رؤية تركية
أفكار متحدية

الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

حدود التغيّر في العلاقات الروسية- السعودية شراكة إستراتيجية أم علاقات عادية؟

حدود التغيّر في العلاقات الروسية- السعودية شراكة إستراتيجية أم علاقات عادية؟

حدود التغيّر في العلاقات الروسية- السعودية  شراكة إستراتيجية أم علاقات عادية؟

ملخص رغم حالة "التقارب الراهنة" في العلاقات الروسية- السعودية، فهي لا تزال بعيدة عن مستوى "الشراكة الإستراتيجية"، بسبب اختلاف الدولتين حول العديد من القضايا الإستراتيجية/السياسية، ومن أبرزها: الأزمة السورية، ونظرة الجانبين إلى سلوك إيران الإقليمي، وكيفية التعامل معه، وطبيعة السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط، وفي المدى المنظور، تتوافق موسكو والرياض حول أهمية زيادة التعاون النفطي/الاقتصادي بينهما. أمّا في المدى البعيد،  فإن هذا التقارب محكومٌ بالقيود الدولية والإقليمية، وعلى رأسها: الموقف الأمريكي منه، وتفضيل روسيا علاقاتها الإستراتيجية مع الدول الأكثر تأثيرًا في الشرق الأوسط، وهي تركيا وإسرائيل وإيران، رغم حرص موسكو على الاستفادة اقتصاديًّا وماليًّا من التعاون مع السعودية

بعد زيارة العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى روسيا في أكتوبر/تشرين الأول 2017، حقّقت علاقات موسكو– الرياض درجةً من التقارب، وشهدت توقيع عدد من اتفاقيات التعاون الاقتصادي، وقد مرّت العلاقات الروسية– السعودية بالعديد من المراحل، قبل بلوغ التقارب الراهن، الذي يصعب تحليل حدوده وآفاقه من دون استعراض تاريخ هذه العلاقات ومواطن اتفاق الجانبين وخلافاتهما.

في هذا الإطار، تسعى الدراسة إلى تحليل طبيعة العلاقات الروسية– السعودية، ومستقبلها، وانعكاساتها على إقليم الشرق الأوسط، ضمن سياقٍ دولي متغير، يبدو كأنّه يتجه إلى "نظام دولي متعدد الأقطاب". وذلك عبر طرح عدة تساؤلات، حول طبيعة العلاقة بين فاعليْن دولييْن (روسيا والسعودية) من مستويين مختلفين في القوة والنفوذ، تجمع بينهما؛ أي بين الفاعليْن، الرغبةُ في التأثير في توازنات إقليم الشرق الأوسط، الذي يشهد إعادة ترتيب أوزان القوى والفاعلين فيه، عبر بوابة الأزمة السورية أساسًا. حيث سيتم بحث العوامل/المحددات الأكثر تأثيرًا في علاقات موسكو- الرياض. أهي عوامل إستراتيجية وجيوبوليتيكية؟ أم اقتصادية؟ أم ثقافية؟ أم ماذا؟ وهل ثمة انفصال بين هذه المحددات؟ أم أنها متداخلة مع بعضها بعضًا؟ وما تأثير الأطراف الأخرى ومواقفها، وخصوصًا الطرف الأمريكي، من أي تقارب روسي– سعودي؟ وبصياغة أخرى، ما تأثير البيئة الخارجية في العلاقات الروسية- السعودية؟ وهل هذه البيئة مؤيدة أم معوِّقة لتطوير تلك العلاقات؟

وعلى ضوء ما تقدم، ستنقسم الدراسة إلى خمسة أقسام، تبدأ بخلفية عن العلاقات السوفيتية- السعودية (1932- 1989). ثم تعالج أهم المتغيرات المؤثرة في العلاقات، خصوصًا بعد وقوع عدد من الأحداث المفصلية في تطور النظامين الدولي والإقليمي، ومنها: انهيار الاتحاد السوفيتي 1991، وأحداث 11/9/2001، ثم احتلال العراق ربيع 2003، ثم حرب لبنان صيف 2006، وتداعيات سياسة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في التقارب مع إيران، واندلاع الثورات العربية عام 2011، والتدخل العسكري الروسي في سوريا خريف 2015.

أوّلًا– العلاقات السوفيتية- السعودية: 1932- 1989

عند تحليل العلاقات الروسية– السعودية حاليًّا، وكذلك العلاقات السوفيتية- السعودية قديمًا،  ينبغي دراستها منهجيًّا في إطارٍ أبعد من طرفيها المباشريْن؛ إذ يؤدّي السياقان الدولي والإقليمي دورًا واضحًا في التأثير في خيارات السياسة الخارجية السعودية.

وفي هذا الإطار، تمثّل الولايات المتحدة الأمريكية أهم فاعل دولي يؤثّر في سياسات السعودية وعلاقاتها وتحالفاتها الخارجية. وبتعبير آخر، تؤدّي واشنطن، دور الطرف الثالث، في علاقات موسكو– الرياض.

وكذلك تؤدّي القوى الإقليمية المنافِسة للسعودية، ولاسيما إيران، دورًا كابحًا يحول دون تطوير السعودية علاقاتها مع روسيا إلى حدود التحالف أو الشراكة الإستراتيجية؛ إذ تمثّل كلٌّ من تركيا وإيران وإسرائيل، لاعبًا إقليميًّا مهمًّا، لا تستطيع موسكو تجاوز مصالحه في إقليم الشرق الأوسط، إن هي أرادت تطوير علاقاتها مع الرياض، بما يؤثّر في مصالح هؤلاء الفاعلين الإقليميين الثلاثة. وهم أكثر تأثيرًا وقوة من السعودية، في الإقليم، بحكم امتلاكهم قدرات ذاتية، وأدوات متنوعة لتنفيذ سياسات خارجية فعّالة، ورؤية إستراتيجية متماسكة في تحالفاتها الدولية والإقليمية، وكلها مواطن قصور تعانيها الرياض بالمقارنة.

ويمكن في هذا السياق، الإشارة إلى النقاط التفصيلية الآتية:

1-رغم أن "عدم الانحياز" (Nonalignment) كان أحد المكونات الأساسية لتوجّه السياسة الخارجية السعودية خلال فترة الحرب الباردة، فإن الرياض لم تكن لها خلال الجزء الأكبر من هذه الفترة علاقات دبلوماسية مع الكتلة السوفيتية؛ إذ قطعت الرياض علاقاتها الدبلوماسية مع موسكو مبكّرًا في عام 1938. ونتيجةً لذلك كان أغلب علاقات السعودية مع دول الغرب[1]، ولاسيّما الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تكن الرياض متحمسةً، في أغلب الأحيان، للبحث عن حلفاء في أماكن أخرى، إلا في نطاق تكتيكي ومؤقت، لا يغير من جوهر "توجّه السياسة الخارجية" (Foreign Policy Orientation)، الذي يبقى توجّهًا نحو دول الغرب أساسًا.

2- رغم اعتراف الاتحاد السوفياتي بدولة إسرائيل وقت إعلان قيامها، فإن الكتلة السوفيتية كانت في مقدمة مؤيدي القضية العربية؛ (قضية فلسطين)، سواء ضد الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة، أم ضد إسرائيل منذ عام 1956[2].

ورغم تأييد الروس للحقوق الفلسطينية/العربية إجمالًا، فقد أحجمت الرياض عن إقامة علاقات دبلوماسية مع موسكو، وركزت بالمقابل على التحالف مع الدول الغربية، وهي الداعم الأقوى لإسرائيل.

ورغم اعتراض الرياض "اللفظي" -مثل كل العواصم العربية الأخرى- على إنشاء دولة إسرائيل في قلب العالم العربي عام 1948، فقد كان القادة السعوديون أكثر قلقًا بشأن "الاختراق السوفيتي" للشرق الأوسط؛ إذ رأت الرياض أن تحالف موسكو مع كلٍّ من القاهرة ودمشق وبغداد في خمسينيات القرن العشرين، يشكّل تهديدًا أكبر من التهديد الذي تفرضه الصهيونية[3].

ولذلك اتبع النظامُ السعودي "المحافِظ" مسلكًا مختلفًا عمّا اتبعته النظم العربية في مصر وسوريا والعراق. ورغم "التوافق العربي" على الخطر الذي تشكِّله إسرائيل، فإن الرياض لم تَبنِ حساباتها على الدعم الروسي للعرب، وإنما رَجَحَ لدى صانعي القرار السعودي أن منحى الحوار وإقامة العلاقات مع الدول الغربية بعامة، والولايات المتحدة الأمريكية بخاصة- هو الذي يمكن أن يشكّل ضغطًا حقيقيًّا على الكيان الإسرائيلي[4].

