رؤية تركية
أفكار متحدية

الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

مسارات القضية الفلسطينية بعد الربيع العربي  

تناول الدراسة مسارات القضية الفلسطينية بعد الربيع العربي منطلقة من الأسس التاريخية لذلك، من خلال التركيز على أهم المحطات، مثل محطة أوسلو  وآثارها السلبية على القضية الفلسطينية، ومحطة الربيع العربي وتحولاتها الكبيرة، وما تلا ذلك من ظروف ومحددات.

مسارات القضية الفلسطينية بعد الربيع العربي   

ملخص تتناول الدراسة مسارات القضية الفلسطينية بعد الربيع العربي منطلقة من الأسس التاريخية لذلك، من خلال التركيز على أهم المحطات، مثل محطة أوسلو  وآثارها السلبية على القضية الفلسطينية، ومحطة الربيع العربي وتحولاتها الكبيرة، وما تلا ذلك من ظروف ومحددات. ترى الدراسة أن واقع المنطقة يمرّ بمرحلة انتقالية غير واضحة المعالم، ربما تأخذ من 5 إلى 10 سنوات، وتضع الدراسة 4 سيناريوهات للقضية الفلسطينية، مع ترجيحها لسيناريو تسويق الاحتلال الاسرائيلي لفكرة الحكم الذاتي تحت السيادة الفلسطينية، من خلال تدجين السلطة الفلسطينية، وترى الدراسة أن كل السيناريوهات تحمل في رحمها تناقضًا بين سياسة الأمر الواقع التي يفرضها الاحتلال، وتطلعات الشعب الفلسطيني. 

توطئة:

انطلق قطار القضية الفلسطينية بمعاناة الشعب الفلسطيني في العصر الحديث، عقب احتلال بريطانيا لأرض فلسطين التاريخية من الدولة العثمانية، بدخول قائد القوات البريطانية الجنرال أدموند ألنبي مدينة القدس في 9 ديسمبر 1917م، وهذا شكّل نقطة تحول، إذ وقع القدس تحت السيطرة المسيحية/الصليبية لأول مرة منذ أكتوبر 1187م. وقد تعزّز وجود الاحتلال البريطاني بموجب مؤتمر سان ريمو في إيطاليا، في نيسان/أبريل 1920م باتفاق الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى على منح فلسطين لبريطانيا العظمى، ومن ثم  قرار عصبة الأمم بجعل فلسطين تحت الانتداب البريطاني رسميًّا في  11 أيلول/سبتمبر 1922م

الانتداب/الاحتلال البريطاني لفلسطين مكّن لندن من الإيفاء بوعدها (وعد بلفور) في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917م لليهود؛ بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين، من خلال مساعدتهم بالهجرة والتسلل إلى فلسطين، ثم دعمهم بالسلاح والإمكانات المادية حتى إعلان قيام الكيان الإسرائيلي في 14 أيار/مايو 1948م.

في ظل تلك الأحداث المتسارعة، تحرّك الشعب الفلسطيني باكرًا ضد الاحتلال البريطاني، مطالبًا بالاستقلال الوطني؛ فكانت ثورة يافا عام 1919م، وثورة البراق عام 1929م، وثورة عزّ الدين القسام عام 1935م، والثورة الكبرى عام 1936م، ثم حرب عام 1948م، التي أُنشِئت على إثرها منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964م، بموجب قرار مؤتمر القمة العربي المنعقد في القاهرة في العام نفسه، لتمثّل الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية، وقد ضمّت المنظمة العدد الأكبر من الفصائل والأحزاب والقوى الفلسطينية لتنطلق بعدها مسيرة الثورة الفلسطينية المسلحة لإزالة الاحتلال الإسرائيلي عن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م

 

انعطافة أوسلو:

جاءت اتفاقية أوسلو بعد تاريخ حافل من النضال والمقاومة المسلّحة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وعقِب أن خاض الفلسطينيون أطول وأعظم انتفاضة شعبية (انتفاضة الحجارة) شهدتها فلسطين المحتلة (1987-1993م)، التي توقفت بموجب توقيع منظمة التحرير الفلسطينية على اتفاقية أوسلو مع الكيان الإسرائيلي في البيت الأبيض، في 13 أيلول/سبتمبر 1993م، برعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وشهادة الفدرالية الروسية.

نصّت الاتفاقية على "أن حكومة دولة إسرائيل وفريق منظمة التحرير الفلسطينية (في الوفد الأردني-الفلسطيني إلى مؤتمر السلام حول الشرق الأوسط)، (الوفد الفلسطيني)، ممثلًا الشعب الفلسطيني، يتفقان على أن الوقت قد حان لإنهاء عقود من المواجهة والنزاع، والاعتراف بحقوقهما المشروعة والسياسية المتبادلة، والسعي للعيش في (ظل) تعايش سلمي وبكرامة وأمن متبادلين، ولتحقيق تسوية سلمية عادلة ودائمة وشاملة ومصالحة تاريخية من خلال العملية السياسية المتفق عليها"[1].

منذ اللحظة الأولى، وحسب نص الاتفاق، اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بالاحتلال الصهيوني، دولة ذات سيادة على 78% من مساحة فلسطين التاريخية والمحتلة عام 1948م، مقابل اعتراف الكيان الإسرائيلي بوفد منظمة التحرير ممثلًا للشعب الفلسطيني، ضمن الوفد الأردني-الفلسطيني المشترك للمفاوضات، في إشارة إلى عدم وحدانية واستقلالية المفاوض الفلسطيني، وذلك بدون الإتيان على ذكر الدولة الفلسطينية بوصفها طرفًا مفاوضًا أو نتيجة مرتقبة للمفاضات السياسية.

وقد نصّت المادة الأولى من اتفاقية أوسلو على "أن هدف المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية ضمن إطار عملية السلام الحالية في الشرق الأوسط هو -من بين أمور أخرى- إقامة سلطة حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية -المجلس المنتخب (المجلس)- للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة انتقالية لا تتجاوز خمس سنوات، وتؤدي إلى تسوية دائمة تقوم على أساس قرارَي مجلس الأمن 242 و338"

وهذا يعني التزام طرفَي الصراع الإسرائيلي والفلسطيني، بإنشاء سلطة حكم ذاتي فلسطينية لخمس سنوات، تُفضي إلى حل دائم وفقًا لقرارَي مجلس الأمن 242 و338، باعتباره سقفًا للعملية السياسية ولنتائجها المرتقبة.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار نص القرار 242:

"إن مجلس الأمن.. إذ يعبّر عن قلقه المستمر للموقف الخطير في الشرق الأوسط..

