رؤية تركية
أفكار متحدية

الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

الجيوبوليتيكا الروسية الحديثة والمعاصرة بين النظرية والتطبيق

الجيوبوليتيكا الروسية الحديثة والمعاصرة بين النظرية والتطبيق

الجيوبوليتيكا الروسية الحديثة والمعاصرة بين النظرية والتطبيق

 مُلخّص: تسعى هذه الدراسة إلى قياس علاقة الأثر والتأثير بين "عالَم الأفكار الجيوبوليتيكية" و"العالَمِ الميداني لصنّاع القرار" في روسيا منذ مطلع الألفية الجديدة للقرن الحادي والعشرين؛ أيْ مناقشة تلك العلاقة الجدلية بين رجل الأكاديميا الروسي وصانع القرار في الكرملين، وحدود تأثير الأول في الثاني، أو توجيه الثاني للأول، واستخدامه وفقًا للمصالح العليا للبلاد، وذلك من خلال مناقشة أهمّ الأطروحات النظرية الجيوبوليتيكية المتباينة للعلماء الروس منذ الفترة السوفيتية إلى الوقت الراهن، مُركّزةً الاهتمام أساسًا على النظرية الأوراسية الجديدة، بصفتها أحد أكثر الفلسفات الجيوبوليتيكية تأثيرًا في صانع القرار الروسي المعاصر.

 

مقدّمة:

منذ مطلع القرن العشرين، أنجبت المدرسة السوفيتية- الروسية في مجال الدراسات العسكرية والجيوبوليتيكية شخصيات أكاديمية ذات صيتٍ عالمي أسهمت بنظرياتها في صياغة التوجّهات الإستراتيجية الكبرى للبلد في أذهان صنّاع القرار الروس، ولعلّ أشهرها وأهمّها تلك النظريات المُحاجِجَة بقدرة وقوّة البَرِّ الروسي (التيلوروكراتيا) على مواجهة قوى البحر الغربية المناوئة (التالاسوكراتيا/ ثمّ قوى الجو والفضاء لاحقًا: الآيروكراتيا والأثيروكراتيا)، وهزيمتها في معركة السيطرة العالمية، إذ طالما اختُصِرَ تاريخ الجيوبوليتيك الكلاسيكية في ذلك الصراع الثنائي بين قوى البرّ وقوى البحر على السيادة العالمية.

ولعلّ شخصية البروفيسور ألكسندر دوغين تُعَدّ أكثر الشخصيات الجيوبوليتيكية الروسية المعاصرة شهرةً، وهو الذي وصفته أوساط عالمية كثيرة بأنّه العقل الجيوبوليتيكي الأوّل الذي يقف وراء التوجّهات الإستراتيجية الكبرى لروسيا المعاصرة، كما يُعبِّر عنها الرئيس فلاديمير بوتين في سلوكات بلدِه الخارجية منذ وصوله إلى الكرملين سنة 1999.

بعد أن تُعطي هذه الدراسة فكرةً شاملةً عن أثرِ أبرزِ المراكز البحثية الروسية والتيارات الفكرية-النظرية (في مجال الجيوبوليتيك والدراسات الدولية) في صانع القرار السوفيتي والروسي على حدٍّ سواء- تسعى بشكلٍ مركّزٍ إلى استخلاص علاقة الأثر والتأثير بين "عالَمِ دوغين النظري" و"عالَم بوتين الميداني" منذ مطلع الألفية الجديدة للقرن الحادي والعشرين؛ أيْ مناقشة تلك العلاقة الجدلية بين رجل الأكاديميا الروسي وصانع القرار في الكرملين، وحدود تأثير الأول في الثاني، أو توجيه الثاني للأول، استخدامه وفقًا للمصالح العليا للبلاد، مُناقِشةً الإشكالية الآتية:

ما حدود تأثير النظريات السياسية والجيوبوليتيكية التي صاغها الجيوبوليتكيّون الروس كالبروفيسور ألكسندر دوغين وأمثاله في التوجّهات الكبرى للإستراتيجية الروسية كما يُعبّر عنها الرئيس فلاديمير بوتين في سلوكات بلده الخارجية منذ مطلع القرن الحادي والعشرين؟

تتبنّى هذه الورقة البحثية فرضيةً أساسية تُحاجِج بأنّ: عَالَمَ الأكاديميا الروسي هو الذي صنع ولا يزال يصنع منطق الدولة الروسية المعاصرة، فما يُنتجه ألكسندر دوغين وأمثاله من الباحثين ومراكز التفكير من صيغٍ نظريةٍ هو ما يُشكّلُ الملامح الكبرى للإستراتيجية الروسية المعاصرة، ويُوّجه مساراتها الأساسية تجاه العالَم أيضًا. إذن، فالعامِل المُستقلّ في هذه الدراسة هو عَالَمُ الأكاديميا الروسي، بينما يُعَدّ عَالَمُ صانع القرار بالكرملين عاملًا تابعًا بالضرورة.

الأوراسية الكلاسيكية: الجيوبوليتيكا الروسية الحديثة:

يُعَدُّ حقل الدراسات الجيوبوليتيكية في روسيا حقلًا عريقًا ومتميّزًا أيضًا عن نظيره في ألمانيا مثلًا أو الولايات المتحدّة الأمريكية، إذ عرفت المدرسة الروسية أسماءً عديدةً منذ الفترة القيصرية، كان لها منظورها الخاص في الطريقة التي ينبغي على الحاكم أو صانع القرار أن يستغل بها الميزة الجغرافية التي يتمتّع بها بلده، حتّى يُحصِّل المكانة المُؤثّرة اللائقة له بين الأمم. في هذا الصدد يُحاجِجُ باحثون بأنّ قوة روسيا وتصوّراتها الإستراتيجية الكبرى كانت قد ارتبطت من قبلُ دومًا بالسيطرة على مساحة جغرافية واسعة·، إذ يتحدّثُ بعض المؤلّفين عن حبّ الروس القديم للأراضي، الذي تشكّل عبر التطوّر التاريخي في سياق ضمان توسعة الأمة الروسية. لهذا السبب، فليس من المستغرب أن يُولي الفكر السياسي -وغير السياسي- الروسي أهميّةً خاصةً لمسألة المجال (The Space). يؤكّدُ ليفاندوفسكي (Lewandowski: 2004) أنّ جغرافيا السمات الوطنية الروسية -مثل المجال الأرضي أو الروح الروسية- لا تعرف معنى للحدود؛ لذلك، فإنّ السهول الواسعة والفيافي اللامحدودة الخارقة تنعكس في صورة الروح الروسية. ويُحاجِج أيضًا جورج كينان (الخبير الأمريكي بالاتّحاد السوفيتي وروسيا) بأنّه وبعد الحرب العالمية الثانية، بقيَ الاتّحاد السوفيتي يرى نفسه مُحاطًا بالأعداء؛ لذا واجه هذه الوضعية عن طريق عزمه ورغبته في التوسّع. كما يذهب ستروش هوب (R. Strausz-Hupe) سنة 1947 إلى القول إنّه: "في السياسة الخارجية الروسية، هناك عاملٌ أساسيٌّ مهيمنٌ وهو العامل الإستراتيجي، كانت أهدافه واحدة في أثناء الحقبتين القيصرية والشيوعية، وهي تجسيد حدود إستراتيجيةٍ معيّنة"، وقد كان المقصود من ذلك أنّ الحدود تقضي على الأخطار القادمة من العدو المطوِّق لروسيا. خلاصةُ القول، إنّ الجغرافيا الروسية الواسعة أدّت دورًا أهمّ في تشكيل تصوّرات القوة العظمى لدى صنّاع القرار الروس ودفعهم نحو التفكير بذلك، وربّما يظهر ذلك جليًّا في تصريح ألقاه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعد عامين من تولّيه الحكم حينما قال: "نحن قوةٌ عالمية، ليس بسبب أنّنا نمتلك قوةً عسكريةً عُظمى وقوةً اقتصاديةً مُحتملة، ولكن نحن كذلك لأسبابٍ جغرافيةٍ، سوف نظلّ موجودين مادّيًّا في أوروبا، وآسيا، في الشمال والجنوب، كما لنا في كلّ مكانٍ بعض من الاهتمامات والمخاوف".1

وقد وَلّدَت هذه الحيطة وهذا الهوس بالتوسّع الجغرافي والهيمنةِ أفكارًا ومنظوراتٍ جيوبوليتيكية محليّة كانت بمثابة البارامترات (Parameters) التي يلجأ إليها صانع القرار الروسي في سلوكات بلده الخارجية، وأهمّ تلك المنظورات على الإطلاق منظور الأوراسية ثمّ الأوراسية الجديدة(Eurasianism and New Eurasianism Paradigms) ، إذ شكّل هذا المنظور فلسفةً جيوبوليتيكيةً محليّةً متميّزةً عمّا هو سائدٌ في الشرق والغرب ومنافسة له، إنّها إيديولوجيا وفلسفة بديلة عن التغريب والبلشفية، ترى أنّ لروسيا حضارة فريدة ذات مسارٍ خاص ومهمّة تاريخية خاصة أيضًا؛ وذلك لأجل إيجاد مركز قوةٍ وثقافةٍ مختلفتين، وهذا المركز لن يكون أوروبيًّا ولا آسيويًّا ولكن يتعامل مع الاثنين. وقد آمن الأورواسيون في المقابل، بالنهاية الحتمية للغرب، وأنّ ذلك سيكون وقتًا مناسبًا لروسيا؛ لتكون المثال العالمي الريادي.2

أمّا ولادةُ الفلسفة الأوراسية فيُرجعها البعض إلى سنة 1921، حينما نشر مجموعة من المفكّرين الروس المنفيين· طائفة من المقالات تحت عنوان كبير اسمه: "النزوح إلى الشرق". حاول هؤلاء إبراز فكرةٍ مفادها أنّ جغرافية روسيا تُمثّل مصيرها، ومن ثَمّ لا يوجد أيّ داع لأيّ حاكم بأن يفكّ نفسه من ضرورات تأمين أراضيه، ونظرًا لشسوع روسيا فقد آمنوا بأنّه يجب على قيادتها التفكير بشكل إمبريالي، من خلال القضاء على الشعوب الخطيرة في كلّ الحدود واستيعابها. في الوقت نفسه عَدُّوا أيَّ شكل من أشكال الديمقراطية، كالاقتصاد المفتوح، والحوكمة المحلية أو الحرية العلمية خطرًا عالي المستوى، وغير مقبول البتّة. في هذا الصدد، عدَّ الأوراسيون بيتر الأعظم –الذي حاول أن يجعل روسيا أوروبيةً في القرن 18م- عدوًّا وخائنًا. وفي المقابل، نظروا باحترامٍ إلى حكم التتار-المغول بين القرنين 13م-15م- حينما لقنّت إمبراطورية جينكيز خان الروس دروسًا حاسمةً بخصوص مسألة بناء دولةٍ قويّةٍ ومتمركزةٍ، ونظامٍ هرميٍّ من الطاعة والسيطرة. اعتقد الأوراسيون أنّهم كسبوا تأييد أتباعٍ أقوياء بين النشطاء السياسيين للمجتمع الصاعد، أو ما يُسمّونهم بالروس البيض، الذين يتميّزون بحرصهم على دعم أيّ بديلٍ عن البلشفيين، إلّا أنّه تمّ تجاهل هذه الفلسفة تمامًا، بل تعرّضت للضغط في الاتّحاد السوفيتي، وعمليًّا ماتت مع منشئها. كان ذلك إلى غاية سنوات التسعينيات حينما انهار الاتّحاد السوفيتي، كما مُحِيَ السجل الأيديولوجي الروسي بشكل تامّ.3

أمّا إذا أردنا أن نُحدّد أبرز الوجوه الجيوبوليتيكية الروسية التي شكلّت بنظرياتها أسس المدرسة الروسية قبل دوغين، فسوف يرتكز حديثنا عن منظِّرَيْنِ روسيين أساسيين، هما: بيتر نيكولايفتش سافيتسكي وألكسندر دي سفرسكي.

