رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

عملية غصن الزيتون: توقّعات تركيا وخارطة طريقها

تحاول هذه الورقة الوقوف على الأسباب التي دعت تركيا إلى القيام بعملية غصن الزيتون، والإستراتيجية العسكرية التي تتبعها من أجل تحقيق أهداف هذه العملية، رغم أنّ تحليل عملية جارية يُعدّ أمرا صعبًا إلا أن توضيح تركيا أهداف العملية يسهّل من هذا الأمر

عملية غصن الزيتون: توقّعات تركيا وخارطة طريقها

 ملخص: تحاول هذه الورقة الوقوف على الأسباب التي دعت تركيا إلى القيام بعملية غصن الزيتون، والإستراتيجية العسكرية التي تتبعها من أجل تحقيق أهداف هذه العملية، رغم أنّ تحليل عملية جارية يُعدّ أمرا صعبًا إلا أن توضيح تركيا أهداف العملية يسهّل من هذا الأمر. إنّ عملية غصن الزيتون إضافة جديدة لدينامية الصراع في شمال سوريا، ومن المتوقع أن تكون لها نتائج إيجابية على مستوى الحل في سوريا، وعلى مستوى أمن تركيا، وحتى مسائل أخرى تهمّ أوروبا، مثل الهجرة واللجوء وغيرهما.

مدخل

تستهدف عملية غصن الزيتون التي أطلقتها القوات المسلحة التركية جنبًا إلى جنب مع عناصر الجيش السوري الحر في 20 يناير 2018 بشكل مباشر- الإرهاب المتمثّل في حزب العمال الكردستاني في عفرين، وكان من المتوقَّع أن تبدأ هذه العملية منذ فترة طويلة، لكن بدء العملية تأخر لأسباب مختلفة. وبعد تجربة القوات التركية في عملية درع الفرات ووصول الأوضاع والتهديد الإرهابي في عفرين إلى درجة لا يمكن تحمّلها- بدأت تركيا العملية في عفرين. وفي الوقت الذي نشاهد فيه أن العملية تجري ضد التهديد الذي يمثّله حزب العمال في عفرين وتستهدف إنهاءه بشكل كامل- نجد أنّها تستهدف كذلك بنية حزب العمال الكردستاني في شمال سوريا. ومن خلال استثمار أكثر من طرف في الأزمة في سوريا وبخاصة نظام الأسد- اكتسب حزب العمال الكردستاني قوة متزايدة؛ بسبب تعاونه مع إيران والولايات المتحدة، وهذا أدّى على حدّ سواء إلى تهديد وحدة الأراضي، كما خلق تكريس القوة هذا تهديدات مباشرة على أمن تركيا الداخلي وفي منطقة الحدود.

وكانت عفرين، قبل وبعد اندلاع الأزمة في سوريا محطة تدريب حاسمة بالنسبة لحزب العمال الكردستاني، وطريقًا مهمًّا للتسلل إلى جبال الأمانوس، وقد شنّ عناصر حزب العمال الكردستاني في تركيا الذين تسلّلوا من عفرين عبر المنطقة الجبلية  في منطقة الأمانوس- العديد من الهجمات ضد الجنود والمدنيين الأتراك، إضافة إلى ذلك عمل حزب العمال الكردستاني على التحكّم بتهريب المخدّرات والبشر على طرفَي الحدود، وبهذا كان  حزب العمال فاعلًا أساسيًّا في شبكة إجرامية تعبر من عفرين إلى تركيا.

استهدفت تركيا بنية تنظيم داعش على خط الحدود من خلال عملية درع الفرات، وبِخاصة بعد أن نفَذ التنظيم  الإرهابي إلى تركيا، وشنّ عددًا من الهجمات الصاروخية المكثّفة على مدينة كيليس على خط الحدود، حيث قضت تركيا على داعش كليًّا في شمال حلب. وقد بدأت عملية درع الفرات في الوقت الذي كانت فيه داعش تشكل تهديدًا مرتفع الخطورة في تصوّر الأمن القومي، وأطلقت تركيا عملية درع الفرات بعد فترة وجيزة من وقوع محاولة انقلاب 15 تموز 2016 التي قام بها تنظيم غولن الإرهابي، حيث قامت القوات المسلحة التركية بعملية واسعة وراء الحدود، ودخلت في صراع مع المنظمة الإرهابية في مناطق مأهولة، وشكّلت مشاركة عناصر الجيش الحر في العملية اللَّبِنات الأساسية للتعاون الذي طُبِّق لاحقًا في عملية غصن الزيتون. ومع إنهاء وجود داعش على خط الحدود مع تركيا انخفضت نسبة تهديد داعش في تصوّر الأمن التركي بدرجة كبيرة، وبخاصة مع العمليات التي نُفِّذَت ضدّ داعش داخل تركيا، ومع انتهاء عملية درع الفرات قُلِّل تهديد داعش إلى الحدّ الأدنى.

مع إزالة تهديد داعش إلى حدّ كبير، استمرت الاستعدادات للقضاء على منظمة إرهابية أخرى، هي تشكيلات حزب العمال الكردستاني في  سوريا. ومن المهمّ هنا تسليط الضوء على نقطة مهمّة، هي أن تركيا تعتقد أن الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني،  وما يُسمَّى وحدات حماية الشعب YPG هما منظمة واحدة لا ينفصل أحدهما عن الآخر،  يشير إلى ذلك الهيكل الهرمي للقيادة. والحقيقة أنّ المؤسسات الرسمية في العديد من الدول التي تدعم وحدات حماية الشعب، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية- تَعدّ هي أيضًا وحدات حماية الشعب الذراعَ السوري لحزب العمال الكردستاني؛ لكن الدعم الذي تقدّمه لوحدات حماية الشعب أصبح أمرًا غير مطمئن في مسألة إعطاء الشرعية لهذه الوحدات. فعناصر حزب العمال ووحدات الحماية يملكون الفكر نفسه، ويتقاسمون المسلحين مع حزب العمال الكردستاني، والقرار النهائي هو لقادتهم في جبال  قنديل، وتعلَم عدة مؤسسات في الولايات المتحدة هذا وتقبل به، مثل مؤسستَي المخابرات الأمريكية ومركز مكافحة الإرهاب.

