رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

تنظيم غولن الإرهابي ومحاولة انقلاب 15 تموز في لوائح الاتهام

تحاول هذه الدراسة تسليط الضوء على ما ورد في لوائح اتهامات أعضاء تنظيم غولن؛ من أجل الوقوف على حقيقة التنظيم بشكل موثّق، ولتدرس كيف تمّت محاولة الانقلاب في 15 تموز.

تنظيم غولن الإرهابي ومحاولة انقلاب 15 تموز  في لوائح الاتهام

ملخص:  تحاول هذه الدراسة تسليط الضوء على ما ورد في لوائح اتهامات أعضاء تنظيم غولن؛ من أجل الوقوف على حقيقة التنظيم بشكل موثّق، ولتدرس كيف تمّت محاولة الانقلاب في 15 تموز. وقد استفاد الباحث في إعداد هذه الدراسة من ثلاث لوائح اتهام أساسية: أُولاها: لائحة الاتهام التي قُدِّمت للمحكمة الجنائية العليا قبل وقتٍ قصيرٍ من محاولة انقلاب 15 تموز، والمعروفة لدى الرأي العام بـ(لائحة اتهام سقف تنظيم غولن الإرهابي). وثانيها: (لائحة اتهام سقف الانقلاب) التي تتناول الأحداث التي حصلت في مقر هيئة الأركان في أثناء محاولة انقلاب 15 تموز، وثالثها: (لائحة اتهام أقنجي) التي تتناول الأحداث التي وقعت في قاعدة أقنجي العسكرية.

المدخل

إنّ استمداد مؤسسات الدولة شرعيتها من السيادة الوطنية شرط وجوديّ في الأنظمة الديمقراطية. وقد أُكِّد هذا الأمر في نص المادة 6 من الدستور التركي الذي يصف الجمهورية التركية بأنها دولة القانون الديمقراطية: "يمارس الشعب التركي سيادته بنفسه من خلال الأجهزة المخولة تبعًا للأسس التي ينصّ عليها الدستور، ولا يجوز تفويض أي فردٍ أو زمرةٍ أو فئةٍ في حقّ ممارسة السيادة بأيّ شكلٍ من الأشكال، ولا يجوز لأي شخصٍ أو جهازٍ ممارسة أيّ سلطة من سلطات الدولة لا تستند إلى الدستور". ورغم هذه الترتيبات القانونية الأساسية حدث عددٌ كبيرٌ من الانقلابات ومحاولات الانقلاب في الماضي التركي القريب، وبُنيت أنظمة وصاية بيروقراطية على السلطات الشرعية. وتنظيم غولن الإرهابي عمل لبناء هذا النوع من أنظمة الوصاية على مدى سنوات طويلة، وعندما أخفق في ذلك قام بمحاولة انقلاب 15 تموز 2016م.

في البداية، برز تنظيم غولن الإرهابي بمظهر جماعةٍ دينيةٍ لها صفات خاصة بها، ثمّ أخذ شكل تنظيمٍ يتغلغل في المجتمع والدولة، وباتت فعالياته تتعدى الخدمات الدينية، وفتح لنفسه مجالًا مستفيدًا من الفراغات والمشكلات البنيوية في إدارة الدولة طيلة عشرات السنين، وعمل خلال هذه الفترة بسريةٍ فائقةٍ، وراقب متطلبات العصر، واستمر في النمو محقّقًا الانسجام مع بؤر الشر المحلية والدولية. وقد توسّع تنظيم غولن الإرهابي في الدولة حتى عام 2014، وكوّن لنفسه نفوذًا كبيرًا في جميع المؤسسات المحورية في الدولة، وعلى رأسها مؤسسات الأمن والقضاء، فتحرك أتباع تنظيم غولن الإرهابي في الدولة تبعًا لتسلسل هرميّ مختلف غير التسلسل الهرمي القانوني القائم، في سياق أوامر إداريّي التنظيم، وعملوا في إطار مصالح التنظيم وتعليماته.

بدأ نفوذ أعضاء تنظيم غولن الإرهابي في جهاز الشرطة والقضاء يتراجع بعد أن استهدف التنظيم الحكومة ورئيس الوزراء أردوغان في 17-25 ديسمبر/ كانون الأول 2013. فبدأت مكافحة تنظيم غولن/ الكيان الموازي الإرهابي اعتبارًا من هذا التاريخ، واستمرت بوتيرة متسارعة بعد انتخابات الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، وتلقّت موارد الإعلام والتمويل في التنظيم ضرباتٍ كبيرة، وبدأ العمل على تطهير كوادرها الحيوية في الدولة عام 2016، والسبب الأساسي في اتخاذ التنظيم قرارًا بالاستعداد للانقلاب والقيام بمحاولة الانقلاب يعود إلى تأييد المجتمع للدولة في مكافحة التنظيم.

تفيد لوائح الاتهام أن الاستعداد للانقلاب بدأ بحصول حزب العدالة والتنمية على الأكثرية الساحقة للأصوات في مجلس البرلمان في نهاية انتخابات الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2015، وقيامه بمكافحة فعالة ضد تنظيم غولن الإرهابي. عقدَ الإداريّون المدنيون من تنظيم غولن الإرهابي المسؤولون في القوات المسلحة التركية، والضباط رفيعو المستوى المرافقون لهم- اجتماعاتهم لشهورٍ، وظلّوا في حركةٍ مكوكيةٍ إلى الخارج وأمريكا في الغالب، وفي النهاية قاموا بمحاولة الانقلاب في إطار الخطّة التي صادق عليها فتح الله غولن. كانت خطة الانقلاب محكمة شاملة بحيث يبدأ الانقلابيّون العمل الساعة الثالثة صباحًا ويحكموا سيطرتهم سريعًا على القوات المسلحة التركية والبلاد بأكملها. استعمل تنظيم غولن الإرهابي جميع كوادره في هذه الخطة من دون أن يترك ثغرة، واحتفظ ببعض الكوادر الموجودة في التنظيم لاستعمالها في المراحل اللاحقة. ولكن لوحظ أن تحرك تنظيم غولن الإرهابي في القوات البرية كان محدودًا جدًّا في أثناء الانقلاب مقارنة بنشاطاته في الجندرما والقوات الجوية.

إن التدابير التي اتخذتها هيئة الأركان العامة وجهاز الاستخبارات الوطنية إثر إخبارٍ ورد إلى جهاز الاستخبارات الوطنية دفعت الانقلابيّين إلى تقديم ساعة انطلاقة محاولة الانقلاب، ومع ذلك نجحوا في السيطرة على مقرّ هيئة الأركان العامة، واعتقلوا جميع قيادات القوات المسلحة التركية على وجه التقريب، وساقوهم إلى قاعدة الانقلاب العسكرية في أقنجي، وأجبروا المذيعة على قراءة بيان الانقلاب على شاشة تي آر تي، وقاموا بتحركات عسكرية مكثفة في العديد من المدن وفي مقدمتها إسطنبول وأنقرة، لكنهم لم يستطيعوا السيطرة على الحكم في البلاد كافة بفضل المقاومة التي أبدتها القوات المسلحة التركية وبقية مؤسسات الدولة، وأخفقوا في تنفيذ الفعاليات التي سيّروها ضد الساسة.

أدّت المقاومة التي أبداها الشعب ومؤسسات الإعلام والوسط السياسي ومؤسسات الدولة الأخرى إثر الدعوة التي أطلقها رئيس الجمهورية- دورًا مهمًّا في إحباط محاولة الانقلاب. استعان تنظيم غولن الإرهابي بكوادره الموجودة في القوات الجوية ليشن هجومًا داميًا على مجلس الشعب التركي الكبير والشعب ورجال الشرطة، لكن الشعب صمد في وجه الانقلابيين، وأبدى مقاومة لم تنكسر، ونجح إحباط محاولة الانقلاب بالتمام والكمال في صبيحة 16 تموز.

لا يمكننا أن نفهم تمامًا محاولة انقلاب 15 تموز، ودور تنظيم غولن الإرهابي باعتباره منفذ هذه المحاولة- بدون أن نتناول تنظيم غولن الإرهابي، وتغلغله في أجهزة الدولة -ولاسيّما القوات المسلحة التركية- والتدابير التي اتُّخِذت مؤخرًا من أجل تطهير الدولة من هذا التنظيم. لهذا السبب سنتناول بدايةً تنظيم غولن الإرهابي، والشكل الذي انعكس فيه على لوائح اتهام النيابة، وبنية الكيان الموازي لتنظيم غولن الإرهابي، وتنظيمه داخل المؤسسات الحيوية في الدولة، ثم ندرس كيف اتُّخِذ قرار الانقلاب، وكيف تمّت محاولة الانقلاب في 15 تموز.

هناك مقالات وكتب كثيرة حول تنظيم غولن/ الكيان الموازي الإرهابي عامةً، ومحاولة انقلاب 15 تموز خاصة. ولكن يجب القبول بأن لوائح الاتهام التي أعدَّتها النيابة في هذا الشأن بفضل سلطة القضاء وإمكاناته- تشكّل المصادر الرئيسة، فالكثير من الأدلة والشهادات التي لا يمكن أن يصل إليها الصحفيون والباحثون نقلتها النيابة إلى لوائح الاتهام، ورفعت على أساسها الدعاوى.

استفدنا في إعداد هذه المقالة من ثلاث لوائح اتهام أساسية، أُولاها: لائحة الاتهام التي أعدّتها وقدّمتها للمحكمة الجنائية العليا قبل وقتٍ قصيرٍ من محاولة انقلاب 15 تموز النيابةُ العامة في أنقرة، والمعروفة لدى الرأي العام بــ(لائحة اتهام سقف تنظيم غولن الإرهابي). ولائحة اتهام سقف تنظيم غولن الإرهابي لائحة اتهامٍ شاملة جدًّا ومُعدَّة إعدادًا جيّدًا، تدرس التطور التاريخي للتنظيم، وبنية الكيان الموازي، والأخطار التي يحملها؛ لهذا السبب تشكّل مرجعًا لكثيرٍ من قرارات المحاكم ولوائح الاتهام التي أُعِدّت لاحقًا، وفي مقدمتها قرارات المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين. وثانيها: (لائحة اتهام سقف الانقلاب) التي تتناول الأحداث التي حصلت في مقر هيئة الأركان العامة في أثناء محاولة انقلاب 15 تموز، وتتناول موضوع أعضاء مجلس السلام المزعوم. في 22 آذار بدأت الدعوى التي فُتحت في محكمة الجنايات العليا السابعة عشر في أنقرة بناءً على لائحة اتهام سقف الانقلاب، ولاتزال مستمرة بدفاع المتهمين. وثالثها هي: (لائحة اتهام أقنجي) التي تتناول الأحداث التي وقعت في قاعدة أقنجي العسكرية التي باتت قاعدة الانقلاب المركزية، والتي تُعدَّ أكثر شمولًا وتفصيلًا من لائحة اتهام السقف. وقد بدأت مرافعات دعوى قاعدة أقنجي العسكرية في الأول من أغسطس/ آب، ولاتزال مستمرة بدفاع المتهمين.

تنظيم غولن الإرهابي (فتو) وبنية الكيان الموازي

بنى تنظيم غولن الإرهابي (فتو) نظامًا وصائيًّا خاصًّا به؛ ببنيته وبنية الكيان الموازي، وشكّل كوادره بشكلٍ لم يسبق له مثيلٌ في جميع أجهزة الدولة، وفي مقدمتها الجهاز الأمني والمدني والعسكري والعدلي. فعمل بدايةً على بناء وصاية بيروقراطية على السلطات الشرعية عبر هذه الكوادر، ثم سعى بعد عام 2013 من أجل السيطرة على الحكم مباشرةً متوسلًا في ذلك إلى الانقلاب بطرقٍ مختلفة.

وقد تجنّب التنظيم باستمرارٍ التعريف الواضح عند تقديم نفسه للرأي العام، واستعمل كلماتٍ لا تحمل مدلولًا قانونيًّا من قبيل (حركة الخدمة) و(الجماعة) ومؤخرًا ( الجامعة) سنواتٍ طويلة. بتعبير آخر، لم يدخل التنظيم في إطار قانونيٍّ مرسومٍ، مثل الأوقاف والجمعيات والأحزاب السياسية، وتجنّب أن يكون له هيكلٌ معينٌ، متفاديًا التعريف بنفسه بشكلٍ واضح.

يُعدّ فتح الله غولن الزعيم الذي تجب طاعته طاعةً عمياء بدون مساءلةٍ، فتنظيم غولن الإرهابي بُنِي بقيادة غولن، ولايزال حتى اليوم تحت إدارته وسيطرته من جميع النواحي، فالتنظيم يعمل على تلقين أعضائه بأن غولن هو المنقذ الغيبي. وعندما نأخذ بالحسبان أن التنظيم قام بالتأثير على أعضائه وهم في سن الطفولة فلا بد أن هذا النوع من التلقين قد ترك آثارًا عميقةً في الأذهان الفتية. ويشتهر غولن في التنظيم بصفات (إمام الكائنات) و(المهدي) و(المسيح) و(خوجة أفندي). ويكشف تمحيص أقوال غولن واعترافات أعضاء التنظيم عن فهمٍ دينيٍّ منحرفٍ يملكه زعيم تنظيم فتو، إلى درجةٍ تحمله على الزعم بأنه يلتقي بالنبي محمد صلّى الله عليه وسلّم.