3- شهدت مرحلة الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، محاولةً من قوى الاستعمار لتشكيل جبهة مؤيدة للغرب في المنطقة العربية، في مواجهة الاتحاد السوفيتي، وذلك بعد اشتداد الحرب الباردة بين القطبين الأمريكي والسوفيتي[5]. ففي إطار سياسة "الأحلاف العسكرية" في الشرق الأوسط، برز مشروع الرئيس الأمريكي أيزنهاور لملء فراغ الانسحاب البريطاني من المنطقة، ويبدو أن بعض الساسة الأمريكيين قد أرتأى زجَّ الإسلام ضمن تشكيل مناوئ للإلحاد، كي يكون عونًا للغرب في حربه الباردة ضد السوفييت. وبعد إخفاق "حلف بغداد"، بسبب التطورات التي شهدها العراق في 14 تموز/يوليو 1958، وبسبب معارضة كلٍّ من: مصر الناصرية وسوريا والسعودية- اتجهت السياسة الأمريكية، بعد حرب 1967، إلى دعم السعودية في مسعاها إلى إنشاء "منظمة المؤتمر الإسلامي"[6].

قامت واشنطن بحفز النظام السعودي لكي يقوم بدور مناوئ للرئيس عبد الناصر وتيار القومية العربية؛ إذ عملت الدبلوماسية الأمريكية على تفكيك التقارب المصري-السوري-السعودي الذي نشأ في آذار/مارس 1955 على خلفية معارضة هذا المثلث، "حلف بغداد"[7].

بهذا المعنى، فقد رأت واشنطن في النظام السعودي حليفًا قويًّا لسببين: أحدهما أنه لم يتوقف عن مجاهرته بالعداء للشيوعية. والآخر أن السعودية تتمتع بمقام رفيع في أوساط البلدان العربية، بسبب موقعها الديني ورعايتها الحرمين الشريفين. وكان أيزنهاور على قناعة بقدرة "الإسلام السياسي" على التنافس مع القومية العربية العلمانية، وكانت تلك مقدمة التفكير في "الحلف الإسلامي" بزعامة السعودية. ومنذ ذلك الحين، أصبحت السعودية تشكّل قيادة الجبهة المناوئة للتيارات الثورية القومية واليسارية في العالم العربي"[8].

4- أدّت السعودية، ولاسيّما في عهد الملك فيصل بن عبد العزيز (1964- 1975)، دورًا مهمًّا في تشجيع الرئيس المصري محمد أنور السادات على التقرّب أكثر إلى واشنطن، لكونها اللاعب الدولي الأكثر تأثيرًا في الصراع العربي– الإسرائيلي.

ورغم توقيع معاهدة الصداقة والتعاون السوفيتية– المصرية في أيار/مايو 1971، قام الرئيس السادات بالاستغناء عن خدمات الخبراء العسكريين السوفييت العاملين في بلاده في تموز/يوليو 1972. وفي هذا السياق، شجّع العاهلُ السعودي فيصل، الرئيسَ المصري على تنويع مصادر سلاح بلاده، والابتعاد عن موسكو؛ ففي أثناء زيارة الملك إلى القاهرة في أيار/مايو 1973 تم الاتفاق على أن تقدّم الرياض مبلغ 250 مليون جنيه إسترليني لإعادة تسليح الجيش المصري، وبهذا أسهم التقارب المصري- السعودي في تقوية سياسة السادات في القطيعة مع الاتحاد السوفياتي، والتوجّه التامّ صوب الولايات المتحدة الأمريكية[9].

وقد أسهم هذا التوجّه السعودي– المصري نحو التحالف مع واشنطن، في تقوية موقعها وترسيخ مكانتها في العالم العربي عمومًا؛ إذ نجحت واشنطن –على مدار 4 عقود- في تفكيك المنطقة العربية عبر ثلاث أدوات: أولاها احتكار عملية التسوية السلمية للصراع العربي– الإسرائيلي، والهيمنة على صياغة اتفاقياتها وأطرها الثنائية ومتعددة الأطراف. وثانيتها تأجيج الصراعات العربية– العربية، وتوظيف الصراعات الإقليمية البينية، مثل الحرب العراقية- الإيرانية 1980- 1988. ثالثتها حصار العراق، ثم احتلاله ونهب ثرواته وتخريب بنيته المجتمعية والسياسية. وبهذا بقيت أمريكا لسنوات طويلة هي الفاعل الدولي الأبرز تأثيرًا في إقليم الشرق الأوسط برمته، مع قيامها بإضعاف وتهميش واحتواء أدوار القوى الدولية الأخرى، مثل الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين[10].

5- ضمن صراع القطبين الأمريكي والسوفيتي حول مناطق النفوذ في إطار الحرب الباردة، جاء غزو أفغانستان في ديسمبر/كانون الأول 1979. وقد أدّت كلٌّ من السعودية وباكستان -بالوكالة عن واشنطن- دورًا محوريًّا في دعم "المقاتلين الأفغان"، بهدف استنزاف الروس، وإضعاف نفوذهم في الساحات القريبة من الاتحاد السوفياتي[11].

وكانت للرياض مصلحة في هزيمة الروس في أفغانستان، وفي هذا الإطار قدمت السعوديةُ دعمًا ماليًّا سخيًّا للأفغان العرب، حيث برز دور كلٍّ من: عبد الله عزام وأسامة بن لادن؛ إذ أسّس الأول في عام 1984 "مكتب خدمات المجاهدين"، ليكون مؤسسةً إغاثية جهادية متخصصة بالعمل في أفغانستان[12]. كما لمع اسم الثاني بوصفه أبرز وجوه "الأفغان العرب".

كما كان للسعودية حليفان آخران من الأفغان؛ أحدهما عبد رب الرسول سياف، الذي أسّس حزب "الاتحاد الإسلامي". والآخر قلب الدين حكمتيار، رئيس ذلك الحزب لاحقًا. وفي هذا السياق، تنسب بعض المصادر دورًا كبيرًا للسعودية في التأثير المالي والأيديولوجي في حركات إسلامية في أفغانستان وآسيا الوسطى وروسيا الاتحادية والشيشان، ولاسيّما عبر المساعدات المالية التي كانت تقدّمها "مؤسسة الحرمين الخيرية". وقد أتاحت المنظمات الخيرية السعودية الأخرى، مثل رابطة العالم الإسلامي، وهيئة الإغاثة الإسلامية العالمية، والندوة العالمية للشباب الإسلامي- للسعودية أن تنشر أجندتها الدينية/المذهبية/السياسية في مناطق واسعة من العالم، خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين[13].

باختصار، سجّلت هذه المرحلة من تاريخ العلاقات السوفيتية– السعودية، تباعدًا دبلوماسيًّا بين الطرفين، وشهدت فيضًا من الخلافات بين البلدين في الفترة 1938- 1989، المتعلقة بقضايا الحرب الباردة، وانحياز الرياض لفكرة محاربة الشيوعية والنفوذ السوفيتي والحركات اليسارية في العالمين العربي والإسلامي.

وقد استمرّ هذا "الفتور الدبلوماسي" بين الاتحاد السوفيتي والمملكة العربية السعودية إلى حدّ ما- حتى وقّع البلدان في أيلول/سبتمبر 1990، اتفاقيةً متعلقة بتبادل بعثتين دبلوماسيتين، وبهذا اختُتمت فترة المواجهة الدولية والإقليمية الطويلة الأمد[14].

كانت إعادة العلاقات بين موسكو والرياض جزءًا من التحولات في منظومة العلاقات الدولية في مطلع تسعينيات القرن العشرين؛ أملتْها عملياتُ إعادة البناء الداخلي "البيريسترويكا" في الاتحاد السوفيتي، والتفكير السياسي الجديد في مجال السياسة الخارجية. وكانت حصيلة هذه التحولات حدوث "تقارب نسبي" بين موسكو وواشنطن، وتغيّر النظرة الروسية إلى المنطقة الأفرو- آسيوية[15].

ثانيًا- العلاقات الروسية– السعودية: 1990- 2000

في سياق تطوير العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين، قام وزير خارجية روسيا الاتحادية - أندريه كوزيريف بزيارات رسمية إلى بلدان الخليج في نيسان/أبريل 1992، والتقى في الرياض العاهل السعودي فهد بن عبد العزيز. ثم قام رئيس الوزراء الروسي فكتور تشيرنوميردين بزيارة السعودية في تشرين الثاني/نوفمبر 1994، واستقبله الملك فهد وولي عهده الأمير عبد الله، ونوقشت خلال المحادثات، القضايا الدولية ذات الاهتمام المشترك، ومنها: عملية التسوية العربية- الإسرائيلية، واتفاقات أوسلو، والوضع في العراق بعد فرض العقوبات الدولية عليه، وكذلك مختلف الجوانب الثنائية[16].