بالنسبة لسكافيتسكي· )1895-1968(، يعود له فضلُ ابتكار مصطلحٍ جديدٍ في علم الجيوبوليتيك، وهو مصطلح "بؤرة التطور"، وهذا المصطلح يُمثّل الشبه الدقيق لمصطلح Roum)) "المجال" عند شميدت، الذي ورد في الأدبيات الألمانية، وتنعكس في هذا المفهوم عضوانية الأوراسيين التي تتطابق بدقّة مع الدراسة العضوية الألمانية، حيث كتب سافيتسكي في النصّ الذي يحمل عنوان: "العرض الجغرافي لروسيا-الأوراسيا": "ينبغي أن يتذاوب كلٌّ من الوسط الاجتماعي- السياسي والأرض بالنسبة لنا في وحدة متكاملة في شخصية جغرافية، أو سطح جغرافي ثمّ تابع قائلًا: "في التركيب الضروري لابدّ من القدرة على الإحاطة بالوسط الاجتماعي- التاريخي، وبالأرض التي يشغلها في نظرةٍ واحدة". وهنا يرى سافيتسكي أنّ الدولة-منطقة بؤرة التطوّر لابدّ أن تتطابق شخصيتها الجغرافية مع الوسط أو المجال التاريخي- الإثني-الاقتصادي التي ترى فيه هذه الدولة مجالًا ينبغي أن يتطابق مع حدود الأرض التي تشغلها، كما يرى سافيتسكي أنّ روسيا- أوراسيا هي "بؤرة التطور" تلك، التي تُمثّل الصيغة التكاملية لوجود كثير من "بؤر التطوّر" الأصغر أحجامًا، إنّه المجال الكبير لدى شميدت مكوَّنًا من منظومة تدريجية تتألف من مجالات أصغر حجمًا على حدّ تعبير دوغين.4 ويمكن القول انطلاقًا من أطروحات سافيتسكي إنّ فكرة بؤرة التطور تؤدّي في حقيقة الأمر إلى خلق بؤر للتوتر، فإذا كانت الدولة ترى في "مجال صغير ما" أنّه لابدّ أن يدخل في نطاق شخصيتها الجغرافية، فإنّ ذلك ينطوي على دخول ذلك "المجال أو الحيز/المنطقة"، في نزاع وجودي مع تلك الدولة، ويعزّز التميّز الإثني أو التاريخي لذلك المجال فُرَص واحتمالات هذا النزاع.

أمّا ألكسندر دي سفرسكي فيعود الفضل له في صياغة نظرية جديدة في الجيوبوليتيكا تجعل من  القوة الجوية محور اهتمامها الأولّ، فقد كان للتقدّم الهائل الذي طرأ على الطيران في ذلك الوقت أثرٌ كبيرٌ في الفكر الجيوبوليتيكي، وقد ظهرت بعض الآراء التي تهتمّ بدراسة العلاقة بين الاثنين على ضوء تصوّرٍ جيوبوليتيكي عالمي تنافسي محوره القوة الجوية على غرار ذلك التصوّر المرتكز على صراع القوة البرية والبحرية على السيادة العالمية.5

تستمدّ نظرية القوة الجوية صياغتها الفكرية من افتراض مفاده "أنّ السيطرة على الجو تتيح إمكانية عالية للسيطرة على الأرض"، هذا الافتراض ورغم بساطته غيّر الكثير من مفاهيم السوق العسكري ومحاور القوة الجيوبوليتيكية والجيوستراتيجية، ذلك أنّ الخصائص الإستراتيجية للمجال الجوي تعالج في الواقع مضمونه الجيوستراتيجي، معتبرةً إيّاه مجالًا ينطوي على أهميّةٍ فائقة تتجاوز المجالين البحري والبري،6 وأهم الآراء التي جاءت في هذا الصدد، ما جاء به ألكسندر سفرسكي في بحث يحمل عنوان: "القوة الجوية مفتاح البقاء" (Air Power Key to survival) سنة 1950، الذي نظر إلى الوضع الجيوبوليتيكي للعالم على ضوء القوات الجوية، حيث رسم سفرسكي خريطة ذات مسقط قطبي "القطب الشمالي" ووضع فيها الأمريكتين جنوب القطب، وأوراسيا وإفريقيا في شمال القطب، وعلى هذا فإنّ تقسيم سفرسكي هو التقسيم المتعارف عليه: العالم القديم والعالم الجديد، وفي هذه الخريطة يتّضح أنّ السيادة الجوية الأمريكية تشتمل على كل من الأمريكتين، بينما منطقة السيادة الجوية السوفيتية تُغطّي جنوب وجنوب شرق آسيا، وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، لكن منطقتَي النفوذ الجوي تتلاقيان وتتصادمان في مناطق أخرى، هي أوروبا الغربية، وشمال إفريقيا، والشرق، فضلًا عن أنّ نفوذ القوة الجوية الروسية يُغطّي أمريكا الشمالية، وبالمثل تغطي القوة الجوية الأمريكية الهرتلاند الأورآسيوي،7 ومنطقة تداخل السيادتيْنِ الجويتيْنِ: البرية والبحرية تُسمّى في عرف سفرسكي "منطقة المصير" (Area of decision) فهي منطقة الحسم في أيّ معركةٍ بين القوتين، كما أنّها المناطق الجيوستراتيجية الأهمّ في العالم، وقد عبّر سفرسكي عن ذلك بمبدئه القائل:

  • من يملك السيادة الجوية، يستطيع أن يسيطر على مناطق تداخل النفوذ الجوي.
  • ومن يسيطر على مناطق تداخل النفوذ الجوي، يصبح بيده مصير العالم.8

 

خريطة توضّح التصميم الجيوبوليتيكي لدى ألكسندر دي سفرسكي

 

يُمثّل الطرحان السابقان ذروة ما بلغه الأوراسيون التقليديون أيّام الحرب الباردة، الذين عملوا بشكل مُلحٍّ على دفع القيادة السوفيتية إلى الاهتمام "بمناطق مصيرٍ حاسمة وبؤر تطوّر مُحدّدة" في معاركهم الطاحنة ضدّ التالاسوكراتيا، وبالرغم من إخفاق هذه القيادة في الحفاظ على مناطق نفوذها أيّام الحرب الباردة والتسبّب في تفكيك إمبراطورية ضخمة، إلّا أنّ العداء الجيوبوليتيكي الأوراسي لم ينته بانتهاء الحرب الباردة وإخفاق هذه القيادة في تجسيد المشروعات الجيوبوليتيكية الأوراسية، فقد ظلّ هؤلاء يرون أنّ المنطق الجيوبوليتيكي للحرب الباردة لا يزال مستمرًّا مسيطرًا على المشهد العالمي على حدّ تعبير البروفيسور سانتورو، رئيس معهد الدراسات السياسية العالمية في ميلانو، الأمر الذي أدّى إلى إعادة إنتاج الطروحات الأوراسية الكلاسيكية في شكلٍ جديدٍ متواكبٍ مع النمط الجديد الذي أخدته بنية النظام الدولي، فمع بداية حقبة التسعينيات عرفت المدرسة الأوراسية تطوّرًا ملحوظًا عُرف بالأوراسية الجديدة، وقد مثّل الأستاذ ألكسندر بنارين (Alexander Panarin) أحد أكثر وجوهها المعاصرة شهرةً حسبما يذكر غوردون هان (Gordon Hahn) الذي يصف آراءه بالوضوح في مناهضة الولايات المتحدة، إذ يرى في الجيش الأمريكي والهيمنة الثقافية لأمريكا أساس العولمة التدميرية. فأورواسيا بحسب رؤيته هي الطرف المُواجه لهذه الثقافة التدميرية. وتُمثّل الفكرة الأوراسية الجديدة عنده "بديلًا عن العولمة التكنولوجية- الاقتصادية" التي تُهدّدُ العالم. أمّا بنارين فمقتنع بأنّ مستقبل روسيا يعتمد على رفض الحداثة الاستهلاكية التنافسية المثالية التي يراها مُعبّرة في أغلب الأحيان عن النموذج الأمريكي. إنّ إمكانية تأثير الفكرة الأوراسية في الفلسفة السياسية الرسمية الروسية إلى هذا الحدّ تتحدّث عن أهميّة فهم تاريخ النزعة الأوراسية، وكيف سمح هذا التاريخ للفكرة أن تصير إيديولوجيا موحدّةً ممكنةً للسياسة الخارجية الروسية مثلما يُحاجج بنارين.9

لكن، وبالرغم من شهرة أفكار ألكسندر بنارين بين الأوراسيين الجدد الروس إلّا أنّها لم تجد طريقًا إلى الكرملين مثلما وجدت أفكار ألكسندر دوغين آذانًا صاغيةً هناك، فقد وضع الرجل أُسُسًا جيوبوليتيكية صلبة ذات خلفياتٍ فلسفية عميقة لمفهوم الأوراسية الجديدة؛ لتكون بمثابة الأيديولوجيا السياسية الأكثر تأثيرًا في روسيا المعاصرة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين.

ألكسندر دوغين والأوراسية الجديدة: أسس الجيوبوليتيكا الروسية المعاصرة:

ترجع الملامح الأولى "للجيوبوليتيكا الدوغينية" إلى سنة 1991، حينما نشر دوغين مقالًا بعنوان: "حرب القارات" (The War of The Continents)، الذي تضمّن تصوّرات دوغين الجيوبوليتيكية الكبرى للعالم، حيث وصف فيه ذلك الصراع الجيوبوليتيكي القائم آنذاك بين نمطين مختلفيْن من القوى العالمية: القوى البرية أو "روما الخالدة" التي ترتكز على مبادئ عديدة، مثل: الدولة المستقلة، والجماعة المحليّة، والمثالية، وتفوّق الخير المشترك. في المقابل توجد حضارات البحر، أو "قرطاجة الخالدة" التي ترتكز على مبادئ مختلفةٍ، مثل: النزعة الفردية، والنزعة المادية، إضافة إلى ميزة التجارة. وبحسب تصوّر دوغين، فإنّ "قرطاجة الخالدة" كانت قد تجسّدت تاريخيًّا في أثينا الديمقراطية، والإمبراطورية الألمانية والبريطانية كذلك، أمّا اليوم، فهي مُمثّلةٌ بالولايات المتحدة، في حين تجسّدت "روما الخالدة" في روسيا. وبالنسبة له، فإنّ الصراع بين هذه النمطيْن من القوى سوف يظلُّ قائمًا إلى أن يتمكّن أحد الطرفين من تدمير الآخر كليًّا، ولا يمكن لأيّ نمطٍ من النظم السياسية أو أيّ مقدارٍ هائلٍ من التجارة البينية بين الطرفين أن يتمكّن من إيقاف هذا الصراع. لذلك، فمن الأفضل أن تُسارع روسيا (الخيِّرة) إلى هزيمة أمريكا (الشريرة) مثلما يقول، كما ينبغي أن تأخذ الثورة المحافظة (Conservative Revolusion) مكانتها في التاريخ10، كانت تلك هي الملامح الأولى لأوراسية دوغين الجديدة، التي عزّزها بشكلٍ مفصّلٍ سنة 1997، حينما أصدر كتابه ذائع الصيت: "أُسسُ الجيوبوليتيكا: مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي"، الذي كان بمثابة إنجيل الأورواسيين الجدد في القرن الجديد.

