رؤية تركية
أفكار متحدية

الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

التنافس الروسي الصيني على القارة الإفريقية

التنافس الروسي الصيني على القارة الإفريقية

التنافس الروسي الصيني على القارة الإفريقية

ملخص يشهد العالم اليوم الكثير من التحوّلات في نمط الحكم وإستراتيجيات البقاء، إذ برزت التعددية القطبية في النظام الدولي من خلال جلّ التنافسات بين  مختلف الأقطاب على اختلاف درجات قوّتها في مختلف مناطق العالم، وبخاصة تلك الغنية بالموارد الطبيعية والأولية، وتعدّ القارة الإفريقية إحدى المناطق التي عرفت عدّة تنافسات دولية لأجل الاستحواذ على نصيب وافر من ثرواتها المعدنية الثرّية، ومن بين تلك الدول التي تتنافس على القارة الإفريقية روسيا والصين، هذان العملاقان اللّذان يتحرّكان بسرعة صوب القارة الإفريقية من خلال اتّخاذ عدة سياسات، وتطبيق عدة إستراتيجيات، كل واحدة مختلفة عن الأخرى، لكن المتّفق عليه هو الحصول على ثروات القارة السمراء ومواردها، ولاسيّما النفط الذي يُعَدّ في المستقبل بديلًا عن نفط الشرق الأوسط.

يُعَدّ التنافس الروسي الصيني على القارة الإفريقية تنافسًا اقتصاديًّا بخلفية سياسية، يظهر هذا من خلال رغبة الروس والصينيين بجعل القارة الإفريقية خط الدفاع الأول عن حدودهما الجيوستراتيجية، باعتبار أن القارة الإفريقية تتوسط العالمين القديم والجديد، فمع بداية الألفية الجديدة تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من الوصول إلى حدود الدولتين: روسيا والصين، عبر أفغانستان، وأوكرانيا، وجورجيا، وهو الخطر الذي استشعره الروس.

       من هذا المنطلق لابدّ من إعادة رسم خطوط التماس، ويبدو أن القارة الإفريقية تملك المواصفات المواتية لتحقيق ذلك، ويُعَدّ أسهل المناطق تغلغلًا في ذلك: القرن الإفريقي، والساحل الإفريقي غرب إفريقيا، ويمكن ترشيح منطقة البحيرات الكبرى كذلك، ومن ثَمّ هناك أرضية خصبة للتغلغل في القارة الإفريقية؛ لما تشهده من توترات ونزاعات محتدمة، وهو الأمر الذي تستثمر فيه الصين بقوة، مع عوائد ضئيلة جدًّا، مقارنة بما تقدّمه القارة من امتيازات متعدّدة للصين.

لذا ستتناول هذه الورقة البحثية التنافس الروسي الصيني على القارة الإفريقية من خلال استعراض آليات الوجود الروسي في القارة الإفريقية، وآليات الوجود الصيني في القارة الإفريقية، واستشراف مستقبل التنافس الروسي- الصيني في إفريقيا.

تكمن الأهمية العلّمية لدراسة موضوع التنافس الروسي الصيني على القارة الإفريقية في تسليط الضوء على هذا الموضوع الجديد- القديم في الوقت نفسه، وعودة الدولتين إلى الساحة الدولية لمنافسة الولايات المتحدة الأمريكية، وتبيّن أن النظام الدولي الحالي هو نظام متعدّد الأقطاب، وتتجه الأنظار للبحث عن المنافسين للقوة المهيمنة على النظام الدولي، ويسود إجماع عام على أن الصين وروسيا هما الدولتان اللتان تمتلكان المقوّمات التي تؤهلهما إلى تَبوُّؤ هذه المكانة، أما الأهمية العملية فتكمن في سعي الدراسة إلى تسليط الضوء على سبل تعزيز التعاون الاقتصادي بين إفريقيا والصين، وبين إفريقيا وروسيا؛ فالتنافس بين روسيا والصين على الاستحواذ والانفراد بموقع جيوستراتيجي مهمٍّ في القارة يعدّ من أولويّاتهما، ويُفتَح بذلك المجال لتوسيع خيارات القارة الإفريقية في اختيار أهم شريك لها مستقبلًا، وإثراء مجالاتها المختلفة من التعاونات، وحجم الاستثمارات، والتبادلات التجارية المتنوعة.

آليات الوجود الروسي في القارة الإفريقية

تُعدَّ القارة الإفريقية منذ الحرب الباردة أحد موضوعات الصراعات بين القطبين: الولايات المتحدة وروسيا، وتواصلَ التنافس عليها إلى غاية ما بعد الحرب الباردة، لكن روسيا غيّرت من إستراتيجياتها، بإقامة علاقات وثيقة مع الدول الإفريقية؛ بسبب الوضع الاقتصادي الكارثي لها، فالسياسة الخارجية الروسية تغيّرت مع فترة حكم بوتين، إذ أصبح لروسيا مشروع قويّ وناعم في الوقت نفسه في القارة الإفريقية، فالتجارة الروسية الإفريقية تزايدت في الأعوام الأخيرة، بل حتى القوات العسكرية الروسية انتشرت في القارة، والمؤشرات توضح أن إفريقيا ليست في مركز السياسة الخارجية الروسية، لكن تطور خليج عدن هو الذي جعل روسيا تتحمس للتموقع في القرن الإفريقي بخاصة، وإفريقيا بعامة؛ لتكون قريبة من هدفها1.

