رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

بحث إقليم شمال العراق عن الاستقلال

تتناول هذ الدراسة التوازنات الداخلية في حكومة إقليم كردستان، في العملية التي أدت إلى قرار الاستفتاء، إضافة إلى العلاقات بين أربيل وبغداد، كما تناقش موقف كل من تركيا وإيران، وتتناول أيضًا موقف الجهات الدولية الفاعلة من الاستفتاء.

بحث إقليم شمال العراق عن الاستقلال

ملخص أدّى استفتاء إقليم شمال العراق على الاستقلال في 25 أيلول 2017 دورًا مهمًّا في التأثير في سياسات المنطقة بشكل عام وفي السياسات الداخلية للإقليم أيضًا، وعلى الرغم من أن الأحزاب لم تكن ضد الاستقلال بشكل أساسي، إلا أنها اتخذت موقفًا ضد الحزب الحاكم، وانتقدت البرزاني. وعلى الرغم من كل هذا، فقد كانت نسبة التصويت في الاستفتاء مرتفعة، وبدأت المنطقة بعدها في الانجراف نحو أزمات جديدة. وقد تسبب موقف تركيا وإيران والعراق المعارض للاستفتاء في إضعاف موقف حكومة إقليم كردستان، وبخاصة بعد أن تمكنت إدارة بغداد من الحصول على قوة جديدة بعد السيطرة على كركوك. تتناول هذ الدراسة التوازنات الداخلية في حكومة إقليم كردستان، في العملية التي أدت إلى قرار الاستفتاء، إضافة إلى العلاقات بين أربيل وبغداد، كما تناقش موقف كل من تركيا وإيران، وتتناول أيضًا موقف الجهات الدولية الفاعلة من الاستفتاء.

مقدمة                                                                                                                                  

أثّر الاستفتاء الذي نفّذته حكومة شمال العراق في 25 سبتمبر 2017، في عدة أمور، منها: السياسة الداخلية في إقليم كردستان، ومستقبل العراق، وفي سياسة الأطراف الدولية والإقليمية في المنطقة. كما دخلت عملية تمديد ولاية مسعود البرزاني للمرة الثانية منذ 2015 في معضلة خطيرة؛ بسبب المعارضة القوية والسياسية من حركة التغيير (غوران). وإذا أضفنا إلى مساءلة حركة غوران عن شرعية تمديد رئاسة البرزاني بشكل قوّى العبء المالي المترتب على المعركة التي فتحها البشمركة مع داعش، وأزمة الموازنة مع بغداد، والمشكلات المالية المضافة الناجمة عن انخفاض أسعار النفط- فإنه يمكن أن نقول إن الأزمة السياسية في حكومة إقليم كردستان امتدت إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية.

مع إعلان الاستفتاء تغيرت أجندة إقليم شمال العراق، وبدا أن يد البرزاني أصبحت أعلى وأقوى مقابل الحكومة المركزية في بغداد، ومقابل منافسيه في السياسة الداخلية. وفيما بدا أن الأمور أصبحت تتجه لمصلحة حكومة أربيل فقد كان واضحًا أن عملية (الاستقلال) سيكون لها تأثير قوي في مستقبل العراق. وكان واضحًا أن الصراعات على الأراضي المتنازع عليها سوف تسحب العراق إلى أتون أزمة عميقة. ومع ذلك، وبعد الاستفتاء، استعاد الجيش العراقي السيطرة على كركوك في غضون ساعات، وأثبت أيضًا من خلال ذلك إمكانية إدارة واحتواء الأزمات المحتملة. وفي هذه العملية، كانت هناك حاجة إلى نقاشات جديدة حول وضع مناطق الأغلبية السنية، بما في ذلك الموصل. وبالنظر إلى العملية السياسية في شمال العراق، إلى جانب التطورات في المنطقة الكردية في شمال سوريا فإن كلًّا من إيران وتركيا قيّمتا عملية الاستقلال المحتملة في إطار تأثيراتها في السياسة الإقليمية وفي التوازن الداخلي في تركيا وإيران.