آمن دوغين دومًا "بالأوراسية الجديدة" بوصفها عقيدة تحمل خلاصًا لكلّ المشكلات التي تُعانيها روسيا، بل خلاصًا لكلّ مشكلات الإنسانية، بنفس الشكل الذي آمن به أتباع الماركسية أو الماوية...إلخ، بقدرة هذه العقائد على فعل ذلك، بل وادّعى أنّ الأوراسية الجديدة ستكون العقيدة القائدة في المستقبل، التي ستجعل من روسيا قوةً عظمى، ومع هذه النبوءة آمن دوغين أنّ الأوراسية ينبغي أن تكون بمثابة "الأنوار الشمالية" للرئيس فلاديمير بوتين ومساعديه، التي ستساعده جنبًا إلى جنبٍ مع القادة العالميين، على صياغة إمبراطوريةٍ أوراسيةٍ وتشكيلها، كما أنّه آمن بقدرة النظام الحالي على أن يكون خارطة طريقٍ لتجديد الشباب الروسي.11

في سعيه لمواجهة طموحات الهيمنة الأمريكية العالمية·، يدعو دوغين روسيا لأن تتجنّب التحوّل إلى مجرّد ملحقٍ للإمبراطورية الأمريكية، إذ عليها في نظره أن تسعى إلى إيجاد مراكز متعدّدةٍ للقوة، لا ينبغي أن تكون مرتبطة بالولايات المتحدة وعولمتها، وأن ترى فيها مركزًا، ولكن عليها خلقُ "فضاءاتٍ كبرى" عديدةٍ مُوحّدةٍ عبرَ شبكةٍ من التحالفات بين دولٍ عديدة، ومثل هذا "الفضاء الكبير" من شأنه أن يُنتج مركزًا (جديدًا) للقوة. يرى دوغين هنا وجود العديد من مراكز القوة، أو ما يشبه الإمبراطوريات (الصغيرة) الناشئة في المستقبل، يمكن أن تكون مثلًا الاتّحاد الأوروبي أو اتّحادات مختلفة، أو دولًا منفصلةً في آسيا تشمل اليابان، والهند، و"إسرائيل"، وتركيا، وبالطبع إيران التي يراها دوغين حجر الزاوية لتحالفات أوراسيا، وأكثر حلفاء روسيا أهميّةً إن لم تكن الأهم على الإطلاق. ينظر دوغين إلى الصين أيضًا باعتبارها حليفًا محتملًا في مواجهة الولايات المتحدة، إلّا أنّه ينظر للصين باعتبارها حليفَ الملاذِ الأخير. في الحقيقة، إن نظرة دوغين لعلاقات الصين مع أوراسيا نظرةٌ ذات شكٍّ بالرغم من الموقع الجيوبوليتيكي الأوراسي الواضح للصين. إنّ نشاط الصين التجاري الكبير مع الولايات المتحدة إلى جانب إمكانية توسّعها الديمغرافي في الشرق الروسي البعيد وسيبيريا، كلّ هذه المسائل لا تزال تثير مخاوف دوغين. مع ذلك، لا يزال دوغين يأمل أن تحدث ترتيباتٌ جيوبوليتيكيةٌ ذكيةٌ، من الممكن أن تجذب الصين إلى ائتلافٍ مناوئ لأمريكا ونشاطاتها الجيوبوليتيكية الخطرة. على سبيل المثال، يقترح دوغين أن توجّه الصين طموحاتها نحو الجنوب بدلًا من الشمال باتجاه روسيا. لذلك وبحسب دوغين، على أغلب دول أوراسيا أن تحشد جهودها ضدّ هذا العدو المميت لكلّ شعوبها، وهو الولايات المتحدة، وأن تعمل على تشكيل تكتلاتِ دولٍ، شبه إمبراطوريةٍ، ومنها تكتّل الدول المسلمة، الذي سيُكوّنُ إمبراطوريات قوية، مستقلة ونووية. على روسيا أن تساعد هذه "الإمبراطوريات النووية"، وأن تعمل على نقل أسلحتها النووية إليها. ويرى دوغين أيضًا، أنّ على طبيعة الجيش وشكله أن يكونا متوافقين مع اتجاه السياسة الخارجية للبلد، وموقعه الجيوبوليتيكي.12

أمّا فيما يتعلّق بعلاقة روسيا بشعوب أوراسيا، ولاسّيما شعوب الاتّحاد السوفيتي السابق، فيرى دوغين أنّ بإمكان روسيا أن تُدمجَ حضارات مختلفة كثيرة، وينبغي أن يكون شكلُ هذه الرؤية الحضارية الأوراسية مشابهًا لنظيرتها في الإمبراطورية المغولية الكبرى مع جانكيز خان. في الحقيقة، الروس هم حلفاء الإمبراطورية المغولية، التي كانت عابرة للثقافات والإثنيات بطبيعتها الخاصّة. يهتّم الروس بحسب رؤية دوغين بالإمبراطورية الأوراسية العظمى، ولا يهتمون برفاه دولة روسيا الصغيرة بمجموعاتها الإثنية الخاصة. علاوةً على ذلك، لا يهتمّ الروس بمركزية هذه الإمبراطورية، كما يحاجِج دوغين بأنّه في ظروفٍ معيّنةٍ قد يُحيل الروس دور الزعيم الإمبراطوري إلى مختلف الجماعات العرقية، في مثل هذه الحالة، فإنّ موت روسيا سيكون في نفس الوقت فعلَ حياةٍ، سوف تموتُ روسيا فقط لأجل نقل مهمّتها الإمبراطورية إلى شعبٍ آخر. وبالرغم من الدور العظيم للروس في بناء الإمبراطورية، فإنّه إذا ما ألغى الروس دورهم التاريخي فإنّ البلاد سوف تؤول إلى الزوال. في الحقيقة، ومن دون إمبراطوريةٍ لا يمكن لروسيا أن تُوجَد، سوف تنهار ببساطة. إلّا أنّ اختفاء روسيا لن يؤدّي إلى نهاية فكرة الإمبراطورية الروسية العظمى، سوف يتولّى شعبٌ (أوراسيٌّ) آخر زمام القيادة، ولا يمانع دوغين من رؤية الأوكرانيين في موقع القيادة الأوراسية.13

أخيرًا، وإذا أردنا أن نُميّز أوراسية دوغين عن الأوراسية التقليدية التي تبنّاها كثيرٌ من الجيوبوليتيكين الروس في سنوات العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، فإنّ إيديولوجية دوغين إيديولوجيةٌ مناهضةٌ للغرب، مناهضةٌ لليبرالية، هي إيديولوجيةٌ توليتارية، آيدوقراطية (Ideocratic) وتقليديةٌ اجتماعيًّا. قوميته ليست قوميةً سلافيةَ التوجّه (بالرغم من أنّ الروس لهم مهمّة خاصة في الوحدة والأرض) إلّا أنّها مرتبطةٌ أيضًا بالقوميات الأخرى لأوراسيا. كما أنّنا نجده يروّجُ لنظرةٍ صوفيةٍ، روحيةٍ، عاطفيةٍ، خلاصية. وتختلف الأوراسية الجديدة لدوغين بشكلٍ كبيرٍ عن فكر الأوراسيين السابقين أولًا، ففي تصوّر دوغين لأوراسيا أنّها أكثر اتّساقًا من سابقاتها وكأنها لم تكن من قبل. على سبيل المثال، بينما آمن سفيتسكي بأنّ الدولة الروسية- الأوراسية ينبغي أن تمتدّ من سور الصين العظيم في الشرق إلى جبال كاربيثيان في الغرب، فإنّ دوغين يؤمن بأنّ الدولة الأوراسية يجب أن تدمج كلّ دول الاتّحاد السوفيتي السابق، أعضاء الكتلة الاشتراكية، وربّما حتّى إنشاء محميةٍ عبر كلّ أعضاء الاتّحاد الأوروبي. في الشرق، يقترح دوغين التوجّه البعيد قدر الإمكان عبر إدماج كلٍّ من منشوريا، كسينغ سيانغ (Xinxing)، والتبت، ومنغوليا، بل حتّى يقترح في النهاية بالتوجّه جنوب شرق نحو المحيط الهندي. وبدلًا من تضمين أوروبا في أوراسيا، فقد اضطر دوغين إلى إعادة صياغة العدو، ففي الفكر الأوراسي الكلاسيكي كان العدو متمثّلًا في أوروبا الرومانية- الجرمانية، أمّا في نسخة دوغين، فيتمثّل العدو في الولايات المتحدة، في مقابل أنّ الأوراسيين الكلاسيكيين فضّلوا الولايات المتحدة، بل وعدّوها نموذجًا يُحتذَى به، وامتدحوا كلًّا من قيمتها، وقيمها الاقتصادية، وعقيدة مونرو، وعدم عضويتها في عصبة الأمم. هناك نقطة اختلافٍ أخرى جدّية، هي موقفه من الفاشية وألمانيا النازية، فحتّى قبل الحرب العالمية الثانية عارض الأوراسيون الكلاسيكيون الفاشية، ووقفوا ضدّ معاداة السامية الراديكالية. وفي المقال كذلك أشاد دوغين "بدولة إسرائيل" الفاشية؛ نظرًا لتمسّكها بمبادئها المحافظة، إلّا أنّه أيضًا تحدّث عن الارتباط بين الصهيونية والنازية، كما قال بشكل ضمني إنّ اليهود استحقوا دولتهم بسبب الهولوكست وحسب، مُقسّمًا إيّاهم إلى "يهود سيّئين" و"يهود جيّدين"، الجيّدون هم الأورثوذكس ويعيشون في إسرائيل، أمّا السيئون، فيعيشون خارج "إسرائيل".14

ينبغي الإشارة في النهاية إلى أنّ الفكرة الأوراسية الجديدة لدوغين ليست فكرةً جيوبوليتيكيةً محضة، وإنّما تستند إلى أسسٍ وخلفياتٍ فلسفيةٍ بدت واضحةً جدًّا في كتابه الحديث: "النظرية السياسية الرابعة" الذي يُعَدُّ بمثابة العِماد الفلسفي لمنظور دوغين الجيوبوليتيكي.