لا ترى روسيا في القرن الإفريقي أنّها الأهم جيوسترايجيًّا فقط، بل ترى أنّ أهميتها تتجاوز ذلك، فمثًلا في عام 1962م قدّمت موسكو قرضًا للصومال بلغ 32 مليون دولار؛ لأجل زيادة عدد جنودها إلى 14000 وتطوير جيوشها، وفي إثيوبيا يُقدّر عدد الذين تدرّبوا في موسكو بما يقارب 20000 جنديّ، وهذا يدل على أنّ العلاقات الروسية الإفريقية أصبحت أكثر ديناميكية بعد عودة روسيا إلى المنطقة، جاء هذا بعد زيادة التنافس الدولي على القارة الإفريقية، مثل دول الصين والهند وفرنسا...إلخ.

ووفقًا لمسؤولين روس، فإن خطواتهم تجاه إفريقيا تمثّل مجرّد بداية لما هو قادم.2

كان إقبال روسيا على إفريقيا في عدّة مجالات، وقد صرح بذلك الرئيس فلاديمير بوتين Vladimir Putin في 31 ديسمبر 2015م حينما قال: "روسيا الاتحادية تطور سياستها وتجارتها واقتصادها وتقنياتها العسكرية ومجال التربية ومجال الأمن الإنساني مع دول أمريكا اللاتينية، وإفريقيا، والمنظمات الإقليمية لهذه الدول".3

وإذا كانت روسيا ‏قد فكّرت بأداء دور القوة العظمى في رقعة الشطرنج يجب عليها أن تضع إفريقيا رهانًا لها، إذ طالما أرادت روسيا أن تكون إفريقيا غالية الثمن بالنسبة لها، فإفريقيا فتحت مليار مستهلك لشركات روسيا للخدمات الجيّدة، ولا ننسى المساعدات الروسية لشعوب إفريقيا في صراعاتها، وفي فترة استقلالها، ومساعدتها (لمأسسة) صناعاتها الوطنية، ولتطوير العنصر البشري الإفريقي، كما أنّ روسيا فرصة لتحقيق المصلحة الإفريقية من خلال هذه الروابط.

وبعد التدخل الأمريكي في أوكرانيا وجورجيا أدركت القيادة الروسية أنه تنبغي عليها إعادة تموقعها في النظام الدولي من جديد، والالتفات إلى باقي مناطق العالم، أين يوجد منافسها التقليدي وبخاصة في الشرق الأوسط؟ وهو ما يحدث حاليًّا من خلال الوجود الروسي في سوريا وإفريقيا.

بشكل عام، مجرى العلاقات الروسية الإفريقية إيجابيّ، فروسيا أقامت علاقات ديبلوماسية مع كل الدول الإفريقية، آخرها كان مع جنوب السودان، بعد تقسيم السودان عام 2011م، إضافة إلى 35 دولة إفريقية لها سفارات في العاصمة الروسية موسكو. وقد ازدادت المصالح الروسية في إفريقيا في الأعوام الأخيرة، حيث تجسدت من خلال زيارة بوتين إلى مصر، والجزائر وجنوب إفريقيا والمغرب وليبيا،  وتُعَدّ زيارته في سبتمبر 2006م لكيب تاون في جنوب إفريقيا مهمّة جدًّا، كما زار ميدفيديف نيجيريا وناميبيا ومصر في أبريل 2009، واختيار هذه الدول يعكس الاهتمام الجيواستراتيجي الروسي الكبير لدول قارة إفريقيا.4

دخلت العلاقات الروسية الإفريقية بصورة سريعة في الانحدار في السياسة والاقتصاد بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، لذا فالعلاقات الروسية- الإفريقية تحتاج إلى المزيد من مساحات التفاهم لإعادة صناعتها في بداية القرن الواحد والعشرين، وقد بدأت السياسة الخارجية الروسية بإعادة صناعة مبادئ اقتصادها ومصالحها، ومع مطلع عام 2000م تمّ إحياء المصالح الروسية في إفريقيا من جديد، وهذا الإنعاش ظاهر مع الهيكل الجديد للسياسة الخارجية الروسية الذي بدأ في التطور في أواخر 1990م.

أقامت روسيا علاقات مع عدّة دول إفريقية، وأسّست علاقات مع أنغولا، وقال بخصوصها وزير الخارجية الروسي سريدين V.Sredin: "العلاقات مع أنغولا هي الخطوة الأولى في الساحة الإستراتيجية المشتركة". وفي الفترة الممتدة من 2001- 2005م بدأت المصالح الروسية في إفريقيا تتطور، وأصبحت العلاقات الروسية– الإفريقية أكثر ديناميكية، وازدادت نسبة الزيارات الإفريقية إلى روسيا، منها زيارة رئيس الجمهورية الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، والوزير الأول الإثيوبي، وزيارات من الغابون، وغينيا، ومصر، ونيجيريا. وقد شاركت روسيا في الخطة الإفريقية في مجموعة  G8سنة 2002م في قمة  Knanaskis في كندا، كما شاركت في برنامج تنمية إفريقيا النيباد NEPAD، وفي مجلس رجال الأعمال الروس- الأفارقة سنة 2002م، حيث شارك ما يزيد على 60 رجل أعمال من قطاع المحروقات والغاز والمالية، وقطاع السياحة، كما نظّمت في الفترة الممتدة من 24-25 أبريل 2006م المؤتمر الروسي–الجنوب إفريقي ‏للأعمال، وعُدَّ ذلك خطوة أولى لمنظمة أكسبو– روسيا Expo Russia5.

كما شارك السفير الروسي في إثيوبيا في قمة الاتحاد الإفريقي في أكتوبر 2005م، واستهلت العلاقات مع جنوب إفريقياSADC، التي لعبت دورًا مميزًا في ذلك، وكذا في مجموعة اقتصاد شرق إفريقيا ECOWAS، حيث لعبت نيجيريا دورًا رئيسًا في ذلك.