وقد اتخذت الجهات الفاعلة المحلية والإقليمية والدولية مواقف مختلفة على أساس أولويات الأمن القومي الخاصة بها، وبناء على أهداف سياساتها الخارجية. وأرادت تركيا ألا تتسبب عملية الاستفتاء على (الاستقلال) في شمال العراق في الإضرار بعمقها الإستراتيجي في حكومة إقليم كردستان من جهة، كما أنها أرادت ألا تتعرض لمخاطر أمنية التي من شأنها أن تضر أمنها القومي وتنعكس سلبًا على الاستقرار في المنطقة. وفيما كانت عملية الاستفتاء تهدّد السياسة في العراق التي لإيران تأثير كبير فيها من جهة، فقد كانت هناك آثار محتملة يمكن أن تؤثر في السياسة الداخلية وفي السكان الأكراد في إيران من جهة أخرى. وعلاوة على ذلك، فإن الاستفتاء على استقلال شمال العراق يؤثّر سلبًا في التحالفات التي أُنشِئت في شمال العراق خلال الحرب الإيرانية العراقية، كما يشكل خطرًا على العمق المفترض في منطقة شمال العراق.

وبينما أيدت إسرائيل فكرة قيام (دولة كردية مستقلة)؛ لأنّها ستكون شريكًا جيدًا لها، فقد انتقدت الولايات المتحدة الأمريكية الاستفتاء من حيث التوقيت، لا من حيث المبدأ. وفيما أظهرت الولايات المتحدة موقفًا ايجابيًّا تجاه الاستفتاء من حيث المبدأ فقد وجدت في حساباتها وفقًا للظرف الزماني أنه مع بداية عملية الاستقلال الكردي سوف تنعكس الأمور إلى موقف سلبي في علاقاتها مع حلفائها في بغداد. ولهذا السبب، ضغطت على إدارة إقليم شمال العراق  للتأجيل لا للتخلي أو التراجع عن قرار الاستفتاء.

تعمل هذه الدراسة -بناء على القضايا المذكورة فيما يتعلق باستفتاء استقلال إقليم كردستان- على فحص الديناميات المحلية والإقليمية والدولية. كما تستعرض الدراسة موقع أكراد العراق ومكانتهم في سياسات العراق منذ غزو العراق، وفي الأزمات المتلاحقة، وصولًا إلى الكيفية التي اتخذوا بها قرار الاستفتاء على الاستقلال. وسوف تُناقَش المواقف من الاستفتاء في الأجندة الداخلية لإقليم شمال العراق، إضافة إلى تقييم مواقف الأطراف الفاعلة في حكومة إقليم كردستان بشكل مفصل. وستُناقَش أيضًا مواقف الأطراف الفاعلة، مثل تركيا وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة، مع الإشارة إلى المواقف والنتائج المحتملة للاستفتاء على هذه البلدان.

العملية المؤدية إلى الأزمة بين أربيل وبغداد

مطلب الأكراد العراقيين

إن الاستفتاء الذي أُجرِي في 25 سبتمبر/أيلول خطوة مهمّة بالنسبة للأكراد العراقيين لتحقيق وضع (الاستقلال) الذي طالبوا به منذ الحرب العالمية الأولى. وقد كان بناء الهوية الوطنية في العراق موضع نقاش عميق منذ سقوط الدولة العثمانية ومع الغزو البريطاني. كما كان موضوع الأكراد موضع نقاش في فترات الانتداب البريطاني، والملكية الهاشمية، وحكم حزب البعث، وقد ثار الأكراد عدة مرات بسبب الوضع الذي قُدِّم لهم في العراق الجديد، ودخلوا في صراع مع الحكومة العراقية المركزية.

وفي عام 1983 وخلال الحرب العراقية الإيرانية ردّ نظام صدام حسين ردًّا عنيفًا على ثورة الأكراد التي هدفت إلى الاستقلال، وقد استخدم النظام البعثي فيما سُمِّي بعملية (الأنفال) السلاح الكيميائي ضد منطقة حلبجة، وما حدث في عام 1991 عندما جرت انتفاضة الشيعة في الجنوب وانتفاضة الأكراد في الشمال ضد نظام صدام- كان بمثابة نتيجة جديدة للأزمة القومية والوحدة الوطنية المستمرة في العراق منذ الحرب العالمية الأولى. وقد تدخلت الولايات المتحدة في الصراع المستمر بين الأكراد العراقيين وقوات النظام البعثي، حيث أعلنت واشنطن منطقة حظر طيران فوق المنطقة الكردية، وبذلك بدأ تشكّل حكومة إقليم كردستان.[1] لكن تدخل الولايات المتحدة لم يسفر بعد عن تحقق استقلال الأكراد العراقيين، بل شهدت هذه المرة حربًّا أهلية بين الأكراد العراقيين أنفسهم، وقد أصبح يُنظَر إلى الأكراد بشكل واضح على أنهم هيكل سياسي غير موحد. ومع ذلك، بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 مُنِح الأكراد في الدستور الذي كُتِب عام 2005 حكمًا فيدراليًّا، وقد عرض الأمريكان ذلك لهم على أنه مقدمة للحرية والاستقلال، ومقدمة للذهاب إلى عملية الاستفتاء التي هي موضع الدراسة في هذا البحث.