-  يؤكد عدم شرعية الاستيلاء على الأراضي عن طريق الحرب، والحاجة إلى سلام عادل ودائم يستطيع أن تعيش فيه كل دولة في المنطقة.

-  يؤكد أيضًا أن جميع الدول الأعضاء عندما قبلت ميثاق الأمم المتحدة التزمت بالتصرف وفقًا للمادة الثانية منه.

1- يعلن أن تطبيق مبادئ الميثاق يتطلب إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط وهذا يقتضي تطبيق المبدأين التاليين:

  أ‌- انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها (في النص الإنجليزي: "من أراضٍ احتلتها") في النزاع الأخير.

  ب‌- أن تنهي كل دولة حالة الحرب، وأن تحترم وتقر الاستقلال والسيادة الإقليمية والاستقلال السياسي لكل دولة في المنطقة، وحقها في أن تعيش في سلام في نطاق حدود مأمونة ومعترف بها متحررة من أعمال القوة أو التهديد بها.

2- ويؤكد المجلس الحاجة إلى:

  أ‌- ضمان حرية الملاحة في الممرات الدولية في المنطقة.

  ب‌- تحقيق تسوية عاجلة لمشكلة اللاجئين.

  ت‌- ضمان حدود كل دولة في المنطقة واستقلالها السياسي عن طريق إجراءات من بينها إنشاء مناطق منزوعة السلاح.

3-  يطلب من السكرتير العام أن يعين ممثلًا خاصًّا إلى الشرق الأوسط لإقامة اتصالات مع الدول المعنية بهدف المساعدة في الجهود للوصول إلى تسوية سلمية ومقبولة على أساس النصوص والمبادئ الواردة في هذا القرار.

4- يطلب من السكرتير العام أن يبلغ المجلس بمدى تقدّم جهود المبعوث الخاص في أقرب وقت ممكن"[2]

ووفقًا لما ورد في القرار سالف الذكر- فإننا نتوقف عند الملاحظات الآتية:

  1. إن الطرف الفلسطيني المفاوض (منظمة التحرير الفلسطينية) اعترف مسبقًا بشرعية الاحتلال بصفتها دولة ذات سيادة على الأراضي المحتلة عام 1948، أي على 78% من أرض فلسطين الواقعة تحت الانتداب البرايطاني، مقابل اعتراف الكيان الإسرائيلي بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا للشعب الفلسطيني فقط.
  2. إن الطرف الفلسطيني دخل المفاوضات ضمن الوفد الأردني- الفلسطيني المشترك، وما زال يفاوض بصفته ممثلًا للشعب الفلسطيني، من دون صفة الدولة سياسيًّا، أو من دون الشخصية المعنوية للدولة قانونًا.
  3. اتفاقية أوسلو لا تشير صراحة، ولا توفّر الضمانات الكافية لوجود/لنشوء الدولة الفلسطينية على أنّها نتيجة مُلزمة لطرفَي التفاوض، وإنما تركت الباب مفتوحًا على كل الاحتمالات وفقًا لنص القرار 242، الذي يشير في فقرة (ب) من البند (2) إلى "تحقيق تسوية عاجلة لمشكلة اللاجئين"، وذلك باختزاله حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وحقوقه الوطنية- بصفة اللاجئ وحقوقه الإنسانية، وهذا يرفع عن الاحتلال المحاسبة القانونية والإنسانية عن احتلاله لأرض الشعب الفلسطيني عام 1948، والتسبب في تهجير أغلبية الشعب الفلسطيني قسرًا. وهذا ما أعطى الاحتلال الإسرائيلي مساحة كافية للمراوغة، والتقلّب بين سيناريوهات الحلّ.
  4. غموض نص القرار 242، أبقى الجدل قائمًا بين الأطراف المتفاوضة، وأعطى الكيان الإسرائيلي القدرة على المناورة ورفض الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة عام 1967م، فقد اشترط واضع القرار اللورد كارادون مندوب بريطانيا آنذاك لدى مجلس الأمن "أن القرار لا يقبل أي تعديل أو مساومة فإما أن يُقبل كما هو وإما أن يُرفض، لأن أي تعديل ولو طفيف كان من شأنه -حسب رأيه- نسف المشروع من أساسه"[3]، فخرج القرار بصيغتين؛ النص باللغة الإنكليزية ورد في المادة الأولى/الفقرة (أ): "انسحاب القوات الإسرائيلية من أراضٍ احتُلّت في النزاع الأخير". أما في النصوص الفرنسية، والروسية، والإسبانية، والصينية فقد دخلت (أل) التعريف على كلمة أراضٍ. وكأن مندوب بريطانيا العظمى التي أعانت الصهيونية على إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، عبر المساعدات العسكرية ومن خلال وعد بلفور 1917م، أراد أن يُبْقيَ الباب أمام الكيان الصهيوني مفتوحًا للمناورة والمجادلة على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة وبخاصة القدس وعموم الضفة الغربية، ومرتفعات الجولان كما هو حاصل اليوم.

 

فقدان أوراق القوّة:

شكّل انطلاق انتفاضة الحجارة عام 1987م، العنصر الأبرز في علاقة الفلسطينيين مع الاحتلال الإسرائيلي بعد أن نجح الأخير في إبعاد ثوار ومقاومي حركة (فتح) وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية عن لبنان، البلد المجاور لفلسطين، عقب اجتياحه الأراضي اللبنانية عام 1982م، واحتلاله العاصمة بيروت، واضطرار الثورة الفلسطينية إلى الانتقال من لبنان إلى دول عربية بعيدة كتونس، وليبيا، واليمن، والسودان..، وعُدّ هذا نجاحًا نوعيًّا لجهود الاحتلال الإسرائيلي في تأمين الجغرافيا السياسية المحاذية لفلسطين... ومن هنا فإن انبعاث انتفاضة الحجارة عام 1987 داخل فلسطين المحتلة، شكّل صدمة كبيرة للاحتلال الإسرائيلي من حيث التوقيت، والحجم، والاتساع، والاستمرارية، والتطور في أشكال المقاومة من الحجر، والسلاح الأبيض، والأسلحة النارية... واشتراك أطياف المجتمع الفلسطيني كافة من الشباب، والنساء، والعُمّال، وطلاب المدارس والجامعات، والنخب السياسية والثقافية فيها...