وركّز تنظيم فتو على بناء قاعدته المجتمعية منذ سبعينيات القرن الماضي (مستعملًا بيوت الخلايا التي أطلق عليها اسم بيوت إشق)، وبدأ يبني كوادره في المؤسسات العامة ولو على نطاق صغير نسبيًّا. وفي عام 1978 ألقى فتح الله غولن كلمةً قال فيها: "تصرّفَ المسلمون إلى اليوم بأريحيةٍ كونهم الأكثرية في البلاد، حتى ذهبت مؤسسات القضاء والتعليم الوطنية والجيش للعلويين الذين يشكّلون الأقلية، ويتحركون بهذه النفسية. وكان هذا السبب الرئيس للفوضى والاضطرابات التي تشهدها تركيا. يجب على المسلمين أن يناضلوا للسيطرة على المؤسسات الثلاث المذكورة". يتضح من هذه العبارات أن تنظيم غولن الإرهابي اعتبر من جهةٍ شرائح المجتمع المختلفة خصمًا، وحدّد من جهةٍ أخرى مؤسسات الدولة باعتبارها أماكن يجب السيطرة عليها، فقبل قرابة 40 عامًا بدأ التنظيم يعطي إشارات بأنه يشكل تهديدًا كبيرًا للسلام المجتمعي والنظام الدستوري.

وانهمك التنظيم في (حركة) مخططة تستهدف هدم النظام الدستوري وبناء دولةٍ تحت سيادته. ففي خطبتين له بتاريخ 1980 و1984 -وقد انعكستا أيضًا على لائحة اتهام سقف التنظيم- روى فتح الله غولن هدفه في القيام بمحاولة انقلاب في 17 كانون الأول و15 تموز، وضرورة الاحتفاظ بالسرية حتى ذلك اليوم: "لقد انطلقت حركة الخروج، لكنها لن تدخل حيّز التطبيق إلا بعد 35 إلى 40 سنة؛ لأن تطبيقها الآن في هذه الأوساط غير ممكن. وحتى تنجح حركة الخروج يجب افتتاح مساكن طلّابية لاستيعاب الطلاب الذين يتلقّون التعليم المتوسط والثانوي في أبنيتنا والأماكن التي نستأجرها في عموم البلاد، وجني ثمار الطلاب الذين يتمّ تعليمهم في هذه المساكن الطلابية، وطباعة الكتب والمجلات في إطار أفكارنا، واستخدام قسمٍ كبيرٍ من المدرسين ولاسيّما في تركيا من أجل أن يقوموا بفعاليات تصب في منحانا". "أوصي الطلاب أن يكونوا بالدرجة الأولى معلّمين في المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، وضباطًا ورجال بوليس ومحامين بالدرجة الثانية".

وهكذا نجد بوضوحٍ أن فكرة زعيم التنظيم غولن في القضاء على النظام الدستوري ليست فكرةً ظهرت في 17- 25 كانون الأول أو 15 تموز، بل كانت مبدأً نذر نفسه من أجله منذ 40 عامًا أو يزيد. وفي خطبته التي ألقاها على مسامع أعضاء التنظيم أكّد بكثرةٍ على تنظيم أنفسهم في المجتمع المدني والتسلّل إلى مؤسسات الدولة، وأي الوظائف أو المؤسسات التي يجب أن يعيروها أهمية.

كانت الفترة التي تلت الانقلاب العسكري الذي حدث في 12 أيلول 1980 فترة جديدة بالنسبة لتنظيم غولن الإرهابي، حيث قطع أشواطًا كبيرة في (التحول المدرسي) و(بناء كوادره في المؤسسات العامة). فتنظيم غولن الإرهابي الذي اكتسى في الغالب كسوة جماعةٍ دينيةٍ حتى النصف الثاني من الثمانينيات، وسيّر فعالياته في مجالات متعددة كالنشر والسكن الطلابي والتعليم الديني- ضاعف من فعالياته التعليمية في هذه الفترة، وبلغ أبعادًا جماعية في بناء كوادره بعد أن كان على نطاق ضيّق. ولوحظت سلطته في تشكيلات البوليس حتى في تلك الفترة، وصار ذلك سببًا في جدالات مختلفة. لكن تنظيمه في القوات المسلحة التركية ظل دائمًا في الخفاء. وأصبح يملك قوة اقتصادية كبيرة بفضل الشركات ومؤسسات التمويل وجمعيات رجال الأعمال وما شابه.

استطاع التنظيم أن يواصل في التسعينيات توسيع مكتسباته في الثمانينيات وتسريعها، وبناء كيانه الموازي على وجه الخصوص مثل كرةٍ ثلجيةٍ انطلقت في 1980 وتعاظمت حتى عام 2014. فتحرك التنظيم الإرهابي كما يتحرك جهاز الاستخبارات، واستفاد بشكل فعالٍ من كوادره السابقين في كل خطوةٍ جديدةٍ خطاها. وأظهر بخطواته التي اتخذها حيال الأحداث التي عاشها، وأثبت أنه تنظيم ديناميكي قادر على التعلّم من تجاربه وتغيير نفسه، وبغير هذه الصفات لم يكن يمكنه الخروج قويًّا في أعقاب فترة 28 شباط 1997 رغم خطابه الديني.

في مطالع الألفية الثالثة تابع التنظيم تطوره في تركيا والعالم، وبلغ أبعادًا عظيمةً بنفوذه السياسي والاقتصادي، واستفاد من إصلاحات التحول الديمقراطي التي تحققت في عهد حزب العدالة والتنمية، وبدأ يحتلّ مزيدًا من الأماكن في كوادر الدولة، ووجد لنفسه مجالًا أوسع في أثناء الكفاح الذي قام به حزب العدالة والتنمية في وجه الوصاية البيروقراطية، واستمر في تطبيق أجنداته في هذه الفترة متظاهرًا بأنه مع الديمقراطية والإرادة الشعبية، واستولى على كوادر مفتاحية في مؤسسات مهمّة في بنية الدولة. ونجح في إدارة سلطة بيروقراطية واقتصادية واسعة رغم أنه لم يملك أبدًا تأييدًا مجتمعيًّا كبيرًا. وقد عزّز سلطته وقوته بمؤسسات المجتمع المدني المكونة من عشرات الأوقاف والجمعيات، وعشرات القنوات التلفزيونية، والجرائد والمجلات. واستطاع بحلول 2016 أن يحقق نموًا ماليًّا قدره 150 مليار دولار أمريكي بحسب تقرير لجنة الرقابة العامة ولائحة الاتهام في دعوى سقف تنظيم غولن الإرهابي[1].

جدل (التنظيم الإرهابي)

لا يمكن من الناحية القانونية اعتبار تنظيم غولن الإرهابي جزءًا من مؤسسات المجتمع المدني كما يصف أعضاء التنظيم أنفسهم به. فلائحة اتهام سقف الانقلاب التي أعدتها النيابة سلسلت الصفات التي تثبت أن تنظيم غولن تنظيمٌ إرهابيٌّ على النحو الآتي:

  • ليس التنظيمُ بنيةً واضحةً وشفافةً رغم أنه يقدّم نفسه باعتباره مؤسسة مجتمع مدني، ويستعمل قنوات اتصال خاصة، مثل منظمة استخباراتية.
  • يعير أهمية لتنشئة المتعاطفين معه، ويُخضِع الأطفال والشباب لتعاليم حازمة صارمة.
  • توجد بين الأعضاء بنيةٌ هرمية قاسية وروابط أيديولوجية وتقسيم للوظائف.
  • يولي اهتمامًا بالغًا بالسرية، ولديه بنية خلايا (بيوت إشق)، ويستعمل أعضاؤه أسماء مشفرة.
  • بنى كيانًا خاصًّا سريًّا جدًّا في مؤسسات الدولة المسلحة، مثل القوات المسلحة التركية، والأمنيات، وجهاز الاستخبارات الوطنية.
  • يدير الكادر الإداري فعالياته التنظيمية من خارج القطر، ويمارس التنظيم أفعالًا غير قانونية، مثل ممارسة الضغوط، وابتزاز الأشخاص والمجموعات الذين يعدّهم خصومًا له.
  • يقوم إداريو التنظيم بلقاءاتٍ لا تُعرَف ماهيتها مع ممثلي البعثات الأجنبية المتعددة[2].
  • ثبت أنه على علاقة مع التنظيمات الإرهابية الأخرى[3].

هذه الأمور تشكّل العناصر التي تبيّن أن تنظيم غولن تنظيم إرهابيّ معقد من الجيل الجديد. وهذا التنظيم بحسب ما ورد في لائحة اتهام السقف أراد أن يغير النظام الدستوري من جذوره، لبناء إدارةٍ تحمل خصائص أوليغاركية (ويحكمها أقلية) تحت سلطة فتح الله غولن عوضًا عن السيادة الشعبية. ينص قانون مكافحة الإرهاب بتركيا على أن التنظيم يوصف بأنه تنظيمٌ إرهابيّ إن تأسّس على أساس تغيير صفات الجمهورية المبينة في الدستور، وتغيير النظام السياسي والقانوني والاجتماعي والاقتصادي، وإفساد وحدة البلاد والشعب، وتعريض وجود تركيا دولةً وجمهوريةً للتهلكة، وإضعاف سلطة الدولة أو هدمها أو الاستيلاء عليها، وقمع الحريات والحقوق الأساسية، والإضرار بأمن الدولة الداخلي والخارجي أو النظام العام أو السلامة العامة، وارتكاب الجرائم مستعملًا الإكراه والعنف لتحقيق هذه الأهداف[4]. ومن ثَمّ فإن اعتبار تنظيم غولن تنظيمًا إرهابيًّا واجبٌ قانونيٌّ.

استغلّ التنظيم طويلًا مفاهيم كالديمقراطية ودولة القانون والتعددية، وهو يعمل ما بوسعه لإخفاء هدفه في بناء دولة أيديولوجية وأحادية لا تؤمن بالتعددية. فالتنظيمات الإرهابية تقول إنها تخدم القيم التي يعدّها المجتمع قيمًا مثلى، لكنها أكثر من يُسيء إلى تلك القيم وإن اختلفت أيديولوجياتها أو الأساليب التي تستعملها[5].

تنظيم غولن الإرهابي وبنيته التنظيمية

إن تنظيم غولن الإرهابي يملك تشكيلات معقدة للغاية، وبفضل التحقيقات التي أُجرِيت منذ عام 2014 بشأن التنظيم الذي يتحرك بسرّية عالية، تُوصِّل إلى بيانات مهمّة، وفي لائحة اتهام سقف تنظيم غولن الإرهابي يرد ما يلي: "تنظيم غولن الإرهابي تنظيمٌ يستعمل ويستأجر التنظيمات الإرهابية المسلحة لتحقيق أهدافه، ويستعين بالعناصر المسلحة للدولة من أجل آماله ومآربه، ويحصل على نتائج عملية بواسطة القوات المسلحة في أجهزة الدولة".

يملك تنظيم غولن الإرهابي نظامًا انضباطيًّا قاسيًا. فمن يريد أن يكون عضوًا فيه يجب عليه أن يبدي ولاء عظيمًا لغولن ويطيعه طاعةً تامّة؛ لأن فتح الله غولن يتبوَّأ قمة التسلسل الهرمي في التنظيم، ويتحكم بكل صغيرة وكبيرة، ويطّلع على كل الموضوعات تقريبًا، وأحيانًا يعرف أدقّ تفاصيلها، والكلمة الأخيرة له دائمًا. وخير مثالٍ على ذلك، ما قاله مدير النشر العام في صحيفة زمان التابعة للتنظيم أكرم دومانلي بأن غولن يتفحص محتوى الصحيفة قبل أن تذهب للطباعة، ولا يتم نشرها إلا بعد موافقته.

عمل تنظيم غولن الإرهابي على أن يبني تنظيمًا على شكل خلايا نائمة تفاديًا لفك شفرته وحل بنيته التنظيمية في الدولة. فعرّف بيوت خلاياه ببيوت إشق، وأول بيت خلية للتنظيم افتتح في تبه جيك بإزمير عام 1966 وفقًا للائحة اتهام سقف تنظيم غولن الإرهابي تحت اسم بيوت النور. ومنذ ذلك الحين ازداد عدد هذه البيوت، وانتشرت في عموم تركيا بعد عام 1986. تتألف هذه الخلايا من خمسة أشخاصٍ على الأكثر، وتبدي فعالياتها تبعًا لمسؤولٍ في التنظيم[6].

ينقسم بنية تنظيم غولن الإرهابي في تركيا قسمين: البنى التي تبدو قانونية (الشركات القابضة ومؤسسات الإعلام ومؤسسات الصحة والقوات المسلحة التركية وغيرها)[7]، والبنى خارج الرقابة القانونية (بنية الكيان الموازي وخلايا تنظيم غولن الإرهابي في عموم البلاد).

كانت هناك علاقة وثيقة جدًّا بين البنى القانونية لتنظيم غولن الإرهابي، وبناها السرية غير القانونية في عموم البلاد. وتبين في لائحة اتهامات سقف تنظيم غولن الإرهابي وجود ارتباط تنظيمي بين البنى القانونية وغير القانونية هذه. وقبل تعيين مصطفى يشيل رئيسًا لوقف الصحفيين والكتّاب الذي يُعدّ بمثابة المتحدث القانوني باسم التنظيم المفتوح على الرأي العام؛ عُيِّن إمام البنية السرية لولاية إزمير، وهو يقوم بوظيفة إمام ولاية أنطاليا عام 1996. وفي عام 1997 تسلّم وظيفة المنسق لجريدة زمان في منطقة إزمير، وفي عام 2001 عُيِّن منسق تنظيم غولن الإرهابي في منطقة إيجة، وفي عام 2004 صار ممثل صحيفة الزمان في إنكلترا. وحمد الله أوزتورك الذي كان يومًا ما المسؤول السري للتنظيم في القوات المسلحة التركية، كاتبٌ في صحيفة الزمان، إلى جانب عمله كمسؤول عن التنظيم في البرازيل.

