مخططاتهم الشريرة ضد الإسلام، وضد الحرمين الشريفين.

عمل الصفويون بكلّ حماس لتسهيل مهمّة الأساطيل البرتغالية في دخول الخليج، هذه الأساطيل التي كانت تقتل المسلمين بدون رحمة، فتقطع الأيدي وتجدع الأنوف وتغرق سفن الحجّاج، إضافة إلى تسهيل مهمّتهم في السيطرة على مضيق هرمز، والتحكّم بمصير خطّ التجارة المارّ بالبصرة- بغداد- حلب إلى الموانئ الشامية، مقابل تعهد البرتغاليين بمساعدة الصفويين في حروبهم ضد العثمانيين، وأيضًا في إعانتهم في تحقيق طموحهم في الاستيلاء على الحجاز ومصر والشام، بعد أن كانوا قد سيطروا على بغداد في عام 1508 وفعلوا فيها الأفاعيل.

وبفضل التحالف مع الشاه إسماعيل الصفوي ثم ابنه طهماسب نجح البرتغاليون في السيطرة التامّة على تجارة الخليج، وعلى حركة الملاحة فيه، منذ أن نجح البوكيرك في الاستيلاء على هرمز في أواخر سنة 1507، وبصفة خاصة منذ أن دعم نفوذه هناك سنة 1515 بعقد معاهدة التحالف بينه وبين الشاه الذي تنازل بمقتضى هذه المعاهدة عن سيادته الاسمية على هرمز للبرتغاليين، ومنذ ذلك الوقت أخذت مراكب الفرنجة التي تقلّ البرتغاليين تجوب مياه الخليج بدون أي عقبات.

والحقيقة أن القوة الإسلامية الوحيدة التي كان البرتغاليون يحسبون حسابها هي قوة العثمانيين؛ لذلك ربما أرادوا من وراء تحالفهم مع الصفويين أن يوجّهوا للدولة العثمانية من خلالهم، طعنة نجلاء في خاصرتها، تحول بينهم وبين مواصلة فتوحاتهم في شرق أوروبا من جهة، وبين التحرك لمواجهتهم في البحار والمحيطات الجنوبية، من جهة أخرى.

وبعد أن ثبت عدم قدرة المماليك سلاطين مصر والشام، على التصدّي للخطر البرتغالي في البحار الإسلامية الجنوبية، وعلاقتهم المشبوهة مع الدولة الصفوية الشيعية التي كانت تتآمر مع البرتغاليين ضد الدولة العثمانية- اتّعظ المماليك لليد العثمانية الممدودة إليهم، ورأى السلطان العثماني سليم الأول أنه لا بدّ أن يتحرّك قبل فوات الأوان، فأسرع بسحب الجيوش العثمانية التي كانت موجودة في البلقان وشرق أوروبا، للزحف نحو الشرق.

وفي عام 1514، تقدّم السلطان سليم الأول الرهيب على رأس جيشه نحو إيران، فكسر أنياب الغول الصفوي الشيعي، وقلّم أظفاره في معركة جالديران، وقذف بمن تبقى منهم إلى ما وراء تبريز. وبعد عامين استأنف التحرك نحو بلاد الشام، فسحق قوات المماليك في معركة مرج دابق سنة 1516،  وفتح بلاد الشام ومصر، وشنق آخر المماليك، وأصبح وجهًا لوجه أمام البرتغاليين.[34]

 

مجالات التعاون الأفروتركي ورؤى المستقبل

 

إن ما أوردناه في المبحث السابق من أبعاد دينية تختزنها ذاكرة الشعوب الإفريقية، وهذه المشاعر الفياضة، والذاكرة المتَّقدة بزيت الإيمان، والروح المتوثّبة للحق والفضيلة- خير جسرٍ، تعبر عليه علائق التعاون، وروابط الأُخوّة، ووشائج التواصل- بين تركيا الجديدة والشعوب الإفريقية التي على وجوهها علامات الرضا، وشارات القبول؛  كأنها تقدّم فروض الولاء والبراء، لمن رفع راية التوحيد، لما يزيد على ستة قرون في خلافة إسلامية راشدة.

إن تركيا الجديدة دولة محورية على الصعيدين الدولي والإقليمي، وفي مجالات مختلفة دبلوماسية، وإنسانية، وثقافية، وهي بهذه الصفة تتلمّس موقعها بوصفها دولة عضوًا في مجموعة العشرين الـG20، وبغيرها من الاعتبارات، ولاسيّما في العمق الإفريقي، فلابدّ من أن تنفتح على إفريقيا بإستراتيجية وسياسة مدروستين. 