ورغم اتفاقية التبادل الدبلوماسي بين موسكو والرياض، وزيارات مسؤولين روس إلى السعودية- بقي خلاف الدولتين قائمًا حول مجموعة من القضايا التي تخصّ الأقليات المسلمة، سواء داخل روسيا الاتحادية نفسها، مثل قضية الشيشان، أم في القارة الأوروبية، مثل قضيتي: البوسنة والهرسك، وكوسوفو.

وفي هذا السياق، "أدّت العمليات العسكرية الروسية في جمهورية الشيشان التي بدأت في كانون الأول/ديسمبر 1994، إلى حدوث أزمة في العلاقات الروسية– السعودية، التي كانت في طور النشوء. وجاء في وثيقة رسمية لوزارة الخارجية الروسية أن أي اتصالات سياسية مهمّة بين البلدين لم تجرِ منذ ذلك التاريخ، وحتى أيلول/سبتمبر 2003. وكان سبب هذه الأزمة -كما ذكر السفير الروسي في الرياض- يعود إلى "تباين موقف الجانبين من الأحداث في القوقاز"[17].

وكذلك الحال في قضيتي: البوسنة والهرسك، وكوسوفو، اللتين أدّتا إلى توتّر في العلاقات بين موسكو والرياض؛ إذ "اعتبر أنصار الفكرة القومية- الوطنية الروسية، أن إعلان استقلال البوسنة والهرسك، والحركة في كوسوفو نحو الانفصال عن صربيا، بمنزلة (عدوان ارتكبه حلف الناتو وتنظيم القاعدة الوهابي) ضد الأرثوذكسية في البلقان". وقد عدّت موسكو بروز "قضية كوسوفو" نتيجةً مباشرة للأفعال المشتركة من جانب كلٍّ من: "الانفصاليين الألبان"، و"المعتدي الأطلسي"، و"التشكيلات المسلحة للمجاهدين من باكستان وأفغانستان وبعض بلدان الخليج، بمساعدة فعالة من الاستخبارات السعودية". وبناءً عليه، فقد أصبحت فكرة التعاون الوثيق بين الرياض وواشنطن، تحدّد النظرة الروسية إلى المملكة العربية السعودية"[18]. وبهذا عادت نقاط الخلاف لتخيّم على علاقات موسكو بالرياض.

في هذا السياق، يرى أحد الباحثين أن موسكو ترى في الحركات الإسلامية "أداةً سعودية– غربية تُسخَّر لإضعاف الأمن الروسي. وفي حال سقوط القوقاز الكبير في قبضة القوميين الإسلاميين، ربما تختفي الدولة الروسية في شكلها الحالي، ويتم تفكيكها بدينامية التفكيك عبر عوامل وتطورات داخلية متتابعة، أو بتدخل مباشر من الغرب. وقد عبّر الرئيس بوتين عن ذلك بالقول: "إذا لم توقف روسيا المتطرفين في الشيشان اليوم، فسنواجه غدًا يوغسلافيا ثانية في أراضي روسيا الاتحادية كلها"[19].

ويستطرد الباحث نفسه بالقول: إن موسكو "تخشى تسرّب الإسلامية الراديكالية من العالمين العربي والإسلامي وانتشارها، أكثر من خشيتها خسارة مصالح اقتصادية، وعقود تسليح، ومواقع تستخدمها منصات لعرض قوتها عالميًّا، أو توسيع نفوذها في مواجهة الولايات المتحدة والغرب. ولاسيّما بعدما أصبحت المطالب السياسية والمظالم الاجتماعية والاقتصادية في الشيشان ذريعةً للغرب وبعض الأنظمة العربية المتحالفة معه، للتدخل في الشؤون الداخلية الروسية بذريعة "التدخل الإنساني"، وهو المبدأ الذي يستخدمه الغرب من أجل التغلب على حاجز السيادة الوطنية، الذي تصونه قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتتمسك به روسيا بقوة. وقد أشار الرئيس بوتين في صيف 2000 إلى مهمّات القوات العسكرية الروسية في سياق إعادة الثقة بصدقية قدراتها على الاستجابة للتحديات، قائلًا إن التدخل الإنساني الذي مارسته الولايات المتحدة والغرب ليس إلا ذريعة "لإعادة صوغ خريطة العالم، ولممارسة الضغط على عملية وضع قواعد إدارة الأزمات في العالم، ومن أجل فرض قيم الغرب وشرعيته"[20].

ويمكن تلخيص هذه المرحلة من العلاقات الروسية– السعودية (1990- 2000) في أن دعم السعودية لقضايا المسلمين في روسيا، أو في مناطق نفوذها في آسيا الوسطى والبلقان، شكّل مادةً لاستمرار الخلافات بين موسكو والرياض، وأبقى علاقاتهما في إطار "التقارب الحذر"، رغم دخول متغيرات عديدة أسهمت في تحسين فرص العلاقات، وعلى رأسها: انهيار الاتحاد السوفيتي، وتضعضع أيديولوجية الكتلة الشرقية، وتولي الرئيس فلاديمير بوتين أواخر عام 1999، الذي أعاد صياغة السياسات الداخلية والخارجية في روسيا، على نحو مكّنه تدريجيًّا من استعادة مكانة بلاده جزئيًّا، على الصعيدين الإقليمي والدولي.  

ثالثًا: العلاقات الروسية– السعودية: 2001- 2010

شكّلت أحداث 11/9/2001 مفصلًا مهمًّا في تطور النظامين الدولي والإقليمي، وفي علاقة الولايات المتحدة الأمريكية بالقوى الدولية الأخرى وبدول الشرق الأوسط؛ إذ توترت علاقات واشنطن بالرياض بصورة غير مسبوقة، وانطلقت حملة أمريكية شاملة ضد السعودية، ونظامها السياسي، وأيديولوجيتها الدينية "الوهابية"، وبنيتها الاجتماعية، وثقافتها المحافِظة.

 وقد تمحور مضمون هذه الحملة حول الاتهامات الآتية: الوهابية مسؤولة عن التطرف في العالم الإسلامي كلّه. السعودية هي التي خلقت حركة "طالبان"، وهي التي موّلت -ولا تزال-  تنظيم القاعدة وزعيمه أسامة بن لادن. لم تتعاون الرياض في التحقيقات حول الخمسة عشر شخصًا من السعوديين المتهمين في أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، كما أن الرياض رفضت السماح للقوات الأمريكية باستخدام قواعدها الجوية في الهجمات ضد أفغانستان. وكان مفاد هذه الاتهامات باختصار، أن السعودية تحوّلت من دولة صديقة للولايات المتحدة، إلى دولة عدوة[21].

وبناءً عليه، "لم تعد واشنطن حريصة على أي نظام عربي، فالجميع مطالبٌ بالتغيير والانصياع للمطالب الأمريكية. وبهذا اندفعت واشنطن بعد أحداث 2001، إلى تغيير نهجها البراغماتي، واتباع منهج آخر ينطلق من رؤية أيديولوجية/عقَدية واضحة. وكانت إدارة جورج بوش الابن تملك مثل هذه الرؤية، التي تريد صياغة العالم كله، وخصوصًا النظام الشرق أوسطي"[22].

وإزاء ذلك، لجأت الرياض إلى تنشيط علاقاتها مع موسكو. ورغم تردّد السعودية –التي تضم الحرمين الشريفين في مكة والمدينة– في إقامة علاقات وثيقة مع دولة شيوعية سابقة، فقد استجدّ متغيران أقنعا الرياض بذلك: أحدهما الحملة الأمريكية المكثفة ضد السعودية والادعاءات بتمويلها الإرهاب، وعلاقة بعض المسؤولين السعوديين ببعض خاطفي الطائرات في أحداث 11/9/2001، وهذا أقنع الرياض بأن تُعادِل النفوذ الأمريكي في الخليج. وكان السعوديون يأملون أيضًا في تنويع مصادر استيراد السلاح، وأرسلوا إشارات إلى واشنطن بأنهم يريدون الإبقاء على جميع الخيارات الجيوبوليتيكية مفتوحة. أما العامل الآخر، فكان موقف روسيا المعارض للحرب الأمريكية البريطانية على العراق عام 2003، الذي كان يعكس موقفًا مشابهًا لموقف الرياض من تلك الحرب"[23].

وعلى ضوء تداعيات هذين المتغيرين الإستراتيجيين على النظامين الإقليمي والدولي، زار وزير الخارجية سعود الفيصل موسكو في أيار/مايو 2003؛ حيث أكّد المسؤولون الروس أن بلادهم "تعتزم تأكيد ضرورة سرعة التوصل إلى إقرار الحياة المدنية في العراق، وتأمين الدور المركزي للأمم المتحدة في عملية إعادة إعماره. وأعربت موسكو عن تقديرها للمبادرات السعودية، خصوصًا مبادرة لقاء وزراء خارجية البلدان المجاورة للعراق، إضافةً إلى مصر، في نيسان/أبريل 2003[24].