انتفاضة الحجارة كانت الورقة الأقوى في يد المفاوض الفلسطيني، ونفطة التحدّي الأبرز التي يواجهها الاحتلال الإسرائيلي العاجز عن وقفها أو التخفيف من حدّتها، وهو ما دفعه إلى الجلوس على طاولة المفاوضات، للتخلص من آثارها الكارثية في الاقتصاد، والأمن، وصورته بوصفه كيانًا عنصريًّا في عيون دول العالم وشعوبها، وخاصة في الاتحاد الأوروبي..، فكانت اتفاقية أوسلو، ثمرة التفاوض السياسي، التي بموجبها توقفت الحجارة، أملًا في أن يحصل الشعب الفلسطيني على حقوقه الوطنية، متكئًا في ذلك على حذاقة وقدرات منظمة التحرير الفلسطينية التفاوضية بقيادة الراحل ياسر عرفات.

بعد مرور سنوات عدة، بدأ يتكشّف الكثير من التفصيلات للآثار السلبية لاتفاقية أوسلو، وللسلوك السياسي للمفاوض الفلسطيني، ونذكر منها على سبيل المثال:

  • ارتهان الاحتلال الإسرائيلي اقتصاد السلطة الفلسطينية الناشئة وذلك من خلال اتفاقية باريس الاقتصادية عام 1994م[4]، التي ألزمت السلطة الفلسطينية التعامل بـ(الشيكل) عملة الكيان الإسرائيلي، إضافة إلى تحكّم سلطات الاحتلال بحركة استيراد وتصدير البضائع عبر الموانئ الإسرائيلية، وإشرافه على جباية الضرائب وتحويلها إلى السلطة الفلسطينية بصفته شريكًا تجاريًّا أساسيًّا في العديد من المجالات.
  • اتكاء المنظمة والمفاوض الفلسطيني على الدبلوماسية خيارًا إستراتيجيًّا وحيدًا في التعامل مع الكيان الإسرائيلي، رغم تعثّر المفاوضات وتوقّفها بشكل كامل منذ نيسان 2014[5]، وهذا أنشأ خللًا في المشهد لمصلحة الاحتلال باحتكاره القوة العسكرية، والتحكم في الاقتصاد الفلسطيني، وجميع مظاهر السيادة البرية والبحرية والجوية... وسمح له بمصادرة المزيد من الأراضي؛ إذ تشير الإحصاءات إلى "تضاعف الاستيطان بنسبة 600% منذ توقيع اتفاق أوسلو في عام 1993م، وإلى استغلال الكيان الإسرائيلي نحو 63% من أراضي الضفة الغربية المصنّفة في (ج) والخاصّة سياديًّا وأمنيًّا للاحتلال الإسرائيلي بموجب اتفاقية أوسلو، وذلك لخدمة الاستيطان والمستوطنين، ونشاط جيش الاحتلال الإسرائيلي"[6]، ناهيك عن مصادرة المياه الجوفية، وتهويد القدس، والاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية، وأخذه إجراءات متقدمة لناحية تهويد المسجد الأقصى وتقسيمه زمانيًّا ومكانيًّا بمنع المصلين المسلمين من دخول المسجد من الساعة 7 صباحًا إلى ما قبل صلاة الظهر لإفساح المجال للمستوطنين للتجوّل داخله تحت حراسة جنود الاحتلال... إضافة إلى مصادقة حكومة الكيان الإسرائيلي على تشريع ما يُعرف بـ(قانون منع الآذان) في المساجد بذريعة "منع الضجيج من مكبرات الصوت في مراكز العبادة"[7]. كل تلك الإجراءات تعبير عن شعور الكيان الإسرائيلي بالتفوق، مقابل عجز المفاوض الفلسطيني الفقير لأدوات القوة، ولأساليب الضغط، سوى التهديد السياسي اللفظي. الأمر الذي أطال من عمر المفاوضات بتجاوزها مدة خمس السنوات المنصوص عليها في اتفاقية أوسلو حدًّا أقصى للوصول إلى تسوية نهائية عام 1999م، فانقضى نحو 24سنة من دون التوصل إلى أي اتفاق حقيقي، بل يمكن القول إن اتفاقية أوسلو انهارت عمليًّا، وما الحديث أو الاتصالات الجارية بشأن العملية السياسية إلا مجرد إدارة لمفاوضات من دون سقف زمني محدّد، وذلك ترجمة لقول رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي الأسبق إسحق رابين، بأنه لا قدسية لمواعيد المفاوضات.
  • التنسيق الأمني مع الكيان الإسرائيلي، فعلى الرغم من توقف المفاوضات السياسية منذ نيسان/أبريل 2014، وتغوّل الاستيطان الإسرائيلي إلى حدّ تهديده فرص إمكانية إقامة الدولة الفلسطينية، إلا أن الملف الأمني أو ما يُسمى بالتنسيق الأمني بين أجهزة أمن السلطة الفلسطينية وجيش الاحتلال، استمر بدون توقف آخذًا منحى تصاعديًّا، في مخالفة صريحة لـ "قرار اللجنة المركزية لمنظمة التحرير الفلسطينية المُتخذ في 5آذار/مارس 2015م، بوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، بسبب اتهامها له بالتنكر للاتفاقيات الموقعة مع السلطة الفلسطينية"[8]؛ فأصبح أداء الأجهزة الأمنية الفلسطينية مُنْصبًّا بالدرجة الأولى على توفير الحماية للمستوطنين والمستوطنات، بدلًا من الحفاظ على النظام العام وأمن المواطن الفلسطيني الذي يواجه انتهاكات المستوطنين وجيش الاحتلال وأجهزته الأمنية. وقد حصل هذا التبدّل في المهام وفي أولويات الأجهزة الأمنية الفلسطينية منذ عام 2005م، أي بعد سنة من وفاة الرئيس الراحل ياسر عرفات، واستلام محمود عباس الرئاسة؛ حيث "شهدت هذه المرحلة إعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية من جديد بإشراف الجنرال الأمريكي كايت دايتون، الذي أسهم في تغيير عمل هذه الأجهزة، ووضع أسس التنسيق الأمني مع أجهزة الأمن الإسرائيلية، وبخاصة منذ عام 2007م، وهو العام الذي حصل فيه الانقسام الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس"[9]، وجدير بالذكر أن عدد أفراد الأجهزة الأمنية بلغ بحسب مصادر غير رسمية من 25-30 ألف[10] من أصل نحو 165 ألف موظف من منتسبي القطاع العام لدى السلطة الفلسطينية، وبموازنة تُقدَّر بـمليار دولار؛ أي ما يعادل ثلث موازنة السلطة الفلسطنيية[11]. إضافة إلى اتهام أجهزة أمن السلطة الفلسطينية بانتهاك حقوق المواطن الفلسطيني، عبر الاعتقال التعسفي على خلفيات سياسية، واستخدامها العنف والتعذيب النفسي والجسدي، وقمع حرية الرأي والتعبير[12]
  • الانقسام السياسي بين حركتي فتح وحماس، فمن المعلوم أن الحركتين تتباينان في برامجهما السياسية، فحركة (فتح) تتمسك ببرنامج التسوية السياسية، وتعتمد المفاوضات خيارًا إستراتيجيًّا لاستعادة الحقوق الوطنية. أما حركة (حماس) فتعتمد برنامج المقاومة، والخيار العسكري إستراتيجية لاستعادة الحقوق الوطنية، رافضة التنازل عن أي شبر من أرض فلسطين، كما ترفض الاعتراف بشرعية الاحتلال على أرض فلسطين التاريخية، أو الاعتراف بالكيان الإسرائيلي على الأراضي المحتلة عام 1948م، نقيضَ حركة (فتح) ومنظمة التحرير الفلسطينية اللتين اعترفتا بشرعية الكيان الإسرائيلي على 78% من أرض فلسطين بموجب اتفاقية أوسلو 1993م، في الوقت الذي امتنع فيه الكيان الإسرائيلي حتى اللحظة عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967م. ومن جانب آخر قبلت حركة (فتح) بمبدأ التفاوض على حق العودة للاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم التي هُجِّروا منها، على قاعدة تعويض وتوطين الأغلبية الساحقة من اللاجئين الفلسطينيين الذين يبلغ عددهم نحو 6 مليون فلسطيني، وهذا زاد من حدة التباين بين حركتي فتح وحماس، حيث ترفُض الأخيرة التنازل عن هذا الحق، وتتمسك به كاملًا بموجب القرار الأممي 194 الذي يحفظ للفلسطينين حقهم في العودة إلى الأرض التي هُجِّروا منها مع التعويض. على هذه الأرضية من التناقضات في مفردات البرامج السياسية اتسعت المسافة بين الأشقاء الفلسطينيين إلى حدّ القطيعة بعد أن وقع الحسم العسكري الأمني في قطاع غزة 2007م، عندما ذهبت حركة (حماس) إلى مواجهة ما أسمته الفوضى الأمنية لعناصر تابعة لحركة (فتح) في الأجهزة الأمنية، الساعين، بحسب زعم الحركة، إلى إفشال الحكومة الفلسطينية العاشرة بقيادة إسماعيل هنية، المُشكّلة عقب فوز (حماس) بالأغلبية المطلقة في الانتخابات البرلمانية لعام 2006م. فكان أن اتهمت حركة (حماس)، حركة (فتح) وأحد منتسبيها الرئيسين قائد الأمن الوقائي سابقًا محمد دحلان بالمسؤولية عن تلك الفوضى وتداعياتها التي أدّت إلى الصدام المسلّح وحسم الأمر لمصلحة الحكومة العاشرة بقيادة إسماعيل هنية، وهو ما انعكس بدوره على موقف السلطة الوطنية في الضفة الغربية بقيادة الرئيس محمود عباس، الذي أخذ على عاتقه موقفًا سياسيًّا معاديًا للمقاومة[13]، وقراراتٍ تُجرّم كل من يحمل السلاح في وجه الاحتلال، إضافة إلى اعتقال الأجهزة الأمنية في رام الله المئات من منتسبي حركة (حماس)، وإغلاق العشرات من المؤسسات الأهلية والخدمية المحسوبة عليها في عموم الضفة الغربية. بسبب تلك الإجراءات والمواقف المتبادلة، وتسمم الأجواء الوطنية، وانعدام الثقة، إضافة إلى تدخل وضغط العديد من القوى الخارجية وبخاصة الكيان الإسرائيلي الذي حال دون نجاح المصالحة الوطنية؛ بإفشال اتفاق مكة لعام 2007م برعاية السعودية، وإعلان الدوحة برعاية دولة قطر عام 2012م، وبإفشال اتفاق الشاطئ لعام 2014م، ذلك الاتفاق الذي سلّمت فيه حركة (حماس)، الرئيس محمود عباس كامل الصلاحيات لتشكيل حكومة توافق وطني لإدارة شؤون قطاع غزة والضفة الغربية كاملة، والتحضير للانتخابات وفقًا لما ورد في إعلان الشاطئ بتاريخ 23/4/2014م[14].