النظرية السياسية الرابعة: السياقات الفلسفية الكبرى للأوراسية الجديدة:

كما ذكرنا آنفًا، فإنّ الأوراسية الجديدة صارت مرادفًا في روسيا لاسم الفيلسوف والجيوبوليتيكي الروسي ألكسندر دوغين، ويُعدّ كتاب "النظرية السياسية الرابعة" مثلما ذكره دوغين: "ربّما الكتاب الأكثر طليعةً من بين بحوثي العلمية في الفلسفة السياسية"، وقد تُرجِم هذا الكتاب إلى لغاتٍ عدّة، وصاحبه يتولّى منصب عميد كلّية السوسيولوجيا في جامعة لومونوسوف موسكو الحكومية، كما يُعدّ مؤسّس مركز الدراسات المحافظة، الذي يُنظّم بشكلٍ دائمٍ مؤتمراتٍ، وورشات عملٍ، ويصدر منشوراتٍ مُخصّصة للنظرية السياسية الرابعة.15

ينطلق دوغين في هذا الكتاب من فرضية أساسية تتمحور حول إخفاق المشروع الحداثي الغربي والمصير المأساوي الذي أنتجته إيديولوجياته الثلاث الرئيسة: الليبرالية، والشيوعية، والفاشية، التي لم تتمّكن من تحقيق مُراد الإنسان من الرفاهية والسلام، حيث دفعت الليبرالية بالإنسان إلى الاغتراب والوهم، وجعلت منها الولايات المتحدة أداةً لتحقيق مشروعها الاحتكاري العالمي. أيضًا، في المقابل، عرفت الشيوعية أزمةً في مشروعها وانقساماتٍ على أساس دوغمائي وغياب أفقٍ للمستقبل. أمّا الفاشية –ونازية هتلر- فلم تكن إلّا "نزعةً دولاتيةً" محضة، فقد عملت على تعبئة المكونات الاجتماعية –أحيانا بمنهجية قسرية- لخدمة جهاز الدولة. لهذه الأسباب سعى دوغين إلى صياغة فلسفةٍ متعاليةٍ جسّدتها نظريته السياسية الرابعة التي تؤمن بعالمٍ تعدّديّ وأخلاقيّ، عالمٍ يعترفُ بالشعوب الأخرى وبحرّيتها، بعيدًا عن قيم المركزية الغربية، وجعل من ذلك عالمًا ممكنَ التجسيد إذا ما تمكّنت روسيا من إنتاج إيديولوجيةٍ خاصةٍ بها، تفرِضُ بها السيادة الجيوبوليتيكية لقوى القارة الأوراسية، (قوى البر؛ أي روسيا، والصين، وإيران، والهند) ضدّ القوى الأطلسية، إذ إنّ أيديولوجيةٌ بديلةٌ ذاتُ نزعةٍ محافظةٍ ثوريةٍ هي وحدها قادرة على معارضة مشروعات القوى الأطلسية الاحتكارية، فمشروع الأوراسية ينطلق من تعزيز ماضي الشعوب لكبح مشروع الحداثة، وإعادة الفرد المستلَب إلى "الروح" وإلى "الجماعة" وإلى "الله".16

قبل الحديث بالتفصيل عن المضمون الفلسفي لهذا الكتاب، من الجدير أن نشير بدايةً إلى المرجعية الفلسفية التي نهل منها دوغين في شبابه، التي شكلّت منطلقًا لأفكاره الفلسفية والجيوبوليتيكية أيضًا فيما بعد. في أثناء سنوات التسعينيات ادّعى دوغين بشكلٍ متكرّرٍ أنّ غيونون (Guénon) هو أستاذه، إلّا أنّ غيونون أو حتّى كوماراسوامي (Coomaraswamy) قليلا التأثير في دوغين مقابل تأثير المتصوّف الباطني الإيطالي البارون يوليوس إيفولا (Julius Evola) (1896-1974) (الذي يُعدّ أكثر الوجوه الراديكالية شهرةً في مناهضة النظام اللبيرالي والديمقراطي، ومناهضة نظام المساواة والنظام الشعبي في القرن العشرين)، إذ أثّر إيفولا تأثيًرا حاسمًا في دوغين الشاب. من المحتمل أنّ لكتيِّب إيفولا الصغير (Pagan Imperialism) تأثيرًا تكوينيًّا بُنيويًّا في دوغين الذي ترجم نصّهُ من الألمانية إلى الروسية حينما كان شابًّا يافعًا في أواخر الحقبة السوفيتية. ونتيجة لذلك، فإنّ إعادة تأويل إيفولا الغريبة للنزعة التقليدية بدلًا من نسخة غينون الأصلية لهذه العقيدة هي ما كان مستخدمًا في العديد من النصوص التي كتبها اليمينيون الجدد الروس المُلهمون من طرف توضيحات وتفسيرات دوغين الأولية للنزعة التقليدية (Traditionalism). وكثيرٌ من أعمال دوغين تُعدُّ خليطًا بين المفاهيم التقليدية، ونظريات إيفولا، والأفكار الجيوبوليتيكية، وإيديولوجية ألمانيا ما بين الحربين، و"الثورة المحافظية". يُؤكّدُ الباحث ليونيد لوكس (Leonid Luks) أنّ كتاب إيفولا الصغير هذا وأثره التعليمي السوسيوسياسي كانا حقيقةً مصدرًا مهمًّا لعقيدة دوغين الأوراسية الجديدة. ومثلما هو معروف فإنّ إيديولوجية "الثورة المحافظية"– لـكارل شميدت، وأرثر مولير، وفان دين بروك، وإسفولد شبينغلر، وإرنست يونغر وغيرهم- صارت شريكًا سلبيًّا لحركة النازية في أثناء مرحلة جمهورية فيمار عبر المساعدة في تقويض شرعية ديمقراطية ألمانيا الأولى بين جمهور القرّاء. بالرغم من دورها في الحركة المناهضة للسلافية الأكثر فتكًا في التاريخ، في الآونة الأخيرة، أحدثت "الثورة المحافظية" عودةً مثيرة للدهشة بين المثقفين الروس، ليس أقلّها الانتشار المستمر لأفكار دوغين في مقالاته وكتبه العديدة.17 أخيرًا، إنّ الآثار الثقيلة لتأثير ما يُسمى باليمين الجديد الأوراسي –مثلًا آلان، وروبرت ستوكرز، وجين ثيريارت، وتروي ستوغات وغيرهم- واضحةٌ في الأوراسية الجديدة. التقى دوغين شخصيًّا بمفكري اليمين الأوروبي الجديد في موسكو،و باريس، وأنتويرب ولندن، هذا اليمين مدينٌ أيضًا لإرث إيفولا وبعض "الكتّاب الثوريين المحافظين"، والأكثر من ذلك كلّه، أنهم مدينون لإرث كارل شميدت، ويشير كتّاب هذا اليمين بشكل إيجابي إلى أعمال غينون.18

هكذا ومع معرفةٍ عامةٍ لمرجعية دوغين الفلسفية يسهل علينا فهم الخلفية الفلسفية لكتاب "النظرية السياسية الرابعة"، وفهمه بشكلٍ أكثر وضوحًا. يُمثّل الكتاب كما أسلفنا نظريةً جديدةً لا غربيةً ولا شرقيةً، يطمحُ صاحبها أن تصير بمثابة الأديولوجية السياسية والمرجعية الفلسفية لدولة روسيا المعاصرة وتوجهاتها الإستراتيجية الكبرى تجاه العالم، وهو ما يُسميه دوغين "بالأوراسية الجديدة". وتتجلّى الفكرة الأوراسية الجديدة بشكل واضح في أحد فصول هذا الكتاب المعنون بـ: "ما هي النزعة المحافظة؟" إذ يتحدّث دوغين في هذا الفصل عن أنماطٍ مختلفةٍ من النزعة المحافظية، تتضمّن النزعة المحافظية التقليدية أو الأصولية، والنزعة المحافظية القائمة أو الليبرالية، والنزعة المحافظية الثورية، وكذا النزعة المحافظية اليسارية أو الاجتماعية. تتميّز الأولى منها: "برفضها للتوجّه الأساسي للتطوّر التاريخي"، هذه وجهة نظر تقول إنّ: "فكرة التقدّم هي فكرة سيئة، وفكرة التطوّر التكنولوجي فكرة سيئة أيضًا، كما أنّ العِلم الوضعي المعاصر، والتعليم المعاصر، والأسس البيداغوجية، بالنسبة له أيضًا أفكار سيئة، يُعدُّ كلٌّ من (Rene Guenon, Leapold Ziegler, Titus Burckhardt, Julius Evola) وغيرهم، ممثّلين حقيقيين لأشكال هذه النزعة المحافظة.19

يشرحُ دوغين في هذا الصدد أيضًا ذلك الالتباس والتُّهمة التي ألصقت بالفلسفة المحافظة، ووفقًا له فإنّ ادّعاء ارتباط المحافظين الأساسيين بالفاشيين ادّعاء خاطئٌ تمامًا. في هذا الصدد يقول إنّ: "الفاشية هي حتمًا فلسفةٌ حداثية، تلوّثت بدرجةٍ كبيرةٍ بعناصر المجتمع التقليدي، بالرغم من أنّها لم تحتج ضدّ الحداثة أو ضدّ الزمن". لهذا السبب فإنّ أولئك الذين يربطون بين دوغين والنزعة التقليدية، وبين النزعة التقليدية والفاشية، ومن ثَمّ بين دوغين والفاشية هم مخطئون جدًّا. وقد أشار دوغين إلى الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس باعتباره مثالًا عن النزعة المحافظية القائمة أو الليبرالية، وذلك بسبب "خوفه من عودة شبح التقاليد، وخوفه من أجواء الحرب ضدّ ما كان في الحقيقة مُمثِّلًا من طرف الحداثة". إنّ التفات فرنسيس فوكوياما إلى مسألة بناء الدولة باعتبارها مرحلةً في الطريق نحو النزعة الليبرالية الديمقراطية ينتمي أيضًا إلى هذه النزعة. وهناك وجوهٌ فلسفية عديدةٌ أخرى تنتمي إلى هذه المدرسة ذات النزعة المحافظة، مثل مارتين هايديغر، والإخوة يونغر (The Junger Brothers)، وكارل شميدت، وإيزفالد شبينغلر، وورنر سومبارت، وأثمار سان، و"كوكبة كاملة من أغلب الكتّاب الألمان، الذين يُسمّون في بعض الأحيان: المنشقّين عن الاشتراكية الوطنية" على حدّ تعبير دوغين. ويتقاسم هؤلاء المفكرون أسس النقد المحافظي للحداثة، وبحسب وجهة نظرهم، فإنّ العودة إلى مرحلة ما بعد الحداثة لن يحلّ أيًّا من المشكلات الإنسانية القائمة. في النهاية، يؤكّد اليسار أو النزعة المحافظة الاجتماعية، مثلما هو مُوضّحٌ من طرف جورج سوريل (Georges Sorel)، أنّ كلًّا من اليسار واليمين يُحاربان البرجوازية باعتبارها عدوًّا مشتركًا. وبحسب دوغين، فإنّ هذه الرؤية لها تشابهات مع البلشفية الوطنية. 20

تضع النزعة الأوراسية نفسها مع فئة الإيديولوجيات المحافظة: "إنّها تتقاسم بعضًا من الخصائص مع النزعة المحافظة الأصولية (النزعة التقليدية)، ومع النزعة الثورية المحافظة (بما فيها النزعة المحافظة الاجتماعية)، إلّا أنّها ترفض النزعة المحافظة الليبرالية"، مثلما يُشير دوغين. يضيف دوغين، أنّ محلّلي الأوراسية باعتبارها فكرةً سياسيةً أو أيديولوجيةً سياسيةً، محتاجون إلى فهم السبل التي تستعيرها وتدمجها رؤى مختلفة النزاعات المحافظة، من دون الاستنتاج الخاطئ الذي يخلط بينها وبين بقية النَزَعَات المحافظة، والأمر الأكثر أهميةً بالنسبة له، هو أنّه ينبغي على هؤلاء المحلّلين أن يتجنّبوا الخلط بين تسمية الأوراسيين والفاشيين المحافظين، فمنطق هذا الخطأ قادم من طريقة التفكير التي ترى أنّ: "الأوراسية ليست ليبراليةً أو شيوعيةً ولا بديلًا عن الليبرالية أو الشيوعية، لهذا السبب ينبغي أن تكون فاشيةً"، هذا عينُ الخطأ، وهو بالضبط ضدّ ادّعاء دوغين بأنّ النظريات السياسية الثلاث: الليبرالية، والشيوعية، والفاشية تستنفذ الخيارات التي أعلنت عنها النظرية السياسية الرابعة.21