كما أبدى وزير خارجية روسيا إيغور إيفانوف تأييد بلاده مبادرة الأمير عبد الله، المعروفة باسم "مبادرة السلام العربية" لحل الصراع مع إسرائيل[25].

ثم زار ولي العهد السعودي –آنذاك- الأمير عبد الله بن عبد العزيز موسكو في أيلول/سبتمبر 2003، وذلك في إطار تنشيط السياسة الخارجية السعودية، وتنويع دوائر حركتها، أملًا في تقليص حدة الضغوط الأمريكية على الرياض، ولاسيّما مع بروز احتمالات لاتجاه واشنطن إلى تقليص اعتمادها على السعودية، على الصعيدين العسكري والنفطي[26].

وقد جاءت الزيارة بعد تشكيك بعض المحلّلين الأمريكيين في "محورية السعودية"، بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية، مع تطلع واشنطن إلى موسكو لتخفيض اعتمادها على النفط السعودي[27].

وفيما بدا آنذاك كأنه "نقلة" في العلاقات السعودية-الروسية مع أعلى زيارة لموسكو يقوم بها مسؤول سعودي منذ عام 1932، ظهر أن الرياض ربما تبحث عن أصدقاء جدد في ميدان النفط والغاز ومكافحة الإرهاب. ورغم أهمية البعد الاقتصادي للزيارة، فإن طابعها السياسي كان طاغيًا حيث وَصَفَ الرئيسُ بوتين السعوديةَ بـ"الزعيمة المعترف بها للعالم العربي، والشريك الذي ييتوّأ أحد المواقع التي تعلّق روسيا عليها أهمية خاصة". وهذا الأمر سهّل أيضًا إصدار بيان مشترك حول تشكيل مجموعة عمل سعودية– روسية، لمعالجة قضايا "مكافحة الإرهاب"[28].

بيد أن هذه الزيارة لم تتمّ إلا بعد أن قدّمت السعودية تنازلات لروسيا في جانبين على الأقل؛ "أحدهما سياسي، وهو شطب قضية الشيشان من الأجندة السياسية التي عكّرت العلاقات بين البلدين، حيث عدّ السعوديون الموضوع الشيشاني شأنًا داخليًّا روسيًّا. والآخر اقتصادي، وهو توقيع اتفاقات عدّة اقتصادية ونفطية، كانت ضرورية لتأسيس أرضية للتقارب القادم بين موسكو والرياض، وإعادة روسيا الى المنطقة العربية بثقل أكبر، بعد أن أسهمت السعودية لعقود طويلة في إخراجها منها"[29].

وإزاء تصاعد إخفاق السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط في الفترة الثانية لإدارة الرئيس جورج بوش الابن (2004- 2008)، لم تجد السعودية بديلًا سوى أن تبتعد قليلًا عن هذه السياسات. ويمكن القول إنّ عامَي 2006 و2007 شهدا نشاطًا للدبلوماسية السعودية في أمور قد لا توافق عليها واشنطن تمامًا؛ إذ سار الملك عبد الله بن عبد العزيز في خط شبه مستقل؛ فتوسطت السعودية لعقد "اتفاق مكة" بين حركتي فتح وحماس في شباط/فبراير 2007، رغم سياسة "المحافظين الجدد" الرامية إلى تعميق الانقسام الفلسطيني، كما تحفّظت الرياض على سياسة واشنطن في عزل سوريا وإيران، اللتين زار رئيساها السعودية، ورفضت الرياض الانضمام إلى مبادرة إسطنبول عام 2004[30].

وفي مظهر آخر لتأكيد امتعاض الرياض من واشنطن، أصبح فلاديمير بوتين، أول رئيس روسي يزور السعودية في شباط/فبراير 2007. وكان هذا مناسبًا تمامًا للمملكة الساعية إلى دور إقليمي أكبر، لكنه أتى في وقت كانت فيه روسيا تزيد من تأكيد وجهات نظرها ومصالحها الدولية، وتتلّقى النقد من القوى الغربية. وقد اكتسبت الزيارة أهميةً إضافية، مع تزايد قلق أوروبا بشأن أمن مصادرها من الطاقة، واعتمادها على الغاز الروسي، ودور السعودية بوصفها مصدرًا تقليديًّا موثوقًا لإمدادات النفط للاقتصاد العالمي[31].

وفي هذه المرحلة من تطور العلاقات بين موسكو والرياض، "أبدت السعودية أيضًا اهتمامًا بالعلاقات مع آسيا لأسباب اقتصادية أساسًا، ولإظهار أن السعودية لا تعتمد حصريًّا على الغرب. وكان الملك عبد الله قد زار مطلع عام 2006 الصين والهند وماليزيا وباكستان. كما شدّد ولي عهده، سلطان بن عبد العزيز على سياسة "التطلع شرقًا"[32]. وقد تبع ذلك في عام 2007، سلسلة من الزيارات المتبادلة بين المسؤولين السعوديين والآسيويين، ومن ذلك الزيارة الأولى لرئيس كوريا الجنوبية منذ 27 عامًا إلى السعودية في آذار/ مارس 2007"[33].

باختصار، شهدت هذه المرحلة (2001- 2010) زيارات متبادلة من أرفع المسؤولين من الجانبين الروسي والسعودي، بحيث تقلّصت مساحات الاختلاف نسبيًّا، بسبب تداعيات أحداث 11/9/2001 واحتلال العراق 2003، على بنية النظامين الإقليمي والدولي. هذا فضلًا عمّا أفرزته أخطاء السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط من تداعيات سلبية على موقع السعودية ومكانتها الإقليمية، التي بدأت تسجّل تراجعًا ملحوظًا، الأمر الذي اضطرها للبحث عن أصدقاء جدد. وهو ما دفع بعض الباحثين للقول إن الرياض قد تحقّق مصالحها بشكل أفضل إذا قامت بتعزيز (وربما تحويل) وجهتها الخارجية نحو دول جنوب آسيا والشرق الأقصى، حيث القوى الاقتصادية الصاعدة، والثقل الاقتصادي لكلٍّ من الصين والهند، وهذا قد يتيح فرصة حقيقية لشراكة فعّالة، تجمع بين السعودية وبين هذه القوى[34].

حدث في العقد التالي لاحتلال العراق 2003- 2013 تحوّلان جوهريان في موازين القوى في إقليم الشرق الأوسط: أحدهما تحوّل ميزان القوى لمصلحة دول الحزام الشمالي في "الشرق الأوسط"؛ أي تركيا وإيران، مقابل تراجع دول الحزام الجنوبي؛ أي مصر والسعودية. وبينما نجحت أنقرة في تعزيز وزنها الإقليمي منذ صعود حزب العدالة والتنمية عبر دبلوماسية الاتفاقات الاقتصادية مع سورية والعراق وإيران، وسياسة "تصفير المشكلات" مع محيطها، استطاعت طهران عبر سياستها العراقية وتحالفاتها الإقليمية مع سورية و"الفاعلين من غير الدول" (Non-State Actors)، وسعيها لامتلاك التقنية النووية- أن تحرز ولو آنيًّا مكانةً بارزة في المنطقة. أما التحوّل الآخر فهو صعود تأثير الجماعات المسلحة في موازين القوى في الشرق الأوسط، ومنها حزب الله، وحركة حماس، والميليشيات العراقية المسلحة، وجماعة الحوثيين في اليمن[35].

وانعكاسًا لهذين التحوليْن الإستراتيجييْن، يمكن القول إنه "قد نمت مصالح روسية اقتصادية وجيوسياسية نفطية في الشرق الأوسط من تعاون موسكو مع طهران وأنقرة في جناحَي العالم العربي الشرقي والشمالي؛ أي مع أكبر قوتين إقليميّتين أصبحتا بوّابتيْن لدور روسي ناشط متعدد الأطراف في نسق شراكات إستراتيجية ثنائية. وتطور هذا التعاون إلى نوع من "بركس الشرق الأوسط– روسيا"، وهو قابل للتوسع. ومن الواضح أن العلاقات العربية– الروسية تفتقر إلى شيء مشابه، وهو ما دفع موسكو إلى أداء دور ناشط ومبادر في حل النزاعات دبلوماسيًّا، مع إعطاء أولوية لملف إيران النووي على حساب قضية فلسطين؛ فقد أفسح هذا الملف لروسيا فرصَ تدخلٍ أكثر، وأداء دور أنشط وأكثر إيجابيةً من القضية الفلسطينية، وقد عزّز ذلك من حضور موسكو في السياسات الإقليمية، وعزّز تأثيرها في علاقاتها مع الأمريكيين والإسرائيليين والعرب، وخصوصًا مع الخليجيين"[36].