وتعدّ هذه الديناميكية في الزيارات بمثابة رسالة للعالم، مفادها أن إفريقيا مهمة بالنسبة لروسيا، وقد أعلنت السياسة الخارجية الروسية في تقرير سنة 2007م عن ديناميكية جديدة لها، بدأت تظهر من خلال تطوير العلاقات الحسنة الروسية- الإفريقية، إذ أفاد هذا التقرير أن 230 جنديًّا وشرطيًّا روسيًّا شاركوا في عمليات بناء السلام في كل من: جمهورية الكونغو الديموقراطية، والصحراء الغربية، والسودان، وإثيوبيا، وأريتيريا، وليبيريا، وأن أكثر من 500 طالب من 16 بلدًا إفريقيًّا استُقبِلوا في مراكز تدريبية في التربية العسكرية وفي وزارة الدفاع الروسية، وأنّ 78 شخصًا من القوات الأمنية من أصل 17 بلدًا إفريقيًّا تلقّوا عمليات دعم سلام من وزارة الداخلية الروسية، وأنّ أكثر من 150 ألف خبير إفريقي ‏تعلموا في أكاديمية موسكو ببطرسبرغ فولغوغراد moscow ,Petersborg, Volgograd. كما أُنشِئت ثنائية اقتصادية تعاونية مزدوجة، وكوِّن مجلس تجارة؛ لأجل تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية، ولرفع مستوى العلاقات الديبلوماسية.6

إذن إفريقيا مهمّة جدًّا بالنسبة لروسيا؛ نظرًا لغنى ثرواتها المعدنية والنفطية، فهي تعدّ مجالًا آخر لإيجاد مصادر الطاقة في العالم، ويرى العديد من الباحثين في الشؤون الإفريقية أن القارة السمراء ستصبح بديلًا طاقويًّا لمنطقة الشرق الأوسط، وروسيا تسارع إلى التموقع والاستحواذ على آبار النفط، ومصادر الطاقة في إفريقيا.

حيث تعتبر 30% من الموارد العامة بوصفها ضمن إستراتيجية متكاملة لروسيا؛ لاستنفاذ أساس الموارد الطبيعية، كالزنك والألماس والذهب واليورانيوم والنفط والنحاس والمغنيزيوم، والبوكسيت الذي يستخرج منه الألمنيوم، والفحم. كما بلغت واردات روسيا من إفريقيا سنة 2000م ما يقارب 350 مليون دولار، بينما نمت صادراتها من 947 مليون دولار عام 2000 إلى 4 مليارات دولار في سنة 2009م.

       إنّ عودة روسيا إلى إفريقيا كانت أولوية في سياستها الخارجية، وعليها أن تقود علاقاتها مع إفريقيا بإحكام ووعي، وعلى القيادة الروسية أن تبقى في إطار علاقة أخوية مع دول القارة الإفريقية، عن طريق إقامة التعاون، وتوسيع الشركات في مختلف المجالات. كما ينبغي على الطرف الروسي أن يبحث عن تحديد مصالحه وأنشطته في إفريقيا؛ لكي يقوّي مكانته وتموقعه في القارة، فالعلاقات الروسية-الإفريقية تبدو للعيان أنها جيّدة، لكن تجب رؤية هذا الاهتمام الكبير بإفريقيا والاتفاقيات المتبادلة مطبّقًا فعليًّا في الواقع.8

        عادت روسيا إلى إفريقيا لتقوّية العلاقات التقليدية التي كانت بينهما، حيث يوجد لروسيا استثمارات كبيرة جدًّا في إفريقيا على غرار حقول الذهب في جنوب إفريقيا التي جلبت حوالي 1.16 مليار دولار سنة 2004م. كما أنها استثمرت في مجال الغاز والألماس في ناميبيا وأنغولا، وبلغت عائداتها من 10-50 مليون دولار عام 2006م، واستثمرت في مجال الفحم في الكوديفوار وغانا، وبلغت العائدات من هذا الاستثمار 900 مليون دولار عام2010م، أمّا في الجزائر فقد استثمرت من خلال الشركة الجزائرية سوناطراك، وبلغت العائدات 4.7 مليارات دولار عام 2006م.9

        عمدت روسيا مطلع 2017م إلى إظهار قدرتها على إنجاح فرصها في شمال إفريقيا، كما عملت على فرض نفسها في القارة بصفة عامة من خلال ما يُعرَف بالفعالية السياسية في القارة الإفريقية، ومن هنا احتفظت إفريقيا ببقائها ضمن اهتمامات السياسة الخارجية الروسية إلى يومنا هذا.10

سيستمر التنافس الدولي على مصادر الطاقة ومنابعها طالما تسعى كل الدول إلى الحصول على مصادر الطاقة لمصلحتها، فالمصالح الروسية في إفريقيا جنوب الصحراء ليست بجديدة، لكن ظلت العلاقات الروسية مع إفريقيا جنوب الصحراء غير متطورة بالشكل المطلوب، إذ ركّزت موسكو على التعاون السياسي، وعلى مبيعات السلاح لدول إفريقيا؛ لذا فالسياسة والدبلوماسية الاقتصادية الروسية يجب أن تكون حذرة من طرف منافسيها في المنطقة، مثل الصين والولايات المتحدة الأمريكية؛ لأن كل طرف يسعى إلى كسب ودّ القادة الأفارقة لمصلحته.11

وتبقى مجالات التعاون والمصالح بين روسيا والدول الإفريقية متعددة، منها مجال الطاقة والصناعة النفطية، حيث بلغت حصة إفريقيا من إنتاج النفط العالمي 11%، بينما تعدّ روسيا الدولة الأولى في العالم في تصدير الغاز الطبيعي إلى مختلف دول العالم.12