إن خطوات تركيا المتّخذة لمكافحة حزب العمال الكردستاني في سوريا تواجه سؤالين أساسيين، أولهما المخاوف من تحالف الولايات المتحدة مع وحدات حماية الشعب/حزب العمال الكردستاني بحجّة القتال ضدّ داعش، إذ عارضت الولايات المتحدة بشكل خاص عملية (تشتيت) حزب العمال الكردستاني في الوقت الذي كانت فيه عملية الرقة جارية، ولاتزال تحتفظ بمعارضتها على الرغم من انتهاء عملية الرقة، وكانت الولايات المتحدة قد وعدت تركيا بإخراج حزب العمال الكردستاني من منبج بعد معركة الرقة، لكنها لم تف بوعدها، وقبل إعلان عملية غصن الزيتون أعلنت الولايات المتحدة أنها ستنشئ جيشًا مكوّنًا من وحدات حماية الشعب في شمال سوريا، وتُعدّ إستراتيجية القيادة المركزية للجيش الأمريكي في سوريا والمعتمدة على حزب العمال الكردستاني من أهم نقاط التوتر بين الولايات المتحدة وتركيا. وقد أدّت قناعة تركيا المتزايدة من أن الولايات المتحدة لن توقف دعمها لحزب العمال الكردستاني وتحاول إنشاء كيان له في شمال سوريا- إلى تسريع البدء في عملية غصن الزيتون.

والمشكلة الثانية هي انخراط روسيا مع حزب العمال الكردستاني في عفرين، فروسيا، على عكس الولايات المتحدة، لم تساعد حزب العمال الكردستاني بشكل مباشر من خلال مده الأسلحة، لكنها كانت تشكّل درعًا لحزب العمال الكردستاني من خلال وجودها العسكري في عفرين. واستندت إستراتيجية روسيا مع حزب العمال الكردستاني إلى عدم تركها الحزبَ للولايات المتحدة. لهذا، توسّطت بين نظام الأسد وحزب العمال الكردستاني  لضمان تسليم عفرين، لكن عدم امتثال العمال الكردستاني لشروط روسيا والنظام، وعدم تسليمه عفرين للنظام- عرّض موقف روسيا من  الحزب لبعض التغييرات، وقد أدّى هذا التغيير في نظرة روسيا، التي تتحكم بأنظمة الدفاع الجوي في سوريا، دورًا مهمًّا في تحديد الإستراتيجية العسكرية لعملية غصن الزيتون.

أدّت عدة أمور، أهمّها عدم حدّ الولايات المتحدة من دعمها لحزب العمال الكردستاني، وتغيير روسيا نظرتها من  حزب العمال الكردستاني، وتزايد التهديد الذي تتعرض له تركيا من الحزب- إلى بدء عملية غصن الزيتون، وكما يتبين بوضوح من خريطة السيطرة، فإن القوات المسلحة التركية،  لديها إستراتيجية عسكرية تدريجية، إذ ضُبِطت  لتلبية سلامة الجيش، ومنع وقوع خسائر في صفوف المدنيين، وقد نُفِّذت مرحلة تطهير خط الحدود من حزب العمال الكردستاني من خلال السيطرة على النقاط الإستراتيجية، وبعد الانتهاء من هذه المرحلة، أصبحت القوات تحيط على شكل هلال بمراكز راجو، وجندريس، والجيوب المأهولة المحيطة بمركز عفرين، وأصبحت تستهدف بشكل أكبر وجود حزب العمال الكردستاني في المناطق المأهولة.

في هذا البحث سوف نقيّم الأسباب التي أدّت إلى بدء عملية غصن الزيتون، والإستراتيجية العسكرية التركية في العملية،  والعواقب المحتملة للعمل عبر الحدود. ومع التسليم بأن التحليل الموضوعي لعملية عسكرية جارية صعب، إلا أنّ الشفافية التي عبّرت تركيا من خلالها عن أهداف العملية والنتائج المرجوّة تجعل التحليل للإستراتيجية المتبعة أسهل نسبيًّا.

خلفية العملية

  من الممكن أن تُفَسَّر عملية غصن الزيتون في تركيا على أنها ضرورة لأسباب كلية وجزئية، وكان التهديد المركزي الذي يشكّله حزب العمال الكردستاني في عفرين وفي مناطق أخرى من سوريا سببًا في بدء العملية، وقد ردّت تركيا  في وقت سابق بالقصف المدفعي على الهجمات المتعددة التي نُفِّذت تجاه مراكز الشرطة أو على نقاط الجيش على الحدود، وأدّت إلى إصابة جنود أتراك أو مقتلهم- منطلقة من عفرين. ويمكن القول إن عملية غصن الزيتون  صُمِّمت أو أُقِيمت بهدف جعل خط الحدود آمنًا من مثل هذه المضايقات، تمامًا كما هو الحال في عملية درع الفرات، إضافة إلى الحاجة الماسّة إلى إبعاد تهديد صواريخ حزب العمال عن المدن الحدودية، مثل كيليس وأنطاكيا.