رابعًا- علاقات موسكو- الرياض بعد الثورات العربية، والتدخل العسكري الروسي في سوريا:  2011- 2015

حملت الثوراتُ العربية التي انطلقت من تونس أواخر عام 2010، ثم امتدت إلى 4 دول عربية أخرى، رياحَ متغيرات إستراتيجية مؤثّرة في العالم العربي وعلاقاته الخارجية الإقليمية والدولية، ومن بينها العلاقات بين روسيا والسعودية.

ورغم أن كلتا الدولتين تبنّت –ولا تزال- سياسةً معادية لهذه الثورات عمومًا[37]، بدوافع ومسوّغات مختلفة، فإن الأزمة السورية شكّلت مفصلًا مهمًّا في إظهار خلافات موسكو والرياض.

وفي هذا السياق، "يُعدّ سعي موسكو إلى التمسك بمكانتها بوصفها عملاقًا في حقل الطاقة، من أبرز المصالح الروسية في الأزمة السورية؛ فهي تسعى إلى منع المنافسين الكبار من مزاحمتها اقتصاديًّا وإستراتيجيًّا، وتعتقد أنه مع تناقص سكانها، وتراجع دورها، وانتقالها من قوة عالمية إلى قوة إقليمية، فإن قطاع الطاقة قد يحقّق لها مكانةً لم تتمكن من تحقيقها عبر القوة العسكرية والمنافسة مع الغرب. لذلك تجد أن علاقاتها بالمنافسينَ الكبار في حقل الطاقة، ومنهم إيران، تراوح بين الفتور والتوتر. ويمثل التنافس الدولي والإقليمي على خطوط نقل الغاز والنفط من الدول المطلّة على الخليج العربي أحد المحددات المهمّة للموقف الروسي من الأزمة السورية؛ فموسكو تخشى أن يؤدي سقوط نظام بشار الأسد إلى زعزعة مكانتها المهيمنة على سوق الغاز الأوروبية، نتيجة احتمال مدِّ الغاز القطري عبر السعودية وسوريا وتركيا إلى أوروبا، وهذا من شأنه أن يحرم الكرملين ورقة رابحة إستراتيجيًّا واقتصاديًّا"[38].

ومن زاوية أخرى، فإن "موسكو تعتبر أن وجود إيران قوية في مواجهة واشنطن، يُعد أمرًا حيويًّا لأمن روسيا القومي، لذلك ترى أن ما يجري في سورية يستهدف إيران بالدرجة الأولى، وهذا ما عبّر عنه علنًا الرئيس الروسي في مقالة له في تشرين الأول/أكتوبر 2012"[39].

وخلال تعليق على الثورات العربية، وصفت د. ماليشيفا الخبيرة في وزارة الخارجية الروسية في تموز/يوليو 2012، وصفت السعوديةَ بأنها "تحافظ في سياستها الخارجية على صورة "الشريك الوفي" للولايات المتحدة الأمريكية. ومن المحتمل أن تتخذ السعودية خطوات مستقلة بهدف إبعاد الموجة الثورية إلى خارج ممتلكاتها، على أن تجرف هذه الموجة في طريقها الأنظمةَ العربية العلمانية وتظهر محلها أحزابٌ ومنظمات إسلامية، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بـ"الثنائي الوهابي": السعودية وقطر. وهذا التوجّه ظهر ظهورًا جليًّا في سوريا، وأن السعوديين والقطريين يعملون في هذا الشأن بالتحالف مع حلف شمال الأطلسي "الناتو"، على حدّ قولها[40].

ويشير باحث سعودي، إلى أن التقارب السعودي- الروسي، لا يعني بالتأكيد التخلّي عن التحالف مع واشنطن، رغم وجود أهداف مشتركة بين موسكو والرياض. ومنها: احتواء الثورات العربية، وإعاقة صعود حركة الإخوان المسلمين بعد تلك الثورات، ومواجهة نمو النفوذ التركي في الشرق الأوسط، وتقليص تداعيات التفاهمات الأمريكية- الإيرانية التي تعزّزت في ظل إدارة الرئيس باراك أوباما الثانية 2012- 2016، وتوافق موسكو والرياض حول دعم نظام عبد الفتاح السيسي في مصر، الذي أخرج محمد مرسي وجماعة الإخوان من السلطة[41].

من جهة أخرى، فقد "أدّت الأزمة الأوكرانية التي عدّتها موسكو "ثورة ملونة" جديدة- إلى تصعيد الخطاب الروسي المعادي لأمريكا وأوروبا، واشتدّ ذلك أكثر بعد فرض العقوبات على روسيا بسبب قضية القرم. وقد أكد الرئيس بوتين في كانون الثاني/ديسمبر 2014 في سياق رده على هذه العقوبات، أن تقليص العلاقات الاقتصادية مع الغرب يدفع روسيا إلى توسيع العلاقات التقليدية مع بلدان الشرق الأوسط. ولم يذكر بوتين السعوديةَ من بين هذه البلدان، بل على العكس من ذلك، أشار أكثر من مرة إلى احتمال وجود "مؤامرة ضد روسيا تتعلق بخفض أسعار النفط العالمية، وهذا الأمر لا يمكن أن تقوم به سوى المملكة العربية السعودية"[42].

خامسًا- حدود "التقارب الروسي– السعودي

بعد استعراض مسار العلاقات الروسية– السعودية ومراحلها وقضاياها وإشكالياتها، يمكن إبراز الملاحظات الآتية:

1- إن التغيرات في النظام الدولي تترك تأثيرًا واضحًا في العلاقات الروسية– السعودية، ولاسيما المتغيرات في قمة النظام الدولي، من حيث تراجع أو تقدم مكانة كل من: الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية. كما أن التغيرات في النظام الإقليمي في الشرق الأوسط تؤثّر بشدة في خيارات السعودية.

ولعل أبرز الأمثلة هنا: انهيار الاتحاد السوفيتي 1991، وأحداث 11/9/2001، ثم احتلال العراق ربيع 2003، ثم حرب لبنان صيف 2006، وتداعيات سياسة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في التقارب مع إيران، واندلاع الثورات العربية عام 2011، والتدخل العسكري الروسي في سوريا خريف 2015، وأخيرًا سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي قد تؤدي، رغم ارتباكها وغموضها وافتقادها الرؤية الإستراتيجية- إلى إعادة رسم التوازنات الدولية والإقليمية، وفق أسس جديدة.

ومن المهمّ التأكيد أن قدرة موسكو على توظيف هذه المتغيرات الدولية والإقليمية تفوق قدرة الرياض، وهذا يعني أن روسيا تمسك بزمام المبادرة في العلاقات مع السعودية، وتملك أوراقًا أكبر للضغط والمساومة.

لقد تحرّكت موسكو بقوة منذ تولي الرئيس الأمريكي باراك أوباما، الذي انتهج مقاربة "انكفائية" نتيجة تراجع بعض عناصر القوة الاقتصادية الأمريكية. وهكذا تقاربت روسيا مع عدة دول لإعادة ترتيب تحالفاتها الإقليمية، خصوصًا في مناطق النفوذ الروسي التقليدية، بداية من جورجيا صيف 2008، ثم أوكرانيا والقرم في عام 2014، ثم التدخل العسكري الروسي في سوريا 2015. فضلًا عن توطيد موسكو علاقاتها مع دول آسيا الوسطى والقوقاز، ودول ذات أهمية في إقليم الشرق الأوسط، مثل: تركيا وإيران وإسرائيل ومصر، انطلاقًا من فكرة إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، بهدف التأثير في التوازن الإستراتيجي العالمي[43].

2- إن مساحة الاختلاف في علاقات موسكو– الرياض، تبدو أكبر نسبيًّا من مساحات الاتفاق؛ إذ تبدو خلافات الدولتين كأنها متعلقة بأبعاد ثابتة ومستمرّة إلى حدٍّ ما، رغم تأثيرات التطورات الدولية والإقليمية، كما أُشِير إليه آنفًا. ويبدو أن البعد/العامل الثقافي، والموروث التاريخي، قد يؤدّيان دورًا معوِّقًا أمام تطور العلاقات الروسية– السعودية خصوصًا، والعلاقات الروسية– العربية عمومًا.

ويمكن القول إن "علاقة الدول العربية بروسيا، لا تزال انتقائيةً واضطرارية ومحدودة، يطغى عليها انقطاعٌ مجتمعي وثقافي عام بين المجتمعات العربية والمجتمع الروسي، وهو ما أدّى إلى قصور أو ضعف العلاقات المجتمعية بينهما، مقارنةً بالتواصل العربي النسبي مع المجتمعات الأوروبية والأمريكية، وهو ما جعل العلاقات العربية بروسيا الاتحادية علاقةً مع الأنظمة الحاكمة، وهي تقوم على سياسات الاعتدال والبراغماتية، وتتحاشى التصادم مع واشنطن، في منطقة تعدّها الولايات المتحدة حيويةً لمصالحها الإستراتيجية"[44].