وفي مجال التسليح وتجارة الأسلحة والطائرات تسعى روسيا إلى فرض نفسها بوصفها مصدرًا أساسيًّا للأسلحة الروسية في إفريقيا، وبخاصة مصر والجزائر، وكذا مجال الاستثمارات والمشروعات الاقتصادية، حيث إن الأهم بالنسبة لروسيا هو زيادة الدعم الحكومي لقطاع الأعمال، وزيادة استثمار الشركات الروسية في دول إفريقيا، ومنها شركات روس أتوم، وغازيوم، وروسفلت. وتُعَدّ دول شمال إفريقيا، كمصر والجزائر وليبيا من أهم حلفاء روسيا، حيث وُقِّعت اتفاقية بين القاهرة وموسكو عام2013م لتحديث نظام الدفاع الجوّي المصري، وسُمِح للمصريين في عام 2016 بشراء حاملات الطائرات الفرنسية (جمال عبد الناصر، وأنور السادات)، وتزويدهما بطائرات التمساح الروسية، ووُقِّعت عقود مع الجزائر وتونس على شراء بعض المقاتلات من طراز سوخوي30... ولم يقتصر الحضور الروسي في إفريقيا على المجالات العسكرية والاقتصادية فقط، بل اتسعت لتشمل المجال الفكري والثقافي، حيث أصبح لروسيا أربعون سفارة في دول القارة الإفريقية، وبدأت بإنشاء العديد من المراكز الثقافية الفكرية من جديد، وأرسلت نخبة من ممثليها من أجل تعليم أبناء الدول الإفريقية اللغة الروسية، كما أنّ روسيا توفر سنويًّا العديد من المنح التعليمية لبعض طلاب القارة الإفريقية؛ لأجل استكمال الدراسة في روسيا.13

لكن العديد من العقبات تواجه الوجود الروسي في إفريقيا، منها: غياب إستراتيجية روسية واضحة المعالم تجاه القارة الإفريقية، واختلاف الثقافة بين الأفارقة ورجال الأعمال الروس، وعدم التوازن بين الشعبين الروسي والإفريقي.14

آليات الوجود الصيني في القارة الإفريقية

تتجه أنظار العالم في عصر الهيمنة الأمريكية إلى البحث عن منافس للقوة الأمريكية المهيمنة على النظام الدولي، وثَمّة شبه إجماع على أن الصين هي إحدى الدول التي تمتلك المقوّمات التي تؤهلها لكي تتبوأ هذه المكانة، فمن الناحية البشرية يبلغ عدد سكان الصين مليارًا وثلاث مئة مليون نسمة، وهذا يوازي أربعة أضعاف عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية؛ لذا تُعرَف الصين باسم القوة الشعبية. ومن الناحية العسكرية يُعَدّ الجيش الصيني من أكبر الجيوش في العالم، إذ يُقدّر عدده بمليونين ونصف المليون جندي، كما أن الصين تتبوَّأ المرتبة الثانية في الإنفاق العسكري بعد الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى أنّ الصين تتمتع بحدود جيوسياسية مهّمة، فهي من ناحية الشمال تجاور روسيا، وعددًا من جمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقًا، إلى جانب جمهورية منغوليا، ومن الغرب تجاور أفغانستان وباكستان،  ومن الجنوب تجاور بورما وتايلاند ولاوس، ومن الشرق تجاور الكوريّتين الشمالية والجنوبية، وتقابلها من ناحية الشرق اليابان.

       ومن الناحية الاقتصادية تبنّت الصين ما يُعرَف بسياسة الباب المفتوح، وهذا يعني تسخير الدبلوماسية الصينية لمصلحة علاقات التعاون الاقتصادي والتجاري الأمني والتقني مع مختلف دول العالم، ولاسيّما إفريقيا.15

قال نابليون بونابرت عن العملاق النائم قبل مئة عام: إنّ العالم سيهتز عندما تستيقظ الصين!  فالنظام السياسي الصيني يؤمن أن التكامل في العالم يكون بغزو الصين للسوق العالمية، إذ بحثت العديد من الدول الإفريقية عن النموذج البديل، ووجدت أن النموذج الصيني جذاب وواضح لها؛ لأن إفريقيا والصين مرتبطتان بتاريخ مشترك بينهما؛ لكونهما من ضحايا الإمبريالية والكولونيالية الاستعمارية 16.

لهذا عدّ رئيس البنك الإفريقي للتطوير دونالد كابروكا Donald Kaberuka أن الصين يجب أن تكون النموذج الأول والمرجع الأساسيّ لإلهام الدول الإفريقية في تحقيق تقدمها، وبموجب ذلك انطلقت العلاقات التعاونية الصينية الإفريقية مطلع عام 1990م، من خلال توسيع حجم الاستثمارات الاقتصادية الصينية المباشرة، وتقديم المساعدات التقنية، ومع بداية عام 2006م، انعقدت القمة الصينية– الإفريقية في بكين حيث أعلن الوزير الأول الصيني وان جيباو Wen Jiabao عن التزام الصين وتعهدها بتحقيق الاقتصاد المتبادل مئة مليار دولار سنة 2010م، وأثّرت الصين في إفريقيا سنة 2005م من خلال اعتبار الصين الشريك الاقتصادي الثالث للقارة الإفريقية،  إذ بلغ حجم التبادل الصيني الإفريقي سنة 2006م ما يزيد على 55 مليار دولار.17

تعدّ الصين حاضرة في التطور الإفريقي وفي الوقت نفسه مؤثّرة، إذ انفتحت شهية الصين لأجل الحصول على الموارد الطبيعية، ونمت قوتها الاقتصادية في إفريقيا، فأصبحت عميقة؛ لذا تُعدّ العلاقات الصينية الإفريقية واحدة من منظّمات المجتمع المدني التي تحتاج إلى مواصلة البحث والتطور.