وهناك أفكار عديدة ذات أبعادٍ فلسفية وردت في كتاب دوغين هذا، كفكرته مثلًا عن الإنسان والأرض، فنظرته عن الإنسان (والإنسان الروسي تحديدًا) موجودةٌ في الثيولوجيا الأرثوذكسية التي يُؤمن بها دوغين، فهي ترتكز على مفهوم الدازين (Dasein) كما وضعه فيلسوف الغابة السوداء الألماني مارتن هايدغير في مؤلّفه "الكينونة والزمان" الذي يحملُ معنى يتجاوز الوجود كدلالة للموجود نحو الوجود في حدّ ذاته، وعبر وعيه بوجوديته في العالم. فالنظرية الرابعة عبر مفهوم الأورواسيا تُكوّنُ وعيًا بالوجود الجغرافي، الذي يعدّ الإنسان الروسي كائنًا أنطولوجيًّا يأخذُ كينونته من ذاته لا من المرجعية الخارجية (الغربية). أمّا عن مفهوم دوغين للأرض، فيُلاحَظ اقترابه من مبادئ المدرسة العضوية الألمانية في الجيوبوليتيكا، حين يعدّ الفضاء نمطًا للعيش (Staat Als Lebensform)، ويدعو إلى الدفاع عن الحدود الحيوية لأوراسيا، "فجبل صربيا مثلًا يُعدُّ روحًا حيوية للذاكرة الجماعية والانتماء" على حدّ تعبيره. ويمكن القول في الأخير إنّ فكرة كتاب النظرية السياسية الرابعة بسيطة رغم أنّها تبدو مُركّبة ومعقّدة، فهي مشروع يهدف إلى تشكيل جبهة حلفاء ضدّ القوى الأطلسية، ومواجهة الهيمنة الأمريكية جيوبوليتيكيًّا وقيم الغرب حضاريًّا. إنّ تبسيط الخطاب الأوراسي على هذا النحو، يجعله يتجلّى ويُستوعب في الحياة اليومية كممارسة، وهذا ما يُسمّى "بالجيوبوليتيكا الشعبية" التي تُعدّ خطابًا جغرافيًّا يرسم خرائط في أذهان المواطنين من خلال اللغة والتواصل والتمثّلات.22

طموحاتٌ نظرية: مدارس جيوبوليتيكية روسية بديلة:

تسبّبت شهرةُ ألكسندر دوغين في إبقاء الكثير من المنظرّين الروس والمدارس الجيوبوليتيكية الروسية على الهامش، فروسيا بمساحتها الشاسعة تزخر بمراكز بحثية ومفكرين ذوي مشارب فكرية وسياسية مختلفة، يحمل كلٌّ منهم تصوّرًا نظريًّا لما ينبغي أن يضطلع به صنّاع القرار الروس حتّى تُجسّد روسيا طموحاتها في أن تصير قوةً عالميةً كبرى بين الأمم، فتطوّر الفكر الجيوبوليتيكي الروسي منذ أواخر القرن العشرين حمل معه نخبًا روسية سعت إلى صياغة منظورٍ جديدٍ، من شأنه أن يشرح مكانة روسيا ودورها في عالم اليوم، ويُجمل الخيارات الممكنة للمستقبل، إذ يسعى الجيوبوليتيكيون الروس من وجهة نظرهم إلى الإجابة عن سؤال مكانة روسيا في المنظور العالمي، وما المسار الذي ينبغي أن يُسلك بعد صدمة نهاية القرن العشرين؛ أي صدمة سقوط الاتّحاد السوفيتي، إلى درجة أن عرّف الباحث الروسي ميخايلوف (A. I Mikhaylov) الجيوبوليتيكا الروسية في نهاية القرن العشرين بأنّها: "أيديولوجيا استعادة مكانة القوة العظمى للبلد".23

وفيما يأتي سنتحدّث بشكل عام عن أهمّ هذه التيّارات الفكرية التي تسعى إلى منافسة أطروحة دوغين عن الأوراسية الجديدة.

 

تيّار المؤسّساتية الدولية:

 يرتبط تيّار المؤسّساتية الدولية (International Institutionalism) بالتفكير الغورباتشوفي الجديد الذي يحثُّ على مسألة التعاون الدولي، ويتطلّبُ قيمًا ديمقراطية. فبحسب هؤلاء، يكفي أن تصير روسيا مشاركًا نشطًا في المنظمات السياسية والاقتصادية الدولية، وعليها أيضًا أن تتفاعل مع الغرب، وأن تتابع مبدأ "الأمن المتبادل" (Mutual Security). بعد نهاية الحرب الباردة والتحوّلات التي طالت النظام الدولي أيّد كلٌّ من الرئيس الأسبق بوريس يلتسين ووزير الخارجية الروسي أندري كوزيريف تلك الرؤية الداعية إلى تبنّي النزعة المؤسّساتية الدولية، وادّعى كلٌّ منهما أنّ روسيا سوف تتعاون مع الغرب، مرتكزةً على مبادئ الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والسوق الحرّة. إلّا أنّه وبحلول سنة 1994، تمّ إنهاء النزعة المؤسّساتية الدولية في روسيا، مع تعرّض كوزيريف للنبذ، باعتباره أبرز مروّجي الإيديولوجيا الغربية، وحدث بذلك تحوّلٌ كبير في السياسة الخارجية الروسية الرسمية. جاء كلُّ ذلك بسبب المشكلات السياسية والاقتصادية الداخلية التي عاشتها روسيا آنذاك، وبسبب استمرار توسّع الناتو نحو الشرق، لذلك، فقد تعرّضت إستراتيجية التعاون مع الغرب للتصدّع، وصارت النزعة المؤسّساتية الدولية في روسيا تتعرّض لتحدٍّ عميق من طرف المدارس الفكرية والجيوبوليتيكية الأخرى.24

 

تيار الليبرالية الجديدة:

يُعدّ تيّار الليبرالية الجديدة  (The Neolibiralism)في روسيا إلى حدٍّ ما امتدادًا للتيّار المؤسّساتي، ولاسيّما في مسألة التقارب السياسي والتعاون الاقتصادي المكثّف مع الغرب، فبعد نهاية الحرب الباردة وانتصار الليبرالية الغربية، صارت الأفكار الليبرالية طرحًا شائعًا بين الكثير من المثقفين والسياسيين الروس الذين رأوا في تحوّل روسيا نحو الغرب مصلحةً للدولة ورفاهيةً لشعبها. وكان مثل هذه الطروحات الليبرالية بمثابة الخصم الأول للأوراسيين الروس، فهي تُمثّل الطرح النقيض لأفكارهم، بما تُنظِّر له من توجّهات سياسية ليبرالية على نخب روسيا الحاكمة أن تتبنّاها. ولعلّ كتابَ الأستاذ بمعهد كارنيغي موسكو دمتري ترنين (Dmitri Trenin) "نهاية الأوراسية: روسيا على حدود الجيوبوليتيك والعولمة" الصادر سنة 2011، يُمثّل ذروة الطروحات النظرية الليبرالية بين علماء العلاقات الدولية الروس، إذ تأثُّرًا بخطاب النهايات، وعلى رأسها خطاب نهاية التاريخ لفوكوياما- يُحاجج ترينين بموت الأوراسية بصفتها عقيدة وبصفتها مشروعًا جيوبوليتيكيًّا مُحافظًا أيضًا، ليؤكد بأنّ روسيا "لن تنعم بالأمن من دون الغرب"، وهذه أفكارٌ مرتبطةٌ أيضًا بسياسيين روس، أمثال يغور غيدار وأندري كوزيريف (Yegor Gaidar and Andrei Kozyrev) اللذيْن شغلا مناصب حكومية خلال الحقبة المبكّرة لروسيا الاتّحادية سنوات التسعينيات، وبحسب هؤلاء جميعًا يُعَدّ عهد الإمبراطورية والاتّحاد السوفيتي انتهى إلى غير رجعة، فترينين يقول إنّه بسبب التأثيرات الخارجية المتفشيّة وخصوصًا تلك القادمة من الغرب، وأيضًا بسبب مبادرات العولمة الغربية- لم تعد منطقة أوراسيا التي تتمركزُ فيها روسيا منطقةً غير موجودة، لذا على روسيا أن تختار الانسحاب الجيوبوليتيكي التدريجي من الإقليم. وقد مثَّلَ مثلَ هذه الآراء ثُلّةٌ من النخب المُثقّفة والنخب السياسية الروسية المُشجّعة على التحوّل الغربي لروسيا وعلى المشروعات الإمبراطورية الغربية والأطلسيين، وقد حثّ هؤلاء منذ نهاية الحرب الباردة على إحداث تحوّل راديكالي في السياسة الخارجية الروسية وإعادة توجيهها نحو أوروبا والولايات المتحدة، بما فيها تحويل طبيعة الاقتصاد إلى اقتصاد ليبرالي يُؤمن بعقيدة السوق الحرّة، أو ما سَمَّوه آنذاك "بالعلاج بالصدمة"، حتّى يضعوا روسيا في مكانة تستفيد من خلالها من المؤسّسات الغربية الاقتصادية والأمنية، على غرار الاتّحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، وصندوق النقد الدولي، ومجموعة السبع الكبار.25

التيار الأوراسي الشيوعي:

يُمثّلُ هذه المدرسةَ الجيوبوليتيكيةَ الفكريةَ تيّارٌ اسمه: السوفيتيون الجدد أو الأوراسيون الشيوعيون   (Eurasian Communists، وهم أصحاب رؤيةٍ شيوعية لروسيا في إطار الاتّحاد السوفيتي. تدعو هذه المدرسة إلى عودة الاتّحاد السوفيتي، فروسيا لن تحظ مجدّدًا بالاحترام الدولي ما لم تستعد مجد الاتّحاد السوفيتي وحدوده السياسية. ويُعدّ الأستاذ غينادي زيوغانوف (Genadi Zyuganov) أحد أكثر مؤيدي هذه المدرسة الجيوبوليتيكية، (وزعيم الحزب الشيوعي الروسي). ويرى زيوغانوف قوة روسيا ومكانتها في عودة الاتّحاد السوفيتي فقط، فهو وحده الذي يتيح لروسيا بأن تكون قوةً أوراسية عالمية وخارقة، يتمّ ذلك عبر تأمين الاقتصاد، وزيادة القدرات النووية، والعودة إلى الاشتراكية، وتوحيد الخارج القريب بروسيا، وموازنة الولايات المتحدة؛ لذا كانت هذه الرؤية رؤية معادية لكلّ ما هو ليبرالي، وبرجوازي، وأوليغارشي. وعلى روسيا أيضًا أن تحارب العولمة، والرأسمالية عبر العودة إلى الشيوعية، والعدالة الاجتماعية، إضافةً إلى تقوية قدراتها العسكرية. تُعدّ فكرة الولاء للسلافية فكرة خاصة بالشيوعيين الروس، إذ يمكن تحقيق المهمة الجيوبوليتيكية لروسيا من خلال توحيد كلّ شعوب الحقبة ما بعد السوفيتية على أسسٍ طوعية26. ولهذه المدرسة أتباع معتبرون من الجيل السابق، ولهم حنين نوستالجي إلى الماضي، وهم غير مؤثّرين على صانع القرار الروسي الحالي، فهم لا يريدون استيعاب صدمة سقوط الاتّحاد السوفيتي بعد، وأنّ العالم قد تغيّر وجهه بشكل راديكالي.