تشير هذه المعلومات إلى أن بنى تنظيم غولن الإرهابي التي تبدو قانونية، وخلاياه السرية، تتحركان معًا تحت تسلسل هرمي تنظيمي واحد، وأنه لجأ إلى هذا التقسيم ليعبر عن نفسه للرأي العام ويسيّر شؤونه الرسمية براحة أكبر. فعَمَلُ أحد المسؤولين عن بنية التنظيم السرية في القوات المسلحة التركية؛ في وسائل الإعلام التابعة للتنظيم لاحقًا- مثالٌ مثيرٌ عن مدى قوة الروابط بين بناه القانونية وغير القانونية. لهذا السبب كان لزامًا مكافحة عناصر التنظيم القانونية وغير القانونية كافة.

بنية الكيان الموازي

إن بنية الكيان الموازي تشكّل أهم ركائز تنظيم غولن الإرهابي في تركيا، حيث تغلغل تنظيم غولن الإرهابي في جميع المؤسسات العامة بدون تمييز لما يزيد على نصف قرنٍ تقريبًا. وسعى تنظيم غولن الإرهابي في هيكلة الكيان الموازي بحيث أدرج القوات المسلحة ومؤسسات القضاء في وحدات تنظيمية خاصة مختلفة. فضمّ إلى هذه البنية الخاصة المعروفة بوحدة الخدمات الخاصة كلًّا من الجهاز الأمني والقوات المسلحة ومؤسسات القضاء وجهاز الاستخبارات الوطنية. وكان الأشخاص المدنيون مسؤولين عن إدارة التنظيم في القوات المسلحة والأمنيات وجهاز الاستخبارات الوطنية ومؤسسات القضاء.

إن وحدة الخدمات الخاصة هي أكثر وحدات التنظيم حيوية وعملية من حيث الماهية. قال فتح الله غولن في خطبٍ ألقاها في تواريخ مختلفة، وانعكست أيضًا على لائحة الاتهام: "يجب ألا نتناول وجود زملائنا في المؤسسات القضائية والمدنية وفي مؤسسات حيوية أخرى ونقيمه بأنه وجود فردي. فهؤلاء يشكّلون باسمنا ضمانًا في تلك الوحدات. أقصد أن أقول إنهم ضمان وجودنا إلى حدّ ما... تقدّموا في عروق النظام الرئيسة من دون أن يشعر بوجودكم أحدٌ إلى أن تصلوا إلى جميع مراكز القوة"، "وكل خطوةٍ تخطونها قبل أن تشدّوا إليكم جبهة القوة والسلطة في تركيا- يُعدّ خطوةً مبكرة". تشير هذه العبارات إلى الأهمية التي يوليها التنظيم ببنية الكيان الموازي، وأن غولن ذاته هو من يرسم إستراتيجية هذه البنية.

ويأخذ جهاز الاستخبارات الوطنية مكانه بين وحدة الخدمات الخاصة لبنية الكيان الموازي لتنظيم غولن الإرهابي، فالتنظيم يملك بنية تنظيمية جادة في جهاز الاستخبارات الوطنية. ويقول التقرير الذي أرسله جهاز الاستخبارات الوطنية إلى لجنة التحقيق في محاول انقلاب 15 تموز في مجلس الشعب التركي الكبير؛ إنه خلال الفترة 17 كانون الأول 2013- 22 أيار 2017 تمّ توقيف 558 شخصًا يعملون لديه، بسبب علاقتهم بتنظيم غولن الإرهابي.

كانت تشكيلاته في البوليس أول كيانٍ يبنيه التنظيم في مؤسسات القوة التابعة للدولة؛ لهذا السبب كانت واحدة من الوحدات المعروفة لدى الرأي العام والمثيرة للجدل منذ الثمانينيات. فالتنظيم سعى جاهدًا لوضع أعضائه في الأمنيات منذ السبعينيات. واستهدف المؤسسات التي تنتج موظفي الأمنيات، مثل أكاديمية البوليس وكلية البوليس بوصفها خطوة أولى لبناء تنظيمه في الأمنيات. وقد كُشِف الغطاء عن فساد تنظيم غولن الإرهابي في تشكيلات البوليس عندما ثبت أنه تلاعب بتعيينات نواب القادة لصالح أعضائه في عام 1991، وثبت في ذلك التاريخ وجود إداري مسؤول عن أكاديمية البوليس من التنظيم، وفي الأعوام اللاحقة استمر التنظيم في تطوير بنيته في الأمنيات، وأدّت امتدادات التنظيم في تشكيلات البوليس دورًا فعالًا في العمليات التي استهدفت مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الحكومة والقوات المسلحة التركية.

أما تاريخ تمركز تنظيم غولن الإرهابي في القضاء فيمتد إلى السبعينيات، حيث وجّه التنظيم عددًا كبيرًا من الطلاب الذين أنشأهم بصورة خاصة؛ إلى كليات الحقوق، ثم جعلهم في القضاء بصورة جماعية عبر طرق ملتوية غير قانونية، مثل سرقة أسئلة الامتحانات والمقابلات. ومع حلول عام 2000 بدأ يغيّر توازن القوى في القضاء لمصلحته، ووصل إلى مستويات يستطيع فيها أن يغير قرارات المحكمة التي يريدها.

وكانت وزارة الداخلية (داخل تنظيم الإدارة المدنية)، ومركز اختيار الطلاب وتوطيدهم (ÖSYM)، وتوبيتاك، ورئاسة الاتصالات السلكية[8]، ومؤسسات أخرى أولى بها التنظيم أهمية في بنية كيانه الموازي، فشكل التنظيم بنية قوية له في وزارة الداخلية منذ سنوات طويلة حتى صار له نفوذ كبير في بنية الوزارة. وفي نهاية العمليات التي تمّت بعد 15 تموز اعتُقِل 207 موظفين إداريين مدنيين من  (الولاة ونواب الولاة وقائمي المقام) بتهمة العضوية في تنظيم غولن الإرهابي[9].

بنية تنظيم غولن الإرهابي في القوات المسلحة التركية:

عدّ تنظيم غولن الإرهابي، منذ تأسيسه، القوات المسلحة التركية عائقًا أمام تحقيق أهدافه، وعند وضع الدور المحدِّد الذي أدّته القوات المسلحة التركية في تاريخ تركيا في الحسبان- يكون هذا الترجيح ذا مغزى من أجل التنظيم الذي يريد أن يبني سلطته بعد أن يهدم النظام الدستوري. وتمتد بنية تنظيم غولن الإرهابي في القوات المسلحة التركية إلى 40 سنة أو يزيد، وقد لوحظ وجود التنظيم في القوات المسلحة منذ الثمانينيات رغم تحركه السريّ، إذ أُقِيل 400 ضابط وضابط صف من القوات المسلحة التركية بتهمة انتمائهم إلى تنظيم فتو.

أُجْرِي أولُ التحقيقات بحق التنظيم، كما هو مبين في لائحة اتهام سقف الانقلاب، في مدرسة قُلَلي العسكرية الثانوية في أيار 1982. وبعض الطلاب الذين وردت أسماؤهم في نهاية هذه التحقيقات التي انتهت بطرد 90 طالبًا عام 1982، تمّ العمل على إدخالهم إلى القوات المسلحة التركية من دون أن تنقطع علاقتهم بالتنظيم؛ نظرًا لصغر سنهم. وستةٌ من هؤلاء الطلاب ظهروا أمامنا في أثناء محاولة انقلاب 15 تموز بصفتهم جنرالات رفيعي المستوى. نذكر منهم العميد شَنَر طوبجو، والعميد هدايَتْ آري، والعميد مراد يتْغين، والعميد أيوب غورْلَرْ، والعميد نوري بَشول.

بدأ أعضاء تنظيم غولن الإرهابي التمركز في القوات المسلحة التركية بصورةٍ جماعيةٍ عبر طرقٍ شتّى، مثل تنشئة طلابٍ خاصّين وسرقة أسئلة الامتحانات منذ الثمانينيات. والأشخاص الذين طُرِدوا من المدارس العسكرية في نهاية التحقيقات التي أجريت في الثمانينيات عملوا لاحقًا في المؤسسات الموجودة ضمن البنى المدنية للتنظيم. نذكر من هذه الأسماء: مدير وقف الصحفيين والكتّاب غوركان فورال، والكاتب نهاد درين دره، وأيْدوغان آري الذي يعقد مؤتمرات في مؤسسات التنظيم التعليمية. هذا الأمر يبرهن تمركز تنظيم غولن الإرهابي في القوات المسلحة التركية، ويعرض أمام الأعين العلاقة القريبة بين الجناحين المدني والعسكري للتنظيم.

تدخلت القوات المسلحة التركية في السياسة بذريعة مكافحة الرجعية إثر انقلاب ما بعد الحداثة في 28 شباط الذي أخذ اسمه من ذلك الاجتماع الشهير الذي عقده مجلس الأمن القومي في 28 شباط 1997. ولكنه لم يتمّ التغلب على تنظيم فتح الله غولن الذي توغل في الجيش بشكلٍ مثيرٍ للسخرية، وخلق استهداف عقيدة المواطنين وممارساتهم الدينية في هذه الفترة أرضية استغلالٍ جديدة بالنسبة لتنظيم غولن الإرهابي. فاستفاد التنظيم من هذا الموقف الذي تبنته القوات المسلحة التركية، وواصل وجوده في الجيش وهو يتظاهر بأنه يملك نمط حياة علمانية[10].

كانت الفترة التي تلت عام 2007 فترةً جديدةً لتنظيم غولن الإرهابي في القوات المسلحة. فبعد هذا التاريخ تغيّر توازن القوى في الجيش لصالح تنظيم غولن الإرهابي. وبدأ التنظيم بتصفية الموظفين العسكريين الذين كان يعدّهم منافسين له أو عراقيل أمامه بطرقٍ شتى، إضافة إلى انتشاره داخل الجيش. واستعمل في هذه المرحلة أجواء مكافحة الوصاية العسكرية باعتبارها (رافعة) للتنظيم. وبعد أن نشرت القوات المسلحة التركية في 27 نيسان 2007 في صفحة الويب الرسمية لرئاسة هيئة الأركان العامة مذكرةً بمثابة تدخلٍ في انتخابات رئاسة الجمهورية- حصلت ردود أفعال جادة في الرأي العام حول دور الجيش في السياسة، واستغل تنظيم غولن الإرهابي هذه الحساسية التي تكونت لدى الإدارة السياسية وشرائح المجتمع المختلفة، واستعمل مكافحة الانقلابات والوصاية العسكرية أداةً من أجل إتمام تنظيمه في الجيش.

عمل التنظيم على تفعيل جميع امتداداته في مؤسسات الأمن والقضاء والإعلام لإحكام سيطرته على القوات المسلحة خلال الأعوام 2007-2013. في هذه الفترة اعتُقِل مئاتُ الضباط رفيعي المستوى وطُرِدوا من الجيش في إطار تحقيقات وملاحقات قضائية في عمليات الأرغَنَكون وبايلوز والتجسس العسكري[11] الذي سُيِّر بشكلٍ يخالف القانون من قبل أعضاء تنظيم غولن الإرهابي العاملين في جهازي الأمن والقضاء. بهذا الشكل خلق التنظيم أجواء الرعب في الجيش وجعل خصومه استسلاميين، وأمّن ترفيعًا سريعًا جدًّا لأعضائه في الجيش.

بعد عام 2007 عمل تنظيم غولن الإرهابي على تصفية الموظفين ممّن لا ينتمون إليه في القوات المسلحة التركية من جهةٍ، وإبعاد الطلاب ممّن لا ينتمون إليه في الكليات العسكرية بأسلوب التهديد والترويع من جهةٍ أخرى. فكان عدد الطلاب الذين طُرِدوا من المدارس الحربية خلال الأعوام 2007-2013 أكبر بكثير من عدد الطلاب الذين انفصلوا عن جميع المدارس الحربية طيلة تاريخ الجمهورية. والطريقة الأخرى التي لجأ إليها التنظيم لتصفية الموظفين الذين عدّهم منافسين له في القوات المسلحة التركية كانت الاستجوابات التأديبية التي سُيِّرت في القوات المسلحة التركية، فاستطاع بهذا الشكل أن يبعد عشرات الموظفين العسكريين من القوات المسلحة التركية.

صارت الاستخبارات ووحدات مكافحة الاستخبارات في القوات المسلحة التركية واحدةً من الأهداف الحيوية لتنظيم غولن الإرهابي. فهذا التنظيم الذي استولى على هذه الأجهزة عرقل القوات المسلحة من الحصول على استخبارات بشأن موظفيها. واستولى على رئاسات إدارات التعيين والسجلات والتوظيف في القوات المسلحة التركية، وأوكل لعساكره المنتمين إليه مهامّ في الناتو وخارج القطر[12]. وهناك معلوماتٌ مدهشةٌ في لائحة الاتهامات بحق العساكر الذين هم أعضاء في تنظيم غولن الإرهابي، والذين اُرسِلوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية لأداء وظائفهم خارج القطر. تفيد هذه المعلومات أن موظفي القوات المسلحة التركية من أعضاء تنظيم فتو استقبلهم ممثلو هذا التنظيم في الولايات المتحدة الأمريكية، وسُمِح لهم بلقاء فتح الله غولن، وزيارة مؤسسات التنظيم في هذا البلد.