3- إن السياسة الخارجية السعودية ذات توجّه غربي عمومًا، إذ تراهن أساسًا على الدعم الأمريكي، ثم الدعم الأوروبي بدرجة أقل، ثم تأتي في درجة ثالثة من الأهمية العلاقات السعودية الثنائية مع بعض القوى الآسيوية، مثل: الصين واليابان والهند وباكستان.

ويُلاحَظ في هذا السياق، أن بعض الدراسات العربية تتجاهل أحيانًا الفرق الكبير بين "سلوك السياسة الخارجية" (Foreign Policy Behavior)، وبين "توجّه السياسة الخارجية" (Foreign Policy Orientation).

فعلى سبيل المثال، ذهبت إحدى الدراسات إلى أن "توطيد علاقات الرياض بالقوى الآسيوية وبعض دول أوروبا، جاء أحيانًا، على حساب العلاقات السعودية- الأمريكية، خصوصًا بعد احتلال العراق عام 2003؛ فرغبة الرياض في تقوية دورها الإقليمي المقترنة بخشيتها من تراجع النفوذ السنّي في المنطقة- أدّت إلى تنشيط مساعيها السياسية وأدواتها الدبلوماسية والمالية. ومن هنا يأتي انكباب الرياض على ملفّات إقليمية، في سعي لمواجهة تصاعد النفوذ الإيراني، ومع توسيع العلاقات السعودية الدولية لتشمل روسيا والصين وأوروبا، على حساب الولايات المتحدة في بعض الأحيان"[45].

ولئن كان صحيحًا أن السلوك السعودي يذهب نحو الاستفادة من المتغيرات الإقليمية والدولية أحيانًا، فإن توجّه السياسة الخارجية يبقى مرتبطًا إلى حدّ بعيد بالدول الغربية. "فليس هناك ما يشير إلى أن السعودية تحاول حقًّا استبدال صديق جديد بآخر قديم. ربما تريد الرياض أن تُبقي خياراتها مفتوحة، ولكن ليس على حساب تحالفها الطويل مع الولايات المتحدة. وفي هذا الخصوص، فإن أساس السياسة الخارجية السعودية يبقى متسقًا نسبيًّا. أما العلاقة المتنامية بين الرياض والدول غير الغربية، فهدفها زيادة البدائل، وتوسيع مساحة الحركة أمام السعودية، لكن من دون التخلي عن علاقاتها الإستراتيجية مع واشنطن"[46].

وبغض النظر عن حدوث "تقارب نسبي" بين موسكو والرياض في مفاصل معينة من تطور النظامين الدولي والإقليمي، فإنه يمكن القول عمومًا إن العلاقات الروسية- السعودية لا تتوفّر لها متطلبات "الشراكة الإستراتيجية"، ولاسيّما في جانبها القيمي؛ فالطرفان يتحركان تجاه بعضهما بعضًا في إطار ضيق ومحدود؛ فالرياض تضع مجمل علاقاتها مع روسيا في إطار الدور المأمول من موسكو في كبح طموح إيران الإقليمي وتدخلاتها في الشأن العربي والخليجي، الذي تراه السعودية تهديدًا خطيرًا لها. وفي المقابل تختزل روسيا علاقاتها مع السعودية في تحقيق أكبر قدر من المكاسب المالية، من خلال استثمارات في النفط والغاز والتكنولوجيا، والرغبة في زيادة المبيعات العسكرية الروسية[47].

4- ربما يكون من أبرز انعكاسات الثورات العربية على علاقات موسكو– الرياض انكشاف السعودية وتراجع مكانتها الإقليمية مقارنةً بتركيا وإيران وإسرائيل، وربما مصر أيضًا[48]، وهو ما يضعف فرص الرياض في التأثير في السياسة الروسية تجاه المسألة السورية.

ومن الناحية الفعلية، قد لا يكون لأيّ دولة عربية تأثيرٌ حقيقي في المسألة السورية، التي باتت قضية صراع دولي وإقليمي بالغ التعقيد، ولاسيّما بعد التدخل العسكري الروسي خريف 2015؛ فبعد معركة حلب، صدر "إعلان موسكو"، الذي وقّعته روسيا وإيران وتركيا، ووصفته مصادر روسية بأنه بمنزلة خارطة طريق لتسوية تلك المسألة. وأكّد وزراء خارجية هذه الدول الثلاث في 20 كانون الأول/ديسمبر 2016، استعدادها لضمان الاتفاق المستقبلي بين الحكومة السورية والمعارضة. ويقدّم هذا الإعلان وما ترتب عليه من نتائج، ترجمةً واقعية لحقيقة التحولات الدولية والإقليمية في الشرق الأوسط، وفي سوريا التي تمثّل إحدى الدول العربية المهمة؛ إذ تبرز روسيا بوصفها لاعبا دوليًّا مهمًّا في شأن إحدى القضايا المحورية للأمن الإقليمي، مع تهميش نسبي لدور القوى الدولية الكبرى الأخرى، وبخاصة واشنطن، كما تظهر قوتان إقليميتان، هما تركيا وإيران، بوصفهما القوتين الإقليميتين الفاعلتين في هذا الشأن، وذلك على حساب القوى العربية التي استُبعدت بحكم ضعفها– من المشاركة في اجتماع يتعلق بمصير دولة عربية. والملاحظ أن الجانب العربي قد لاذ بالصمت، ومن ثم لم يصدر أي رد فعل عربي رسمي جماعي على إعلان موسكو، وهو ما يمكن تفسيره على أنه موقف أقرب للتحفظ، منه إلى التأييد أو الاعتراض[49].

ربما تكون روسيا نجحت أن تبني تحالفًا إستراتيجيًّا من خلال جذب تركيا صوبها بعد أن تراجع تأثير واشنطن في الشرق الأوسط نسبيًّا، فبنت موسكو تحالفًا ثلاثيًّا مع إيران وتركيا، لإدارة المسألة السورية وتداعياتها الإقليمية بمعزل عن واشنطن والعواصم الغربية وحلف الناتو، إلى حد ما[50].

وفي هذا السياق، تبدو مصالح موسكو في أنقرة أكبر من مصالحها في الرياض، كالتعاون في مسألة أنابيب النقل، واعتماد تركيا على الطاقة الروسية بنسبة كبيرة، والتعاون في منظمة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود، ومنظمة القوات البحرية في البحر الأسود، كما تسعى تركيا إلى الانضمام إلى منظمة شنغهاي للتعاون بموافقة موسكو. "لقد أصبحت روسيا أكبر شريك اقتصادي لتركيا، ويُعدّ (خط السيل الجنوبي) هزيمةً للولايات المتحدة في حرب النفط والغاز الباردة؛ إذ حرّر موسكو من قيود تصدير نفطها وغازها، وفتح أفقًا لإيجاد مثلث تعاون روسي– تركي– إيراني تكون فيه روسيا وإيران مصدري الغاز، وتكون فيه تركيا ممرًّا له لـتأمين إمدادات الطاقة إلى أوروبا. وهذا أضعفَ ضغط الإدارة الأمريكية على أوروبا لتقلّل اعتمادها على الغاز الروسي، وقلّل حاجة روسيا إلى الاعتماد على التصدير إلى الصين. ويؤثر ذلك أيضًا في خيارات قطر بوصفها مصدرًا رئيسًا للغاز، ويحثها على التفكير أكثر في خيار إقامة "أوبك" للغاز ضمن ثلاثي روسي– إيراني– قطري، يكون لموسكو فيه نفوذ في مواجهة أي تحرك أمريكي– سعودي. إضافة إلى ذلك، تتعاون روسيا مع تركيا لبناء مفاعل نووي للأغراض السلمية بقيمة 20 مليار دولار، من دون ضغط أمريكي- غربي– إسرائيلي، تنفذه شركة روساتوم الروسية التي تزوّد إيران بالوقود النووي"[51].

أضف إلى ذلك، أن هيمنة متغير "مكافحة الإرهاب" على العلاقات والسياسات الدولية والإقليمية، يجعل من مصلحة روسيا توطيد تحالفاتها وعلاقاتها الأمنية/الاقتصادية مع إيران، كونهما يتحركان في القوقاز وآسيا الوسطى ضمن إطار متشابه نسبيًّا، وهو ما تفتقده العلاقات الروسية- السعودية بطبيعة الحال.