إنّ استكمال سياسة الانفتاح على إفريقيا ودعمها يتطلبان توظيف هذا البعد الديني، توظيفًا سليمًا؛ لكي يؤدّي الدور المنوط به على أكمل وجه، في دفع عجلة التعاون المشترك، وتعزيز العلاقات الأفروتركية. ويمكننا أن نلخّص هذه العلاقات في المجالات الآتية:

  1. مجال المساعدات الإنسانية:

إنّ المساعدات الدولية للتنمية عنصر لا غنى عنه من عناصر السياسة الخارجية التركية. فبينما تتوسّع تركيا في أنشطة التعاون الإنمائي جغرافيًّا، ومن حيث نوعية برامج التنمية- فإنّ سياسة المساعدات الناجحة لتركيا لاقت رواجًا؛ بسبب استجابتها وتفاعلها السريع مع الأزمات العالمية، ولاقت اهتمامًا عالميًّا. وقد أصبحت تركيا أكبر رابع مانح لمساعدات التنمية، وأكبر ثالث ممول للمساعدات الإنسانية والمعونات في عام 2012، بتقديمها الدعم لتنمية 131 بلدًا، على أنها بلدان مستفيدة من المعونة في عام 2011؛ فأصبحت في عام 2014م الأولى في العالم في جانب المساعدات الإنسانية.

تمثّل المساعدات والتجارة أهم أسس التعاون التركي- الإفريقي، وعلى سبيل المثال سعت تركيا إلى إنشاء قواعد اقتصادية في جيبوتي، بدلًا من قواعد عسكرية، حيث تُعَدّ جيبوتي من أكثر الدول الإفريقية أهمية من الناحية الإستراتيجية الجغرافية؛ لهذا تجد فيها قواعد عسكرية لدول عدة، على رأسها فرنسا واليابان.

  1. مجال التعليم والثقافة:

تحتاج العلاقات الأفروتركية إلى الدعم؛ وذلك بزيادة إشراك الدول الإفريقية في الندوات والفعاليات الثقافية التركية، وإقامة حوار تركي إفريقي؛ بهدف تقليل الفجوة الثقافية، وخلق موقف موحّد إزاء ما يُسمَّى بصراع الحضارات، وإقامة مراكز ثقافية في كلا الجانبين، وزيادة برامج تعليم اللغة التركية في الدول الإفريقية.

  1. مجال التبادل التجاري:

يشير محللون إلى أن هناك بعدًا استراتيجيًّا، لنقل العلاقات بين إفريقيا وتركيا من التعاون والتبادل إلى مستوى التكامل وتبادل المصالح، وبخاصة أن تركيا لديها إمكانات لزيادة الاستثمار في الخارج؛ من خلال اقتصادها الديناميكي، وسعة حجم سوقها الداخلية، إضافة إلى قدراتها الصناعية العالية، والقوى البشرية المؤهّلة التي تمتلكها، فضلًا عن أن السوق الإفريقية تُعَدّ سوقًا واسعة للمنتجات التركية.

 في المقابل، يمكن أن تؤدي دول إفريقيا دورًا مهمًّا في تأمين واردات تركيا، وخصوصًا في قطاعي الزراعة والمعادن، مقابل استفادتها من الخبرات والتجارب التي تمتلكها تركيا، وتقاسمها على أساس النفع المشترك للطرفين.

وفي هذا المنحى يقول المحلّل والباحث الاقتصادي محمد حبيب، نائب رئيس جامعة أديس أبابا في إثيوبيا: "إن الشراكة الاقتصادية بين تركيا وإفريقيا بدأت تقترب من تحقيق الأهداف التي اتُّفِق عليها في القمة الأولى للشراكة الإستراتيجية بينهما" مشيرًا إلى أن حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول القارة بلغ 23.4 بليون دولار في عام 2014، فيما بلغ حجم التبادل بين تركيا ودول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى 5.7 مليارات دولار، وهذا ارتفاع كبير مقارنة بحجم التبادل التجاري المسجّل بين تركيا ودول إفريقيا في عام 2003 الذي بلغ حوالى 5.4 مليارات دولار.