وقد أعرب جميع الفاعلين تقريبًا في إقليم شمال العراق عن "أن الدولة الكردية المستقلة هي هدف أساسي، وهي حلم منذ مئات السنين". ولذلك، فإن انتقاد قيادة البرزاني لم يكن على الاستفتاء على (دولة كردية مستقلة) بل على (توقيت إقامة دولة كردية مستقلة)[2]. إضافة إلى ذلك، فإن خطاب (كردستان المستقلة) هو خطاب مقبول عموًما على مستوى التفكير الجمعي للشعب الكردي شمالي العراق، وقد تبنت الجهات السياسية الفاعلة فكرة الاستقلال من أحد أوجهها للحصول على التأييد الشعبي. ولا يمكن للجهات الفاعلة السياسية في إقليم شمال العراق أن تعارض فكرة الاستقلال، حيث إن فكرة الاستقلال مقبولة عمومًا. ولهذا السبب، فإن الاعتراضات على الاستفتاء لا تتعلق بالاستقلال، بل بالتوقيت. وهذا هو السبب في أن الاعتراض الأكثر وضوحًا على استفتاء الاستقلال لم يأت من الجهات السياسية الفاعلة، بل من مبادرة مدنية، مثل (لا للاستفتاء)[3].

وبسبب الحقوق والامتيازات الكبيرة التي حصل عليها أكراد العراق تحت مظلة الدولة العراقية التي قامت بعد الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003- تحولت المشكلات الناجمة عن أزمة  بناء الدولة الجديدة إلى مشكلة حول وضعية الأكراد بين بغداد-أربيل. وبهذه الطريقة أراد الأكراد تحويل مطالبهم بالاستقلال إلى أرضية شرعية. ومن خلال تحالف الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في عام 2005، وخلال كتابة الدستور العراقي أُقِرّ العديد من القوانين واللوائح المختلفة، وأصبح لوحدات الأمن التي أُنشِئت عن طريق مؤسسات الدولة الجديدة دور مهمّ في العديد من المجالات، وأصبح الأكراد من اللاعبين المهمّين في العراق الجديد. ومن بين 55 عضوًا شاركوا في كتابة الدستور العراقي، مثّل الأكراد 15 شخصًا منهم، وهو ما أسهم في تقديم حقوق فدرالية واسعة للأكراد في الدستور[4]، وعزز ذلك من الدور الحاسم للأكراد في العراق بعد الاحتلال. وبعد عام 2003 لم تُنشَأ أيّ حكومة عراقية بدون دعم الأكراد، ومن أمثلة هذا الدور أن المالكي بعد زيارته لأربيل ولقائه البرزاني أصبح رئيس الوزراء العراقي للمرة الثانية.[5]

وقد عُدّت قوات البشمركة جزءًا من الوحدات الأمنية العراقية، ولذلك  تقرر ربط أجورها بالدولة. إلى جانب ذلك، تبوّأ الأكراد في العراق العديد من السلطات المهمّة، ولا يزال هذا أيضًا حتى اليوم؛ فالرئيس العراقي فؤاد معصوم كردي، وكذلك كان نائب رئيس مجلس الوزراء روز نوري شاويش،[6] ونائب رئيس البرلمان إرم شيخ محمد، إضافة إلى وزير المالية ووزير الخارجية من الأكراد، كما أن رئيس الأركان العراقي السابق كان كرديًّا، وهو بابكر زيباري، حتى عزله عن منصبه رئيس الوزراء العبادي في 2015[7]، ومن الأكراد أيضًا في المناصب العليا رئيس هيئة الانتخابات العراقية العليا سربست مصطفى، وبهذا يتضح أن الأكراد تولوا رئاسة العديد من المؤسسات المهمّة  في العراق. لكن حكومة إقليم كردستان العراق بعد غزو العراق لم تهتم بمشكلات الشيعة والعرب السنة والتركمان والمجموعات العرقية والدينية الأخرى، بل حولت قضايا الخطاب إلى موضوع الاستقلال. كما أن الحكومة المركزية العراقية عندما طبقت السياسات الطائفية ولم تعط  للأكراد مراكز في الحكومة المركزية أصبحت من وجهة نظرهم غير فاعلة.