  1. التيّار الأوراسي القارّي:

يقترب تيّار الأوراسية القارّية (Continental Eurasianism) من اليمين الروسي الجديد، وطروحات ألكسندر دوغين الأوراسية الجديدة، ولعلّ أكثر منظّريه بروزًا الأستاذ يورديس فون لوهاوزين الذي تميّز بتفكيره العابر للقارات، على حدّ وصف ألكسندر دوغين له. ولوهاوزين هو جنرال نمساوي ذو هوى أوراسي طبعًا، يلتزم النظرة العلميّة الصارمة، ويتميّز بتحليلاته الجيوبوليتيكية الصرفة، وله منطق يشبه منطق الوطنيين- البولشفيك و"اليمينيين الجدد"، كما أنّه ذو فكر قاري، ومن أتباع كارل هاوسهوفر. كتب لوهاوزين كتابًا بعنوان: "رجولة امتلاك السلطة، التفكير عبر القارات"، يُبرزُ فيه اهتمامه بمسألة السلطة السياسية ورجالاتها الذين يجب أن يتحلّوا بتفكيرٍ بعيد المدى: "عبر آلاف السنين، وعبر القارات"، بدلًا من التفكير من خلال المقولات الآنيّة المحليّة. ويقترح لوهاوزين المعادلة الآتية للسلطة: العظمة= القوة×مكان المتوضع. إذ يقول: "وبما أنّ العَظَمة هي القوة مضروبةً بمكان التموضع، فإنّ التموضع الجغرافي المناسب يُمَكّنُ من التطوير الكامل للقوى الداخلية". لذلك، فإنّ السلطة السياسية العقلانية وما إلى ذلك ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالمدى المكاني. ويَفصِل لوهاوزين مصير أوروبا عن مصير الغرب، معتبرًا أوروبا تكوّنًا قاريًّا وقع لفترةٍ محدودةٍ تحت سيطرة التالاسوكراتيا، ولكن أوروبا في حاجة إلى الحد الأدنى المكاني (الموقع الجغرافي) من أجل تحريرها السياسي. ويمكن تحقيق هذا الحدّ الأدنى فقط عبر توحيد ألمانيا، والعمليات التكاملية في أوروبا الوسطى، وإقامة الوحدة الترابية لبروسيا، ثمّ تشكيل الدول الأوروبية مستقبلًا في حلفٍ مستقلٍ موّحدٍ لا علاقة له بالأطلسية. وبالنسبة لمنطقة بروسيا، فإنّ لوهاوزين يراها تُمثّل القسم الأوراسي الأكثر قارية من ألمانيا، ولو أنّ عاصمة ألمانيا لم تكن برلين، بل كانت كينيغسبيرغ لسار "التاريخ الأوروبي مسارًا آخر" كما يقول، أقربَ إلى الصواب بتوجّهه إلى الاتّحاد مع روسيا ضدّ التالاسوكراتيات الأنكلوسكسونية. ويرى لوهاوزين أنّ مستقبل أوروبا في الأفق الإستراتيجي لا يمكن تصوّره بدون روسيا –وعلى العكس من ذلك، فإنّ روسيا (الاتّحاد السوفيتي) في حاجة إلى أوروبا، إذ إنّها جيوبوليتيكيًّا ناقصةٌ بدونها، ومكشوفةُ الجراح أمام أمريكا ذات التموضع الأفضل بكثير. وعليه فإنّ قوتّها ستتقدّم عاجلًا أو آجلًا على الاتّحاد السوفيتي بمراحل. وهكذا نجده يدعو إلى جعل أوروبا بأيّ ثمنٍ "حليفةً وصديقةً"؛ لأنّه الأمر الوحيد القادر على تصحيح الوضع الجيوبوليتيكي القدري للاتحاد السوفيتي، وتأسيس بداية جديدة من التاريخ الجيوبوليتيكي؛ أي المرحلة الأوراسية.27

التيار الديمقراطي الدولاتي:

هناك مدرسة جيوبوليتيكية فكرية أخرى في روسيا اسمها مدرسة الديمقراطيين الدولاتيين (Democratic Statists) ويُعَدّون أكثر الأوراسيين ليونةً (The Softest Eurasianists)، وهم يُدافعون عن الفكرة القائلة بدولة قوية، مرتكزة على ديمقراطيةٍ غربية الطراز، وقومية روسية جديدة، وهويّة فريدة. ويرى هؤلاء روسيا باعتبارها حضارةً متميّزةً، لها طريقها الخاصّ في توحيد أوروبا وآسيا، وإرساء أوراسيا، وزيادة التأثير الجيوبوليتيكي. كما يرون أنّ قيم الثقافة الروسية والمصالح الروسية والسياسة الروسية غير متوافقة مع الغرب. إنّ هدف روسيا هو متابعة طريقها الثقافي الخاص من خلال تطوير تقاليد وطنية خاصة، ومن خلال التعاون بين قوميات أوراسيا. ويؤيّد الديمقراطيون الدولاتيون تنمية الاقتصاد الروسي في إطار اقتصاد السوق، ويأخذون بعين الاعتبار مسألة التعاون مع الغرب ومؤسّساته الدولية. وبدلًا من أن تصير روسيا صاحبة عواطف جيوبوليتيكية، فإنّهم يحثّون روسيا على أن تتّجه لموازنة الولايات المتحدة ومنافسيها. لذلك، فهم يتصوّرون القوة الجيوبوليتيكية الروسية والهيمنة الأوراسية في التعاون مع الخارج القريب، أو التأثير فيه، إضافة إلى كلٍّ من الغرب وآسيا؛ لأجل زيادة قدراتها الجيوبوليتيكية. ويَحمِلُ الأستاذ فلاديمير أوزتانكوف (Vladimir Ostankov) (رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية العسكرية التابع لهيئة الأركان العامة الروسية) الرؤيةَ ذاتَها، وهو يرى أنّه ينبغي في ضوء التحوّلات الطارئة على العلاقات الدولية أن تعيد روسيا التفكير من جديد في أولوياتها الوجودية، وإمكانياتها الجيوبوليتيكية الجديدة. ويرى أوزتانكوف أنّ روسيا التي تقع في مركز أوراسيا كحلقة وصل، هي فضاء جيوبوليتيكي واحد، ومثلّث المحيط الأطلنطي-الهادي والمحيط الهندي، فعلى روسيا أن تستخدم إقليمها الجيوبوليتيكي، وإمكانياتها الاقتصادية، وشبكة النقل لديها، وأنابيب الغاز والنفط؛ لأجل ضمان وتأمين تنميتها الاقتصادية، وتأمين تفاعلها مع الثقافات والحضارات المختلفة. وقد نُظِر إلى مسائل الفضاء السوفيتي السابق، والتعاون مع الاتّحاد الأوروبي والولايات المتحدة، باعتبارها خطواتٍ ضرورية للسياسة الخارجية الروسية. إلّا أنّ أوزتانكوف يُحاجج أنّ تعاونًا طويلًا مع الولايات المتحدة يُعدّ أمرًا خطيرًا، وهذا ما ينطبق على القوى التي تمتلكُ مصالح في أوراسيا. وقد عارض توسّع الناتو، وأيّد حدوث تقارب سياسي وتعاون اقتصادي مع الشرق الأوسط.28

التيار الواقعي الجديد:

في مقابل هذه التيّارات، عمل تيّار الواقعيين الجدد في روسيا أيضًا (The Neorealism) على تطوير جملةٍ من المفاهيم والأفكار المتنوّعة؛ محاولًا التفريق بين أنماطٍ مختلفةٍ من الأنظمة، كنظام القطب الواحد، ونظام القطبين، والنظام متعدّد الأقطاب من جهة، وبين التهديدات الأمنية من جهة أخرى. على سبيل المثال، نجد اقتراح ألكسي بوكاتوروف (Aleksi Bogaturov) للنظر في النظام الدولي لما بعد الحرب الباردة على أنّه نظام "أحادي تعدّدي القطب" (Pluralistic Unipolaruty) الذي يكون فيه مركز القطبية عبارة عن مجموعةٍ من الدول المسؤولة (من بينها روسيا) بدلًا من دولة واحدة فقط (أي الولايات المتحدة). ونظر بوكاتوروف إلى روسيا باعتبارها عضوًا في مجموعة، وحاجج بدعم مكانتها داخل المركز العالمي، كما أنّه رفض فكرة وجود دولة قطبية أحادية في العالم. وبتعريفهم لروسيا باعتبارها مركز قوةٍ مستقلّ، يتبنى الواقعيون الروس مبدأ السياسة الخارجية ذات الاتجاهات المتعدّدة (Multi-Vector Foreign Policy). يُحاجِج الأكاديمي السابق الكبير وثاني وزير خارجية لروسيا الاتّحادية السيد يفغيني بريماكوف، بأنّه إذا ما كانت روسيا ستُحافظ على ذاتها كدولةٍ ذات سيادة مع قدراتٍ على تنظيم وتأمين المجال ما بعد الاتحاد السوفيتي ومقاومة طموحات الهيمنة من أيّ مكانٍ في العالم- فلن يكون لديها أيُّ بديلٍ إلّا عبر التحرّك في كلّ الاتجاهات الجيوبوليتيكية. وحذّر بريماكوف ومؤيّدون من انحياز روسيا بشكلٍ لا لبس فيه إلى أوروبا والولايات المتحدة على حساب العلاقات مع فواعل دولية أساسية أخرى على غرار الصين، والهند، والعالم الإسلامي. وقد أحدثَ هذا التيّار تأثيرًا ملموسًا في قضايا السياسة العليا في روسيا(High Politics) كالأمن القومي، والسياسة الخارجية الروسية. فعلى سبيل المثال، نجد ذلك منعكسًا بشكلٍ كافٍ في الوثائق الرسمية آنذاك، إذ عرّف مفهوم الأمن القومي للبلد سنة 1997 روسيا بأنّها "قوة أوروبية وآسيوية مؤثّرة"، وأوصى بأنّه يجب على روسيا أن تُحافظ على مسافةٍ متساويةٍ في علاقاتها مع "الفواعل السياسية والاقتصادية الأوروبية والآسيوية". ويُشير مفهوم الحكومة الرسمي المتعلّق بالسياسة الخارجية لسنة 2000، إلى روسيا الفيدرالية باعتبارها "قوةً عُظمى تحملُ على عاتقها مسؤولية المحافظة على الأمن في العالم، على المستويين العالمي والإقليمي على حدٍّ سواء"، كما حذّر من التهديدات الجديدة لعالم ذي بنيةٍ أحاديةٍ، تقبعُ تحت الهيمنة الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة".29

لكن، مع وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى الحكم سنة 1999، ثمّ تعزّز قبضته السياسية على الحكم في روسيا سنة 2004- بدا واضحًا لكلِّ متابعي الشأن الروسي أنّ كلّ هذه التيّارات الفكرية والمدارس الجيوبوليتيكية الروسية أخذت مكانها على الهامش، لتُفسح الطريق أمام المدرسة الدوغينية المتمثّلة في الأوراسية الجديدة، صاحبة التأثير الأكبر في التوجهات الإستراتيجية الكبرى لروسيا-بوتين المعاصرة. وسوف يوضّح لنا المحور الآتي بعضًا من ملامح هذا التأثير الفكري الدوغيني على عالم بوتين السياسي.