  1. مجال الاقتصاد:

بواطن إفريقيا حُبلى بالثروات، ومعظم أراضيها لا تزال بَكرًا، وغناها من المحاصيل النَّقدية، كالقطن ونخيل الزيت والكاكاو، وغيرِها من المحاصيل التي يمكن الاستفادة منها اقتصاديًّا عبر العديد من المجالات الاقتصادية، فالفرصة سانحة. وإنّ مصداقية تركيا، وعدم إضمارها أغراض باطنية، يعزّزان من نجاح هذه الفرصة، على عكس العقد التاريخية التي تعكّر علاقات شعوب القارة مع باقي الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية، الملوّثة أيديها بدماء الأجداد، وسياط الجلّاد.

  1. مجال النفط والغاز:

تكمن عُقَد تركيا في الأمس والحاضر والمستقبل القريب -إن لم يحدث تغيير- في النفط؛ فتركيا الناهضة التي تستورد 90% من احتياجاتها من النفط والغاز، ممّا جعل الحاجة إلى الطاقة إحدى الثغرات التي تتسرب منها رياح "التردد" إلى متّخذ القرار التركي- ترى في مشروعَي النفط والغاز جزءًا من حلّ طويل الأمد لمشكلاتها الطاقوية المزمنة.

إن هذه المجالات التي ذُكِرت على سبيل المثال لا الحصر، تتضافر مع غيرها، في تهيئة فرص التعاون المشترك، وإقامة جسور التواصل، وعلاقات التداخل، فهي بهذه الصورة تُعَدّ وسائل في الوقت ذاته؛ لكي يستفيد الطرفان بما يتمتع به كلّ طرف من ميزات وموارد وإمكانات، لا لمجرد البقاء في عالم أصبح يقوم على التكتلات الاقتصادية، والفكرية، والعسكرية وغيرها، بل للمشاركة في صناعة الأحداث، وحفظ توازن القوى.

  1. الزراعة:

لتركيا خبرة في النواحي الزراعية، جعلتها الدولة الأولى لدول شرق أوربا، والسابعة على المستوى العالمي في النواحي الزراعية، وهذا يجعلها تنتقل جنوبًا نحو القارة الإفريقية الغنية بالأراضي الخصبة، والمياه المتوفرة طول العام.

 

وسائل تعزيز العلاقات الأفروتركية

  1. التمثيل الدبلوماسي

التمثيل الدبلوماسي بشقَّيْهِ الرسميّ والشعبيّ:

  • الدبلوماسية الرسمية:

  على أنقرة في إطار رغبتها لتصبح لاعبًا سياسيًّا في إفريقيا، لحلّ المشكلات المزمنة في القارة الإفريقية أن تولي اهتمامًا كبيرًا، بتوسعة حضورها الدبلوماسي في البلدان الإفريقية؛ فالتمثيل الدبلوماسي يُعَدّ قنطرة تواصل، ونافذة تداخل، لا غنى عنها في سبيل تعزيز العلاقات بين تركيا والأقطار الإفريقية، من خلال افتتاح المزيد من السفارات والقنصليات.

  • الدبلوماسية الشعبية:

الدبلوماسية الشعبية أصبحت وسيلة لا غنى عنها في طريق تمتين العلائق بين الشعوب، فوجوه الدبلوماسية الشعبية كثيرة ومتعددة.

  1. آلة الإعلام

لا يخفى على أحد أنَّ الإعلام سلاح ماضٍ، فمن امتلك هذه الوسيلة، ضمن وجودًا في نادي العمالقة، وحفظ كيانه وكينونته، من التبعية والانصهار، وأولى خطوات الاستفادة من هذا المجال الحيوي، في سبيل تعزيز العلاقات الإستراتيجية الأفروتركية، هي اعتماد اللغات الإفريقية في وسائل الإعلام التركية؛ لضمان انطلاقة جيدة للتعاون السمعي البصري بين إفريقيا وتركيا.

ويكمن تفعيل ذلك من خلال تشكيل فريق مكوّن من مهنيين إذاعيين أتراك وأفارقة؛ للتفكير حول مشروع فتح أقسام بلغات إفريقية في إذاعة صوت تركيا؛ وتعزيز هذه الأقسام في مرحلة أولى بطلبة أفارقة، يدرسون حاليًّا في تركيا ممن يُجيدون في لغاتهم المحلية واللغة التركية جميعًا.