كانت عفرين تقليديًّا مدينة مهمّة لأيديولوجيا وتعليم حزب العمال الكردستاني، وتسرّب الكثير من  عناصر حزب العمال الكردستاني إلى المناطق الريفية في عفرين، وتدرّبوا في معسكرات الحزب، ومع الفوضى التي خلقتها الأزمة السورية وتحوّل عفرين لتصبح تحت سيطرة حزب العمال الكردستاني- زاد عدد المعسكرات وغيرها من أماكن التدريب قرب الحدود مع تركيا، واستغلالًا للتضاريس الوعرة على الحدود بين تركيا وعفرين تبنى حزب العمال إستراتيجية للتسلّل إلى تركيا من هذه المنطقة. وقد اُشِير لسنوات عديدة إلى حزب العمال الكردستاني في عفرين، وفي القرى الريفية، وإلى استفادة الإرهابيين من الجبال في منطقة حسا في هاتاي، ومنها إلى منطقة الأمانوس في فترات لاحقة. بدأت هذه العمليات تتم من منطقة إصلاحية، وأصبحت نقاط التسلّل هذه هي الموقف الحرج لإستراتيجية الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط، حيث استمرّ حزب العمال الكردستاني منذ سنوات عديدة وبفضل عمليات التسلّل هذه في شنّ العديد من الهجمات الإرهابية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، ولاسيّما في مقاطعة هاتاي.

يهدّد جزء من عمليات التهريب المذكورة الأمن الداخلي لتركيا، ويتجاوز بعض مصادر التهديد حدود تركيا، حيث نفّذ حزب العمال الكردستاني عدة هجمات إرهابية في تركيا، خصوصًا في السنوات الأخيرة، منها الهجوم على رئاسة الأركان الذي تبيّن أنه كان له علاقة بالحزب في عفرين، وعندما دُرِست هذه الهجمات، اتّضح أن الإرهابيين قد تسلّلوا من عفرين، وأن المتفجرات قد تسرّبت من عفرين، أو أن الإرهابيين تدرّبوا على الأسلحة والمتفجرات فيها. ويبدو أن آخر عملية ذات صلة بين الأعمال الإرهابية وعفرين هو الهجوم على مكتب الضرائب في أنقرة قبل أسابيع قليلة. وكذلك تتجاوز بعض أبعاد التهديد حدود تركيا، فالمشكلة هي استخدام هذه النقاط الانتقالية لتهريب البشر والمخدرات، حيث يُعدّ حزب العمال الكردستاني في عفرين وسوريا أحد الأطراف الرئيسة في تجارة المخدرات وتهريب البشر إلى أوروبا، وبعبارة أخرى، إن أحد أهم أسباب الهجرة غير الشرعية في سوريا هو مهربو حزب العمال الكردستاني. والأسوأ من ذلك أنه مع بدء تفكّك داعش في سوريا والعراق بدأ مسلحو داعش بالبحث عن طرق للانتقال خارج سوريا، وقد ساعدهم مهربو حزب العمال الكردستاني في عملية التهريب إلى تركيا وأوروبا، وحافظ حزب العمال على علاقاته مع الوسطاء في الطرق الوعرة، ومع المهربين على الحدود التركية مع عفرين، ولايزال هذا الاتّجار غير المشروع مستمرًّا.

وكما ذُكِر آنفًا، لا ترى تركيا أن الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني في سوريا مسألة سورية صرفة، فالتمكين له هناك له عواقب مباشرة على سوريا وتركيا معًا، ويستخدم حزب العمال الكردستاني الأفراد ويحرّك الأموال والأدوات والمعدات والمكاسب المالية باسم وحدات الحماية في سوريا، من أجل توسيع نطاقه وتأثيره، كما هو الحال مع أسماء أخرى مختلفة. 

وعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون تأثير وحدات حماية الشعب مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بإستراتيجية (الخنادق) التي نفّذتها المجموعات الفرعية لحزب العمال الكردستاني في مدن مثل جزرة، ونصيبين، وسور، حيث ينقل حزب العمال الكردستاني تجربة حرب سوريا إلى المدن التركية، ويدرّب الإرهابيين للعمل في المدن التركية، كما أن جميع المتفجرات المهربة إلى تركيا جاءت من سوريا. وقد خلق هذا الوضع حالة لا يمكن لتركيا أن تغضّ معها الطرف عن تجسيد بيئة آمنة في عفرين لحزب العمال الكردستاني.

ومن بين الدول التي لها نفوذ في سوريا، هناك خلافات في الموقف حول الحفاظ على وحدة أراضي سوريا، لكن تركيا من خلال التركيز على حماية وحدة أراضي سوريا منذ البداية كانت من بين البلدان التي أكّدت أنّ هذا أولوية لها، وبهدف منع وقوع هجمات على تركيا من الحدود السورية بسبب غياب السلطة الشرعية أطلقت تركيا عملية غصن الزيتون، وهي لا تمسّ سلامة أراضي سوريا؛ بل تهدف إلى توفير الأمن على الحدود التركية، وقد أكّدت تركيا عدم  نيّتها ضمّ أيّ أراض سورية؛ بل إن هدفها هو القضاء على الهجمات الإرهابية  التي تمتد إلى أراضيها بسبب الفوضى في سوريا.

والنقطة الأساسية هنا هي أن المفاوضات السياسية يمكن أن تشكل هيكلًا مشروعًا يكفل أمن هذه المناطق. ويعدّ قيام تركيا بتطهير المنطقة من حزب العمال أو داعش خطوة مفيدة لوحدة الأراضي السورية، بل إنه من الممكن عدّ هذه الخطوة مهمّة من جهة الحفاظ على وحدة أراضي سوريا؛ لأن تفكيك هيمنة المنظّمة الإرهابية التي يعدّها العديد من الأطراف الفاعلة، من المعارضة وحتّى نظام الأسد- مجموعة (انفصالية)؛ لهذا فإن عملية غصن الزيتون من أكبر العقبات أمام التقسيم.

خريطة طريق تركيا

باختصار، تهدف تركيا من خلال عملية غصن الزيتون إلى إنهاء تهديدات حزب العمال الكردستاني التي تشكّل تهديدًا للأمن القومي التركي بإنهاء قوة حزب العمال في عفرين ومنع عمليات التهريب، وهي بذلك تُسهم في المحافظة على وحدة أراضي سوريا، وفي هذا السياق تتبع تركيا ثلاث إستراتيجيات متزامنة قبل السيطرة على المناطق المأهولة.