       إنّ الهدف من النزوح الصيني إلى إفريقيا هو تحقيق غاية واحدة، تتمثّل في الاستحواذ على آبار النفط والغاز واليورانيوم، والذهب، والماس...إلخ، فالصين تحصل على نسبة 9% من نفط إفريقيا جنوب الصحراء بينما يتجه 30% منه إلى أوروبا، ومن هنا تسعى الصين إلى الاستفادة من حصص أعلى وأكثر من نفط إفريقيا.18

ونشير هنا إلى أن هناك ثلاثة صفوف من المشاركين الفاعلين الصينيين في إفريقيا، وهي: الحكومة المركزية، والحكومة المحلية، والشركات المتعددة الجنسيات الصينية، وهذه الفواعل الثلاث تعدّ بمثابة الانتقال الكبير في الاستثمارات الصينية الإفريقية، وهو ما يُعرَف بالقوة الناعمة الصينية في إفريقيا.19

من بين الإستراتيجيات الصينية في إفريقيا أنها تحترم سيادة الدول الإفريقية، ولا تقبل التدخلات في الشؤون الداخلية للدول الإفريقية، فهي لا ترغب في إزعاج القادة الأفارقة بطموحاتها في القارة، وفي ذلك يقول سفير سيراليون في الصين: "إن الصينيين يأتون وينجزون العمل المطلوب تمامًا، من دون أن يعقدوا اجتماعات حول تقويم الآثار البيئية، وحقوق الإنسان، والحكم السيِّئ والرشيد. ولا أقول إن هذا الأمر صائب، لكن الاستثمار الصيني ناجح؛ لأن الصينيين لا يضعون معايير صارمة"، والصين تحترم التكامل الإقليمي لدول القارة، فهي تمزج بين الاقتصاد والقوة الناعمة، وتسعى بذلك إلى إيصال رسالة للعالم مفادها أن العلاقات الصينية- الإفريقية عنوانها: الوحدة، والسيادة ومنطق رابح- رابح.20 ومن الوسائل الدبلوماسية الصينية في إفريقيا الدعوة إلى تحسين الأوضاع القائمة في القارة، مثل ما تجلّى تجاه أزمة دارفور، إذ كانت السياسة الخارجية الصينية تدعو إلى مساعدة الحكومة السودانية في معالجة ومواجهة أوضاعها الأمنية الداخلية، وبحسب الصينيين فإن الغرب لا يزال يتعامل مع إفريقيا بوصفها مستعمرة، بينما يقوم اهتمام بكين على أساس التنمية الاقتصادية المتبادلة، وتوسيع حجم الاستثمارات، حيث استطاعت الصين من خلال شركاتها العملاقة الحصول على امتياز التنقيب عن النفط في مساحات واسعة من تشاد، ووقّعت شركات النفط الصينية عقودًا مع الكونغو (برازافيل) لبدء استكشاف النفط البحري وإنتاجه، ولبدء عمليات الاستكشاف النفطي في شمال ناميبيا، حيث تتطلع الشركات الصينية إلى إنشاء مصفاة لتكرير النفط هناك، كما تدعو الصين دومًا إلى التعايش السلمي، والإسراع في تقديم جملة من المساعدات الإنسانية؛ لذا برزت الصين في إفريقيا بنموذجها المتمثل في المساعدات المالية والدبلوماسية غير المشروطة، على أنّها قوّة حضارية تفضّلها الأنظمة الإفريقية بجوهر عدم التدخل في الشؤون الداخلية.

ومن بين السياسات التعاونية أيضًا للصين، التعاون في المجال الزراعي، حيث ركزت الاتفاقيات على الوعود بإنشاء استثمارات زراعية لتأمين الأمن الغذائي للدول الإفريقية، إلّا أن الوجود الأكثر إضاءة هو استفادة الصين من المحاصيل الإفريقية؛ لسدّ الفجوة الغذائية للقبيلة المليارية، إلى جانب التعاون في المجال السياحي، حيث عملت الصين على تطوير المنشآت السياحية في إفريقيا، وتنظيم الأفواج السياسية للصينيين لزيارة إفريقيا، والتعرف عليها.

وقد بلغت حجم التبادلات التجارية الصينية الإفريقية ما يزيد على 170 مليار دولار سنة 2013م، وبلغت واردات الصين منها في الزراعة ما يقارب نسبيًّا 15.1% سنة 2014م21

كما بلغت العلاقات الصينية الإفريقية مستوى تاريخيًّا جديدًا، فإفريقيا المليئة بالأمل لأجل التقدّم أصبحت واحدة من مناطق العالم التي تتطلع إلى التقدم، بينما تعد الصين واحدة من أهم الدول المتطورة التي حافظت على تقدّمها من خلال خلق مناطق مصلحة، واحتياجات متبادلة، لذا فلكلتيهما فرص لأجل تطوير التعاون الاقتصادي والتجاري بينهما.22

إنّ للسياسة الصينية في إفريقيا بعدًا مهمًّا يدخل في إطار إستراتيجيتها لإضعاف القوى الغربية،  وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل يخلق وضعًا دوليًّا ملائمًا للمصالح الصينية العالمية،  فإستراتيجية الصين في إفريقيا هي لأجل خلق بيئة تعددية، إذ تعتمد بكين على خطاب (جنوب- جنوب)، وهو ما يلقى صدى إيجابيًّا لدى دول القارة الإفريقية، وتؤدّي الصين دور الناطق باسم الدول النامية التي تدعو إلى خلق بيئة دولية تعددية، وإعادة النظر في الاقتصاد الدولي الذي تراه غير عادل، وينهب حقوق الفقراء.23

وقد برزت السوق الإفريقية، إذ هناك توافق بين الإنتاج الصيني الاستهلاكي البسيط والقدرة الشرائية المتواضعة للمستهلك الإفريقي، فالإنتاج الصيني يقدر بـ12  %من الإنتاج المصنّع في العالم، وهي اليوم على سبيل المثال المزود الأول لجنوب إفريقيا بالأجهزة الكهرومنزلية. كما أنّ الصين تعتمد على شركاتها الخاصة والعمومية، التي تستثمر بقوة في إفريقيا، وتنجم عن التزاحم على الاستثمار في القارة الإفريقية فرصة لإفريقيا للمفاضلة بين مختلف الشركات.24