كما يمكن أن يتعلّم مهنيو وسائل الإعلام الأفارقة -الذين سيشكلون مع المهنيين الأتراك النواة الصلبة لهذه الفرق- اللغة التركية بسرعة في الجامعات التركية، ويتعلم نظراؤهم الأتراك اللغات الإفريقية في جامعات القارّة.

  1. الرياضة جسر للتواصل ومعبر للتداخل

منذ القدم والإنسان يبحث عن وسيلة للتعارف والتقارب بين الشعوب، وقد وجد العديد من الوسائل كالفنّ والموسيقى، لكن الرياضة تبقى أحد أهم الوسائل لتوطيد العلاقات بين الشعوب، لما فيها من تنافس شريف بين شعوب العالم. إنّ الرياضة أحد الجسور الذي يربط الشعوب ببعضها، فالرياضة جسر محبة وتواصل بين الشعوب؛ لما تحمله من أهداف قيمة، وترويح عن النفس، فهي تزيل كلّ المطبات والعقبات، وتوطّد العلاقات بين الشعوب؛ لذا فالرياضة كثيرا ما تُصلح ما أفسدته السياسة وتخبطاتها.     

وقد أُنشِئت الرياضة في الأصل لتمتين العلاقات بين الشعوب، وفتح قنوات اتصال غير رسمية بين البلدان، التي توجد بينها خلافات سياسية، أو ترغب في إقامة علاقة إستراتيجية بينية. فالرياضة بأنواعها كافة لها دور عظيم في التقريب بين الشعوب وتنمية العلاقات بينها، وتُعدّ الرياضة لغة مشتركة بين الشعوب بمختلف أجناسها وألسنتها، فهي تجمع الشعوب ببعضها، رغم اختلافهم فيما سواها، وهي قبل كلّ شيء محبة وتآخ ومودة بين الشعوب.

والدول الإفريقية، ولاسيّما في غرب القارة تعشق الرياضة إلى درجة الوله؛ كأنّ بها تتنفس رئتها، وينبض قلبها. وكثير من أبناء القارة محترفون في مجال كرة القدم، ويشاركون في الدوريات الأوربية المختلفة، ولاسيّما في الدوريات الفرنسية، وهذا سهّل التواصل والتداخل بين تلك الدول وفرنسا على وجه الخصوص. كما أنّ الاستثمار في مجال كرة القدم قطع أشواطًا بعيدة هنا هناك، وهي بهذه الصورة موطئ قدم كبير، وحضور مهمّ في خريطة العلاقات بين الشعوب.

وتركيا تكاد تكون غائبة تمامًا في هذه الساحة، والمضمارِ المهمِّ، في سبيل تعزيز العلاقات، وبناء الإستراتيجيات المتكاملة، وقد رأينا كيف كانت أنظار الشعوب الإفريقية تتجه نحو تركيا حينما كان اللاعب الكميروني روبرت سونغ محترفًا في الدوري التركي.[35]

يقترح الباحث على تركيا -بل يدعوها- من خلال هذه الورقة البحثية أن تلج عالم كرة القدم الإفريقية خاصة، والرياضة على وجه العموم، على المستويين الرسمي والشعبي، والقطاعين العام والخاص، لتحقيق العديد من الأهداف، نلخِّص بعضًا منها فيما يأتي:

  • توفير مزيد من فرص التواصل والتداخل وتعزيز العلاقات.
  • الاستفادة من المهارات الإفريقية في تقوية الدوري التركي.
  • الاستثمار في مجال صناعة اللاعبين، وهي اليوم تجارة رائجة ورابحة.
  • امتلاك الأندية الرياضية الإفريقية الكبرى.
  1. الفن والموسيقى

الشعوب الإفريقية، منذ أن عاشت على هذا الكوكب، كان للفن مكان في حياتها، فهي تقرع الطبول للحرب، ولحصد الزرع، وفي أفراحها، وفي طقوسها الجنائزية، وغيرها من ضروب الحياة المختلفة، فالفن والموسيقى جزء لا يتجزأ من المكوّن الإفريقي، والعلاقة بينهما عضوية.