لم يَغْدُ العساكر الأعضاء في تنظيم غولن الإرهابي الذين شاركوا في انقلاب 15 تموز راديكاليين بين ليلةٍ وضحاها. فالتنظيم قام بــضم هؤلاء العساكر منذ أن كانوا طلابًا، وجعلهم تحت المراقبة المكثفة إلى أن ارتفعوا في المراتب وصاروا جنرالات. وفي ليلة 15 تموز 2016 اعتقل العساكر من أعضاء تنظيم غولن الإرهابي قادتهم بتعليمات مديريهم في التنظيم الإرهابي المدني، وأطلقوا النيران على الشعب الذي يجب عليهم حمايته والدفاع عنه. وما المعتقل والمتّهم بضلوعه في الانقلاب المقدم الأسبق لَوَنْد توركان إلا واحدًا من هؤلاء العساكر. فتوركان هذا اعتقل رئيس هيئة الأركان العامة خلوصي أكار الذي عمل عنده بصفة ضابط مساعد طيلة سنواتٍ، وهدده بالقتل. واعترف توركان أن العساكر الأعضاء في التنظيم قد تنصتوا على رئيس هيئة الأركان العامة والرئيس الثاني لهيئة الأركان العامة لسنواتٍ طويلةٍ مستعملين أجهزة تسجيل الصوت.

تغلغل تنظيم غولن الإرهابي في المؤسسات العسكرية على مراحل: إخضاع الطلاب لتعاليم صارمة، وتوطيدهم في المدارس الحربية، ومراقبتهم. وجعل تنظيم فتو الطلاب الذين عمل على تنشئتهم منذ سن الطفولة يخضعون لتربية نفسية مكثفة كي يظلوا على الولاء له بعد دخولهم القوات المسلحة التركية. وتشير شهادة الشهود التي انعكست على لوائح الاتهام، والمعلومات التي حُصِل عليها إلى أنه تم تلقين الشباب بأن غولن هو المهدي، وأنه يلتقي برسول الله عليه السلام. وهؤلاء الأشخاص الذين غُسِلت أدمغتهم وحُبِسوا في أجواء الرعب في خلايا التنظيم التي عاشوا فيها صغارًا، صاروا في المؤسسات العسكرية وهم يفتقرون إلى روح المساءلة.

وتمكّن تنظيم غولن الإرهابي من ربط الشباب الذين وضعهم في المدارس العسكرية بالتنظيم من خلال مشاعر المِنّة والفضل وحُجج غموضية لاهوتية غيبية غير واضحة، وعمل على الحفاظ على ولاء الموظفين العسكريين؛ بتلقينهم مفهوماتٍ دينيةً منحرفةً. كما عمل على التحكم بالفترات المتقدّمة من الحياة العملية لطلابه، وجعل العساكر المنتمين إليه يتزوجون بنساء أعضاء فيه أيضًا. وتلك النسوة لسن مجرد زوجات هؤلاء العساكر، بل (قائدات سياسيّات) يراقبْنَ أزواجهنّ باسم التنظيم. وهذه الحقائق التي انعكست على عدد كبير من تصريحات الشهود والمتهمين، تظهر أمامنا بشكلٍ مثيرٍ في التحقيقات الأخرى المتعلقة بالتنظيم. وتفيد لائحة اتهام السقف أن زوجات 487 موظفًا في القوات المسلحة التركية مشتبهٌ بهن في تحقيقات المخالفات والفساد في امتحانات الدخول إلى الوظائف الحكومية (KPSS).

أسس تنظيم غولن الإرهابي عشرات الآلاف من بيوت الخلايا في عموم تركيا من أجل ضمّ المدارس العسكرية وكليات البوليس إليه. فكانت هذه الخلايا والمعاهد والمدارس الخاصة التابعة لتنظيم غولن الإرهابي، تعمل عمل الحاضنات للطلاب الذين يختارهم التنظيم للدراسة في المدارس العسكرية. بدأ التنظيم بارتكاب المخالفات والفساد في امتحانات المؤسسات التعليمية العسكرية اعتبارًا من نهاية الثمانينيات، ووزعّ بصورةٍ ممنهجةٍ أسئلة الامتحانات على أعضائه في السنوات اللاحقة. وقد اعترف لَوَنْد توركان في الشهادة التي أدلى بها أمام النيابة بأنهم تلقوا أسئلة الدخول إلى مدرسة إشقْلَر العسكرية عام 1989 من أعضاء تنظيم غولن الإرهابي.

بعد محاولة انقلاب 15 تموز أُقِيلَ  169 جنرالًا وأميرالًا، أي ما يُقارب نصف العدد الموجود في القوات المسلحة التركية، وهذا يشير إلى أن التنظيم اقترب من هدفه لدرجة مخيفة.

محاولة انقلاب 15 تموز

تسريع مكافحة تنظيم غولن الإرهابي واتخاذ قرار الانقلاب

في القسم الأول تناولنا بنية التنظيم المسؤول عن محاولة الانقلاب، وشكل عمله. وسنحلّل هنا في القسم الثاني الدوافع التي أدت إلى قيام التنظيم بمحاولة الانقلاب، ومراحل الاستعداد لذلك، في ضوء الأدلة الموجودة في لوائح الاتهام.

في تشرين الثاني 2015 بدأ تنظيم فتو باستعداداته للقيام بمحاولة الانقلاب في 15 تموز. وتفيد لائحة اتهام سقف تنظيم غولن الإرهابي أن هناك عضوًا[13] من هذا التنظيم رفيع المستوى أدلى بشهادته أمام النيابة بتاريخ 26. 11. 2015 باعتباره شاهدًا خفيًّا، وكان من المشاركين في اجتماعات أئمة التنظيم، قال فيها: "إن أحد إداريي التنظيم الذي كان يترأس الاجتماع قال لهم: "...لا تيأسوا، لدينا خلايا نائمة في الجيش، وسوف يتحركون عندما يحين الوقت...".

وقد تمّ العمل على مكافحة تنظيم فتو سريعًا في القضاء والأمنيات بعد أن حاول هذا التنظيم القيام بمحاولة انقلاب 17-25 كانون الأول 2013 بواسطة عناصره في القضاء والأمنيات. لكنه لم يتم اتخاذ خطوات جادة في هذا الموضوع في الجيش؛ نظرًا لتمتُّع القوات المسلحة التركية ببنيةٍ مؤسساتيةٍ ذاتية الحكم، مغلقةٍ على الرقابة المدنية. وبعد خروج حزب العدالة والتنمية من انتخابات 1 تشرين الثاني 2015 بأكثريةٍ ساحقةٍ سُرِّعت مكافحة تنظيم غولن/ الكيان الموازي الإرهابي، وبدأت مؤسسات التنظيم التعليمية ونقاباته ومنظماته غير الحكومية تنحلّ بسرعةٍ كبيرةٍ إثر التأييد الكبير الذي تلقته الدولة من الشعب. ولم يبق أمام فتو الذي رأى تراجع تنظيمه في الدولة وبنيته التي تبدو قانونيةً؛ سوى القيام بمحاولة انقلابية؛ لأنه اكتشف أنه لم يعد قادرًا على القيام بالعمليات على يد القضاء والبوليس. وفي هذا التاريخ تحديدًا قام باستعداداته الأولى من أجل الانقلاب.

إن الاستعداد لتصفية الموظفين العسكريين ممن لهم صلة بتنظيم فتو في اجتماع الشورى العسكرية العليا المزمع انعقاده في آب 2016 دفع تنظيم فتو إلى القيام بالانقلاب الذي طالما استعدّ له. وقد قال رئيس هيئة الأركان العامة خلوصي أكار في شهادته التي أدلى بها أمام النيابة بتاريخ 19. 7. 2016: "... في اجتماع آب الذي سيتم انعقاده هذا العام (2016) يتمّ الاستعداد لتوجيه ضربة قوية لهذا التنظيم (فتو) في القوات المسلحة...". وقال المتهم المقدم عارف كَلْكان الذي اعتُقِل لضلوعه في محاولة الانقلاب: إن المقدم محمد أيدن جمعه بعضو من أعضاء فتو، وأخبره بأنه سيتم إقالة زهاء 3000 ضابطٍ ممن ينتمون إلى تنظيم فتو في اجتماع الشورى في شهر آب، وأن فتح الله غولن أعطى تعليماته بالانقلاب قبل انعقاد اجتماع الشورى العسكرية العليا.

أدرك تنظيم غولن قبل 15 تموز أن بنيته العسكرية التي طورها منذ ما يزيد على 40 عامًا في خطرٍ. وخير مثالٍ على هذا، دعوى المؤامرة في التجسّس العسكري التي بدأت في إزمير نيسان عام 2016. وفي إطار تحقيقات التجسّس العسكري عام 2011 فتحت النيابة العامة بإزمير تحقيقات شاملة حول دعوى قيام كيان تنظيم غولن بإنتاج أدلةٍ مزيفةٍ من خلال مخالفاتٍ مختلفة. وفي 7 تموز 2016 شرعت النيابة العامة بإزمير بالتحقيق في وضع تنظيم فتو في القوات المسلحة التركية بعد تسريب بعض المعلومات عبر المخالفات في تحقيقات التجسّس العسكري، وأُرسِلت تعليمات إلى رئاسة هيئة الأركان العامة من أجل تقديم 6 موظفين عسكريين يحملون رتبًا عالية، بينهم أميرالان، للمثولِ أمام النيابة. وقد قُدِّمت لائحة اتهام سقف تنظيم غولن الإرهابي التي تتضمن تحديداتٍ مهمّة بشأن تنظيم فتو في القوات المسلحة التركية- إلى المحكمة قبل يومٍ من محاولة الانقلاب. وهكذا أدرك تنظيم فتو في مطلع عام 2016 أن عملية فك شيفرة عناصره في القوات المسلحة التركية قد بدأت، وكان ذلك من بين الأسباب التي دفعته إلى القيام بانقلاب عسكري.

مرحلة التخطيط والاستعداد للانقلاب

تفيد لوائح الاتهام أن الأيام التي تلت الانتخابات العامة التي أجريت في 1 تشرين الثاني 2015، والتي أسفرت عن فوز حزب العدالة والتنمية بالحكم بمفرده، هي التاريخ الذي انطلقت فيها الاستعدادات للقيام بالانقلاب... وإنّ الفيلا المكوّنة من ثلاثة طوابق، الكائنة في كونوت كَنْت بأنقرة، التي تمت فيها الاجتماعات استعدادًا للانقلاب استأجرها بعد 8 أيامٍ من انتخابات 1 تشرين الثاني 2015، أي في 9 تشرين الثاني 2015- سركان أيْدن الذي يُعدّ واحدًا من المتهمين في دعوى أخرى من الدعاوى التي رُفِعَت بحق تنظيم فتو، وذلك باسم شركة أمْبَتي الاستشارية التي تعود ملكيتها لتنظيم غولن الإرهابي. وتبيّن أن الاجتماعات بدأت في مطلع شهر تموز، واستمرّت حتى يوم الأحد الموافق لـ10 تموز 2016، وأنه شارك في هذه الاجتماعات عسكريون يحملون رتبًا وإداريون مدنيون رفيعو المستوى في التنظيم.

بدأت هذه الفعاليات بأن عقد إداريو التنظيم المدنيين (الأئمة) اجتماعاتٍ في القوات المسلحة التركية، واتخذوا فيها القرارات. وبذلك يكشف اللاعبون المدنيون الذين استعدّوا للانقلاب أمام الأعين الجهة التي تقف وراء محاولة الانقلاب. وكان من أبرز المدنيين الذين قاموا بفعاليات الاستعداد للانقلاب؛ عادل أوكسوز وكمال بطماز وحاقان جيجك ونور الدين أوروج وهارون بينيش المعتقلون مع العسكريين في قاعدة أقنجي العسكرية صبيحة يوم 16 تموز. واتضح أن هؤلاء الأشخاص وكّلهم زعيم التنظيم فتح الله غولن، للتخطيط للأحداث التي وقعت ليلة 15 تموز، والتواصل مع أعضاء التنظيم الذين تسرّبوا إلى القوات المسلحة التركية.

خلال فترة الاستعدادات للقيام بالانقلاب قَدِم عادل أوكسوز إلى أنقرة مراتٍ عديدة وسافر إلى الخارج. ونظّم في هذه الزيارات اجتماعاتٍ حضرها عسكريون برتبٍ عاليةٍ من أعضاء تنظيم غولن الإرهابي. وأثبتت النيابة من سجلات نظام التعرف على لوحة السيارات أن أوكسوز ذهب إلى الفيلا الكائنة في كونت كَنْت، مستقلًّا سيارةً تحمل لوحة رقم "34 SIR 49" مسجلة باسم شركة غورمَت (Gurmet) المساهمة المحدودة التي تبدي فعالياتها في بنية شركة كايناك القابضة، وهي بدورها تعود في ملكيتها لتنظيم فتو. كما تبيّن أن الفيلا التي في جَمليجة التي أقام فيها أوكسوز مدَّةً طويلةً تعود لشركة غورمَت المساهمة المحدودة، علمًا أن شركاء هذه الشركة هم: رئيس مجلس إدارتها محمد سونغور، والإداري المدني الآخر الذي يتبوّأ مكانه بين أبرز الانقلابيين كمال بطماز.

في 27 كانون الأول 2015 بدأ عادل أوكسوز باجتماعاته التي خطط فيها لمحاولة الانقلاب. ومن اللافت للانتباه أن عادل أوكسوز، والمتهمين الآخرين، سافروا إلى خارج القطر بكثرةٍ قبل اجتماعات الانقلاب وبعدها. ففي 31 كانون الأول 2016 ذهب أوكسوز إلى إنكلترا، وفي الفترة ذاتها وُجِدَ الإداري المدني الآخر كمال بطماز في إنكلترا. وفي 14 آذار 2016 رجع عادل أوكسوز إلى أنقرة، وعقد سلسلةً من الاجتماعات، ثم ذهب إلى الولايات المتحدة الأمريكية بتاريخ 17 آذار 2016. وفي 21 آذار 2016 رجع أوكسوز إلى تركيا مرة أخرى.