على الرغم من إيجابية انتقال الثقل السياسي والأمني لمنظمة التحرير الفلسطينية إلى داخل فلسطين المحتلة، وفقًا لاتفاقية أوسلو ووفقًا لرغبة وتخطيط ياسر عرفات، إلا أن القيادة السياسية لحركة فتح ولمنظمة التحرير الفلسطينية فشلت في توظيف هذا الثقل في الضغط على الاحتلال لانتزاع الحقوق الوطنية عبر السبل الممكنة والمتاحة بموجب القانون الدولي، بدءًا من الدبلوماسية وانتهاءً بالمقاومة المسلحة؛ فبقيت المفاوضات السياسية تراوح مكانها، وتدور في حلقة مفرغة، باتكائها على الدبلوماسية فقط، وبرعاية أمريكية منحازة للاحتلال الإسرائيلي.

الربيع العربي والتسوية السياسية:

تعرضت المنطقة العربية لهزات اجتماعية، وسياسية، وأمنية عنيفة بفعل ما سُمّي بثورات الربيع العربي التي انطلقت من تونس في 17/12/2010م، واستكملت طريقها إلى مصر، وليبيا، واليمن، وسوريا... بسرعة مذهلة، فأحدثت تحولات وتبدلات غير متوقعة ولاسيّما مع هروب الرئيس زين العابدين بن علي، واستقالة الرئيس حسني مبارك، ومقتل الرئيس معمر القدافي، وتنحي الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، وانفجار الوضع عسكريًّا في سوريا بين النظام والفصائل المسلحة، بعد أن كانت التحركات الجماهيرية سلمية الطابع، ولكنها لم تسلم من القمع والملاحقات الأمنية لأجهزة النظام.