والفنون الإٍسلامية يجمعها أنها تهدف إلى تحقيق رسالة واحدة، وهذه الحقيقة تجعل أشكال التعبير فيها متماثلة؛ وسواء أكان فن العمارة أم فن التزيين والزخرفة أم فن السيراميك وأشغال المعادن، أم فن الدِّمَقْس والسجاد- فإن تلك الفنون الإٍسلامية كلها تؤكّد محتوى مجردًا تنقله بطريقة غير روائية، ونُظهر صورًا مقتبسة من الطبيعة أو وفق نموذجها، مما يؤدي إلى التركيز على فن الخطّ، وعلى الأنماط الهندسية، والأشكال النباتية المشكّلة وفق ما في الطبيعة.[36]

كما أنّ الغزو الفني القادم من الغرب دلف من باب آخر فتحته العناصر المحافظة في المجتمع الإٍسلامي، بإهمالها الفنون، بل واستنكارها لها. فعندما قامت تلك القوى باعتبار كل أشكال المتعة النفسية أو الإٍمتاع الجمالي أمرًا منكَرًا أو حرامًا، فإنها استبعدت بذلك دور الفنون الأصيلة، وتركت فراغًا لا يملؤه إلا ما يأتي من الخارج.

إن الثقافات المعروفة في تاريخ الجنس البشري كلّها أنتجت تراثًا فنّيًّا يرتبط بمعتقداتها الجوهرية في العمق، في كثير من الوسائل التي تتّسم بالوضوح والدقة. إن الأمريكيين يُولون التبادل الثقافي والديبلوماسية الثقافية اهتمامًا كبيرًا، علمًا أنه لا توجد في أمريكا وزارة ثقافة، كما هو الحال في معظم دول العالم، لكنّ هناك فرعًا لوزارة الخارجية يعزّز الثقافة في الخارج، ويجتذب الزوّار إلى الولايات المتحدة لتبادل الثقافات.[37]

 

خاتمة

بعد كلّ قدّمه هذا البحث لبيان مكانة الدين في حياة الإنسانية عمومًا والشعوب الأوربية الكبرى خاصة، وبعد استقراء الصورة الذهنية لذاكرة الشعوب الإفريقية المسلمة- توصّل إلى عدة نتائج، منها أنّ الأساس الديني جزءًا أساسيًّا لكل الحضارات، وأنّ مشاهد امتزاج دماء المجاهدين العثمانيين راسخة في ذاكرة الشعوب الإفريقية، لا تغيب عن خيالها، إذ شكّلت الوجدان الإفريقي، وأنّ الصورة الذهنية الإفريقية لتركيا خصبة ومشجّعة لبناء علاقات أفروتركية قويّة. كما تُعدّ المساعدات الإنسانية والتجارة أهم أسس التعاون الأفروتركي.

تحتاج تركيا إلى جهود كبيرة في مجال النفط والغاز، حتى تمزّق تكاليف الاستيراد الباهظة، ويمكن أن تكون الاستثمارات التركية في إفريقيا في مجال النفط رافدًا للأمن النفطي التركي، كما تمتلك تركيا خبرة طويلة في مجال الزراعة تتيح لها فرصة كبيرة للاستثمار في هذا المجال، إضافة إلى مجالات الرياضة والفن التي تُعَدّ وسائل مهمّة لتعزيز العلاقات الأفروتركية.

الهوامش والمصادر:

 

 

[1] عبد الفتاح محمد ماضي، الدِّين والسياسة في إسرائيل، مكتبة مدبولي، ط1، 1999م، ص194.

[2]   المرجع السابق نفسه، ص: 105.

[3]  المرجع السابق، ص195.

[4]  رشاد عبد الله الشامي، القوي الدينية في إسرائيل بين تكفير الدولة ولعبة السياسة،(د.م)، 1404هـ- 1994م، ص29.

[5] عمر كيلاني، المنشأ الأوروبي للصهيونية ومراحل تهويدها، موقع الحياة على الشبكة الدولية للمعلومات الإنترنت بتاريخ 1-1-2004م.

[6]  عماد الدين خليل، خرافات العلمانية، دار التراث، بيروت، ط2، 1994م، ص32.

[7] عبد العزيز مصطفى كامل، قبل أن يُهدَم الأقصى، مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 1989- 1409هـ، ص159

[8] شكيب أرسلان من الأسرة الشوفانية في لبنان، كاتب، وشاعر ومؤلّف، لُقِّب بأمير القلم، عاصر  أمير الشعراء أحمد شوقي، من كتبه: الحلل السندسية. توفي عام 1946م. (رضا كحالة، معجم المؤلفين، 1/52).

[9]  شكيب أرسلان، لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟ ط1، 1965م، ص147.

[10]  خرافات العلمانية، مرجع سابق، ص39.