"عالمُ دوغين- بوتين": الأوراسية الجديدة في السياسة الخارجية الروسية المعاصرة:

العلاقة بين الأكاديمي اللامع ألكسندر دوغين والرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين لم تكن وليدة الصدفة إطلاقًا، كما أنّ محاولات دوغين للتأثير في صانع القرار الروسي بدأت قبل أن يبرز اسم فلاديمير بوتين على الساحة السياسية الروسية، إذ خاض دوغين مسيرةً حافلةً بالنضال السياسي-المدني في شبابه، ولاسيّما في الزمن الحرج الذي كانت تعيشه الساحة السياسية الروسية عقب سقوط الاتّحاد السوفيتي، ومرحلة الهشاشة والانتقال السياسية طيلة عقد التسعينيات، حيث عمل برفقة زملائه على تشكيل حزبٍ سياسي يدعو إلى عقيدةٍ سياسيةٍ جديدةٍ، على الدولة أن تتبّناها حتّى تخرج من وضعها الذي تعيشه الآن، وهي عقيدةُ "الأوراسية الجديدة". بدأ منذ ذلك الوقت نجم دوغين يتصاعد بشكلٍ مستمرٍّ، رغم معارضته لكثيرٍ من الأمور في النظام القائم زمن يلتسين، إلّا أنّه تمّكن من تحقيق نوعٍ من السلام التام مع هذا النظام بشكلٍ متبادل. ومع تلك الثقة التي كانت ممنوحة له، بدأ دوغين يُحاضرُ في مؤسّساتِ تعليمٍ عُليَا صُمّمت لتوليد النخبة الروسية. في سنة 1999، حاضر دوغين في مدرسة تقوم بتدريب الضبّاط المستقبليين لجهاز الاستخبارات الروسية (FSB) (خليفة KGB)، فقد كان يُخبرهم آنذاك أنّ على الضبّاط الروس أن يتصرّفوا كموظفين روس حقيقيين، ولا ينبغي عليهم احتساء الكحول الغربي، وتدخين السجائر الغربية، أو قيادة عربات غربية الصنع.30 وحينما وصل بوتين إلى الحكم، صار دوغين أكثر قُربًا من مؤسّسة الرئاسة، وهناك العديد من المؤشّرات على ذلك، منها:

أوّلًا، في شهر جوان/يونيو 2002، أطلق دوغين حزبه الأوراسي، وبدا ذلك مع مباركة بوتين له. بعدها بقليل انهار الحزب، أو بالأحرى طُرِد دوغين نتيجة لصراعات داخليّة فيه، إلّا أنّه لم يُغادر الحياة السياسية. ففي سنة 2003، أنشأ دوغين الحركة الأوراسية الدولية، واستمر في التمتّع بموقفٍ إيجابي من طرف السلطات. كانت سهولة وصول دوغين إلى التلفزيون إحدى أكثر البراهين الدالّة على موقف بوتين الحسن منه، ومع قبضة بوتين على الإعلام والسماح بظهور دوغين الإعلامي، اختفت آراء الأخير النقدية، وطلب منه أن يُشارك مواقفه أمام الجماهير الغفيرة.

ثانيًا، بدا واضحًا أنّ دوغين كان قادرًا على الحصول على دعم لنشاطاته من مصادر مقرّبةٍ من الحكومة، ولم يقم بتوضيح هذه المسألة طبعًا، وادّعى أنّه يستقبل الدعم المالي من ناد سرّي اسمه "النادي الاقتصادي الأوراسي" الذي يستقبل دعمه بدوره من رجال أعمالٍ أجانب سرّيين. وصار نفوذ دوغين واضحًا للعيان مع انضمام نُخبٍ روسيةٍ مؤثّرةٍ إلى حركته، وكان ذلك دليلًا على أنّ حركته ليست بالحركة المُهمّشة، وإنّما هي حركةٌ واعدةٌ بنخبِ روسيا المعاصرة. حينها بدأ الغرب يشعرُ بخطره ويرى فيه فاشيًّا متطرّفًا جديدًا، أو الرجل الأكثر صيتًا وانتشارًا بأفكاره بين نخب روسيا المعاصرة.

على سبيل المثال، كتب عنه جيستان غويغيل (Justin Gowgill) أحد الكتّاب الأمريكيين بمجلة (National Vanguard) بأنّه: "من الواضح أنّ الحركة الأوراسية تُحدِث الآن تقدّمًا كبيرًا بين القيادة السياسية الروسية، لقد عمل دوغين مستشارًا للجنرال نيكولاي كلوكاتوف، الرئيس السابق لأكاديمية التدريب العسكري في الأركان العامة، وقد كان دوغين نفسه أستاذًا للإستراتيجيا في هذه الأكاديمية". وبدا واضحًا أيضًا تأثيرُ دوغين في كلام بوتين نفسه، الذي صار يتكلّم بلغةٍ قريبةٍ جدًّا من اللغة التي يتكلّم بها دوغين وأتباعه. وفي أثناء خطابه الوطني سنة 2005، كرّر بوتين كلمةً بكلمةٍ المبادئ الأساسية للمنظور الأوراسي. على سبيل المثال، نظر إلى سقوط الاتّحاد السوفيتي على أنه "الكارثة الجيوبوليتيكية العظمى للبلد"، كما أكّد "أنّ لروسيا مهمّةً خاصّةً في القارة الأوراسية"،31 إلى درجةٍ عدّه متابعون أنّه (أي بوتين) نبيُّ التفاؤل بعصر الأوراسيا الجديدة، إذ أعطى بوتين في سياسته الخارجية اهتمامًا كبيرًا بعلم االجيوبوليتيك، فاقترب من أوروبا، وواجه الولايات المتحدّة؛ لأنّ الغرب ليس واحدًا في نظره بعلم االجيوبوليتيكا وفي تصوّر دوغين قبل كلِّ شيء. لقد عبّرت سياسته عن وعيٍ هويّاتي وُجودي، خصوصًا وأنّه مارس التدخّل الحاسم -كما تُقرِّرُ نظرية دوغين- في المجال ما بعد السوفيتي (جورجيا، وأوسيتيا الجنوبية، وأبخازيا، وأوكرانيا).32 وبالرغم من وقوف بوتين إلى جانب الولايات المتحدة في إعلانها الحرب على الإرهاب العالمي بعد أحداث 11 سبتمبر، إلّا أنّ بلاده أخذت بعدها بقليلٍ موقفًا قياديًّا في المعسكر المناوئ للولايات المتحدة، ضمّ هذا المعسكر كلًّا من ألمانيا وفرنسا، وأيضًا حين وقف هؤلاء ضدّ الغطرسة الأمريكية والموقف المهيمن لها في حربها على ما سمتّه الإرهاب، خصوصًا في "الشرق الأوسط"، فالولايات المتحدة تتحرّكُ بحسبهم "خارج أُطر القانون الدولي، والأعراف المشتركة" على حدّ تعبير وزير الخارجية الروسي آنذاك إيفانوف، إذ رأى أنّ إحدى مهامّ السياسة الخارجية الروسية الأساسية هي موازنة النزعة الأحادية الأمريكية، وهذا ليس إلّا جزءًا من الفلسفة الأوراسية.33

وبالرغم من انتقادات دوغين لبوتين بين الفينة والأخرى، فيما يتعلّق بسياسته الليبرالية الاقتصادية، وأيضًا بسبب تعاونه مع الغرب- إلّا أنّه عدّه الرئيس الأمثل لتطبيق أفكاره، والحليف الراسخ له. وفي سنة 2002 أنشأ حزب أوراسيا الذي لاقى ترحيبًا من طرف العديد من الشخصيات في إدارة بوتين. وكان الكرملين متسامحًا ومُشجِّعًا لهذا الحزب، فقد كان بحاجةٍ إلى إظهار بعضٍ من مظاهر الديمقراطية والتعدّدية الحزبية على كلّ حال. وخلال عمله الحزبي، بنى دوغين علاقاتٍ قويّةٍ مع سيرجي غلازييف (Glazyev Sergei) الذي يُعدُّ شريكًا في قيادة الكتلة السياسية الوطنية رودينا (Rodina)، كما عمل أيضًا مستشارًا لدى بوتين في قضايا التكامل الأوراسي. وفي سنة 2003، حاول دوغين أن يصير نائبًا برلمانيًّا مع كتلة الرودينا، إلّا أنّه أخفق في ذلك. وبالرغم من أـنّ غزوته الانتخابية باءت بالإخفاق، فقد استقبلَ بعضٌ من الناخبين بإيجابيةٍ مناهضته للمشروعات الغربية، مشجعين إيّاه للمضي قُدمًا مع حركته الأوراسية. وبعد صدمة الثورة البرتقالية في أوكرانيا سنة 2004، أنشأ دوغين "رابطة الشباب الأوارسي"، التي روّجت للتعليم الوطني المناهض للغرب، وقد كان له 47 مكتبَ تنسيقٍ في التراب الروسي، ومكاتبُ في بلدان كومنولث الدول المستقلة، وبولندا، وتركيا أيضًا، متجاوزًا بطاقمه أيَّ حركةٍ قائمةٍ ذات توجّهٍ ديمقراطيٍّ.34

في سنة 2008، نُصِّبَ دوغين أستاذًا في أرقى جامعة روسية، جامعة موسكو الحكومية/ كرئيس للمركز السوسيولوجي الوطني للدراسات المحافظة، كما صار وجهًا معروفًا في كلِّ القنوات الروسية الأساسية، معلّقًا على كلٍّ من الشؤون الداخلية والخارجية، ولم يذُع صيته إلّا بعد المظاهرات الداعية للديمقراطية شتاء 2011-2012، وتحرّك بوتين في الوقت نفسه لبناء وحدةٍ أوراسية. إنّ الحجم الكبير الذي أخذه دوغين في الحياة الروسية العامة ما هو إلّا علامة على قبول بوتين له، فالإعلام الروسي، ولاسيما التلفزيون يُسيطَر عليه كليًّا في الأغلب الكرملين. وقد أيّدّ دوغين–ومن شابهه من المفكرين الروس- بكلّ تفانٍ الحركة الروسية في أوكرانيا، مطالبين بوتين بأخذ شرق وجنوب أوكرانيا. وقد تصاعدت شعبية بوتين بعدها، إذ يعتقد 65% من الروس أنّ القرم وشرق أوكرانيا "أراض روسيّة أساسًا"، ولروسيا الحقّ في استخدام القوّة العسكرية للدفاع عن شعبها"؛ ليثبت بعدها أنّ دوغين هو ذخرٌ ثمينٌ لبوتين. وقد جعل بعضًا من مواقف الرئيس أكثر شعبيةً في قضايا عديدة مثل المسألة الأوكرانية، والأزمة السورية، وحدود الحرية الشخصية، والفهم التقليدي للعائلة، وعدم التسامح مع المثلية الجنسية، ومركزية الكنيسة الأورثودكسية لأجل؛ الولادة الجديدة لروسيا كقوة عظمى. إلّا أنّ إبداعه الأكبر كان الأوراسية الجديدة. إنّ إيديولوجية دوغين أثّرت في كلِّ جيلِ النشطاء والسياسيين المحافظين والراديكاليين، والذين –إذا ما أُتيحت لهم الفرصة- فسوف يقاتلون؛ لأجل تبنّي المبادئ المركزية لدوغين، باعتبارها سياسةً للدولة الروسية المعاصرة.35

خاتمة واستنتاجات:

في شهر مارس الماضي 2018، فاز الرئيس فلاديمير بوتين مرّةً أخرى بعهدةٍ جديدة، ليستمر نفوذه في روسيا المعاصرة قرابة عقديْن من الزمن، تمكّن فيها من إعادة روسيا الفيدرالية إلى ساحة القوى الدولية الفاعلة من جديد. وكان هذا الفوز بدوره انتصارًا للنزعة الأوراسية الجديدة في روسيا التي سيتنامى تأثيرها وتأثير صاحبها ألكسندر دوغين في صانع القرار الروسي بشكلٍ مستمرٍّ، وليست الأزمة السورية الراهنة إلّا أحد أكبر الأدّلة المُحاججة بذلك. ولا يزال الرئيس فلاديمير بوتين يرى في هذه الأزمة أزمةً صفريةً، ومعركتها إحدى أهمّ المعارك المعاصرة للتيلوكراتيا ضدّ التالاسوكراتيا الجديدة على حدّ تعبير دوغين، فالحلم الروسي القديم بالوصول إلى المياه الدافئة والدفع –من ثَمّ- بقوى البحر بعيدًا عن إقليمها صار حُلمًا قريبًا جدًّا، وإسهام دوغين فيه بات واضحًا أيضًا مع تفاني الروس في دعم نظام الأسد السوري بشكلٍ مستميت بسبب نصائحه واستشاراته الحاسمة.