ومن زاوية التحالفات في "الحرب على الإرهاب" بعامة، وعلى تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" بخاصة، تتقارب روسيا وإيران في رؤيتهما لخطر تنظيم "داعش" في الشرق الأوسط، واحتمالات انعكاسه على القوقاز وآسيا الوسطى، وقد توظّف كلتا الدولتين هذا الخطر لتعزيز علاقاتهما السياسية والأمنية في إطار مشروعاتهما الإستراتيجية. ومن الواضح أن طهران صوّرت نفسها بوصفها "شريكًا للمجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب" في سورية والعراق إلى دول آسيا الوسطى والقوقاز. ويُلاحظ أنه منذ توقيع اتفاق جنيف النووي بين إيران ودول (5+1) في تموز/يوليو 2015، نشطت السياسة الخارجية الإيرانية في محيطها الأوراسي عبر منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)؛ إذ شهد خطاب طهران تغيرًا من عهد الرئيس أحمدي نجاد إلى الرئيس حسن روحاني، وباتت إيران تقدّم نفسها بوصفها "شريكًا وفاعلًا أمنيًّا في الإقليم، وممرًّا اقتصاديًّا لا يمكن تجاوزه". وفي هذا السياق نجحت إيران في التقارب أكثر مع أذربيجان وتركمانستان وطاجيكستان وكازاخستان وأوزبكستان. من جهة أخرى، وفي إطار مشروع الرئيس بوتين لتشكيل ما يسمى "العالم الروسي"، تحاول موسكو جذب الدول ما بعد السوفيتية إلى مدارها عبر مجموعة من المؤسسات الأمنية والاقتصادية، مثل منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO)، والاتحاد الجمركي الأوراسي (ECU)، واتحاد الدول المستقلة (CIS). وهو ما يجعل بعض الدارسين يتوقع احتمال تشكيل "محور" في جنوب القوقاز بين روسيا وإيران عبر توافق على المستوى الجيو– اقتصادي، وكذلك على المستوى الأمني والإستراتيجي في مكافحة نفوذ الناتو في منطقة بحر قزوين"[52].

إن تعقيدات الحرب الدولية على الإرهاب، والتداعيات الإستراتيجية للمسألة السورية، والتجاذبات الروسية- الأمريكية/الأطلسية تفرض على موسكو توطيد تحالفاتها مع أطراف إقليمية مؤثرة، وعلى رأسها تركيا وإيران وإسرائيل. أما السعودية فتعاني محدودية أوراقها وضعف تأثيرها في التوازنات الإقليمية، خصوصًا بعد تزايد مشكلاتها الإقليمية، بسبب تداعيات حرب اليمن، وحصار قطر، وتصعيد الرياض المستمر ضد طهران.

5- رغم الأثر الإعلامي لزيارة العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز إلى روسيا أوائل أكتوبر/تشرين الأول 2017، في أول زيارة رسمية يقوم بها ملك سعودي إلى روسيا، والحجم الضخم لاتفاقيات التعاون والاستثمار[53]، والتصريحات حول تطوير أوجه التعاون العسكري بين السعودية وروسيا- لا يجب إغفال أنها جاءت بعد زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرياض أواخر أيار/مايو 2017 [54]، وما حملته من دلالات حول عودة الحضور الأمريكي القوي نسبيًّا إلى الشرق الأوسط، ودعم ترامب مثلث الرياض أبو ظبي القاهرة، وهذا ما جعل زيارة الملك سلمان إلى روسيا لا تثير قلقًا كبيرًا في واشنطن.   

ورغم تصريح ولي العهد محمد بن سلمان  أواخر أيار/مايو 2017 بأن "العلاقات بين السعودية وروسيا تمر بواحدةٍ من أفضل لحظاتها على الإطلاق" [55]، فإن بعض الخبراء والباحثين يشككون في الالتزام التام من قبل الطرفين بما تم إبرامه، خصوصًا مع ارتفاع سقف التوقعات السعودية بإمكان ضغط موسكو على إيران، وهو أمر مستبعد نسبيًّا على الأقل في هذه المرحلة، التي تشهد تصعيدًا أمريكيًّا/غربيًّا ضد روسيا وإيران، بسبب سياستهما في سورية وأماكن أخرى[56].

كما ينبغي أيضًا دراسة توجّه السياسة الخارجية السعودية مطلع عام 2018 بعناية أكبر، ولاسيّما تحليل جولة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإسبانيا في أذار/مارس ونيسان/أبريل 2018، التي قد تؤكد ما أُشِير إليه آنفًا من أن تلك السياسة ذات توجّه غربي عمومًا.

خاتمة:

شهدت العلاقات الروسية– السعودية العديد من الخلافات والتباينات السياسية منذ تأسيسها عام 1991. بيد أن التطورات الدولية والإقليمية دفعت بها إلى مسار تحسّن تدريجي؛ إذ تمكّن الطرفان إلى حدّ ما من تنمية مصالح اقتصادية متبادلة، تتمحور حول التوافق في ضبط سياسات إنتاج النفط وتصديره، حفاظًا على سعره من الانخفاض الحادّ، الذي يضرُّ اقتصاد البلدين.

ورغم زيادة قضايا التعاون النفطي/الاقتصادي بين روسيا والسعودية بشكل مطّرد، فإن علاقات البلدين تفتقد الرؤية أو الإطار الإستراتيجي العام، الذي يمكن أن يتطوّر إلى مستوى "الشراكة الإستراتيجية"، وهذا يطرح تساؤلات حول أولويات السياسة الخارجية السعودية في المرحلة المقبلة تحت قيادة ولي العهد محمد بن سلمان، وما إذا كانت الرياض تتجه إلى الاستمرار في إبرام شراكات اقتصادية مع موسكو، والالتزام بتخفيض الإنتاج النفطي سعيًا إلى رفع أسعاره، بما يدعم اقتصاد البلدين، ومن ثَمّ أن يتغلب على سياسات السعودية العاملُ الاقتصادي والبراغماتي، أم أن الرياض تتجه نحو دعم مسار إقليمي/دولي يهدف إلى عزل إيران وتطويق سياساتها وإضعاف حلفائها من الميلشيات في إقليم الشرق الأوسط، بمعنى أن تضع السعوديةُ نفسَها في سياق جهد أمريكي/إسرائيلي ضد إيران، للضغط عليها بهدف تطويع سياساتها، وتحجيم مكاسبها من الاتفاق النووي الذي جرى توقيعه في تموز/يوليو 2015.

باختصار، إن مستقبل العلاقة بين موسكو والرياض يتوقف على عوامل مركبة ومتداخلة، لكنها تعرقل إمكانية تطورها إلى مستوى "شراكة إستراتيجية".

ولذا ستبقى -على الأرجح- في إطار من التعاون النفطي/الاقتصادي، وربما تقليص الخلافات السياسية بين الطرفين، ولاسيما مع تراجع مكانة السعودية إقليميًّا، وتغيّر اهتمامات سياستها الخارجية، وتقلّص قدراتها المالية، وتزايد احتمالات انكفائها على شأنها الداخلي، وتعديل خطابها الخارجي، بما يتناسب مع المتغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة.

الهوامش والمصادر

 

[1] - Bahgat Korany and Moataz A. Fattah, “Irreconcilable Role-Partners? Saudi Foreign Policy between the Ulama and the US”, in: Bahgat Korany and Ali E. Hilal Dessouki (Edit), The Foreign Policies of Arab States: The Challenge of Globalization, Cairo: The American University in Cairo Press, 2008, p. 387.

[2] - Korany and A. Fattah, Op.cit, p. 387.

[3] - Gawdat Bahgat, “Saudi Arabia and The Arab- Israeli Peace Process”, Middle East Policy, Vol. XIV, No.3, Fall 2007, p. 49-56.

[4] - انظر: درية شفيق بسيوني، "إسرائيل والدائرة الخليجية.. حتميات الأيديولوجيات وبراغماتيات المصالح"، شؤون خليجية، العدد 60، شتاء 2010، ص35.

[5] - انظر: يوسف مكي، "الحالة السعودية"، في: نيفين مسعد (محرر ومنسق)، كيف يُصنَع القرار في الأنظمة العربية؟، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010، ص169.

[6] - المصدر نفسه.

[7] - راجع: فواز جرجس، النظام الإقليمي العربي والقوى الكبرى: دراسة في العلاقات العربية-العربية والعربية-الدولية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997، ص121.

[8] - انظر: يوسف مكي، مصدر سابق، ص171.

[9] - راجع: أليكسي فاسيلييف، تاريخ العربية السعودية من القرن الثامن عشر وحتى نهاية القرن العشرين، بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، ط4، 2013، ص528.

[10] - لمزيد من التفاصيل، انظر: أمجد أحمد جبريل، "التسوية العربية– الإسرائيلية: خمسون عامًا على حرب 1967"، دراسات شرق أوسطية، (عمّان: مركز دراسات الشرق الأوسط)، العدد 80، صيف 2017، ص13-53. على الرابط:

https://goo.gl/R4y7X8

[11] - راجع: ديميتار بيتشيف، "روسيا والسعودية عند نقطة تحوُّل"، إسطنبول: منتدى الشرق، 12/1/2018. على الرابط:

https://goo.gl/QySain

[12] - فاروق طيفور، "الجزء السادس: عبد الله عزام: الفكر والحركة"، المعهد المصري للدراسات 9/3/2016. على الرابط:

https://goo.gl/kDKmjV

[13] - راجع:  دور غولد، مملكة الكراهية: كيف دعمت العربية السعودية الإرهاب العالمي الجديد؟، ترجمة: محمد جليد، بيروت: منشورات الجمل، 2014، ص179- 222.