الأزمة بين بغداد وأربيل والاستفتاء

إنّ الدستور العراقي الذي أُقِرّ عن طريق الاستفتاء الشعبي في 2005 أكّد وحدة أراضي العراق بوصفها دولة فيدرالية، واتُّفِق على أنه إذا حدثت مشكلات في التنفيذ في بعض الأماكن فإن الدستور الاتحادي العراقي يُعَدّ أعلى ضامن لوحدة العراق.[8] ومن خلال استحضار الفترة المتبقية في الذاكرة الجماعية حول فترة حكم صدام حسين في الاعتبار، منح الدستور الجديد الأقليات العرقية والدينية حقوقًا واسعة في السياسة وفي الحقوق، مثل حق التعليم باللغة الأم. كما أن سلطات الحكومة المركزية كانت محدَّدة بوضوح في الدستور، أما الأمور غير المحددة ضمن وظائف الحكومة المركزية فقد تُركت لحكم القوانين الإقليمية التي أصبحت متفوقة على قوانين الحكومة المركزية العراقية، التي اتُّفَق على كونها المرجعية في حال وجود أي تناقض. ووفقًا لدستور عام 2005؛ خضعت ثلاث من المحافظات الـ18 في العراق لسيطرة حكومة إقليم كردستان، وأصبح للإقليم جيشه والسياسة الاقتصادية والخارجية الخاصة به.[9] ووفقًا لهذا الدستور؛ "تتمتع مؤسسات إقليم شمال العراق بسلطات تشريعية وتنفيذية عديدة في هذا المجال، ويمكنها إعداد الميزانية الإقليمية، وتنظيم السياسات الأمنية والتعليمية والصحية، ويمكنها إدارة مواردها الطبيعية بما تحمل من الاستثمارات في البنية التحتية. كما يجب ألا يتعارض ذلك مع اللوائح في جميع القرارات الإدارية والقضائية التي سُنَّت منذ عام 1992، إن لم يكن هناك ما يتعارض مع مواد أخرى من الدستور.[10] وقد استغرق الأمر كثيرًا بعد إدارة حزب البعث الفاشلة التي تسببت بجروح عميقة، ثم الغزو الذي أدى إلى صدمة اجتماعية، وهذا بدوره أفرز الكثير من المشكلات في المنطقة، وأعاق تنفيذ بناء دولة الدستور الجديد في العراق. وباتخاذ هذه القضايا ذريعة، لم تف حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية العراقية بمتطلبات النظام الفيدرالي، وأكدت حكومة الإقليم فشل النظام الفيدرالي في العراق، وعملت على دفع أكراد العراق من أجل الاستقلال. وقد انتهك الإقليم شرعية الحكومة المركزية العراقية، وخصوصًا المادة المتعلقة بتنفيذ الفيدرالية، ولم يعد الحديث عن الطريقة التي يمكن أن تكون بها عملية تطبيق الإدارة الفيدرالية أفضل، بل صار الحديث عن ضرورة التباحث حول سيناريوهات الاستقلال.

وكانت عملية بيع النفط إحدى أهم النقاط التي عرقلها النظام الفيدرالي، وهو الذي تسبب في الأزمة بين بغداد وأربيل، وبالرغم من أن الدستور ضَمِن حقّ إدارة أكراد العراق موارد الطاقة في مناطق الحكم الذاتي إلا أنه رأى أنه ينبغي أن يكون الحق السيادي للحكومة المركزية حتى يتم تقاسم الإيرادات بطريقة عادلة، وحتى لا يكون ذلك سببًا في تضرر وحدة أراضي العراق، ولأن ممثلي العرب وممثلي الأكراد لم يتفقوا على حل وسط فقد استُخدِمت لغة غامضة في الدستور، وقد انعكست حالة عدم اليقين بوضوح على تحديد الحقوق السيادية على موارد الطاقة.[11]

وبحسب المادة 112 من الدستور العراقي: أولًا: تُدير الحكومة الاتحادية النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة، على أن توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد، مع تحديد حصة لمدة محددة للأقاليم المتضررة التي حُرِمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق، والتي تضررت بعد ذلك بحيث يؤمن ذلك التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد ويُنظَّم ذلك بقانون. ثانيًا: ترسم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة معًا السياساتِ الإستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز بما يحقق أعلى منفعة للشعب العراقي، معتمدة أحدث تقنيات مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار.