[11]  مصطفى حلمي، حضارة العصر... الوجه الآخر، دار الدعوة، ط1، 1421هـ-2001م، ص56.

[12] صحيفة الأهرام الصادرة بتاريخ 12/6/1986م، نقلًا عن: خرافات العلمانية، مرجع سابق، ص40.

[13] وتُدعَى السيدة بلانش دوغايل.

[14]  مصطفى حلمي، مرجع سابق، ص58.

[15] الأصولية: حركة ظهرت عام 1909- 1919م بالولايات المتحدة الأمريكية، وقد نشر معهد لوس أنجلوس عام 1917م مقالًا كتبه القس توري، الذي رأى في التحديث والعلمانية خطرًا يهدّد الرسالة التاريخية للكنيسة. انظر: المسيري، الموسوعة، مرجع سابق، 1/192.

[16] يوسف الحسن، السياسة الأمريكية تجاه الصراع العربي- الصهيوني، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، فبراير 1990م،  ص70.

[17]مكتب البيت الأبيض للأديان، انظر كتاب: Giving USA 2002/p98 ، نقلًا عن محمد بن عبد الله السلومي، دكتور القطاع الخيري ودعاوى الإرهاب الصادر عن مجلة البيان، الرياض 1424هـ، ط2، ص305.

[18] لمزيد من التفصيلات حول التزام الرؤساء الأمريكان بالنبوءات وإظهار الجوانب الدينية والعقَدية التي تؤمن بالصهيونية المسيحية- راجع: الصهيونية غير اليهودية: رجينا شريف، والنبوءة والسياسة: جريس هاسل، والصهيونية المسيحية: محمد السماك، ومن أجل صهيون: د. فؤاد شعبان، وعقيدة اليهود في الوعد بلفسطين: محمد بن علي بن محمد آل عمر.

[19] يوسف الحسن، مرجع  سابق، ص71.

[20]  المرجع السابق نفسه، ص59.

[21] أكرم ضياء العمري، المجتمع المدني، ص115.

[22] أحمد في مسنده 4/335.

[23] أحمد في مسنده 4/335.

[24] ابن خلدون، 3/70.

 [25]انظر: الطبري، تاريخ  الأمم والملوك، دار الفكر، دمشق، 10/69، والكامل في التاريخ لابن الأثير 6/185-186.

[26] محمد علي الصلابي، الدولة العثمانية: عوامل النهوض وأسباب السقوط، دار ابن الجوزي، القاهرة، ط1، 1428هـ- 2007م، ص75-95.

[27] أحمد عبد الرحيم مصطفى، في أصول التاريخ العثماني، دار الشروق، القاهرة، ط2، ص48.

 [28]المرجع السابق نفسه، ص51.

 [29]المرجع السابق، ص52.

[30] علي حسون، الدولة العثمانية وعلاقاتها الخارجية، المكتب الإسلامي، دمشق، ط1، 1400هـ-1980م، ص111.

[31] أحمد سالم، إستراتيجية الفتح العثماني، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، مصر، ط1، 2012م، ص139  وما بعدها بتصرف.

[32] المرجع السابق، ص: 138.

[33] المرجع السابق، ص: 145.

[34] المرجع السابق، ص150 وما بعدها بتصرف.

[35] من مواليد1 يوليو 1976 في نكانغليكوك في الكاميرون، لاعب كرة قدم كاميروني، كان يلعب في صفوف أندية ميتز، ثم ليفربول، ثم وست هام يونايتد، ثم نادي كولن، ثم نادي لنس، ثم لعب في الدوري التركي مع غلطا سراي، وطرابزونسبور، المواسم: 2005-2008م مع غلطة، 2008م- 2010م مع نادي طرابزنسبور.

[36] انظر فتوى شيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوت عن الموسيقى في كتاب "الفتاوى"، القاهرة: دار الشروق 1960م، ص355-359, وفتوىٰ يوسف القرضاوي عن الفنون المختلفة في كتاب: الحلال والحرام في الإٍسلام, الفصل الثامن من الباب الثاني, والفصل الثالث من الباب الرابع, ومقال لويز لمياء الفاروقي: الموسيقى والموسيقيون في ميزان الشريعة، مترجم مجلة المسلم المعاصر، السنة 11 ، عدد 43، أبريل 1985، ص111-140، خاصة الصفحات 131-134.

[37] Reed, Herbert. The Meaning of Art. New York: Praeger publishers, 1972 P. 83.


ملصقات
 »