إن الأماكن التي وُجِد فيها قادة الانقلاب العسكريون والسياسيون خلال هذه الفترة الزمنية تحمل أهميةً كبيرةً من أجل فهم الأنشطة التي أقيمت في إطار استعدادات الانقلاب. فخلال الفترة الممتدة من 17 آذار إلى 21 آذار 2016 وُجِدَ في الولايات المتحدة الأمريكية كمال بطماز وحاقان جيجك ونور الدين أوروج، المدنيون المشتبه بهم في قيادة الانقلاب. كما غادر البلاد من قادة الانقلاب العسكريين، العميد إدريس أق صوي والعميد كوبيلاي سلجوق، متوجهين إلى إنكلترا. وفي الوقت ذاته، كان في الولايات المتحدة الأمريكية المقدم حاقان قرة قوش صهر أكين أوزتورك، حيث التقى بزعيم التنظيم فتح الله غولن للحديث عن خطة الانقلاب. ثم نظم عادل أوكسوز في أنقرة بتاريخ 5 أيار 2016 و27 أيار 2016، و4 حزيران 2016، الاجتماعات استعدادًا للانقلاب مع العسكريين الذين شاركوا في الانقلاب، وذلك في إطار تعليمات فتح الله غولن.

في 15 حزيران 2016 جاء عادل أوكسوز إلى أنقرة لعقد اجتماعٍ من أجل التخطيط والاستعداد لمحاولة الانقلاب، ثم رجع إلى إسطنبول بعد انتهاء الاجتماع. وفي 20 حزيران 2016 سافر مع نور الدين أوروج إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وفي 25 حزيران 2016 رجع مع حاقان جيجك إلى تركيا. وأقام عادل أوكسوز ونور الدين أوروج وحاقان جيجك وكمال بطماز في أمريكا خلال الفترة 20-25 حزيران، والتقوا بزعيم التنظيم فتح الله غولن. ولم يستطع القائد المدني الآخر المتهم في ضلوعه في محاولة الانقلاب هارون بينيش المشاركة في الاجتماعات خارج القطر؛ لأنه كان ملاحقًا قضائيًّا في المحكمة الجنائية العليا الثانية بأنقرة باعتباره متهمًا في قضية تنصت غير قانونيّ لرئاسة الاتصالات السلكية في إطار تنظيم غولن/ الكيان الموازي الإرهابي، ولأنه ممنوعٌ من السفر إلى الخارج.

في 25 حزيران 2016 عاد عادل أوكسوز إلى تركيا قادمًا من الولايات المتحدة الأمريكية، ليواصل الاستعداد لمحاولة الانقلاب. ويجب أن نوضّح هنا أن قادة الانقلاب المدنيين الآخرين كمال بطماز وحاقان جيجك ونور الدين أوروج غادروا البلاد في تواريخ مختلفة. وعندما غادروا تركيا في يومٍ واحدٍ لم يركبوا الطائرة ذاتها، وتوجهوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية عبر أوربا. وهذا يشير إلى أن التنظيم عمل على تسيير فعاليات الاستعداد للانقلاب بشكل سريّ.

استأجر البيوتَ التي أُقِيمَت فيها اجتماعات الانقلاب أحمد سُرْمان وفاتح باش تورك وسركان أيدن ومراد بَيْرَق جَكَن الذين لم يشاركوا في هذه الاجتماعات. وفي الفيلا الكائنة في كونْت كَنْت بأنقرة تمّ الاتفاق على المراحل الأخيرة من خطة محاولة الانقلاب، وعقدت اجتماعات تقييميةٍ في 6و7 و8 و9 تموز 2016. وشارك في هذه الاجتماعات ضباط يعملون في وحدات متفرقة في القوات المسلحة التركية. تبيّن من الاعترافات وشهادة الشهود أن هذه الاجتماعات حضرها اللواء محمد بَرْتيغوج، واللواء غوكهان شاهين سونْمَزْ أتش، واللواء عمر فاروق هرمنجيك، والمقدّم مراد غوج يغيت، والمقدم مصطفى ياريش أوي ألان، والمقدم توغاي سوكمن، والمقدم بلال أقْيوز، المعتقلون بتهمة ضلوعهم في محاولة الانقلاب. وعُثِرت في الفيلا على بصمات أصابع اللواء الأميرال عمر فاروق هرمنجيك. وإثر البحث والتّقصي في غرفة المقدّم أورخان يكيلكان في مقر هيئة الأركان العامة والذي اعتُقِل بُعيَد محاولة الانقلاب، عُثِرَ على ورقة ملاحظاتٍ، مكتوبة على رأسها اسم شركة أمْبَتي الاستشارية، وتشكلت القناعة بأنه شارك هو الآخر في هذه الاجتماعات.

والمعلومة الأخرى المهمّة الواردة في لائحة الاتهام، والتي تشير إلى دور عادل أوكسوز في محاولة الانقلاب، هي زيارته لقاعدة أقنجي العسكرية التي بدأت في 27 كانون الأول 2016، وتكررت حتى يوم الانقلاب. تشير قيود محطة القاعدة ونظام الدخول والخروج للطريق السريع (HGS) إلى أن عادل أوكسوز قام بزيارة قاعدة أقنجي العسكرية وجوار منطقة قازان 12 مرةً بالتمام والكمال. فكانت زيارته المتكررة هذه إلى قاعدة أقنجي العسكرية التي تقع في منطقة ريفية بعيدة جدًّا عن مركز مدينة أنقرة، واحدةً من الأدلة والبراهين التي تثبت صلته بتنظيم فتو وضلوعه في محاولة الانقلاب. كما تشير شهادة الشهود الواردة في ملفات التحقيق إلى أن عادل أوكسوز التقى بزعيم التنظيم فتح الله غولن عدة مرات في أثناء اجتماعات الانقلاب، وأبلغ المشاركين في الاجتماع تحيات غولن، وأخبرهم أنه ينوي السفر إلى خارج القطر، والحديث مع زعيم التنظيم فتح الله غولن مرة أخرى.

تفيد شهادة شاهدٍ خفيّ أنه في هذه الاجتماعات تمّ الاتفاق على أن يعتقل الانقلابيون عددًا كبيرًا من رجالات الدولة الذين جاؤوا على رأس عملهم بطرق شرعيةٍ، وفي مقدمتهم: رئيس الجمهورية أردوغان، ورئيس الوزراء بن علي يلدرم، ورئيس هيئة الأركان العامة خلوصي أكار، ومستشار جهاز الاستخبارات الوطنية حاقان فيدان. وخططوا لاعتقال رئيس الوزراء والوزراء وتوكيل مهامّهم إلى العسكريين الأعضاء في تنظيم فتو، والتابعين لقيادة القوات الخاصة. لكن قائد اللواء الأول في قيادة القوات الخاصة والعضو في تنظيم فتو، اللواء سميح ترزي لم يستطع أن يستولي على مقر القوات الخاصة بسبب مقاومة العسكريين الذين لم يدعموا الانقلاب، فحال ذلك دون وقوع رجالات الحكومة في أيدي الانقلابيين.

في 9 تموز 2016 تمّ الانتهاء من الاجتماعات التقييمية المبيّنة أعلاه. تشير شهادة الشهود وتسجيلات الطائرة والكاميرات إلى أن عادل أوكسوز وكمال بطماز سافرا إلى أمريكا في طائرة واحدة بتاريخ 11 تموز 2016، والتقيا بفتح الله غولن وتحدثا إليه عن خطة الانقلاب وآخر المستجدات. وبعد أن حصلا على موافقة غولن عادا إلى مطار أتاتورك في نفس الطائرة بتاريخ 13 تموز 2016.

ومن جهةٍ أخرى شارك في الاجتماعات التي أقيمت في 9 تموز 2016 اللواء غوكهان شاهين سونْمَز أتش الذي كان يعمل رئيسًا لمركز الحركات الجوية المشتركة في رئاسة الاستخبارات بقيادة القوات الجوية. وفي اليوم التالي من هذا الاجتماع، أي في 10 تموز 2016 عَيَّن غوكهان شاهين سونمز أتش الرائد علي بهلوان رئيسًا لمركز الحركات الجوية المشتركة، وتحدّث معه في مسائل مختلفة. وقال علي بهلوان أمام النيابة: إن غوكهان شاهين سونمز أتش حدّثه عن قصص دينية متعددة، وأعطاه معلومات مهمّة حول الانقلاب، وأن سونمز أتش عندما أطلعه على هذه المعلومات، طلب منه أن يحلف على أن لا يحدّث الآخرين بما سمعه. وقال بهلوان في شهادته: إن سونمز أتش فتح برنامجًا حاسوبيًّا يدعى نظام تحليل المواقع الجغرافية (CAS)، وأطلعه عبر هذا البرنامج على صور فوتوغرافية تخص مؤسسات الدولة، مثل مرافق تُركسات ودار كليندر للأقمار الصناعية في إسطنبول وقصر رئاسة الجمهورية. وإن سونمز أتش طلب منه أن يحدد إحداثيات المباني التي تعود لهذه المؤسسات على الخريطة ويرسمها. وتبين أنه تقدّم بطلبٍ مشابه إلى المقدم الركن ولي بيلغين. وتسلّم غوكهان شاهين سونمز أتش ظرفًا يحتوي على الصور الفوتوغرافية المذكورة.

كما ثبت القيام ببروفات محاولة الانقلاب باستعمال طائراتٍ عسكريةٍ في مناطق مختلفة بالبلاد في 12 تموز 2016. وتشير دفتر سجلات الجريدة[14] إلى أن قائد القاعدة العسكرية الرئيسة الثامنة في ديار بكر اللواء دنيز قرتبه، والطيارينِ الآخرينِ جَيْهان قرة قورت والمقدّم أحمد أوزدمير حلّقوا بطائرتَي إف-16 وهبطوا في مطار ضَلَمان. وقبل هبوطهم إلى المطار حلّقوا في جوار الفندق الذي كان يقيم فيه أردوغان، والتقطوا صورًا فوتوغرافية. وهذه التحليقات لم تكن موجودة في خطة التحليقات الشهرية.

وفي 13 تموز 2016 أضاف غوكهان شاهين سونمز أتش الذي سبق ذكره بين الإداريين العسكريين للانقلاب؛ مسار ضَلَمان إلى خطة التحليق (بحجة الحصول على الوقود). وفي التاريخ ذاته، عاد قائد قاعدة الطائرات النفاثة العسكرية الرئيسة الرابعة في أقنجي اللواء حاقان أوْريم والطيار الرائد أحمد طوصون إلى ديار بكر بواسطة الطائرة إف-16، حيث رُكِّب (جهاز سنيبَرْ المتطور لتحديد الأهداف) على الطائرات، والتخطيط ليوم الانقلاب.

في 14 تموز 2016 جاء أحمد بالا وإلْكَر خزينه دار اللّذان يعملان طيارَيْن في قيادة قاعدة الطائرات النفاثة الرئيسة الرابعة في أقنجي- إلى قاعدة بَنْدرْمَة العسكرية مستقلّينِ طائرة إف-16، وركّبا لهذه الطائرة الجهاز المذكور آنفًا. وفي اليوم ذاته دعا قائد قاعدة الطائرات النفاثة العسكرية الرئيسة الرابعة في أقنجي اللواء حاقان أوْريم الرائد الركن أرسين أريغيت إلى مكتبه في الساعة 19.30، وأعطاه تعليمات بأن يحمّل 27 طائرة من نوع إف-16 الذخائر الحربية التي سيحدّدها مصطفى عزيمتلي. وفي اليوم التالي عُبِّئَت 25 طائرة بالذخائر الحربية المحددة.

الأحداث التي جرت في أثناء محاولة الانقلاب

في 15 تموز قُدِّمت مراسم تحية العلم التي كانت تجري عادةً يوم الجمعة، بحيث تجري الساعة 14.00 في قيادة قاعدة الطائرات النفاثة العسكرية الرئيسة الرابعة في أقنجي (بحجة حرارة الجو). فأُنْهِيَ الدوام الرسمي مبكرًا، وأُرسِل الأشخاص الذين تقرر عدم مشاركتهم في محاولة الانقلاب إلى بيوتهم. وتبيّن أن المدنيين والعسكريين الذي يدعمون الانقلاب جاؤوا فيما بعد إلى قاعدة أقنجي العسكرية. ودخل هؤلاء الأشخاص إلى القاعدة بشيفرة (السلام في البلد) كما هو مبين في لوائح الاتهام، وشاركوا في التخطيط والاستعداد للانقلاب في الساعة 15.00.

بعد ظهيرة يوم 15 تموز جاء إلى جهاز الاستخبارات الوطنية الرائد المسمى O.K الذي يعمل في قيادة القوات البرية، وأخبره بأن العسكريين من أعضاء تنظيم فتو ينوون إلقاء القبض على مستشار جهاز الاستخبارات الوطنية حاقان فيدان، وبناءً عليه قام جهاز الاستخبارات الوطنية بإبلاغ هيئة الأركان العامة بهذا الأمر. في الساعة 18.10 جاء فيدان إلى مقر هيئة الأركان العامة، وأخبر رئيس هيئة الأركان العامة خلوصي أكار بأن الإخبارية التي وردت إليه يمكن أن تكون جزءًا من خطّةٍ أكبر، فأرسل خلوصي أكار قائد القوات البرية صالح زكي جولاق برفقة المدّعي العام العسكري وقائد المركز إلى قيادة الطيران البري لاتخاذ جملة من التدابير. أضف إلى ذلك أن أكار اتصل هاتفيًّا بمركز حركات القوات المسلحة، وأمر بإسقاط جميع الطائرات التي تحلّق في سماء تركيا. ولكن ثبت أن العسكريين الانقلابيين عملوا على فتح المرور الجوي بحجج مختلفة رغم هذه الأوامر. وفي الساعة 20.05 أبلغ أعضاء تنظيم فتو في القوات الجوية وحداتهم بأن التحليق مسموح.