وتسعى الصين إلى اختراق خليج غينيا الذي يمثّل أهم منطقة مستهدفة من طرف الصين، فهو غنيّ بالنفط. كما أنّ الصين استثمرت في عام 2005م في السودان أكثر من نصف صادرات السودان النفطية، وتمكنت مؤسسة النفط الصينية من شراء 40 %من أسهم شركة النيل الأعظم في السودان، التي تنتج 300 ألف برميل يوميًّا، والصين مجبرة على استيراد 60  %من احتياطاتها من خليج غينيا والسودان بحلول عام 2020م؛ وذلك بحسب التقديرات الأخيرة، إذ طالما كانت السودان بوابة الصين إلى القارة الإفريقية.25

ويقوم أمن الدولة الصيني بتأمين تدفق الطاقة وضمانه، وترى الخبيرة الإفريقية دامبيسا موبو في مقال لها في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان: بكين- هيبة إفريقيا أن تهافت الصين على الموارد الطبيعية أفضى إلى نشاط تجاري واستثماري كانت إفريقيا في أشدّ الحاجة إليه، وأوجد لصادرات القارة سوقًا كبيرة، وهو ما عاد عليها بنفع كبير في سعيها لتحقيق نمو اقتصادي سريع، كما أنّ الدور الصيني في إفريقيا يحظى بترحيب واسع في كل أرجاء القارة، وقد ما أكد هذه الحقيقة الرئيس السنغالي عبد الله واد حينما قال: "إنّ فهم الصين لاحتياجاتنا أفضل من الفهم البطيء، والتغطرس في بعض الأحيان للمستثمرين الأوروبيين، والمنظمات المانحة، والمنظمات غير الحكومية. ليست إفريقيا فقط هي التي يجب أن تتعلم من الصين، بل الغرب أيضًا".26

إنّ العلاقات بين الصين ودول شمال إفريقيا قديمة، وقد ازدادت وتقوّت أكثر بعد التوجه نحو نظام متعدد الأقطاب، وانتقال مركز الاقتصاد العالمي من الولايات المتحدة الأمريكية إلى مراكز أخرى منافسة لها، وهذه العلاقات علاقات اقتصادية بالأساس، وهي تقوم على التخصص بين المورّدين للمواد الخام من جانب دول شمال إفريقيا، ومقدّمي السلع المصنعة والخدمات من الجانب الصيني،  كما يجري أيضًا العمل على تطوير الشراكة في المجال العسكري، وكلّ هذا من شأنه أن يخلق فرصًا للتنمية في دول شمال إفريقيا، لكن هذا لا يخلو من محاذير النفوذ الاقتصادي الصيني في دول شمال إفريقيا، كالمبادلات التجارية غير المتكافئة، فالصين تصدّر منتجات متنوعة للمنطقة، بينما تقتصر صادرات دول شمال إفريقيا على المعادن والنفط، ومن ثَمّ عدم إمكانية المنافسة، وتحويل دول شمال إفريقيا إلى مجرد سوق كبير لصرف المنتجات الصينية، وخلق إشكالية القدرة التنافسية للمستثمرين المحليين، ومنه سيطرة الشركات الصينية على المستوى البعيد على الاستثمارات الوطنية لدول شمال إفريقيا. والمشكلة الأخرى هي توظيف العمالة الصينية من طرف المستثمرين الصينيين لما تتميز به الصين من مهارات السرعة والكفاءة في العمل، وهذا يؤثر في سوق الشغل في الدول المستضيفة، ويسهم في رفع معدلات البطالة، وهو ما يظهر في قطاع الأشغال العمومية، حيث تطرح مسألة الهجرة الصينية إلى دول شمال إفريقيا تحدّيًا كبيرًا أمام الدول المستقبلة، ولاسيّما الجزائر التي يوجد بها أكثر من 20 ألف مهاجر صيني، وهذا يطرح إشكالًا آخر يتعلق بالاندماج بين المهاجرين الصينيين وأهل البلد في ظلّ اختلاف القيم الثقافية بين المجتمعين، إلى جانب أن الحضور الاقتصادي المتزايد للصين في المنطقة قد يؤدي إلى تورطها في القضايا السياسية في القارة الإفريقية، خصوصًا في أوقات الأزمات والاضطرابات والحركات الاحتجاجية التي شهدتها المنطقة منذ عام 2010م، بدءًا بتونس ثم مصر فليبيا.27

        ويظهر للعيان جليًّا أنّ الهدف من الوجود الصيني في إفريقيا هو تعميق التعاون الاقتصادي، والسيطرة على موارد الطاقة والمعادن، وفتح الأسواق الإفريقية أمام السلع الصينية، والاستثمار في المنطقة، واستخدام دول إفريقيا قواعدَ للإنتاج والتصدير للدول الأخرى... كلّ هذا لأجل ضمان نموّ الاقتصاد الصيني الضخم، ومضاعفة نفوذه في العالم، وضمان الحكومات الإفريقية إقامة علاقات اقتصادية، وصفقات عادلة مع الشريك الصيني، بما يحقّق المصالح والمنافع المشتركة للطرفين.