تطهير خط الحدود

من أجل الحدّ من تهديد حزب العمال الكردستاني المنطلق من عفرين، سواء الهجمات الصاروخية أم عمليات التهريب- بدأت تركيا عملية التطهير لهذا الحزب على خط الحدود من منطقة عفرين، ومنذ بدء العمليات وحتى الآونة الأخيرة، لايزال حزب العمال الكردستاني يواصل هجماته الصاروخية على المدن الحدودية التركية، مثل كيليس، والريحانية، وكِيرك هان، وقد تسبّبت في مقتل أكثر من 10 مدنيين. وتسبّبت الصواريخ التي أُطلِقت تجاه المنازل، والمحال التجارية، وحتى المساجد في قتلى وجرحى، ولمنع هذا، بدأت تركيا العمليات ضد حزب العمال الكردستاني من أربع جبهات رئيسة، وبدأت العمليات من منطقة بلبل شمال عفرين، وتسعى الجبهة الممتدّة من إعزاز إلى ميدان إكبس إلى توفير الأمن لمنطقة كيليس.

تتميز منطقة راجو قبالة منطقة كِيرك هان في هاتاي بتضاريس وعرة، كما هو الحال في الشمال، وعلى الجانب الأكثر تحدّيًا من راجو، كان حزب العمال الكردستاني يجري عمليات التسلّل والهجمات ضدّ  القوات التركية والجيش السوري الحر من خلال الأنفاق والمواقع والملاجئ التي أُعِدّت منذ سنوات عديدة، وقد أُمِّنت خلال العمليات حدود كِيرك هان مع عفرين من خلال تطهير المناطق المجاورة لمدينة راجو. وأخيرًا، فإن جبهة جندريس الواقعة عند مدخل الوادي الممتدّ إلى مركز مدينة عفرين تتعلّق مباشرة بسلامة منطقة ريحانلي في هاتاي، وقد نُظِّف هذا الجانب من خط الحدود من حزب العمال، ولا يوجد حاليًّا وجود له على طول خط الحدود.

الاستيلاء على النقاط الحاكمة

تتكون تضاريس المنطقة الحدودية خصوصًا من التلال والجبال الممتدة، ومن أجل تطهير خط الحدود من حزب العمال الكردستاني وإحراز تقدم تُتَّبع إستراتيجية الاستيلاء على النقاط المهيمنة أولًا، وقد حظي الاستيلاء على النقاط المهيمنة والنقاط الإستراتيجية، مثل بورصايا ودارمك وراجو وساري كايا أهمية كبيرة من حيث تقدّم عملية غصن الزيتون، وشكّلت الأبراج والجدران والملاجئ والأنفاق التي أُنشِئت في هذه المرحلة إستراتيجية الدفاع الرئيسة لحزب العمال الكردستاني، ومع الاستيلاء على هذه النقاط الحرجة، فإن الانخفاض في المقاومة العامة لحزب العمال الكردستاني حدث بشكل كبير، كما أن مقاومة الحزب الذي حاول الدفاع عن طريق التنقل من الأنفاق كما ذُكِر آنفًا، عانت أيضًا أضرارًا جسيمة بالمعنى التقليدي.

 تكتيك الهلال

يهدف تكتيك الهلال الذي يُطبَّق في عملية عفرين إلى تطويق حزب العمال الكردستاني، ويمكن أن ينظر إليه بوضوح من خلال خريطة السيطرة. فمن الممكن أن نتحدث عن هلال كبير، وثلاثةِ أهلّة أصغر منه، أمّا الهلال الأطول أو الأكبر فهو الذي يحيط بالحدود بين تركيا وعفرين. ومع الوقت ستُضيَّق المنطقة الوحيدة في عفرين، التي ترتبط الآن بالعالم الخارجي من خلال الأراضي التي يسيطر عليها النظام.

إن عملية مطار منّغ ومنطقة تل رفعت لديهما القدرة على الحدّ من تدفق الخدمات اللوجستية من القرى الشيعية، مثل نُبّل والزهراء، كما  أن إنشاء الهلال الكبير مهمّ من حيث ضمان الارتباط البري بين عناصر الجيش الحر في إدلب وفي مناطق درع الفرات ورغم أنه قد يُنظَر إلى عدم وجود صلة مفيدة، ولكن مع توسّع هذا الهلال، فمن الممكن الجمع بين قطعتين منفصلتين من الأراضي بطريقة مفيدة، ومن الممكن أيضًا أن نتحدّث عن الأهلّة الثلاثة الصغيرة التي أُنشِئت في وقت واحد مع الهلال الكبير. وقد شكّلت حول مناطق جندريس، وراجو ومركز مدينة عفرين، فضلًا عن المدن المحيطة بها، التي يوجد بها سكان، ويبدو أن القوات المسلحة والجيش الحر على وشك بدء العمليات في المناطق المأهولة، بعد أن  سيطرت على النقاط المهمّة والقرى والأقضية حول هذه المدن.

مراكز المدن

تتكون عفرين من بلدات وقرى متناثرة ومتباعدة عن بعضها؛ أي السكّان متوزّعون في جميع أنحاء المدينة، مع ملاحظة وجود تركيز في مركز المدينة، وفي مناطق راجو وجندريس، وبحسب إستراتيجية عملية غصن الزيتون فإنّ هذه المراكز ستُطهَّر من حزب العمال الكردستاني، لكن قبل هذه المرحلة لابدّ من تأمين السيطرة على المناطق المذكورة آنفًا، حيث إن المراكز الثلاثة المذكورة مأهولة، ومحاطة بمرتفعات، ومن المعلوم أن السيطرة على المناطق المأهولة بدون تأمين المناطق المجاورة لها أمر صعب جدًّا، ولاسيّما أن حزب العمال الكردستاني أعدّ في مراكز المدن مواقع ومنازل تحتوي على أنفاق للتنقل خلال المعارك، وتُعدّ المنطقة السكنية ميزة لحزب العمال الكردستاني؛ لأن استخدام تركيا للقوات الجوية سيكون مقيدًا، بسبب خشية تركيا من تعرّض المدنيين للخطر، كما أن  حزب العمال الكردستاني أيضًا لديه سجّل حافل جدًّا  في استخدام المدنيين دروعًا بشرية.