ورد في لائحة اتهام السقف أن إلهان تالو خرج من مكتب رئيس هيئة الأركان العامة الساعة 20.09، وأنه في هذه الأثناء شهد اللقاء الذي جرى بين مستشار جهاز الاستخبارات الوطنية حاقان فيدان وخلوصي أكار، وأخبر العميد جميل تورخان أن قائد القوات البرية جولاق ذهب إلى قيادة الطيران البري، وأن حملة اعتقالات الموظفين من أعضاء تنظيم فتو ستبدأ على الفور. فتحرك العسكريون الانقلابيون في المقر، واضطروا لتقديم محاولة الانقلاب من الوقت المخطط له في الساعة الثالثة صباح يوم 16 تموز، وقرروا التحرك في الساعة 20.30. وقد حصل هذا التغير في الخطة بإشراف الإداريين العسكريين والمدنيين المشاركين في الانقلاب.

في الساعة 20.23 غادر 33 عسكريًّا من أعضاء القوات الخاصة قاعدة أقنجي العسكرية، ووصلوا إلى مقر هيئة الأركان العامة في الساعة 21.20. وخرج رئيس الدائرة الإستراتيجية بهيئة الأركان العامة الفريق محمد ديشلي من هيئة الأركان العامة مع انتهاء الدوام الرسمي، ولم يلبث أن عاد إليها في الساعة 20.46 نتيجة التغير الحاصل في خطة الانقلاب، وصعد مع العميد أورخان يكيلكان إلى الطابق الأعلى حيث قيادة هيئة الأركان العامة. ودخل الفريق محمد ديشلي مكتب رئيس هيئة الأركان العامة الجنرال خلوصي أكار في 21.00، وقرأ عليه الملاحظات الموجودة في يده، وأخبره بانطلاق محاولة الانقلاب. ولكن أكار أبدى ردود فعل عنيفة وشديدة لديشلي الذي كان يعتقد أنه قادر على إقناع أكار وجعله على رأس الانقلاب. فتم اعتقاله من قبل العسكريين الانقلابيين وإرساله إلى قاعدة أقنجي العسكرية.

وقال أكار في شهادته التي أدلى بها أمام النيابة: إن قائد قاعدة أقنجي العسكرية اللواء حاقان أوْريم قال له: "إن شئتم نجعلكم تلتقون بزعيمنا فتح الله غولن"، ولكن أكار رفض عرضه هذا، وأن عمر فاروق هرمنجيك قرأ عليه بيان الانقلاب، وطلب منه أن يقرأه على مسامع الشعب عبر شاشة التلفزيون.

وقع الرئيس الثاني لهيئة الأركان العامة يشار غولَر، وقائد القوات البرية صالح زكي جولاق، والقائد العام للجندرمة غالب مندا رهائن في يد الانقلابيين. وخلال الأحداث التي حصلت عندما أُرِيد اعتقال قائد القوات البرية جولاق ومن معه بعد أن استدعاه كبير معاوني رئيس هيئة الأركان العامة لَوَند تركان قائلًا: "قائدنا في انتظاركم"؛ استشهد الحارس الباش جاويش بولَنْد أيدن إثر نيران أطلقتها القوات الخاصة. وبشكلٍ مشابهٍ، اندلعت اشتباكات في أثناء إخراج يشار غولر من مقر هيئة الأركان العامة لإحضاره إلى قاعدة أقنجي العسكرية، فأصيب قائد طابور الحرس المقدّم عثمان تولغا كلينج أرسلان في أثناء دوريته في تلك الليلة، وقُتل الانقلابي محمد أق قورت.

تشير التحقيقات التي أُجرِيت بعد 15 تموز إلى أن تنظيم الانقلاب في القوات المسلحة التركية تمّ من قبل طغمة عسكرية عُرِفت باسم (مجلس السلام). ويمكن الاستدلال على أن مجلس السلام جهازٌ إداريّ عسكريّ للانقلاب من المادة السابعة من لائحة الأحكام العرفية التي نشرها الانقلابيون، والتي يرد فيها ما يلي: "تأسس (مجلس السلام) من أجل إدارة الدولة بتكامل القيادة من قبل القوات المسلحة التركية". وفي إطار تحقيقات سقف الانقلاب تبيّن وجود 38 عضوًا في مجلس السلام الذي يُعدّ بمثابة المجلس التنفيذي للانقلاب، ووردت هذه الأسماء في لوائح الاتهام. ولكن يجب علينا أن نبيّن هنا أن أعضاء هذا المجلس ليسوا قادة هذا الانقلاب الحقيقيين، بل هم القادة المدنيون الذين كلّفهم بهذه المهمّة تنظيم فتو.

ظهر كمال بَطْماز وهارون بينيش ونور الدين أوروج بوضوحٍ في السجلات المرئية التي التُقِطت بكاميرات الأمن في قاعدة أقنجي العسكرية. ورغم عدم وجود صور مرئية تبيّن وجود عادل أوكسوز وهارون جيجك في قاعدة أقنجي العسكرية، فإن هناك ثلاثة أشخاصٍ قالوا إنهم رأوا عادل أوكسوز يدير محاولة الانقلاب في هذه القاعدة في تلك الليلة، وهم: قائد قاعدة أقنجي العسكرية اللواء حاقان أوْريم، والطيار العميد أوغور قبان، والملازم الأول مسلم ماجد. وقد اعترف حاقان جيجك بأنه كان في القاعدة العسكرية، وزعم أنه لا علاقة له بمحاولة الانقلاب.

بعد إحباط محاولة الانقلاب اعتُقل في 16 تموز خمسة قادة مدنيين كان لهم دور في محاولة الانقلاب، في قاعدة أقنجي وما حولها. فقال عادل أوكسوز وكمال بطماز وهارون بينيش إن سبب وجودهم في تلك المنطقة هو "البحث عن أراض ومزارع للبيع والشراء"، وادعى هارون جيجك أنه جاء إلى القاعدة بناء على دعوة إلى (أنشطة اجتماعية). وقال نور الدين أوروج إنه قدِم إلى قاعدة أقنجي من أجل برنامجٍ وثائقيٍ يعدّه حول تربية الحيوانات. كما ترون، لم يقدّم المتّهمون تصريحات مقنعة حول سبب اعتقالهم في قاعدة أقنجي العسكرية. إذ رأينا الملفّات تتضمن صورًا فوتوغرافية وتسجيلات مرئية لعادل أوكسوز، عضو الهيئة التدريسية في كلية الإلهيات بجامعة صقاريا، مع فتح الله غولن بذاته. وكمال بطماز عمل مديرًا عامًّا لشركة كايناك القابضة التابعة لتنظيم فتو. وثبت أن هارون جيجك صاحب مدرسة أنافارْطَلر الخاصة التي هي على صلة بهذا التنظيم. كما تبين أن نور الدين أوروج شريكٌ في شركةٍ يتم ملاحقتها قضائيًّا في إطار تنظيم غولن/ الكيان الموازي الإرهابي. وممّا يثير الشكوك ذهابه إلى الولايات المتحدة الأمريكية عدة مراتٍ رغم عمله براتب شهري بسيط. والعضو المدني الآخر في تنظيم غولن الإرهابي هارون بينيش تتمّ محاكماته في المحكمة الجنائية العليا الثانية بأنقرة بتهمة ضلوعه في عملية تنصت غير قانوني في إطار تنظيم غولن/ الكيان الموازي الإرهابي. وثبت أن بينيش لديه أسهمٌ في أربع شركاتٍ مختلفة على ارتباط قريب بتنظيم غولن الإرهابي.

يمكن القول في ضوء الأدلة الملموسة إنه ليس هناك أدنى شكّ بأن الأئمة المدنيين الأعضاء في تنظيم فتو هم الذين أعدوا محاولة الانقلاب، وأداروها ونفّذوها، وإلا فمن المستحيل أن نجد تفسيرًا لكيفية دخول هؤلاء المدنيين إلى قاعدة أقنجي العسكرية، وسبب وجودهم في هذه القاعدة التي تُعدّ قاعدة إدارة الانقلاب.

بينما يجري هذا كله في قاعدة أقنجي تحرك الانقلابيون في إسطنبول مع بدء محاولة الانقلاب. وتبيّن أن مجموعة في الواتساب باسم (مجلس السلام) هي التي كانت تعمل في التنسيق في أثناء الأحداث الجارية في إسطنبول. وتشير لوائح اتهام السقف أن مراد جلبي أوغلو كان يدير هذه المجموعة. وتفيد الرسالة المكتوبة في هذه المجموعة في الساعة 21.26 أن الانقلابيين بيّنوا أن طريق E-5 و TEM سيبقيان مفتوحين باتجاه خارج إسطنبول، وستتمّ عرقلة حركة السير في داخلها. وفي الساعة 22.00 تبيّن في مجموعة الواتساب هذه أن الانقلابيين سيطروا على مركز تنسيق الطوارئ في بلدية مدينة إسطنبول الكبرى. وفي الساعة 22.05 أُعطِيت في المجموعة ذاتها تعليمات باعتقال قائد الجيش الأول الذي قاوم الانقلاب.

وبدأت التحركات في مدن تركية أخرى حوالي الساعة 21.43 -21.47. فانطلقت من قيادة قاعدة إنجيرليك العسكرية العاشرة بأضنة طائرة تحمل خزانات لتزويد الطائرات بالوقود، وزودت بالوقود طائرات إف-16 التي شاركت في الانقلاب. وأُغْلِقت أجهزة الاتصال اللاسلكية كافة في هذه التحليقات التي جرت بصورة تخالف القوانين والأوامر، ولم يتمّ تأمين التواصل مع الطيارين. في الساعة 22.20 ارتفعت من قاعدة أقنجي العسكرية طائرة باسم غوران (GÖREN) جُلبت من قيصري من أجل استطلاع الطائرات وتحديد الإحداثيات، ودخل في النظام إحداثيات مبنى حركات البوليس الخاصة في غول باشي. كما استُعمِلت هذه الطائرة لتبليغ الطائرات النفاثة إف-16 بشأن التحكم بحالة مرور البشر والمركبات في سماء أنقرة.

وبعد انطلاق محاولة الانقلاب أُرسِلت رسائل حول (التعيين) و(المشاركات) و(لائحة الأحكام العرفية) إلى الوزارات والوحدات العسكرية المعنية حوالي الساعة 21.48 - 22.51، بواسطة نظام توزيع الرسائل والأوراق بهيئة الأركان العامة. وكانت هذه الرسائل غير قانونية برمتها، ومخالفة لقوانين الاتصال للقوات المسلحة التركية. وتوجد أسفل هذه الرسائل إمضاء محمد بَرتيغوج بصفته رئيس دائرة تخطيط وإدارة الموظفين، وإمضاء العميد جميل تورخان بصفته مدير شعبة الجنرال الأميرال.

عند دراسة مضمون الرسائل يمكن التنبؤ بمحاولة الانقلاب بصورة واضحة. إذ تبين من خلال (لائحة الأحكام العرفية) التي أعدّها الانقلابيون أن القوات المسلحة التركية سيطرت على الحكم في البلاد ضمن التسلسل القيادي، وأنه تم تشكيل (مجلس السلام)"من أجل ذلك، وإعلان حالة الطوارئ وحظر التجول في جميع أنحاء البلاد، واستلام (مجلس السلام) مهمة التعيين وتوكيل المهامّ في الحكومة، وعدم قبول الإجراءات التي تتم خارج إرادة هذا المجلس، وإقالة الجهاز التنفيذي الحالي من مهامّه، وحلّ مجلس الشعب التركي الكبير، وتعيين جميع الولاة وقائمي المقام ورؤساء البلديات من قبل مجلس السلام، وإيقاف نشاط الأحزاب السياسية، ووضع قوات رجال البوليس تحت سيطرة قادة حالة الطوارئ. وقد تجنبوا كتابة اسم محدّد في المكان المخصص لكتابة الآمِر أسفل رسالة الانقلاب المسمّاة بلائحة الأحكام العرفية، واكتُفِي بكتابة رئيس مجلس السلام. وتذهب النيابة إلى أن هذا الوضع نتج عن عجز المخططين للانقلاب عن اتخاذ قرارٍ حول الشخص الذي يدير الانقلاب باعتباره رئيس المجلس حتى آخر لحظة.

كان من المتوقع بحسب قائمة التعيين الموجودة في ملحق لائحة الأحكام العرفية التي أعدّها مجلس السلام المزعوم أن يُعيَّن 84 انقلابيًّا عسكريًّا قادةً للأحكام العرفية، و413 شخصًا في المحكمة العرفية، و450 شخصًا من أجل مناصب عسكرية ومدنية محورية. وقد أثيرت الشبهات حول اثنين من بين الموقّعين على رسالة الانقلاب في الوحدات المعنية بتعيين الموظفين في هيئة الأركان العامة مما أثارالاعتقاد بأنهما أدّيا دورًا فعّالًا في إعداد قائمة التعيين. وبملاحظة هذا الأمر في لائحة اتهام السقف تم تأكيد أن برتيغوج وتورخان عملا على إعداد قائمة التعيين، وأن التسلسل الهرمي في تنظيم غولن الإرهابي على مستويات رفيعة.