إن القضية الفلسطينية وبحكم ارتباطها الوثيق بالعالم العربي، بوصفها قضية مركزية، تأثرت بشكل كبير بالتحولات الدراماتيكية الكثيفة، وبخاصة في مصر وسوريا، بحكم التاريخ المشترك الذي صنعته الجغرافيا السياسية وقواسم الثقافة والدين. ففلسطين طائرٌ بجناحين، أحدهما في سوريا شمالًا، والآخر في مصر جنوبًا.

بحسب خارطة القوى الفلسطينية الداخلية؛ ارتبطت حركة (فتح) تاريخيًّا بمصر، صانعة (السلام) مع الكيان الإسرائيلي عبر اتفاقية كامب ديفيد، وهو ما أهلها لأن تكون دولة راعية لمشروع التسوية السياسية الذي دخلته حركة(فتح) ومنظمة التحرير الفلسطينية عقب تبنيها البرنامج المرحلي، برنامج النقاط العشر في عام 1974م. ومع فقدان حركة (فتح) الداعم العربي الرئيس لبرنامجها التفاوضي بتنحي الرئيس مبارك 11/2/2011م، ومن ثم وصول حركة الإخوان المسلمين الراعي الروحي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، إلى سدة الحكم برئاسة محمد مرسي 30/6/2012م- تكون حركة (فتح) وبرنامجها السياسي قد تلقيا ضربة قوية، إضافة إلى فقدان الكيان الإسرائيلي "كنزًا استراتيجيًّا" بحسب تعبير  الجنرال بنيامين بن إليعازر، وتعبير وزير الخارجية المصري السابق نبيل العربي الذي قال خلال برنامج (العاشرة مساء) على قناة دريم المصرية 2/4/2011م: "إن الرئيس حسني مبارك كان بمثابة كنز لإسرائيل... إن إسرائيل كانت تستطيع فعل أشياء كثيرة وتمرير ما تريد من خلاله، وهذا الكنز نفد الآن"[15].

على الجانب الآخر، شعرت حركة حماس المتزعّمة لبرنامج المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، بمزيد من القوة والارتياح لوصول حركة الإخوان المسلمين إلى سدّة الحكم في مصر، معتبرة ذلك تحولًا استراتيجيًّا سيُفضي على المدى المنظور إلى بداية نجاح مشروع المقاومة، وتراجع المشروع الصهيوني. وقد كان الموقف المصري- التركي- القطري أحد تعبيرات التبدل في المشهد، عندما وقفت الدول الثلاث خلف الشعب الفلسطيني ومقاومته في مواجهة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2012م، فقد أوضح خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس "أن المقاومة استفادت من هذه التحولات عام 2012م، ولقيت دعمًا من تركيا، ومصر، وقطر، حيث بات الاحتلال الإسرائيلي يسأل عن شروط المقاومة لوقف الحرب وليس العكس"[16] وهذا الذي شجّع حركة حماس على الابتعاد أكثر عن حلفائها الإستراتيجيين السابقين (إيران، وسوريا، وحزب الله) نتيجة سلوكياتها الطائفية العنيفة ضد الشعب السوري وقواه المدنية المطالبة بالإصلاح السياسي في السنوات الأولى من عمر الثورة السورية، إضافة إلى اعتقاد حركة حماس بحتمية فشل النظام السوري وإيران في مواجهة الحراك الجماهيري داخل سوريا، وهو ما حدا بالحركة إلى تغيير وجهة علاقاتها السياسية نحو تركيا، وقطر، ومصر في عهد الرئيس مرسي.

لكن المشدّ الإقليمي ما لبت أن تكشّف عن ارتدادات أكثر عنفًا، بعد نجاح ما سُمّي بالثورة المضادة في مصر بدعم من الجيش ومحور ما كان يُسمى بالاعتدال العربي الحليف التقليدي لحركة فتح، والخصم لحركة حماس... وسقوط حكم الإخوان المسلمين واعتقال الرئيس محمد مرسي الذي لا يزال قيد الاعتقال، ودخول الدولة المصرية في حالة من الاضطراب الأمني، والاقتصادي، والاجتماعي... إضافة إلى تسلّح قوى (الثورة) السورية في مواجهة النظام، ودخول العديد من القوى الإقليمية والعالمية على خط الأزمة السورية، فتحول المشهد إلى ما يشبه الحرب الأهلية نتيجة التدخلات الخارجية، وتعارض الأجندات الإقليمية والدولية بين إيران، وتركيا، والسعودية، وقطر، ومصر، وروسيا، والولايات المتحدة، والكيان الإسرائيلي... فأصبحت سوريا ككرة اللهب التي تكاد تدمر نفسها وتحرق الأطراف المتصارعة فيها وعليها كافة.

تلك التحولات العنيفة والعميقة، أفضت إلى استنزاف العديد من الدول العربية والإسلامية، وبخاصة سوريا، ثم مصر والسعودية، إضافة إلى بثّ روح الخصومة والمواجهة الطائفية بين إيران وتركيا في سوريا، وبين إيران والسعودية في اليمن... وهذا كان له أثر سلبي عميق في القضية الفلسطينية التي تراجع حضورها على أجندة تلك الدول وشعوبها، لانشغالها بأزماتها الداخلية وحروبها البينية بالوكالة.

إذن فقدت حماس حلفاءها الإستراتيجيين السابقين الداعمين لها بالسلاح والمال والجغرافيا، واكتسبت صداقة تركيا وقطر الداعمينِ لها إنسانيًّا وماليًّا بشكل نسبي، في الوقت الذي خسرت فيه الرهان على نجاح الإخوان المسلمين في حكم دولة بحجم مصر، وفي هذا السياق أكّد خالد مشعل أن "الحركات الإسلامية الوسطية  -بما فيها حركة حماس- ارتكبت خطأين: الأول المبالغة في الرهان على القوة الذاتية، والثاني وجود خلل في التعامل مع شركاء الوطن[17] .

كما أن حركة فتح تشظّت بسبب النزاع الداخلي على زعامة الحركة خلفًا للرئيس محمود عباس الثمانيني العمر، ومواجهته المفتوحة مع خصمه محمد دحلان المدعوم من مصر والإمارات العربية المتحدة..، كما ضعفت الحركة بسبب انشغال حلفائها التقليديين (دول الاعتدال العربي: مصر، والسعودية، والإمارات، والأردن) الذين بدؤوا يتقربون أكثر إلى الكيان الإسرائيلي سرًّا و علانية  لتطبيع العلاقات معه بمعزل عن الوصول إلى حلّ عادل للقضية الفلسطينية، بذريعة مواجهة إيران الخصم المشترك. وهو الذي دفع خالد مشعل إلى القول بأن "دولًا عربية استغلت التحولات في المنطقة للهرولة للتطبيع مع إسرائيل، ومحاولة خفض سقف مطالب الشعب الفلسطيني، بل محاولة فرض قيادة فلسطينية جديدة وعرقلة المصالحة"[18] بين حركتي فتح وحماس .