وتبرز أهمية الدوّر السياسي للصين في إفريقيا من خلال امتلاكها حقّ النقض داخل مجلس الأمن، ومن ثمّ إمكانية تعطيلها صدور أي قرار صادر عن المجلس قد يكون ضارًّا بمصالحها، وعلى رأسها استمرار تدفّق النفط إليها؛ لذا تحرص الصين دومًا على تفعيل منتديات التعاون الصيني الإفريقي.28

  • مستقبل التنافس الروسي– الصيني في إفريقيا

        لعلّ من الواضح أن الصين وروسيا تعملان في انسجام وتعاون مع الفاعلين الدوليين؛ بدلالة وجودهما في مجلس الأمن الدولي. كما أنّ هذه الدول بمثابة دول مؤسساتية تعمل بمبدأ التعاون المشترك مع الكبار، ولا يحتمل أن تفتقد الصين وروسيا دبلوماسيتهما للاختلاف مع بعضهما، وفي ظلّ هذا التوافق ستظل روسيا والصين من الفاعلين المؤثرين والمستفيدين من مشروعات التنمية في إفريقيا.

        والصين تستخدم سياسة الحذر، واعتماد سياسة التوازن في مناطق النزاع، وعدم التسرّع إلى تبوُّؤِ مواقع متقدّمة في النظام الدولي، واستخدام نمط التوسع المتدرج، إلى جانب الإحياء الحضاري للإرث الثقافي الصيني في النظام الدولي، الذي مكّنها في الماضي من التعامل مع الشعوب الأخرى، واستخدام المحددات الثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية والدبلوماسية شديدة الخصوصية للنظام الصيني، وذلك فيما يرجّح في إعادة نظام التعددية القطبية والتعايش بين الأقطاب، كما تسعى الصين مستقبلًا إلى تقويض الوجود الأمريكي والروسي في إفريقيا.29

        أمّا روسيا فيُتوقَّع لها مستقبلًا أن تظل في إفريقيا؛ للاستفادة من مواردها، وهذا وارد ضمن السياسة الروسية المستعجلة للعودة بقوّة إلى النظام الدولي، وإعلان حضورها في كل المناطق التي توجد فيها منافستها التقليدية الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تعمل لإحداث التنمية في كلّ المناطق التي توجد فيها، وسيظلّ لها موقع متقدّم في إفريقيا، ولاسيّما في الجانب العسكري... وتبقى الجهود الصينية الروسية تصبّ في مصلحة البلدان الإفريقية في مجالات الطاقة والصحة والتعليم، إضافة إلى مجالات أخرى.30

ويمكن وضع سيناريوهينِ لمستقبل الوجود الروسي في إفريقيا: أولها سيناريو التعاون والمصالح، حيث ستصبح إفريقيا مجالًا جديدًا لزيادة التعاون الروسي– الإفريقي في شتى المجالات، وتطور العلاقات بين روسيا ومعظم دول القارة؛ لأن هدف روسيا هو المصالح الاقتصادية والعسكرية. وربما ستتجه روسيا إلى زيادة المساعدات والمعونات العسكرية لبعض الدول الإفريقية، وسيزداد الاهتمام بالشؤون السياسية للدول الإفريقية، وربما ستقوم روسيا أيضًا ببناء قاعدة جديدة لها على غرار قاعدة الأفريكوم الأمريكية، والقاعدة البحرية الروسية في طرطوس على البحر المتوسط، ويذهب السيناريو الثاني إلى إمكانية اعتماد روسيا على سياسة التنافس وتبادل المصالح، خصوصًا مع زيادة القوى الدولية والإقليمية في القارة الإفريقية، وهي حاليًّا الصين والولايات المتحدة الأمريكية، لذلك من الممكن أن تصبح القارة الإفريقية مجالًا للتنافس بين هذه الدول، وربما مجالًا للصراع، كما كان في السابق بين بريطانيا وأمريكا وفرنسا، وهو السيناريو الأكثر واقعية وأقرب احتمالًا للحدوث، فيما يطرح سيناريو المخاطر حضورًا قويًّا في السنوات الأخيرة لروسيا في بعض القضايا الدولية في ظلّ التعددية القطبية، واتضح هذا الدوّر من خلال الوجود الروسي في إفريقيا، لذلك هناك حاجة مُلحّة لدى القادة الروس للعودة من جديد إلى إفريقيا؛ لاستعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي من جديد.31

خلاصة واستنتاجات:

        إنّ النظام الدولي تغيّر بعد الحرب الباردة، واصطحب معه جملة من المتغيرات الدولية، منها عودة روسيا الغائبة عن الساحة الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانشغالها ببناء داخلها عادت- بقوّة إلى الساحة العالمية، ومنافستها أبرز القوى العظمى في النظام الدولي في مختلف قضايا العالم، ومنها عودة الصين إلى الواجهة من خلال تفعيل دبلوماسيتها النشطة في مختلف أنحاء العالم والمناطق الجيوبوليتكية المهمة، ومنها أنّ إفريقيا غدت واحدة من مناطق العالم التي تحظى باهتمام بليغ؛ بسبب غنى تربتها، ولذلك أصبحت من أكثر المناطق التي غلب عليها التنافس بين مختلف قوى العالم. ومن هنا فإنّ العالم ذا النظام المتعدد الأقطاب اليوم ينافس بعضه بعضًا؛ للاستحواذ على أجود المناطق وأهمّها جيوسياسيًّا، وإنّ التنافس الروسي– الصيني على قارة إفريقيا جعل من هذه الأخيرة محط أنظار مختلف أقطاب العالم،  ونستنتج من ذلك التنافس ما يأتي:

  1. إنّ الوجود الروسي في إفريقيا بمثابة توجيه رسالة إلى العالم بأن روسيا فاعلة وستظل في النظام الدولي.
  2. إنّ الوجود الصيني في إفريقيا محدّد بالبعد الاقتصادي الذي أصبح هدفًا تسعى إليه الصين للبروز بوصفها قوّة عالمية في النظام الدولي.
  3. تمتلك إفريقيا مقوّمات تتمثل في الموارد والثروات التي جعلتها تتبوّأ مكانة مهمة وجيوسياسية في أجندات مختلفة السياسات، أبرزها القوى العالمية؛ الصين وروسيا.
  4. تتبنى الصين في وجودها في القارة الإفريقية سياسة القوة الناعمة التي تتحقّق بوجود مبادلات تجارية وثقافية، تكتسب من خلالها طابع المرونة، بعيدًا عن السياسات القسرية، واستخدام القوّة الصلبة التي يعتمد عليها الغرب.
  5. تشكّل الاستثمارات الروسية والصينية في إفريقيا مظهرًا لزيادة دعم العلاقات بين الطرفين، بما يحقّق المصلحة والمنفعة المتبادلة.