الديناميكية الجديدة والتوقعات

بمراعاة الأسباب التي دعت إلى بدء عملية غصن الزيتون فإن انعكاسات وتوقعات العملية على حد سواء ستكون واقعة ومؤثّرة في تركيا وسوريا، ومن الواضح أيضًا أن هذه التوقعات مترابطة؛ لأن ما وقع في الساحة السورية على مدى السنوات السبع الماضية أثّر بشكل مباشر في التطورات التي تحدث في تركيا ولايزال ذلك مستمرًّا.

إن توقع تركيا الرئيس من عملية عفرين هو إزالة العناصر الإرهابية من منطقة الحدود، كما هو الحال في درع الفرات، وإحباط إمكانيات حزب العمال داخل تركيا كما حدث مع داعش، وبالطبع يُراعَى مع هذا اختلاف نطاق ودرجة التهديد بين حزب العمال الكردستاني وداعش؛ لأن الحزب  على عكس داعش في تركيا لديه تاريخ طويل جدًّا، ولديه وجود وهيكلية وقدرات تشغيلية أيضًا، متباينة تمامًا عما لدى داعش. ومع ذلك، فإن منع التسلّل والتدريب العسكري الذي يجري على الحدود، وكذلك تأمين الحدود، كل ذلك يشكّل تطورًا مهمًّا في حدّ ذاته. وسوف يكون لذلك تأثير مباشر في أمن الدول الأوروبية. ومن خلال السيطرة على نقاط التسلّل هذه، ستُمنَع التجارة بالبشر والمخدرات، ووقوع هجمات إرهابية محتملة، وستحمل هذه الخطوة، توصيف أكبر معركة ضد حزب العمال الكردستاني على الحدود، وسيتلقى ضربة كبيرة، ولاسيّما في جبال الأمانوس.

وهناك أيضًا قدر كبير من الأهمية لتطهير عفرين من حزب العمال الكردستاني، وربط مناطق درع الفرات مع إدلب، وإنشاء مناطق آمنة بحكم الأمر الواقع، حيث كانت معالجة تنفيذ فكرة منطقة آمنة تتم منذ فترة طويلة، ويعدّ وجود منطقة آمنة مهمًّا لتجنّب اضطرار السوريين إلى الخروج من البلاد، ولعودة الذين اضطروا إلى اللجوء، وسوف تكون هذه المقاربة قادرة على كسب المزيد من الصحة، مع اندماج هذه المناطق. في الواقع، أَسّست عملية درع الفرات في خط  جرابلس- إعزاز منطقة آمنة بحكم الأمر الواقع، يمكن أن يمثّل هذا مع منطقة عفرين نموذجًا جيدًا في هذا المجال، كما أن عودة سكّان هذه المنطقة الذين يُقدَّر عددهم بحوالي 100 ألف مهمّ جدًّا من أجل حماية التركيبة السكانية في سوريا، ومهمّ من حيث إيجاد حلّ دائم لمشكلة اللاجئين التي تهمّ العالم كلّه. وفي هذا السياق فإن من أهداف عملية غصن الزيتون عودة سكان عفرين الأكراد والعرب والتركمان الذين اضطرُّوا لمغادرة بيوتهم وتركها بسبب اختلافهم مع حزب العمال الكردستاني، وبخاصة الكثافة العربية التي كانت بين خط منغ- تل رفعت.

وفي الإطار الأوسع، تعدّ عملية غصن الزيتون دينامية جديدة، وعاملًا جديدًا مغيّرًا لقواعد اللعبة في ظل وجود العديد من الجهات الفاعلة ذات الأجندات المتضاربة في شمال سوريا، ففي بداية الأزمة ومع قيام نظام الأسد بتسليم عفرين، وكوباني والحسكة لحزب العمال الكردستاني حدثت تحولات كبيرة.

وبعد معارك عين العرب (كوباني)، وبسبب تحالف الولايات المتحدة مع حزب العمال الكردستاني استولى الحزب على مساحات كبيرة من الأراضي، وتلقّى دعمًا كبيرًا من المعدات العسكرية والتدريب، وقد وضع الحزب خطط الحكم الذاتي والانفصال موضع التنفيذ، وفي نهاية المطاف، فإن العلاقة التي أقامتها الولايات المتحدة مع حزب العمال الكردستاني أدّت إلى تعزيز قدرته على المساومة، فبالنظر إلى الغرب من نهر الفرات نجد أنّ القوى الفاعلة هناك هي النظام وروسيا وإيران، وفي شرق النهر أصبحت الولايات المتحدة هي المهيمنة، ولهذا فإن الحدود السورية مع تركيا لم يعد يتحكم بها  نظام الأسد، بل إن الذي يتحكم في معظمها هو روسيا والولايات المتحدة وإيران.

 إن عملية غصن الزيتون لها هدفان قد يبدوان متناقضين، لكنهما ليسا كذلك، أولهما هو منع روسيا والولايات المتحدة وإيران وحزب العمال الكردستاني من التعدّي أو المسّ بالأمن القومي التركي، وتعدّ تركيا خط حزب العمال الكردستاني على هذه الحدود تهديدًا طويل الأمد لتركيا، حيث إن حزب العمال الكردستاني في سوريا يديره فرع حزب العمال الكردستاني التركي، والمسؤولون معنيون بأجندة تركيا أكثر من أجندة سوريا، ولابد لنظام الأسد ألا يسمح لحزب العمال بالسيطرة على المناطق الغنية في شمال سوريا، وحتى لو كان الطرفان مشغولينِ بصراعات مختلفة فإن الدعم الأمريكي لحزب العمال يجعل المنافسة بين نظام الأسد وحزب العمال أمرًا لا مفرّ منه، أما الهدف الثاني فهو حماية سلامة ووحدة أراضي سوريا واستقرارها الاجتماعي، حيث إن تركيا لا تريد حدوث تقسيم مناطقي وديموغرافي في سوريا.