[14] - غريغوري كوساتش، "العلاقات السياسية الروسية– السعودية المعاصرة: رؤية روسية"، تقييم حالة، الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2015، ص1- 2. على الرابط:

https://goo.gl/ChoZ5R

[15] - المصدر نفسه.

[16] - المصدر نفسه، ص3-4.

[17] - المصدر نفسه، ص5.

[18] - نقلًا عن: المصدر نفسه، ص6.

[19] - بتصرف عن: كاظم هاشم نعمة، روسيا والشرق الأوسط بعد الحرب الباردة: فرص وتحديات، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016، ص66.

[20] - المصدر نفسه، ص67.

[21] - غازي عبد الرحمن القصيبي، أمريكا والسعودية: حملة إعلامية أم مواجهة سياسية؟، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2002، ص88- 93.

[22] - بتصرف عن: حسن نافعة، "وجهة نظر في تطور الرؤية الأمريكية تجاه العالم العربي"، في: "ما بعد حرب العراق: أمريكا وإعادة بناء النظام العالمي (ملف)، السياسة الدولية، العدد 153، تموز/يوليو 2003، ص79.

[23]- Korany and A. Fattah, Op.cit, p.388.

[24] - انظر: "موسكو تعرب عن تقديرها للمبادرات السعودية"، الشرق الأوسط 8/5/2003، العدد 8927، على الرابط:

https://goo.gl/Y8gV6T

[25] - غريغوري كوساتش، مصدر سابق، ص10.

[26] - محمد عز العرب، "العلاقات السعودية- الروسية من الافتراق إلى الاتفاق"، السياسة الدولية، العدد 154، تشرين الأول/أكتوبر 2003، ص187.

[27]- See more details in: Shibley Telhami and Fiona Hill, “Does Saudi Arabia Still Matter? Differing Perspectives on the Kingdom and Its Oil”, Foreign Affairs, November/December 2002 Issue, https://goo.gl/bv5r9s

[28] - نقلًا عن: غريغوري كوساتش ويلينا ميلكوميان، تطور السياسة الخارجية السعودية من تأسيس الدولة إلى بدايات الإصلاحات، الرياض: معهد الدراسات الدبلوماسية- وزارة الخارجية السعودية، 1426هـ/2005م ، ص66-82.

[29] - "زيارة ولي العهد إلى موسكو: خطوة في الاتجاه الصحيح"، شؤون سعودية، العدد الثامن، أيلول/ سبتمبر 2003 على الرابط:

https://goo.gl/wqJRfz

[30] - Korany and A. Fattah, Op.cit, p. 386- 387.

[31] - بول آرتس وغيرد نونمان (محرران)، المملكة العربية السعودية في الميزان: الاقتصاد السياسي والمجتمع والشؤون الخارجية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط2، 2013، ص403- 404. ولمزيد من التفاصيل حول العلاقات السعودية الآسيوية راجع:

Makio Yamada, “Saudi Arabia’s Look-East Diplomacy: Ten Years On”, Middle East Policy, Vol.XXII, No. 4, Winter 2015, p. 121- 139.

[32] - لمزيد من التفاصيل، راجع: خالد فياض، "السياسة الخارجية السعودية والتوجه شرقًا"، السياسة الدولية، العدد 165، تموز/ يوليو2006، ص166-167.

[33] - بول آرتس وغيرد نونمان (محرران)، المملكة العربية السعودية في الميزان، ص403- 404.

[34] - Tim Niblock, “The US-Saudi Alliance: A Crisis Overcome?”, Journal of Social Affairs, (Emirates), Vol. 23, No. 89, Spring 2006, P.58

[35] - محمد السيد سليم، "الوطن العربي وموازين القوى الإقليمية"، السياسة الدولية، العدد 179، كانون الثاني/يناير 2010، ص148-149.

[36] - راجع: كاظم هاشم نعمة، مصدر سابق، ص88- 90.

[37] - حول السياسة الروسية تجاه الثورات العربية عمومًا، والثورة السورية خصوصًا، راجع: محمد فايز فرحات، "السلوك الصيني– الروسي إزاء موجة الربيع العربي: قراءة في ما وراء المصالح الاقتصادية"، في: مجموعة مؤلفين، التداعيات الجيوستراتيجية للثورات العربية، بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014، ص253- 277. وأيضًا: نورهان الشيخ، "روسيا والتغيرات الجيوستراتيجية في الوطن العربي"، في: المصدر نفسه، ص289- ص313. وأيضًا: عزمي بشارة، "روسيا: الجيواستراتيجيا فوق الأيديولوجيا وفوق كل شيء"، سياسات عربية، العدد 17، تشرين الثاني/نوفمبر 2015، ص5- 12. وحول السياسة السعودية تجاه الثورات العربية، راجع: منصور المرزوقي البقمي، "الموقف السعودي من ثورات الربيع العربي"، في: جمال عبد الله ومحمد بدري عيد، الخليج في سياق إستراتيجي متغير، الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، وبيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2014، ص113- 132.

[38] - راجع تعقيب مروان قبلان، في: مجموعة مؤلفين، التداعيات الجيوستراتيجية للثورات العربية، مصدر سابق، ص317 -318.

[39] - المصدر نفسه ص317.

[40] - غريغوري كوساتش، "العلاقات السياسية الروسية– السعودية المعاصرة"، مصدر سابق، ص16.

[41] - عبد العزيز بن عثمان بن صقر، "الخليج بين الحليف الأمريكي والوافد الروسي"، السياسة الدولية، العدد 195، كانون الثاني/يناير 2014، ص97- 98.

[42] - بتصرف عن: غريغوري كوساتش، "العلاقات السياسية الروسية– السعودية المعاصرة"، مصدر سابق، ص19.

[43] - عناد كاظم حسين النائلي، روسيا الاتحادية ومستقبل التوازن الاستراتيجي العالمي، بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، آب/أغسطس 2017، ص340.

[44] - انظر: خضر عباس عطوان، "سياسة روسيا العربية والاستقرار في النظام الدولي"، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 20، خريف 2008، ص56.

[45] - بتصرف عن: غسان العزّي، "مستقبل العراق كمحدد لمستقبل المنطقة"، شؤون الأوسط، العدد 129، صيف 2008، ص136.

[46] - Korany and A. Fattah, Op.cit, p. 389.

[47] - راجع: صالح بن محمد الخثلان، "العلاقات السعودية- الروسية: علاقات نوعية بدلًا من شراكة إستراتيجية"، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 34، ربيع 2012، ص101.

[48] - James M. Dorsey, “The Saudi Paper Tiger”, the globalist, October 8, 2017. https://goo.gl/AU52CC

[49] - حال الأمة العربية 2016- 2017: الحلقة المفزعة: صراعات مستديمة واختراقات فادحة، إشراف وتحرير: أحمد يوسف أحمد، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، نيسان/أبريل 2017، ص42.

[50] - عناد كاظم حسين النائلي، مصدر سابق، ص341.

[51] - بتصرف عن: كاظم هاشم نعمة، مصدر سابق، ص134-  135. ولمزيد من التفاصيل راجع: محمد كوتشاك، "العلاقات التركية الروسية"، رؤية تركية، شتاء 2017، مجلد 6، العدد 4، ص9- 27.

[52] - تامر بدوي، "(داعش) في المجال الأوراسي: الأبعاد والتداعيات الإقليمية"، في: فاطمة الصمادي (محرر) تنظيم "الدولة الإسلامية": النشأة، والتأثير، والمستقبل، بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، والدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2016، ص160 – 162.

[53] - "روسيا والسعودية تخططان لتأسيس صندوق لاستثمارات التكنولوجيا بمليار دولار"، رويترز 4/10/2017. على الرابط:

https://goo.gl/XwxUP7

[54] - خالد الدخيل، "الرياض وموسكو: ما الذي حصل؟"، الحياة 8/10/2017. على الرابط:

https://goo.gl/F6ANv7

[55] - Leonid Issaev and Nikolay Kozhanov, “The Russian-Saudi rapprochement and Iran, Would Russia draw closer to Saudi Arabia and risk losing Iran?”, Al Jazeera Opinion, 24 August 2017. https://goo.gl/j2SttY

[56] - راجع: ديميتار بيتشيف، "روسيا والسعودية عند نقطة تحوُّل"، مصدر سابق. وأيضًا: آنا بورشفسكايا، "هل ستستمر العلاقات الروسية- السعودية في التحسن؟"، معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى 10/10/2017. على الرابط:

https://goo.gl/CtkKb2


ملصقات
 »