على وقع ذلك المشهد السالب بالنسبة للقضية الفلسطيينية، كان حراك إدارة الرئيس باراك أوباما باهتًا، وتُرجم بإخفاق وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، في نيسان 2014م، في مهمته الأخيرة وسيطًا لتقريب وجهات النظر وإحياء مسار المفاوضات، بسبب تمسك حكومة نتنياهو اليمينية باستمرار البناء في المستوطنات القائمة على أراضي الضفة الغربية المحتلة عام 1967م، إضافة إلى رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم الذين هُجِّروا منها قسرًا عام 1948م، والاشتراط مسبقًا على حق الجيش الإسرائيلي وأجهزته الأمنية في الانتشار على طول منطقة الأغوار الفاصلة بين الضفة الغربية والأردن لحماية أمن الكيان الإسرائيلي، على أنّه استحقاق لأي اتفاق سياسي يمكن أن ينشأ لاحقًا.

الشروط الإسرائيلية تلك، كانت تعني القضاء على خيار إقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة وقادرة على الحياة، وأن الاحتلال الإسرائيلي يسعى إلى إدامة عمر المفاوضات من خلال إدارة الصراع، لا البحث عن حلول عملية وفقًا للقرارات الدولية ذات الصلة، وهذا تعبير عن جنوح الأحزاب والمجتمع الإسرائيلي إلى التطرف يمينًا، ورغبته في استغلال التحولات السياسية الجارية في المنطقة العربية، نتيجة الثورات والثورات المضادة، ودخول دول المنطقة في صراعات إقليمية مباشرة وبالوكالة في سوريا، واليمن، والعراق..، لتحقيق أقصى ما يمكن من المكاسب بفعل سياسة الأمر الواقع في القدس وعموم الضفة الغربية. هذا إضافة إلى تطلع الكيان الإسرائيلي بقيادة حكومة نتنياهو إلى مد جسور التطبيع مع العالم العربي، وبخاصة دول مجلس التعاون الخليجي، بذريعة الحاجة المشتركة لمواجهة إيران، من دون المرور باستحقاقات القضية الفلسطينية وحل الصراع العربي الصهيوني.

إدراك إدارة الرئيس أوباما، باستحالة إقناع الطرف الإسرائيلي بتغيير موقفه ولو نسبيًّا بتجميد الاستيطان، وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين المعتقلين قبل التوقيع على اتفاقية أوسلو... وذلك لمساعدة الرئيس محمود عباس في العودة إلى المفاوضات عبر إنجازات ولو شكلية تشفع له أمام الرأي العام الفلسطيني...- دفع واشنطن إلى اليأس من إمكانية تحريك المفاوضات بالشروط الإسرائيلية، وهو الأمر الذي جاء على لسان مسؤول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا روبرت مالي، أواخر عام 2015م  الذي قال: "إن إدارة أوباما لن تقوم بمبادرة جديدة لاستئناف المفاوضات حتى نهاية عهد الرئيس أوباما، وإن ما يمكن القيام به مبادرات لتحسين ظروف حياة الفلسطينيين، وبناء الثقة بينهم وبين الإسرائيليين، ومنع التدهور بشكل عام، وانهيار السلطة الفلسطينية بشكل خاص"[19].

على الرغم من تعنّت الطرف الإسرائيلي، ورفضه الالتزام باستحقاقات أوسلو، وإحجام واشنطن عن ممارسة الضغوط عليه، إلا أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وقفت عاجزة عن اتخاذ أيّ إجراءات مضادة على النحو الذي كان يهدّد به الرئيس محمود عباس من "تسليم مفاتيح السلطة، والاستقالة، وإعادة النظر في العلاقة مع الاحتلال من علاقة مع شريك سلام إلى علاقة مع عدو واحتلال، واتخاذ قرارات بوقف التنسيق الأمني، وتغيير علاقات تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي، إضافة إلى التلويح بسحب اعتراف منظمة التحرير بـ(إسرائيل)، ردًّا على عدم اعترافها بالدولة الفلسطينية، وتنكرها لكل الاتفاقيات، والمضي بتعميق الاحتلال وتوسيع الاستيطان، وعمل كل ما من شأنه قطع الطريق على قيام دولة فلسطينية"[20]

انقضت فترة الرئيس أوباما في يناير/كانون الثاني 2017م، وجاء الرئيس ترامب مشحونًا بعواطف ومواقف سياسية مؤيدة للكيان الإٍسرائيلي عبر وعده بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وعدم التزامه بحلّ الدولتين في أول مؤتمر صحفي جمعه مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض في شباط/فبراير 2017، قائلًا: "ستشجّع الولايات المتحدة التوصل لاتفاق سلام..، سنعمل على ذلك بجدّية شديدة، لكن ينبغي أن يتفاوض الطرفان بنفسيهما على هذا الاتفاق بشكل مباشر" داعيًا الفلسطينيين إلى التخلص مما وصفه (بالكراهية)، وأضاف قائلًا: "أود نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، لكن الأمر يبحث بعناية كبيرة"[21]