إن تحقيق ضمانات بعدم تهديد تركيا للأراضي السورية وتطهير المنطقة من الإرهاب سوف يكون مؤهلًا للتحوّل السياسي من خلال هياكل مشروعة. فلا توجد هناك خطة لتوسيع حدود تركيا، أو التفكير بوجود دائم في سوريا، حيث إن عملية غصن الزيتون في نهاية المطاف، تهدف على حد سواء إلى حماية وحدة أراضي سوريا وتحصين أمن الحدود التركية.

ردود الفعل الدولية

يبدو تحليل عملية غصن الزيتون ممكنًا من زاوية العلاقة التي تحكم النظام السوري بأهم ثلاث قوى دولية، وبالرغم من كون الأرض التي تجري عليها المعركة سوريةً إلّا أن النظام السوري فقد عنصر السيادة عليها منذ عام 2012، حيث تسيطر على عفرين مجموعات شبه عسكرية تابعة لحزب العمال الكردستاني وقوات شعبية وعسكرية أخرى، وتخضع المناطق الداخلية والحدودية في عفرين لسيطرة تلك المجموعات. 

كما أن عفرين تُديرها سلطة انشأها حزب العمال الكردستاني، في منطقة عدّها الحزب واحدة من الكانتونات الخاضعة له، وبالنظر للمسألة من هذه الزاوية، يظهر جليًّا أنه لا توجد صلة بين عملية غصن الزيتون وسيادة النظام السوري على الأرض، فالنظام يفتقد للسيادة هناك.

 وبالتوازي مع غياب سيادة النظام السوري على الأرض، يمارس العمال الكردستاني حكمًا ذاتيًّا يتمظهر في إجبار الناس على الالتزام بمبادئه الإيديولوجية، وسعيه للإشراف على الأعمال كافة من الشؤون الخدمية حتى أنظمة التدريس، لفرض حالة من الهيمنة تضمن له نفوذًا لا يُضاهى.

وفيما يعمل النظام السوري لاستعادة السيطرة على عفرين من خلال التفاهم مع العمال الكردستاني، ساعيًا لبسط سيطرته مجددًا على الأراضى التي تخلّى عنها في عام 2012 بدون قتال لمصلحة العمال الكردستاني- فإن التحول الذي طرأ على العلاقات بين حزب العمال الكردستاني والولايات المتحدة الأمريكي يحول دون قدرة حزب العمال الكردستاني على إجراء مثل هذه الاتفاقات مع النظام السوري في الوقت الحالي.

وبالنظر إلى الخسائر الكبيرة التي لحقت بحزب العمال الكردستاني منذ بدء عملية غصن الزيتون، ظهرت ملامح حالة من التفاهم بين الحزب والنظام السوري، غير أن ذلك لم يُفضِ إلى إحداث تغيير في قواعد اللعبة على الأرض، وحتى لو أن عددًا من المجموعات الشيعية التابعة للحرس الثوري الإيراني والميليشيات العسكرية الأخرى التابعة للنظام انتقلت إلى عفرين، فإن ذلك لا يعني أن حزب العمال الكردستاني تخلّى عن عفرين لمصلحة النظام، أو أن النظام قد فرض سيطرته على الأرض، وسبب ذلك عدم التفاهم الحاصل بين النظام والعمال الكردستاني، إضافة إلى عدم قدرة النظام على التضحية بمزيد من قواته في مواجهة الجيش التركي والجيش السوري الحرّ، وبغضّ النظر عن حالة الغضب التي تعتري النظام السوري من العملية التركية في عفرين فإنه لا يمتلك المقومات والقدرة على مواجهة تركيا في الوقت الحالي، فهو يقاتل على عدة جبهات في سوريا، وعلاوة على ذلك، فإن النظام يعتقد أن إخضاع تركيا لحزب العمال الكردستاني قد يحقّق له فوائد على المدى البعيد، بالنهاية، سيتضرر حزب العمال الكردستاني باعتباره حزبًا انفصاليًّا من هذه المواجهة مع تركيا، وفي الوقت الذي ستحصل فيه مواجهة بين النظام وحزب العمال الكردستاني سيجده في موقف أكثر ضعفًا.

وينبغي تأكيد أن روسيا تُعَدّ أهم القوى الفاعلة في قضية عفرين، فالروس كان لهم وجود عسكري- وإن كان رمزيًّا- في عفرين حتى انطلاق عملية غصن الزيتون، وكان الوجود العسكري الروسي وسيطرته الجوية على الأجواء من الأسباب التي أدت إلى تأخر انطلاق عملية عفرين، وقد حافظ الروس على علاقة خاصة بحزب العمال الكردستاني اختلفت عن علاقة الأخير بالولايات المتحدة، وظهر سعي الروس في محاولة منع ذهاب ورقة الأكراد بصورة كاملة إلى يد الولايات المتحدة، وأعطى تفاهم الكردستاني مع النظام السوري إشارة إلى احتمالية أن يكون لحزب العمال الكردستاني دور سياسي.

غير أن هناك معطيينِ قادا إلى تحولات في سياسة روسيا حيال حزب العمال الكردستاني، الأول يكمن في عدم تخلّي حزب العمال الكردستاني عن عفرين للنظام، والثاني في إفشال حزب العمال الكردستاني للوساطة الروسية.