وتقول بغداد إن التعبير (الحالي) في هذه المادة يتعلق بإدارة إنتاج النفط في الآبار القائمة والإنتاج في الآبار المكتشفة حديثًا. ولكن حكومة إقليم كردستان ترى أن كلمة (الموجودة) تعني الآبار التي كانت موجودة قبل كتابة الدستور وفي أثناء كتابته، وأن الآبار الجديدة التي عُثِر عليها في حدود إقليم كردستان لابد أن تبقى إيراداتها في إقليم كردستان. وتستند حكومة الإقليم أيضًا إلى المادة 115 فيما يتعلق "بتفوق الحكومة الإقليمية على سلطة الحكومة المركزية العراقية في المسائل التي لم يتم تعريف دور السلطات الإقليمية المختصة بعد عام 2005"، ووفقًا لهذه الادعاءات فإنه "إذا كانت الحكومة المركزية لا تستطيع الدخول بشكل قاطع في المسائل الخلافية القانونية بين المركز والإقليم فإن الحكومة الإقليمية، يمكن أن تقوم بتعديل هذه القوانين"، ويمكن أن تستند بذلك إلى المادة 121 التي تقول بالنص:

أولًا: لسلطات الأقاليم الحق في ممارسة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وفقًا لأحكام هذا الدستور، باستثناء ما ورد فيه من اختصاصات حصرية للسلطات الاتحادية.

ثانيًا: يحقّ لسلطة الإقليم تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الإقليم، في حال وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الإقليم بخصوص مسألةٍ لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية.

ثالثًا: تخصص للأقاليم والمحافظات حصة عادلة من الإيرادات المحصلة اتحاديًّا، تكفي للقيام بأعبائها ومسؤولياتها، مع الأخذ بعين الاعتبار مواردها وحاجاتها، ونسبة السكان فيها.

رابعًا: تُؤسَّس مكاتب للأقاليم والمحافظات في السفارات والبعثات الدبلوماسية لمتابعة الشؤون الثقافية والاجتماعية والانمائية.

خامسًا: تختص حكومة الإقليم بكل ما تتطلبه إدارة الإقليم، وبوجه خاص إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم كالشرطة والأمن وحرس الإقليم. ومع ذلك، فإن المادة 122، كما عبّرت عنها بغداد، أطلقت العنان لمطالبات حكومة إقليم شمال العراق. وفيما يأتي نص المادة 122:

أولًا: تتكون المحافظات من عدد من الأقضية والنواحي والقرى.

ثانيًا: تُمنَح المحافظات التي لم تنتظم في إقليمٍ الصلاحيات الإدارية والمالية الواسعة، بما يمكنها من إدارة شؤونها وفق مبدأ اللامركزية الإدارية، ويُنظّم ذلك بقانون.

ثالثًا: يُعد المحافظ الذي ينتخبه مجلس المحافظة الرئيس التنفيذي الأعلى في المحافظة، لممارسة صلاحياته التي خوّلها إياه المجلس.

رابعًا: يُنظَّم بقانون انتخابُ مجلس المحافظة، والمحافظ، وصلاحياتهما.

خامسًا: لا يخضع مجلس المحافظة لسيطرة أو إشراف أيّ وزارة أو أيّ جهة غير مرتبطة بوزارة، وله مالية مستقلة.[12]

ومن العوامل المهمّة إضافة إلى مبيعات النفط في إقليم شمال العراق- أزمة الميزانية التي بدأت بين بغداد وأربيل منذ الأيام الأولى، حيث اتهمت حكومة إقليم كردستان حكومة المالكي بتضخيم المبلغ الفعلي الذي سُلِّم إليها، خلافًا للاتفاق الذي تُوصِّل إليه في عام 2005. وعلى الرغم من إبرام اتفاقات قصيرة الأجل بين أربيل وبغداد في عامي 2009 و2011، فإن هذا الوضع لم يكن كافيًا للتغلب على التوترات بين الطرفين. وإضافة إلى ذلك، تسببت الراحة المالية لارتفاع أسعار النفط في تراخي جهود حل هذه القضية. وقد أدى انخفاض أسعار النفط في عام 2014 وسيطرة داعش على مناطق واسعة من العراق إلى جعل أوضاع بغداد وأربيل أكثر صعوبة اقتصاديًّا. وفي مطلع عام 2014، علقت حكومة المالكي مدفوعات الموازنة بسبب عدم قيام حكومة الإقليم بتحقيق التحويلات النفطية المتوقعة في الاتفاقات.