وثبت أنه في قرابة الساعة 23.00 ارتفعت 6 طائرات إف-16 من ديار بكر، و4 طائرات إف-16 وطائرة غورَن واحدة من أقنجي، وطائرتان لتزويد الوقود من أنجيرليك، وقدمت دعمًا لمحاولة الانقلاب. وثبت في ذات الوقت أن وحدات مدرعة تخص الانقلابيين اتّجهت صوب ثكنة الجيش في فنر بهجة بإسطنبول. ثم بدأ الانقلابيون بشلّ حركة الطيران في مطار أتاتورك لعرقلة الملاحة الجوية.

في الساعة 23.02 صرّح رئيس الوزراء بن علي يلدرم عبر البثّ الحي عبر قنوات تلفزيونية عديدة أن محاولة الانقلاب هذه نفّذها مجموعة من العسكريين الذين ينتمون لتنظيم فتو. وكان القضاء واحدًا من المؤسسات التي أبدت ردود أفعالها على محاولة الانقلاب في وقت مبكر. فتحركت النيابة العامة في إسطنبول وأنقرة، وشرعت تحقق في هذه المحاولة في الساعة 23.05. فأسفرت هذه التحقيقات عن تحديد الثكنات العسكرية التي حاولت الانقلاب.

رغم النداء الذي أُطلِق لإنزال الطائرات التي حلقت في السماء بدون إذنٍ في الساعة 23.09، فإنها واصلت التحليق بناءً على أوامر أصدرها العميد أحمد أوزجتين. وقامت طائرات إف-16 بقصف رئاسة دائرة الشؤون الجوية/ المديرية العامة للأمنيات الكائنة في منطقة غول باشي بأنقرة في الساعة 23.18، اعتقادًا منها بأنها ستقاوم محاولة الانقلاب. وأسفر هذا القصف عن استشهاد 7 أشخاص.

اعتقل الانقلابيون الرئيس الثاني لهيئة الأركان العامة الفريق الأول يشار غولَر الذي يُعَدُّ أحد الأشخاص الذين تبنّوا موقفًا معارضًا لمحاولة الانقلاب، وأَجبروه على ركوب طائرة الهليكوبتر مكبّل اليدين والذراعين، وأحضروه إلى قاعدة أقنجي العسكرية في ليلة 15 تموز. وظل يشار غولَر محتجَزًا في هذه القاعدة حتى صبيحة اليوم التالي.

في الدقائق الأولى من يوم 16 تموز وقعت أكثر الأحداث دموية في أثناء هذه المحاولة. ففي الساعة 00.00 قُصِفت رئاسة دائرة الحركات الخاصة بالأمنيات، واستهدف الانقلابيون هذه الرئاسة؛ لأنها أهم سلطة تقف إلى جانب الحكومة والإرادة المدنية، وتقاوم الانقلاب. وأسفر هذا الهجوم عن استشهاد 44 رجلًا من رجال البوليس ممن ينتمون إلى الحركات الخاصة، وإصابة آخرين بأعدادٍ كبيرة. كما تمّ الهجوم على مقر جهاز الاستخبارات الوطنية، وأطلق الانقلابيون عليه النيران من طائرات الهليكوبتر. فشن جهاز الاستخبارات الوطنية هجومًا معاكسًا، واستمرت الاشتباكات طيلة الليل.

وسيطر العسكريون الانقلابيون على قناة تي آر تي الحكومية، وأَكرهوا المذيعة على تلاوة بيان الانقلاب الذي أُعِدّ باسم مجلس السلام. وقد تضمن بيان الانقلاب إعلان (حالة الطوارئ)في عموم البلاد، والتصريح بأن القوات المسلحة التركية استولت على الحكم.

عندما علم رئيس الجمهورية أردوغان بمحاولة الانقلاب انتقلَ إلى مطار ضَلَمان بواسطة الهليكوبتر، ومن هناك إلى إسطنبول. وخرجت من قاعدة أقنجي العسكرية طائرات إف-16 قرابة الساعة 00.20 من أجل عرقلة طائرة رئيس الجمهورية. ولكن رئيس الجمهورية استطاع أن يظهر أمام شعبه عبر قناة سي إن إن التركية أولًا، ثم على القنوات الأخرى، ودعاهم إلى مقاومة الانقلاب، وغيّر سير الأحداث.

امتعض الانقلابيون كثيرًا من بث كلمة أردوغان، ومن بث القنوات التلفزيونية الأخرى المعارضة للانقلاب، وأعطوا تعليمات من أجل (إسكاتها). وعملوا على رسم صورةٍ بأن القوات المسلحة التركية هي من نفّذت محاولة الانقلاب. فنشر الانقلابيون بيان الانقلاب (المقرصن) باسم الجيش في صفحة الإنترنت الرسمية لرئاسة هيئة الأركان العامة في الساعة 00.45. إلى جانب هذا، نُشِر بيان مقرصن آخر في الساعات اللاحقة. وبهذا الشكل تمّ العمل على تكوين تصورٍ بأن محاولة الانقلاب من فعل القوات المسلحة لا من فعل تنظيم فتو. في الساعة 00.56 ألقت طائرات إف-16 قذيفتين على مبنى مديرية الأمنيات بولاية أنقرة عندما رفضت الاستسلام للانقلابيين، فاستشهد شخصان، وأصيب عشرات الأشخاص. وبعد وقتٍ قصيرٍ  قُصِف مبنى مديرية الأمنيات بولاية أنقرة للمرة الثانية في الساعة 01.08.

وسيطر الانقلابيون على تركسات حوالي الساعة 00.57 وحاولوا قطع البث التلفزيوني. فوقع في هذه الأثناء شهيدان من موظفي الأمن في تركسات، ولكن الانقلابيين أخفقوا في قطع البث التلفزيوني.

في الساعة 01.00 خرج العسكريون الانقلابيون من قاعدة جغلي العسكرية بإزمير، وتحركوا للهجوم على فندق مرمريس الذي غادره رئيس الجمهورية أردوغان قبل وقت قصير. وفي ذات الوقت أطلق الانقلابيون النيران على المدنيين الذين خرجوا إلى الشوارع وقاوموا الانقلاب بناءً على دعوة رئيس الجمهورية فوق جسر بوغاز إجي، وساروا فوق السيارات بالدبابات في جوار هيئة الأركان العامة ومنظمة الهلال الأحمر.

حلّقت طائرات إف-16 النفاثة التي كانت تحت سيطرة الانقلابيين بشكلٍ منخفضٍ لتبثّ الخوف والذعر بين أفراد الشعب. وبدأ المدنيون يتوجهون إلى مقر هيئة الأركان العامة لصدّ الانقلابيين في الساعة 02.21. وردت رسائل مجموعة الواتساب المذكورة أعلاه تأمر بإطلاق النيران على كل من يقاوم الانقلاب. فأُطلِق الرصاص على المدنيين في مقر هيئة الأركان العامة، واستشهد مواطنان سُحِبا إلى الخارج جرًّا.

وقف النوّاب من جميع الأحزاب السياسية في وجه الانقلاب، واجتمعوا في مجلس البرلمان، فقصفه الانقلابيون. وفي الساعة 03.00 تمّ التخلص من المحتلين الذين كانوا قابعين في قناة تي آر تي، بفضل نضال المواطنين ورجال البوليس، واعتُقِل العسكريون الانقلابيون. وبعد هذه المستجدات نُشِر البيان (المقرصن) الآخر في صفحة الويب الخاصة برئاسة هيئة الأركان العامة لرفع معنويات الانقلابيين.

في الساعة 04.42 أُطلِقت النيران من طائرات الهليكوبتر على الفندق الذي كان يقيم فيه رئيس الجمهورية في مرمريس، والذي كان قد غادره في منتصف الليل، وحاصره العسكريون الذين نزلوا من طائرات الهليكوبتر.

إحباط محاولة الانقلاب

أدرك الانقلابيون أن مخططاتهم أخفقت عندما رأوا استجابة الشعب لدعوة مقاومة الانقلاب التي أطلقها رئيس الجمهورية. فأرسلت مجموعة الواتساب المذكورة أعلاه رسالةً تعلن فيه إلغاء (الفعاليات) قرابة الساعة 05.47. ورغم التعليمات التي صدرت بإغلاق مجموعة الواتساب هذه ومسح رسائلها في الساعة 05.53، فإن هذه المجموعة والمراسلات التي تمت عبرها، كانت واحدة من أهم الدلائل التي أضاءت 15 تموز. ألغيت فعاليات الانقلاب، ولكن الانقلابيين واصلوا المحاولة بطائرات إف-16 بدون إذن، وقصفوا المناطق القريبة من مجمع رئاسة الجمهورية، فاستشهد 15 شخصًا وأصيب 7 أشخاص.

في الساعة 06.40 استسلم العسكريون الذين سيطروا على جسر بوغاز إجي في إطار محاولة الانقلاب لرجال البوليس. ونشر الانقلابيون 06.50 بيانًا آخر ملحقًا بالبيان (المقرصن) الذي أُرسِل من هيئة الأركان العامة عبر صفحة الويب الرسمية الخاصة بهيئة الأركان العامة. وفي الساعة 07.31 تقريبًا أعطى رئيس الوزراء بن علي يلدرم أوامر بقصف مدرج الطائرات في قاعدة أقنجي العسكرية للحيلولة دون تحليق مزيد من الطائرات من غير إذن. وفي الساعات المتقدمة شرع رجال الشرطة في اعتقال العسكريين المنتمين لتنظيم غولن الإرهابي.

واتضح أن بعض الموظفين في الأمنيات الذين اُقِيلوا من وظائفهم قبل 15 تموز بحجة انتمائهم لتنظيم غولن/ الكيان الموازي الإرهابي؛ كانوا ضالعين في محاولة الانقلاب. فمدحت عيرانجي مدير شعبة الأمن الأسبق بإسطنبول الذي أقيل من عمله بكونه عضوًا في تنظيم فتو؛ اعتُقِل مرتديًا زيًّا عسكريًّا في دبابةٍ متوجهةٍ لتسلّم مديرية الأمنيات بإسطنبول. وذهب بعض مديري الأمنيات وقادة الإدارة المدنية الذين تتمّ ملاحقتهم قضائيًّا باعتبارهم أعضاء في تنظيم فتو؛ إلى مؤسسات الدولة التي سيتَعيّنون فيها بموجب الأحكام العرفية المزعومة التي أعلنها الانقلابيون. وثبت أن بعض أعضاء فتو من الأمنيات تواصلوا في هواتفهم ليلة الانقلاب برسائل تفيد بأن يساعدوا العسكريين الانقلابيين، وأن لا يقاوموهم وأن لا يلتزموا بالأوامر القادمة من المديرية العامة للأمنيات.

استُعمَل أكثر من 8 آلاف عسكري و35 طائرة و37 طائرة هليكوبتر و74 دبابة و246 مركبة مدرعة و4 آلاف أسلحة خفيفة في محاولة الانقلاب. بقيت هذه الأعداد في هذا المستوى بسبب تقديم ساعة انطلاق محاولة الانقلاب، وكانت في الحقيقة أكبر من ذلك بكثير. ولم يستعمل تنظيم فتو جميع كوادره في المرحلة الأولى من مخطط الانقلاب، على أمل أن يستعمل قسمًا كبيرًا من كوادره في المرحلة التي تلي الانقلاب.

أطلقت الطائرات والدبابات والمركبات المدرعة النيران على المدنيين وموظفي الأمن الذين قاوموا الانقلاب، فاستشهد 250 شخصًا بينهم 183 مدنيًّا، وأصيب 2735 شخصًا آخرين. وأعلن رئيس الوزراء بن علي يلدرم من قصر جانقايا إحباط محاولة الانقلاب رسميًّا في الساعة 12.57.

اعترافات المتهمين في محاولة الانقلاب

اعترف المتهم قائد لواء المشاة البرمائية الأسبق اللواء الأميرال خليل إبراهيم يلدز أنه شارك في اجتماعات الاستعداد للانقلاب بإشراف عادل أوكسوز، وأنه أوكلت إليه مهمة احتجاز بعض الجنرالات رهائن، وأن عادل أوكسوز قال: "سأذهب إلى الولايات المتحدث الأمريكية وأعرض هذه الأعمال على شيخي فتح الله غولن".

واعترف ضابط شؤون رئيس هيئة الأركان العامة المتهم والمعتقل لَوَنْد توركان أمام النيابة بأنه علم بمحاولة الانقلاب قبل يوم من تنفيذه، من العميد أوخان يكيلكان مستشار رئيس هيئة الأركان العامة وعضو تنظيم غولن الإرهابي، وأنه أوكلت إليه مهمة احتجاز رئيس هيئة الأركان العامة، وأنه قبِل بهذه المهمة.

واعترف الرائد حيدر حجي باشا أوغلو الذي يعمل في القيادة العامة للجندرمة، والمقدم (F.E.) [15]الذي يعمل في القيادة الخاصة للأمن العام، والمقدم A.K. الذي يعمل في رئاسة مركز تنسيق الاستخبارات المشتركة، والرائد M.T. الذي يعمل في قيادة مدرسة استخبارات الجندرمة، بأنهم ينتمون إلى تنظيم غولن الإرهابي، وأن القادة المدنيين في تنظيم فتو أخبروهم بأن الأشخاص الذين هم على صلة بالجماعة، أي تنظيم فتو، ستتمّ إقالتهم في اجتماع الشورى العسكرية العليا في شهر آب، وأن عدد هؤلاء الأشخاص يبلغ زهاء 3000 شخص، وأن انقلابًا سيتمّ بسبب هذه الإقالات، وأن هذا الانقلاب تم في إطار تعليمات فتح الله غولن.