وقد أخذت روسيا موقفًا مناهضًا للعمال الكردستاني، لعدم تجاوبه وعدم اقتناعه بالتفاهم مع النظام السوري في عفرين التي طالما حافظت على نفوذ واسع فيها، وتولدت قناعة لدى الروس أن الولايات المتحدة عزّزت من نفوذها وتأثيرها في العمال الكردستاني، وأن الحزب سيأخذ حيزًا أكبر في التماهي مع السياسات الأمريكية، ومن ثم خرج سيرغي لافروف محذّرًا من قيام الولايات بالنيل من وحدة الأراضي السورية من خلال حزب العمال الكردستاني، ونتيجة لهذه التطورات فإنه جرى فتح المجال الجوي أمام الطائرات التركية في عفرين، بأخذ الموقف التركي الممتعض من الولايات المتحدة لدعمها الكردستاني بعين الاعتبار.

وأسهم الحراك التركي الروسي المشترك حول مناطق خفض التصعيد في إدلب وجنوب حلب في الوصول لهذا التغير في التموضع الروسي، ويرى الروس خلافًا للإيرانيين والنظام السوري أنه قد حان الوقت للحلّ السياسي في سوريا، مقتنعين بأن إطالة أمد التواجد العسكري سيقود إلى مزيد من الخسائر.

ويعتقد الروس أنهم حقّقوا جميع الأهداف الإستراتيجية من تدخلهم العسكري في سوريا، وهو ما يستدعي استمرارهم في السعي لترسيخ إنجازاتهم العسكرية بتحويلها إلى حلول سياسية، وعليه فهم يرون بأن لتركيا نفوذًا لا نظير له على المعارضة السورية ومواصلة الحوار معها يمثّل ضرورة لديمومة الحل السياسي.

وخلافًا للموقف الروسي، لا تنظر إيران بارتياح إلى الحلّ السياسي رغم كونها جزءًا من مباحثات أستانا، ويظهر التباين بين روسيا وإيران أيضًا، في اعتقاد الأخيرة أنها لم تتمكن من ترسيخ مكاسبها في سوريا، كما تبدو إيران متحمّسة لاستمرار العمليات العسكرية، ومهاجمة قوى المعارضة العسكرية، ولاسيّما أن المناطق والقرى الشيعية التي توليها اهتمامًا خاصًّا مثل الفوعة وكَفْرَيّا ونُبّل والزَّهراء لا تزال واقعة تحت التهديد.

وعلى الرغم من عدم وجود تحولات حادّة في هذا الاتجاه، إلا أن العلاقات بين روسيا وإيران تحمل في بعض جوانبها قابلية للاصطدام والتنافس، ومن الأمثلة على ذلك، توجيه إيران أشدّ الانتقادات إلى تركيا بسبب عملية غصن الزيتون في عفرين، في الوقت الذي أعطت فيه روسيا الضوء الأخضر للعملية بموافقتها على استعمال تركيا للمجال الجوي.

ويُبدي الإيرانيون تخوّفًا من تعرّض مكتسباتهم للخطر في ظل مساعي تركيا للسيطرة على قواعد اللعبة في المنطقة الممتدة بين شمال حلب وإدلب من خلال عملية غصن الزيتون؛ لذا فالحاصل أن ديناميات الصراع في شمال غرب سوريا ستشهد تحولات جذرية بربط المناطق التي يجري تطهيرها من العمال الكردستاني في عملية غصن الزيتون جغرافيًّا بتلك التي جرى السيطرة عليها في عملية درع الفرات، إضافة إلى إيقاف حالة التمدد الإيراني من خلال مناطق خفض التصعيد.

وقد واصلت إيران انتقاداتها شديدة اللهجة لعملية غصن الزيتون، إذ تعتقد أن سيطرة تركيا وقوات الجيش السوري الحر على عفرين ستترك آثارًا سلبية على مناطق نُبُّل والزهراء، وستُفضي إلى ضرب قدرة مناطق الفُوعة وكَفْرَيّا الدفاعية، يضاف إلى ذلك العلاقة التي تجمع إيران وحزب العمال الكردستاني منذ سنوات طويلة.

وعلى خلفية المواجهات مع حزب العمال الكردستاني في عفرين، وعلى الرغم من أنها لم تعط ردة فعل مباشرة (واضحة) فإن الولايات المتحدة انتقدت عملية غصن الزيتون بحجة أنها تبعد التركيز عن مواجهة داعش.

وقد صرّحت الولايات المتحدة أن عناصر وحدات الحماية التي تحصل على دعم عسكري من الولايات المتحدة أستفقد الدعم في حال تحركت باتجاه عفرين، لكن على الرغم من حدوث هذا التحرك عمليًّا لم يحصل أي تغيير بشأن الدعم على أرض الواقع، كما صدرت من الولايات المتحدة من جهات مختلفة ردّات فعل مختلفة ومتضاربة حول العملية .

أدّت عملية غصن الزيتون دورًا مهمًّا في كشف إستراتيجية الولايات المتحدة السطحية، ونهجها قصير المدى، وقد أثبتت أن الإستراتيجية التي كانت متّبعة فترة رئاسة أوباما لاتزال مستمرة في رئاسة ترامب، حيث إن ترجيح الولايات المتحدة للعمليات العسكرية قصيرة المدى أثّر في النظر والتفكير في إستراتيجيات أخرى بعيدة المدى كان لها تأثير كبير في العلاقات الأمريكية التركية؛ لأن الدعم العسكري الذي قُدِّم لوحدات الحماية التي تعدّها حتى الولايات المتحدة الأمريكية ممثّلًا لحزب العمال الكردستاني PKK  في سوريا- لم يؤثر في العلاقات الثنائية مع تركيا فحسب بل يشكّل مشكلة حقوقية لأميركا .