تلك المواقف للإدارة الأمريكية الجديدة، بدأت تتعزز أكثر عقب القمة العربية الإسلامية الأمريكية في الرياض (21 أيار/مايو 2017م)، التي جمعت الرئيس ترامب برؤساء نحو 50 دولة إسلامية، تركزت في جوهرها بحسب بيان القمة[22] على مجابهة إيران، ومواجهة التطرف والإرهاب، من دون التطرق إلى القضية الفلسطينية. إضافة إلى خلو جعبة الرئيس ترامب من أيّ مقاربة سياسة واضحة لعملية السلام بين الفلسطينيين و(الإسرائيليين) في أثناء زيارته فلسطين المحتلة ولقائه كلًّا من رئيس وزراء الاحتلال نتنياهو، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، حيث أعلن ترامب خلال مؤتمر صحفي مع محمود عباس في بيت لحم في 23/5/2017م بأنه ملتزم  بتحقيق اتفاق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وسيبذل جهده لتحقيق ذلك، وأضاف "أتطلع للعمل من أجل تحقيق سلام مستدام ومستمر، وأتطلع للعمل مع الرئيس عباس حول قضايا مهمة أخرى، مثل الاستفادة من الإمكانيات المتاحة للنهوض بالاقتصاد الفلسطيني، وكذلك في مجال مكافحة الإرهاب".[23]. وهو الأمر الذي أكّده ديفيد فريدمان، سفير الولايات المتحدة لدى تل أبيب، وأحد المقربين من الرئيس الأمريكي ترامب بقوله: "إن ترامب لا يملك أيّة خطة أو تصور لإنجاز (صفقة القرن) التي هَذَرَ بشأنها كثيرًا، لكنه في المقابل ملتزم بعدم ممارسة أية ضغوط على إسرائيل لقبول أي موقف"[24]، وهذا يشير إلى مدى تساوق الإدارة الأمريكية الحالية مع رغبة الكيان الإسرائيلي، بترك باب التفاوض مفتوحًا من دون شروط، أو استحقاقات، أو سقوف زمنية، أو مرجعية دولية ذات صلة بالقرارات الدولية (242 و338) التي بُني عليها مسار أوسلو التفاوضي، وذلك لإفساح المجال لتطبيع العلاقات العربية والإسلامية مع الاحتلال الإسرائيلي أولًا، بدون إلزام الكيان الإسرئيلي بدفع ثمن السلام مع العرب الذين لا تزال أراضيهم محتلة، وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني.

وهذا يعني ترك الفلسطينيين فريسةً ونهبًا للاحتلال الإسرائيلي الساعي إلى رسم ملامح المرحلة المقبلة وفقًا لشروطه ورؤيته للمستقبل من خلال سياسة الأمر الواقع التي يفرضها الأقوياء.

القضية الفلسطينية والمسارات المحتملة:

واقع المنطقة العربية مضطرب، ويمرّ في فترة انتقالية غير واضحة المعالم، ومن المرشح أن يبقى الوضع رماديًّا متحركًا من 5 إلى 10 سنوات قادمة، الأمر الذي يمنح الاحتلال سعة للتأثير أكثر من أي وقت مضى في واقع التسوية السياسية ومستقبل القضية الفلسطينية التي تعاني من ضعف السلطة في رام الله، وتراجع دور منظمة التحرير الفلسطينية، إضافة إلى مراوحة المقاومة الفلسطينية مكانها، لعدم قدرتها على إحداث اختراق نوعي في المشهد المضطرب نتيجة لعوامل موضوعية تتمثل في الحصار المضروب على غزة، والملاحقة الأمنية في الضفة الغربية، وتراجع حضور القضية الفلسطينية عربيًّا، ناهيك عن ممارسة بعض الدول العربية (السعودية، الإمارات، مصر، الأردن) ضغوطًا على المقاومة الفلسطينية وفي مقدمتها حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بوصفها استحقاقًا لتقاربها مع الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الإسرائيلي بذريعة مواجهة إيران والإرهاب، وذلك بحسب مجريات ومخرجات قمة الرياض (العربية الإسلامية الأمريكية) التي انعقدت في 21أيار/مايو 2017.

بناء على ما سبق، واستنادًا إلى قوة الكيان الإسرائيلي وعلوّه؛ ماديًّا، وعسكريًّا، ونجاح مخططاته الاستيطانية في الضفة الغربية، وتقدّمه في تهويد مدينة القدس المحتلة..، فإننا نعتقد أن مسارات القضية الفلسطينية، وفي المدى المنظور (5 سنوات قادمة)، تتأرجح بين السيناريوهات الآتية:

 

أولًا: استمرار الوضع القائم على ما هو عليه؛ جمود في مسار التسوية السياسية، واستمرار الضغط على المقاومة الفلسطنيية وحركة حماس في غزة والضفة الغربية، والسعي إلى تجفيف منابع التمويل والإمداد للشعب الفلسطيني من خارج فلسطين المحتلة... بُغية استكمال الاحتلال لمخططاته الاستيطانية والتهويدية في الضفة الغربية والقدس بدعم من إدارة الرئيس ترامب (إدارة للصراع من دون البحث عن حلول نهائية).

ثانيًا: تسويق الاحتلال الإسرائيلي لفكرة الحكم الذاتي تحت السيادة الإسرائيلية؛ من خلال تدجين السلطة الفلسطينية في رام الله، ودفعها إلى قبول فكرة السلام الاقتصادي مع الكيان الإسرائيلي تحت ضغط الواقعية السياسية، وسياسة فن الممكن.

ثالثًا: الدفع باتجاه إنشاء دولة فلسطينية في قطاع غزة بتوسعته جغرافيًّا نحو سيناء وبموافقة النظام المصري[25]، وهذا يسمح بإقامة ميناء بحري عبر البحر الأبيض المتوسط، وبري عبر الحدود المصرية، وجوّي بإعادة ترميم مطار غزة الدولي، ثم الربط بين غزة والمدن الفلسطينية في الضفة الغربية القائمة على  نحو 40% من مساحتها، عبر جسر فوق الأرض. على أن تكون دولة منزوعة السلاح، وتحت الرقابة الأمنية الإسرائيلية المباشرة، أو عبر طرف ثالث كالولايات المتحدة الأمريكية والحلف الأطلسي.

رابعًا: إحياء فكرة الكونفدرالية مع الأردن، بإعلان دولة فلسطينية على نحو 40% من أراضي الضفة الغربية (المكتظة بالمدن الفلسطينية الرئيسة) إضافة إلى قطاع غزة، تمهيدًا للاتحاد مع الأردن، الذي سيمنح الفلسطينيين في الضفة والقطاع، فضاء جغرافيًّا جديدًا، وعمقًا اقتصاديًّا عبر الأردن وموانئها الجوية والبرية والبحرية. على أن تكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح، وتخضع لرقابة أمنية إسرائيلية، وخاصة على منطقة الأغوار (الحدود الفاصلة بين ضفتي نهر الأردن)، أو تخضع لرقابة أمنية عبر طرف ثالث كالولايات المتحدة الأمريكية والحلف الأطلسي.