بشكلٍ مشابه روى الطيار M.M. الذي يعمل في قاعدة الطائرات النفاثة الرئيسة الرابعة في أقنجي أن أحد العقداء قال له: "أسماؤنا كلها في قائمة الأسماء. وقد تم الشروع في اعتقال بعض الأسماء من بعض الجنرالات، ثم سيأتي الدور علينا واحدًا تلو آخر. لذلك يجب علينا أن ننفذ هذا الأمر اليوم ونتحرك قبل أن يتحركوا"، وأخبره أن تنظيم غولن الإرهابي هو من قام بمحاولة الانقلاب.

وقال المقدّم الطيار إلكاي أتش أنه انتمى إلى تنظيم فتو منذ صغره، وأنه اجتمع مع المقدم أزوجان قرة جان، والرائد طه فاتح جليك، والمقدّم أردال باشلر، في منزلٍ قبل يومين من محاولة الانقلاب، وأنهم تلقوا معلومات وتعليمات من شخص لا يُعرف اسمه يدعى رمضان. كما اعترف بنفَس مشابهٍ عدد كبير من المتهمين المدنيين والعسكريين المشاركين في الانقلاب بأنهم أعضاء في تنظيم غولن الإرهابي، وأنهم يعرفون أن أعضاء هذا التنظيم هم الذين قاموا بمحاولة الانقلاب.

الخاتمة

ظهر تنظيم غولن الإرهابي في الستينيات من القرن الماضي، وعمل على بناء نظام أوليغاركي مكان دولة القانون الديمقراطية، مستعملًا خطابًا دينيًّا، فحاول إسقاط رئيس الجمهورية والحكومة بالانقلاب في 15 تموز. ورغم أن الرأي العام تعرّف إلى الوجه الإجرامي لتنظيم فتو في عام 2010، فإنه يجب دراسة هذا التنظيم منذ تأسيسه حتى تتضح الصورة بأنه فاعل انقلاب 15 تموز. بعبارة أخرى، ستبقى كل دراسة تتناول تنظيم غولن الإرهابي انطلاقًا من السنوات الأخيرة غير كافية لفهم 15 تموز. لهذا السبب تناولنا في مقالنا نموذج بنية تنظيم غولن الإرهابي، والطرق التي استعملها في التسرب إلى مؤسسات الدولة وتعبئة أعضائه، والعلاقة القائمة بين تنظيماته غير القانونية ومؤسساته المدنية التي تمثل الوجه المفتوح على الرأي العام. وقد لوحظ أن تنظيم فتو في عمله ارتكز على العناصر الثلاثة الآتية: السرية، والتضامن داخل التنظيم، وبنية هرمية قاسية صارمة. فهذا التنظيم المعقّد يقوم على السرية التي يلتزم بها الجميع، بدءًا من خلاياه الدنيا ووصولًا إلى وحداته العليا.

وقف تنظيم فتو موقف المعادي للشيوعية خلال الستينيات والسبعينيات، ولم يتوانَ عن دعم الانقلاب العسكري الذي حصل في 12 أيلول، وجعل بنيته المالية تتأقلم مع اقتصاد الأسواق الحرة في الثمانينيات، ودعم الانقلاب على حكومة أربكان في فترة 28 شباط مراعيًا توازن القوى، وأطلق الخطابات الليبيرالية ومفهوم الحوار بين الأديان بفعل استقرار فتح الله غولن في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2000. وبعد عام 2007 عزز تنظيمه في القوات المسلحة التركية، بحجة مكافحة الوصاية العسكرية.

واليوم يعلم الجميع حقيقة تنظيم فتو الذي لم يتحول من جماعة إلى تنظيم إجرامي، بل تأسس منذ البداية باعتباره تنظيمًا إجراميًّا. لكن هذا الوضع لم يلاحظ لسنواتٍ طويلةٍ؛ بسبب خطاباته التي تستغل القيم المعنوية وبنيتها البعيدة كل البعد عن الشفافية. فهذا التنظيم أُسِّس وعمل بشكلٍ أشبه بجهاز استخباراتي في أبعادٍ تتخطى أي تنظيم إرهابي. واستطاع أن ينسق بين عناصره في القضاء والأمنيات والإعلام، ويجعلهم يتحركون معًا في إطار هدفٍ واحدٍ، سواء في الفترة التي سيّر فيها دعاوى المؤامرة، مثل أرغَنكون والمطرقة (الباليوز) والتجسس العسكري باسم مكافحة الوصاية العسكرية، أم في محاولة انقلاب 17-25 كانون الأول 2013.

منذ تأسيسه اختار تنظيم فتو القوات المسلحة التركية هدفًا له. فبينما تغلغل في مؤسسات الدولة على شكل خلايا مكونة من 5 أشخاص، اكتفى بأن تتكون خلاياه في القوات المسلحة التركية من ضابط واحد وقائد مدني. وهكذا حال دون فك شيفرة تنظيمه. وتبيّن نجاحه في هذا الموضوع من خلال محاولة الانقلاب وعملية تطهير الدولة من عناصره التي لا تزال مستمرة.

إن الخطوات التي اتُّخِذت لتطهير الدولة من تنظيم فتو، والاعتقالات التي طالت أعضاء تنظيم فتو في القوات المسلحة التركية- كانت الفتيلة التي أشعلت نار الانقلاب. وتمّ تسريع مكافحة تنظيم غولن الإرهابي بعد أن حقّق حزب العدالة والتنمية فوزًا ساحقًا في انتخابات الأول من تشرين الثاني، فتلقت ركائز التنظيم في مؤسسات الإعلام والتمويل ضربة قوية، وضعف نفوذه في القضاء، وبدأ يشعر بالقلق إزاء تصفية عناصره من القوات المسلحة التركية في اجتماعات الشورى العسكرية العليا التي باتت على الأبواب، وتبيّن في لوائح الاتهام أن الاستعدادات الأولى لمحاولة الانقلاب بدأت مباشرةً بعد انتخابات الأول من تشرين الثاني.

كما تبين أن الأئمة المدنيين المسؤولين عن القوات المسلحة التركية تحت إشراف عادل أوكسوز كانوا في حركة مكوكية بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية على مدى شهور، وكانوا يعقدون اجتماعات سرية مع العسكريين استعدادًا لمحاولة الانقلاب. إذ أُعِدّت خطة الانقلاب بعمل مكثف دام طويلًا، ولم يكن بالإمكان اكتشافها نظرًا لبنية التنظيم على شكل خلايا. ولكن اتضح من أقوال الشهود والاعترافات والدلائل الملموسة في لوائح الاتهام أن محاولة الانقلاب هذه أُعدَّت ونُفِّذت بتوجيه فتح الله غولن.

اضطر الانقلابيّون على تقديم ساعة الانقلاب بعد أن كان مقرّرًا أن يتمّ الساعة الثالثة صباح 16 تموز، وذلك نتيجة القلق الذي بات يساورهم إثر التدابير التي اتُّخِذت بناء على إخبارية تلقاها جهاز الاسخبارات الوطنية من رائدٍ كلفه أعضاء تنظيم فتو لشن هجوم على جهاز الاستخبارات الوطنية. وبعد الدعوة التي أطلقها رئيس الجمهورية لمقاومة الانقلاب الذي بدأ مساء 15 تموز، أبدى الإعلام والسياسة والقوات المسلحة التركية والأهم من ذلك الشعب التركي مقاومةً كبيرةً، فاستشهد 250 شخصًا وأصيب الآلاف، وأحبطوا محاولة الانقلاب. جعل الانقلابيون قيادة قاعدة الطائرات النفاثة الرئيسة الرابعة في أقنجي مركزًا لإدارة الانقلاب، حيث شاركت فيه القيادات والوحدات العسكرية في أنقرة وإسطنبول وقيصري وديار بكر وأضنة وقونية.

عند النظر في لائحة اتهام سقف الانقلاب ولائحة اتهام أقنجي اللتينِ أعدّتهما النيابة العامة بأنقرة، واللتين تسلطان الضوء كثيرًا على محاولة انقلاب 15 تموز- يتبين أن زعيم التنظيم فتح الله غولن هو الذي أعطى أوامر الانقلاب، وأن القادة المدنيين المسؤولين عن البنية العسكرية للتنظيم تحركوا وفقًا لهذه الأوامر. وقد أدّى عادل أوكسوز وهارون بينيش وحاقان جيجك ونور الدين أوروج وكمال بطماز الذين كانوا في قاعدة أقنجي العسكرية في أثناء محاولة الانقلاب؛ دورًا كبيرًا في التخطيط للانقلاب. وأشارت التحقيقات الشاملة إلى أن اعتبار تنظيم فتو الذي ارتكب جريمة بحق النظام الدستوري بشكل منظم ومسلح، تنظيمًا إرهابيًّا- ضرورةٌ قانونيّةٌ.

المراجع والهوامش:

 

[1] "150 مليار دولار القوة المالية لتنظيم غولن الإرهابي"، ستار، 17 أيار 2016.

[2] تفيد لائحة اتهام سقف تنظيم غولن الإرهابي أن المتحدث باسم التنظيم جمال أوشق والذي يشغل في الوقت ذاته منصب رئيس وقف الصحفيين والكتاب التقى بممثل BND (خدمة الاستخبارات الألمانية) الذي يعمل في السفارة الألمانية بإسطنبول إدوارد أهرنهيم، ونائبه جورج بيركنبول، في مطعم بإسطنبول بتاريخ 15. 01. 2014.

[3] في ريبورتاج مع صحيفة جمهوريَّت قال جميل بايلاق، أحد قادة تنظيم حزب العمال الكردستاني الإرهابي: إن تنظيم غولن الإرهابي على اتصال معهم. "خمس تعليقات من أجل خمسة أسماء من جميل بايلاق ... الجماعة أرادت أن تكون على اتصال"، جمهوريَّت، 15 آذار 2015. تتضمن لائحة اتهام سقف تنظيم غولن الإرهابي معلوماتٍ صادمةٍ بشأن العلاقة بين تنظيم غولن الإرهابي وتنظيم حزب العمال الكردستاني الإرهابي. وقال شاهد خفيّ رفيع المستوى في التنظيم في شهادته التي أدلى بها للنيابة: إن مصطفى أوزجان وشريف علي تكالان وهما من أبرز الإداريين في تنظيم غولن الإرهابي التقيا بقادة تنظيم حزب العمال الكردستاني خارج القطر.  

[4]  المادتان 1 و7 من قانون مكافحة الإرهاب رقم 3713.

[5] حافظ أوغولَّري، زكي (2000). الإرهاب والقانون، الإرهاب في تركيا: ماضيه ومستقبله وتطوره والتدابير الواجب اتخاذها، مؤسسة التاريخ التركي، أنقرة، ص41. 

[6]  عيّن تنظيم غولن الإرهابي شخصًا وإداريًّا مدنيًّا مسؤولًا (آبي أي الأخ الكبير) عنه في الخلية لتعسير حلّ تنظيمه في القوات المسلحة التركية.

[7]  تفيد لائحة اتهام سقف تنظيم غولن الإرهابي أن شركات كاينك، وقوزا-إبك، وناكصان، وأقفا ،وبويْضَك القابضة، تُعدّ من المؤسسات التي تعود للتنظيم أو التي تعمل في خدمته. وبعد 15 تموز عُيَّن قيّومٌ على هذه الشركات القابضة، وانتقلت إدارتها إلى صندوق تأمين الودائع والادخار TMSF. وتمّ تأكيد أن 9.106  شركةٍ تبدي فعاليات قبل 15 تموز؛ كانت على ارتباط بتنظيم غولن الإرهابي قبل 15 تموز.  

[8]  أُغلِقت رئاسة الاتصالات السلكية التي كثيرًا ما سُمِع اسمها في عمليات التنصت غير القانونية التي قام بها تنظيم غولن الإرهابي، وتمّ نقلها إلى مؤسسة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بموجب القرار بحكم القانون رقم 671 الذي تم نشره في 17 آب 2016.

[9]  "أصدرت النيابة العامة بالجمهورية إلى اليوم إجراءات قضائية بحق 161 ألفًا و752 شخصًا"، صباح، 11 حزيران 2017.

[10]  ورد في لائحة اتهام سقف الانقلاب أن تنظيم غولن الإرهابي أباح لأعضائه في القوات المسلحة التركية شرب الخمر وترك الصيام وعدم الصلاة علنًا ورفع الحجاب عن رؤوس أزواجهم وأعطى تعليمات أخرى مشابهة.

[11]  من أجل المخالفات التي ارتكبها تنظيم غولن الإرهابي في الدعاوى المذكورة انظر: القانون وحقوق الإنسان في 2016، ستا، ص20-21.

https://setav.org/assets/uploads/2016/12/hukuk_insanhaklar%C4%B1.pdf

[12]  وفقًا للائحة اتهام سقف الانقلاب التي أعدّتها النيابة العامة بأنقرة عاد إلى الوطن بعد محاولة انقلاب 15 تموز 62 موظفًا عسكريًّا من أصل 113 موظفًا عسكريًّا كانوا يتلقون تعليمًا في خارج القطر.

[13] يَرِد اسم عضو التنظيم المذكور في لائحة اتهام سقف تنظيم غولن الإرهابي الذي يُعدّ شاهدًا خفيًّا- هكذا: الكود عارف.

[14]  دفتر سجلات الجريدة: هو الدفتر الذي يُسجَّل فيه جميع الإجراءات والأحداث اليومية التي تجري في وحدة عسكرية.

[15]  لا تتضمن لوائح الاتهام الاسم الكامل للمتهمين الذين اعترفوا بجرمهم.


ملصقات
 »