على الرغم من أن الولايات المتحدة تذرّعت طويلًا بقولها إنّ "وحدات الحماية وحزب العمال منظمتان مختلفتان" إلا أن عملية غصن الزيتون أثبتت من جديد عكس ذلك، وفي النقطة التي وصلنا إليها يبدو أن هذه الحجة (الذريعة) قد ضعفت حتى بالنسبة للولايات المتحدة، وحلّت محلّها حجة أخرى هي أنه "بإمكاننا فصل وحدات الحماية عن حزب العمال الكردستاني"، ومن ناحية أخرى فتحت عملية غصن الزيتون باب التساؤل عن الاتفاق بين الولايات وحزب العمال الكردستاني، ولهذا عدة أسباب:

منها اختلاف الرأي القائم حول مشروعية العلاقة مع حزب العمال بين البنتاغون ووزارة الشؤون الخارجية، وما يسبّبه ذلك من مشكلات حقوقية جعلت صوت التساؤلات القائمة عن شرعية هذا الدعم لحزب العمال يرتفع، كما أن حقيقة أن الدعم العسكري يحتوي على أسلحة ثقيلة تُستَخدم ضد دولة مثل تركيا التي هي من دول حلف الناتو- عمّق القلق تجاه مشروعية هذا الدعم في واشنطن.

ومن أسباب التساؤلات والتحقيقات بشأن هذا الاتفاق القائم مع حزب العمال- القوة العسكرية التي أبدتها تركيا وبيّنت مصاعب استمرار حزب العمال الكردستاني بكفاءة في سوريا ما بعد داعش.

بنت الولايات المتحدة توقعاتها حول المعركة بين تركيا وحزب العمال على أساس أن تركيا لن تقوم بتحرّك أو عملية عسكرية في عفرين، فالتجهيزات في الجيش التركي، وفكرة أن المجال الجوي الروسي لن يُفتح للطائرات النفاثة التركية- أدّتا دورًا كبيرًا في هذه التوقعات، لكن مشاركة عدد كبير من طائرات F-16  في العملية، والتحركات العسكرية عالية المستوى، وانضمام عدد كبير من محاربي الجيش السوري الحر، إضافة إلى عدم ظهور أي فعالية من قبل الوحدات أسهم في حصول بعض التغييرات لتصوّر تركيا عند الولايات المتحدة. لذلك بدأت في واشنطن  خلال مناقشات المسألة التركية قبول فكرة أن لتركيا في شمال سوريا تحركًا لا يمكن تجاهله أو التنصل منه، وأن تأمين الاستقرار مع حزب العمال على المدى البعيد ليس ممكنًا، وأنه لم يعد ممكنًا بواسطة عامل خارج الدولة، بل يجب أن يتم عن طريق الدولة التركية .

وقد تمت خلال أسبوع واحد زيارة مستشار الأمن القومي ماكماستر، ثُمّ زيارة وزير الخارجية تيلرسون إلى تركيا، ثم لقاء وزير الدفاع الأميركي بوزير الدفاع التركي لبحث قضية تركيا.

ورغم أن الولايات المتحدة أوضحت رؤيتها لموضوع العلاقات مع سوريا وحزب العمال الكردستاني لكن يبدو أنها لم تصل إلى موقف يطمئن تركيا تجاه ذلك، حيث إن عملية غصن الزيتون تحمل أهمية كبيرة من ناحية تأثيرها في الولايات المتحدة بشأن علاقتها مع وحدات الحماية والوصول إلى آليات لتطوير العلاقات مع تركيا .

الخاتمة

تحاول تركيا التي عطّلت محاولة حزب العمال الكردستاني المدعوم من الولايات المتحدة- إقامة دُويلة تمتدّ على طول الحدود التركية من خلال قيامها بعملية درع الفرات، ثم عملية غصن الزيتون- الحفاظ على استمرار هذا الوضع الذي يمنع تحقيق هدف حزب العمال الكردستاني.

وتسعى تركيا على المدى البعيد إلى التصدي لمساعي حزب العمال المتمثّلة في تفكيك وحدة الأراضي السورية، والوقوف في وجه تركيا، مستعينًا بالدعم العسكري من الولايات المتحدة وغيرها من الدول، أما هدف تركيا القريب فهو القيام بعملية عسكرية في مواجهة الإرهاب تصل نتائجها الإيجابية إلى خارج تركيا كذلك؛ لأن تطهير الخطوط الحدودية من العناصر الإرهابية يُنتظر منه أن يؤدي إلى تأثير شبيه بدرع الفرات في حماية الحدود والوقوف في وجه عمليات التسلل، وتهريب البشر والمخدرات. إن عملية غصن الزيتون ليست العملية الأولى لتركيا في مواجهة حزب العمال الكردستاني، ولن تكون الأخيرة.

وفي الوقت الذي تستمر فيه العمليات العسكرية في مواجهة حزب العمال الموجود بكثافة على خطوط الحدود وشرق الفرات ستُكَثَّفُ المباحثات السياسية الدولية بشأن ما بعد عفرين، وسيُقلّل وجود حزب العمال الكردستاني إلى الحد الأدنى في عفرين، وسيُجبَر على الاستسلام، ويُنتظَر من ذلك أن يخلق (تأثير الفراشة) في شمال سوريا.

إنّ إتمام عملية عفرين سيُثبِت بشكل ناجح أن سياسة الولايات المتحدة تُجاه كلّ من سوريا وحزب العمال غير قابلة للاستمرار على هذا الشكل، وسيُجبِر هذا الوضع الولايات المتحدة على إجراء حوارات أقرب مع تركيا، أما بالنسبة لروسيا فستحاول تحويل عفرين إلى باب للحوار بين تركيا ونظام الأسد، وعلى كل الأحوال فإن عملية عفرين تمتلك مساحة من التأثير قادرة على تحويل النتائج على الطاولة السياسية، وفي الوقت الذي سيحاول نظام الأسد غضّ الطرف عن إبعاد حزب العمال إلى شرق الفرات على خلفية هزيمة عفرين، فإنّ إيران ستستمر بالنظر إلى سوريا من المنظور الأمني؛ بسبب الفجوة الأمنية التي تشكلت في نقاط حساسة بالنسبة لها. 

 

 

 

 


ملصقات
 »