 

من المرجّح أن يلجأ الاحتلال إلى الدفع باتجاه السيناريو الثاني بالاتكاء على السيناريو الأول (أي الحكم الذاتي تحت ضغط الواقع وانعدام الخيارات)، رغبة منه في إبقاء عموم الأراضي الفلسطينية تحت السيادة الإسرائيلية، ومن ثم التحكّم في الديموغرافيا الفلسطينية من خلال الاستيعاب الاقتصادي؛ كسوق للاستهلاك المحلي، وكمصدر للأيدي العاملة الماهرة والرخيصة..، خاصة إذا نجح الكيان الإسرائيلي في تقويض أو إنهاك المقاومة الفلسطينية عبر الحصار أو المواجهة العسكرية المباشرة بدعم من بعض الدول العربية الرافضة لخيار المقاومة، والساعية بدورها إلى مد جسور التطبيع والتعاون الأمني والاقتصادي مع الكيان الإسرائيلي من دون المرور بالحلّ النهائي للصراع العربي الصهيوني... وهي الدول ذاتها التي تمارس الضغط على السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية لعدم التصعيد سياسيًّا مع الاحتلال، وتسعى في ذات الوقت إلى نزع سلاح المقاومة الفلسطينية توطئة للمبادرة العربية للسلام (مقررات قمة بيروت  2002م)، ونزولًا عند شروط الرباعية الدولية (الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة) التي أنشئت عام 2002م لمتابعة التسوية السياسية مع الاحتلال الإسرائيلي.

 

تلك السيناريوهات خاضعة لشروط احتلال صهيوني إحلالي، وهي سيناريوهات تحمل في رحمها تناقضًا بين سياسة الأمر الواقع التي يفرضها الاحتلال، وبين تطلعات الشعب الفلسطيني الذي لا يزال يناضل لاسترداد حقوقه الوطنية والسياسية بموجب الدين، والتاريخ، وقواعد القانون الدولي، وهي أبعاد ثلاثة قادرة على قلب الطاولة كلما حصل تبدل في ميزان القوى، وهو الأمر المتوقع حصوله في منطقة لا تزال تعجّ بالأزمات، وتنتظر المزيد من التحولات المجتمعية والسياسية العميقة نتيجة الصراعات القائمة بين الدول، ونتيجة التناقضات المتفاقمة بين شعوبٍ طامحةٍ إلى الحرية والكرامة وبين أنظمةٍ تستمد (شرعيتها) من قوى خارجية.

الهوامش والمصادر:

 

 

[1]  قريع، أحمد، الرواية الفلسطينية الكاملة للمفاوضات من أوسلو إلى خريطة الطريق، 1– مفاوضات أوسلو 1993 ( بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2005 )، ص382–387.

[2]  موسوعة السياسة، المجلد الرابع، ص773.

[3]  الانسحاب من أراضٍ محتلة، 3/10/2004، الجزيرة نت، www.aljazeera.net

[4]  اتفاقية باريس الاقتصادية 29/4/1994، مركز المعلومات الوطني الفلسطيني، وكالة وفا، www.wafainfo.ps

[5]  عباس يتمسك بالمفاوضات ويتّهم إسرائيل بعرقلتها، 15/5/2014، الجزيرة نت، www.aljazeera.net

[6]  تضاعف الاستيطان بنحو 600% منذ توقيع أوسلو، 12/7/2016، وكالة سوا الإخبارية،www.palsawa.com

[7]  إسرائيل تمنع الآذان في المساجد، 14/11/2016 ، وكالة سبوتنيك، https://arabic.sputniknews.com

[8]  إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية... لماذا تصرّ حماس، ولماذا يعيق عباس؟ 17/11/2016، موقع المونيتور، www.al-monitor.com

[9]  أجهزة الأمن الفلسطينية بعيون إسرائيلية، 24/4/2016، وكالة معًا الإخبارية (نقلًا عن صحيفة يديعوت أحرونوت "الإسرائيلية") http://m.maannews.net

[10]  المصدر نفسه

[11]  تقرير حقوقي: أجهزة أمن السلطة الفلسطينية اعتقلت واستدعت 2214 مواطنًا العام الماضي، 3/1/2017، وكالة قدس برس إنترناشيونال للأنباء www.qudspress.com (نقلًا عن المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا aohr.org.uk )

[12]  المصدر نفسه

[13] عباس يرفض المقاومة المسلحة ضد إسرائيل.. وحماس انقلبت على حكومتها بـ2006، 16/10/2014م، وكالة فلسطين حرّة، palestineafree.com (نقلًا عن مقابلة للرئيس عباس مع قناة cbc المصرية، 15/10/2014م)

[14]  وثيقة تفاهمات حركتَي فتح وحماس لتنفيذ اتفاق المصالحة، 26/9/2014م، الجزيرة نت، www.aljazeera.net

[15]  "إسرائيل" إذ تبكي مبارك، 6/8/2011م، وكالة فلسطين اليوم الإخبارية، https://paltoday.ps

[16] مشعل: أخطأ الإسلاميون بالرهان على القوة الذاتية، 25/9/2016، www.aljazeera.net

[17]  المصدر نفسه

[18]  المصدر نفسه

[19] التقرير الإستراتيجي الفلسطيني 2014 – 2015، ص 125، مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، بيروت– لبنان.

[20]  المصدر نفسه

[21]  اليوم السابع، وصلة استفزاز بين ترامب ونتنياهو في أول لقاء لهما بواشنطن... 15/2/2017، www.youm7.com

[22]  البيان الختامي لقمة الرياض، 21 أيار/مايو 2017م، وكالة الأنباء السعودية (واس)، www.spa.gov.sa

[23]  ترامب: ملتزم بتحقيق اتفاق سلام فلسطيني إسرائيلي، 23/5/2017م،الجزيرة نت، http://www.aljazeera.net

[24]  التطبيع مقابل السراب، 23أيار/مايو 2017م، العربي الجديد، www.alaraby.co.uk   (نقلًا عن صحيفة، يسرائيل هيوم، 17 أيار/مايو 2017م)

[25]  فكرة دولة فلسطينية في غزة وشمال سيناء، كشف عنها الوزير الإسرائيلي أيوب قره بقوله: "إن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال لقائه مع الرئيس الأمريكي ترامب سيناقش فكرة الرئيس السيسي لإقامة دولة فلسطينية موسعة في غزة وأجزاء من سيناء"، وأضاف: "إن الرئيس المصري قد عرض الفكرة على الجانب الإسرائيلي كحل بديل لحلّ الدولتين"، هذا إضافة إلى ما كشفته صحيفة جيروزالم بوست الإسرائيلية عن "أن الرئيس السيسي عرض تلك الفكرة على الرئيس محمود عباس عام 2014م، ولكن عباس رفض هذا العرض في حينه". (تابع المزيد من التفاصيل: دولة غزة وشمال سيناء الحلّ البديل، 28 مارس/آذار 2017م، موقع عربي 21، http://m.arabi21.com)


ملصقات
 »