لا يزال دوغين يكتبُ بشكلٍ مستمرٍّ وغزيرٍ في مواقعَ ومجلاتٍ روسيةٍ وعالميةٍ كثيرة، ويُحاضر في جامعاتٍ ودولٍ عديدة، مُعلّقًا على الأحداث العالمية الراهنة، مؤوّلًا إيّاها في سياقٍ جيوبوليتيكيٍ جذّاب، ذي علاقة بصراع البَرّ الأزلي ضدّ حضارات البحر.

من خلال ما سبق، نستخلص الدور المؤثّر الكبير لعَالمِ الأكاديميا في روسيا في صنع فلسفة الدولة الروسية المعاصرة، وأيضًا في رسم وإعادة توجيه سياستها الخارجية تجاه العالم، وإنّ شخصيات مثل سفيتسكي، وبوكاتوروف، ولوهاوزين ودوغين كانت ولا تزال لها بصمةٌ جليّة على سلوكات الدولة الروسية المعاصرة في مُحيطيَها الإقليمي والدولي مثلما رأينا، ولن نُبالغ إذا قُلنا إنّ شخصيةً كشخصيةِ ألكسندر دوغين سوف تقف على قدم المساواة إلى جانب شخصياتٍ جيوبوليتيكيةٍ كبيرة حفظها وسيحفظها تاريخ العلاقات الدولية أمثال: صان تسو، ونيكولاي ميكيافيلي، وكارل فون كلاوزفيتز، وهينري كيسنجر، وزبيغنيو بريجانسكي، وأحمد داود أوغلو وغيرهم، الذيم أسهموا بطريقةٍ ما في رسم معالم هذا العالم الذي نعيش فيه اليوم.

الهوامش والمصادر:

 

  • أدّت الجغرافيا منذ آلاف السنين دورًا رياديًّا في تحديد نمط سلوك الوحدات السياسية، وتصورات القادة والمجتمعات للدور الذي ينبغي أن تضطلع به "دولتهم"، والمكانة التي ينبغي أن يأخذها مجتمعهم في علاقته ببقية الوحدات السياسية والمجتمعات، سواء في زمن الحرب أم في أوقات السلام... انظر: جيرار ديسوا، دراسة في العلاقات الدولية، ترجمة قاسم مقداد، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2015، الجزء الثاني: النظريات البيدولاتية، ص95.

يؤكد الجيوبوليتيكي الأمريكي الشهير نيكولاس سبيكمان هذه الحقيقة، حينما كتب في أعقاب الحرب العالمية الثانية سنة 1942 يقول: "الجغرافيا لا تُجادل، فهي ما هي عليه ببساطة... الجغرافيا هي العامل الأكثر أهمية في السياسة الخارجية للدول، لأنّها أكثر العوامل ديمومة، يأتي الوزراء ويذهبون، وحتّى الطغاة يموتون، لكن السلاسل الجبلية تظلّ راسخة في مكانها. إنّ جورج واشنطن الذي دافع عن ثلاثة عشرة ولاية بجيش غير نظامي، خلّفه فرانكلين روزفيلت الذي كانت تحت تصرّفه موارد قارة بأسرها، لكن المحيط الأطلسي استمر في فصل أوروبا عن الولايات المتحدة، كما أنّ موانئ نهر سانت لورنس لا تزال تُغلَق بسبب الجليد في فصل الشتاء. أمّا ألكسندر الأول وهو قيصر جميع الأراضي الروسية فقد أورثَ جوزيف ستالين ليس فقط سلطته ولكن كفاحه الذي لا ينتهي للوصول إلى المياه الدافئة"... انظر: روربت كابلان، انتقام الجغرافيا: ما الذي تُخبرنا به الخرائط عن الصراعات المقبلة وعن الحرب ضدّ المصير؟ ترجمة إيهاب عبد الرحيم علي، سلسلة عالم المعرفة، الطبعة الأولى، يناير 2015، الكويت، ص50، صحيح أنّ الإنسان هو الذي يبادر ويستخدم الجغرافيا أو يُعطلّها، لكنّ الجغرافيا هي التي تحدّد مصيره، وهذا لخصّه ماكيندر في جملة واحدة حينما قال: "الإنسان هو من يبادر وليس الطبيعة، لكن الطبيعة هي التي تتحكّم بشكل أكبر".

See: Importance of geography in world politics, the montréal review, Geopolitics: June 1, 2009.

https://goo.gl/2GEzAF

 

1- Robert Istove, Russian Geopolitics and Geopolitics of Russia- Phenomenon of Space, European Journal of Geopolitics, 1, 2013,  p: 63-64-65.

https://goo.gl/2NXj9Z  

 

2 - Anton Barbashin and Hannah Thoburn, Putin's Brain, Alexander Dugin and the Philosophy Behind Putin's Invasion of Crimea, Foreign Affairs, March 31, 2014.

 

https://goo.gl/pGbFZd

 

  • Georges Florovsky, Nikolai  Trubetzkoy,  Petr Savitskii, and Petr Suvchinsky.

 

3 – Ibid.

  • يُعَدّ سافيتسكي الكاتب الروسي الأول الذي يمكن وصفه بالعالم الجيوبوليتيكي بكل ما في الكلمة من معنى، هو اقتصادي من حيث الاختصاص، تلمذَ على يد ف. فرنادسكي وب. ستروكي، وكان قريبًا من حزب الكاديت الروسي، ترأَّس سنة 1921 الحركة الأوراسية، وكان سافيتسكي الأكثر اهتمامًا بقضايا الجيوبوليتيك بين جميع الأوراسيين. انظر: ألكسندر دوغين، أسس الجيوبوليتيكا: مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي، ترجمة عماد حاتم، دار الكتاب الجديدة المتحدة، الطبعة الأولى، 2004، طرابلس، الجماهيرية العظمى، ألكسندر دوغين، مرجع سبق ذكره، ص123.

4 ألكسندر دوغين، أسس الجيوبوليتيك، المرجع ذاته، ص130-131.

5 - محمد محمود إبراهيم الديب،  الجغرافيا السياسية، منظور معاصر، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة السادسة، 2005، القاهرة-مصر، ص836.

6 -عبد القادر محمد فهمي، المدخل إلى دراسة الإستراتيجيا، دار مجدلاوي، الطبعة الأولى، 2006، عمان- الأردن، ص98.

7 – عدنان صافي، الجغرافيا السياسية بين الماضي والحاضر، مركز كتاب الأكاديمي، أوت 1999، عمان- الأردن، ص105

8 – عبد القادر محمد فهمي، مرجع سبق ذكره، ص102.

9 - Matthew Schmidt, Is Putin Pursuing Policy of Eurasuanism? Demokratizatiya, The Journal of Post-Soviet Democratization,13(1):87-100 December 2005, p: 92.

https://goo.gl/JtqJ8r

 

 

10 - Anton Barbashin and Hannah Thoburn, Op Cit, p: 03.

11 - Dmitry Shlapentokh, Dugin Eurasianism: A Window on the Minds of the Russian Elite or an Intellectual Ploy? Studies in East European Thought, Vol. 59, No. 3 (Sep., 2007), p: 219-220.

https://goo.gl/r8oJdX  

 

  • يرى دوغين أنّ للولايات المتحدة آليتين أساسيتين لتحقيق هذه المهمة، هما: أولًا، عبر السيطرة غير المباشرة من خلال العولمة، وهي أكثر الآليات خطورةً بالنسبة لروسيا؛ لأنّها آلية زاحفة وحادّة الذكاء، بل إنّ الروس لا يفهمون حتّى بأنّهم يُفترَسون من طرف الوحش الأمريكي على حدّ تعبيره. لذلك، على روسيا أن تجتهد للمحافظة على استقلالها الرسمي، لكن لن يكون ذلك أمرًا مجانيًّا، فمن الممكن أن يُسيطَر عليها من طرف "المؤسسات العابرة للقوميات"، التي تُعدّ في الحقيقة أداةً أمريكية للهيمنة العالمية. أيضًا، يمكن للولايات المتحدة استخدام الروس الموالين لها في لعبة جيوبوليتيكية ما ضدّ تهديدات جيوبوليتيكية أخرى، مثلًا، لأجل موازنة الصين أو العالم الإسلامي. أمّا السيناريو الثاني فينطوي على تفكيك روسيا، وجعل الولايات المتحدة في حالة هيمنة كاملة. في هذا السيناريو، سوف تكون النخب الأمريكية بطيئةً وحذرةً في تفعيل هذا التفكّك. إذا كانت العملية سريعةً، والتورط الأمريكي واضحًا جدًّا، فمن الممكن أن يقود ذلك إلى صعود نخبةٍ راديكاليةٍ في روسيا تواجه الولايات المتحدة بشكل مباشر. أشار دوغين إلى أنّ نخبةً كهذه من الممكن أن تتصرّف بشكلٍ سريعٍ ورجعي. من الممكن أن يؤدّي التفكّك السريع إلى الفوضى، فوضى لن تكون أيضًا في مصلحة الولايات المتحدة، مع ذلك يؤمن دوغين أنّ الولايات المتحدة سوف تقبل المخاطرة لأجل فوائد أكبر، هزيمة المنافس الجيوبوليتيكي الأكبر هو خيار جذّاب لا ينبغي استبعاده.

See: Dmitry Shlapentokh, Op Cit, p: 224.

 

12 - Dmitry Shlapentokh, Op Cit, p: 228-229.

13 - Dmitry Shlapentokh, Op Cit, p: 231.

14 - Anton Barbashin and Hannah Thoburn, Op Cit, p: 04.

15 - Michael Millerman, Alexander Dugin’s Neo-Eurasianism and the Eurasian Union Project: A Critique of Recent Scholarship and an Attempt at a New Beginning and Reorientation, December 31, 2012, p: 03- 04.

https://goo.gl/gcR6bM

 

16- جلة سماعين، النظرية السياسية: روسيا والأفكار السياسية للقرن الحادي والعشرين، مجلة المستقبل العربي، كتب وقراءات، العدد: 445، مارس 2016، ص171.

https://goo.gl/mb1ZtU

17 - Anton Shekhovtsov and Andreas Umland, Is Aleksandr Dugin a Traditionalist? "Neo-Eurasianism" and Perennial Philosophy, The Russian Review, Vol. 68, No. 4 (Oct. 2009), p: 665.

https://goo.gl/P1Agjk

 

18 - Anton Shekhovtsov and Andreas Umland, Op Cit, p: 662.

19 - Michael Millerman, Op Cit, p: 06.

20 – Ibid.

21 - Michael Millerman, Op Cit, p: 07.

22 - جلّة سماعين، مرجع سبق ذكره، ص173-174.

23 - Robert Istove, Op Cit, p: 62-63.

24 - Clapsa Dmitri, Geopolitical Thinking in Russia and New Foreign Policy Concept,  Russia and the European Security System,  POLS Student, February 2006, p: 11.

https://goo.gl/MjJizY

 

 

25 - Toni Mileski, Identifying the new Eurasian orientation in modern Russia, Eastern Journal of European Studies, Volume 6, Issue 2, December 2015, p: 184.

https://goo.gl/CCsKQS

 

26 - Clapsa Dmitri, Op Cit,  p: 07-08.

 

27- ألكسندر دوغين، مرجع سبق ذكره، ص184-185-186.

28 - Clapsa Dmitri, Op Cit, p: 09-10.

29 - Toni Mileski, Op Cit, p: 185.

30 - Dmitry Shlapentokh, Op Cit, p: 218.

 

31 - Dmitry Shlapentokh, Op Cit, P: 219.

32 – جلّة سماعين، مرجع سبق ذكره، ص: 173-174.

33 - Matthew Schmidt , Op Cit, p: 95.

 

34 - Anton Barbashin and Hannah Thoburn, Op Cit, p: 04-05.

35 – Ibid.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


ملصقات
 »