المصادر والهوامش:

1-Mehmet cem ogulturk, Russia’s Renwed Interest in The Horn Of Africa As A Traditional and Rising Power ,Volume 2,Issue1,2017,pp121-143.

2-عبد الحكيم نجم الدين، النفوذ الصيني الروسي المتنامي في إفريقيا، متوفر على الرابط:

//www.politics.dz.com:http تاريخ الاطلاع عليه: 10/4/2018.

3-loc,cit

4-Alexandra Arkhangels Kaya and Vladimir SHubin, Russia ‘s Africa policy , occasional paper N157,South Africa Institute of International Affairs ,SAIIA september 2013. Pp5-21.

5-Hakan Fidan, Bulent Aras, the return of Russia-Africa relation, winter 2010,N52,Ahmet yesevi university Board of Trastees,pp 48-51.

6-Hakan Fidan, Ibid ,pp52-62.

7-Habiba Ben Barka, Russia ‘s Economic Engagement with Africa Economic Brief ,volume 2,Issue7,11May 2011,pp1-7.

8-Vladimir Shubin, Russia and Africa coming back & Russian analytical digest,N83,September2010,pp4-7.

9-Taku Fundira, Russia-Africa at a glance Economic and trade policy overview,  Africa Economic Brief Volume2,Issue7,11May2011,p.3.

10-Isabelle Facon, Russia’s quest forcin fluence in North Africa and The Middle East, observatoire Fondation,July 2017,pp.21-22

11-Keir Giles, Russian Interest in Sub-Saharan African, strategic studies Institute , Us Army war college, Carlisle, PA, July 2013 , pp,3-6.

12- حسني عماد العوضي، روسيا: إعادة اكتشاف إفريقيا من جديد: سيناريوهات التعاون والمصالح والمخاطرة، ألمانيا: المركز الديمقراطي العربي، 3 فيفري 2017، متوفر على الرابط: democratic.de/§43279 تاريخ الاطلاع عليه: 10/4/2018.

13- حسني عماد حسني العوضي، مرجع سابق.

14-المصدر السابق، المكان نفسه.

15- منغيانغ، ورقة حول آفاق تطوير العلاقات العربية– الصينية في القرن الحادي والعشرين، د.د.ن، د.س،ن ص54.

16-Etienne Girouard ,China in Africa , Neocolonilism or a New arvenue for South –South cooperation, ccIc§cccI,April2008,pp1-13

17- loc, cit

18-Daniel Volman,China ,India,Russia and The United States the scramble for Africa oil and the Militarizationn of the continent , current African Issues43, Nordiska Africa Institute MPP SALA ,2009,p.7.

19-SHuban Oli, Helge Ronning, China in Africa , soft power media perceptions and a devoloping  identity, CMI Michelsen Institute ,April2013,p.1.

20-Jennifer G.Cook, China ‘s power in Africa.pp.27-31.

21-Maria Pigato and Wenxia Tang, China and Africa Expanding Economic Ties in an evolving Global contex , university in Africa Forum ,Addis Ababa, Ethiopia, March,2015, p.3.

22-China –Africa Economic and Trade , cooperation information office of the state council, the peopl's republic of China , Beijing, August2013,pp.1-16.

23-سمير قط، الإستراتيجية الاقتصادية الصينية في إفريقيا: فترة ما بعد الحرب الباردة، قطاع النفط أنموذجًا، مذكرة مقدمة لنيل شهادة الماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، تخّصص علاقات دولية وإستراتيجية، جامعة محمد خيضر، بسكرة، 2008، ص64. ملاحظة: تتمثّل المؤسسات النفطية الصينية بالقارة في: CNPCK، والمؤسسة الوطنية للبيتروكمياويات SNOPEC، والمؤسسة  الصينية الوطنية للنفط البحري CNOOC

24-سمير قط، مرجع سابق، ص66.

25- المرجع نفسه، ص75.

26-حارث قحطان عبد الله، مصالح الصين النفطية في القارة الإفريقية، الدراسات الإفريقية وحوض النيل،(م.1،ع.1) مارس 2018، ص177.

27-حسين قوادرة، الإستراتيجية الاقتصادية الصينية في المنطقة المغاربية، الفرص والمحاذير بالنسبة لدول المنطقة، مجلة اقتصاديات المال والأعمال، مارس 2017، ص64-74.

28- عاهد مسلم المشاقبة، البعد السياسي للعلاقات العربية- الصينية وآفاقها المستقبلية، دراسات العلوم الإنسانية والاجتماعية، م41، ملحق1، ص387.

29- عبد الرحمان أحمد عثمان، العلاقات الصينية- الإفريقية، رؤية مستقبلية، جامعة إفريقيا العالمية، مركز البحوث والدراسات الإفريقية، رابطة جمعيات الصداقة العربية الصينية، الخرطوم، 2-22 نوفمبر2017م، ص329.

30- مصطفى صايج، إدارة ترامب وإفريقيا، التصورات والرهانات، مجلة جيل الدراسات السياسية والعلاقات الدولية، ع9، جوان 2017م، ص17.

31- حسني عماد حسني العوضي، مرجع سابق.


ملصقات
 »