وكان تعليق المالكي لدفعات الميزانية إلى الإقليم نقطة انقطاع مهمّة في الأزمة بين بغداد وأربيل. ومع تعيين حيدر العبادي رئيسًا للوزراء في سبتمبر 2014 وتأثير الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، توصل الجانبان إلى اتفاق. ووفقًا لاتفاق حكومة العبادي مع حكومة الإقليم في ديسمبر 2014؛ ووفقًا للمادة 111 من الدستور أيضًا- تقرر أن المبلغ (العادل) الذي سيُخصّص لأربيل من الميزانية الاتحادية سيستمر بنسبة 17٪ كما هو محدد في عام 2005. فيما ستوقف أربيل إنتاجها المستقل للنفط الذي يصل إلى معدل 550 ألف برميل يوميًّا، الذي سيصبح تصديره تحت تحكّم شركة تسويق النفط الحكومية التابعة لبغداد، غير أن المصالحة بين بغداد وأربيل لم تنجح، إذ أخفقت بدايةً حكومة العبادي في تسليم المبلغ الكامل في الوقت المحدد الذي التزمت به بسبب الأزمة النقدية التي كانت تعانيها، ومن ناحية أخرى واصلت حكومة إقليم كردستان مبيعاتها النفطية المستقلة.

وأدّت أزمة الميزانية بين بغداد وأربيل إلى تعميق الأزمة الاقتصادية التي واجهتها إدارة الإقليم، ولم تقم إداراة الإقليم باستخدام عائدات النفط الكبيرة في أوقات ارتفاع الأسعار قبل عام 2014 من أجل تنويع الاقتصاد، وبقيت معتمدة على النفط،  كما تجدر الإشارة إلى أن عملية إدارة العائدات النفطية اكتنفها الفساد. ومع بروز العديد من المخاطر الأمنية بسبب صعود  تنظيم داعش في عام 2014، إضافة إلى انخفاض أسعار النفط ووقف حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية[13]- وقعت أزمة اقتصادية، واضطرت الحكومة للاعتماد على الديون الداخلية والخارجية، ولم تستطع أربيل دفع رواتب الموظفين العموميين الذين يعملون في المدارس والمستشفيات،[14] كما أن الصعوبات المالية التي انعكست على الجمهور كانت تتسبب في أحداث اجتماعية ومظاهرات وإضرابات. وتتراوح الديون المتراكمة حتى آذار/مارس 2016 بين أربعة عشر وعشرين مليار دولار.[15] ولم تتمكن حكومة الإقليم من الاستفادة من الدعم المالي الذي تلقته الحكومة المركزية من المنظمات الدولية بسبب الخلاف مع بغداد. وباستثناء كركوك، فإن الموارد النفطية الموجودة في حوزة الإقليم لم تكن كافية لتغطية نفقات أربيل وحدها. وإذا أضيفت الودائع في كركوك، يتم الحصول على صافي دخل يقترب من حوالي 375 مليون دولار في الشهر.[16] وبالنظر إلى أن رواتب الموظفين العامين هي 700 مليون دولار شهريًّا، فإن الحكومة لا تستطيع أن تفي بالمتطلبات الاقتصادية للاستقلال.[17]

الاستفتاء في نظر الدستور العراقي

حدث نقاش مركّز حول كون الاستفتاء الذي نظمته حكومة إقليم كردستان دستوريًّا أو لا. أما بغداد فوصفت الاستفتاء بأنه مخالف للدستور. وأنّ البند الأول من الدستور العراقي المعتمد في عام 2005 بعد استفتاء شعبي شارك فيه الأكراد بأغلبية ساحقة- يقول: "إن الجمهورية العراقية دولة اتحادية ومستقلة وذات سيادة كاملة، وتحكمها جمهورية ديمقراطية وبرلمانية ممثلة. وإن دستور العراق هو ضمان لوحدة وسلامة العراق"، وانطلاقًا من هذا النص فإن بغداد التي تعدّ الدستور العراقي ضمانًا لوحدة العراق وسلامة أراضيه ترى أن الاستفتاء مخالف للدستور، وفي إشارة إلى الدستور العراقي قال العبادي في مؤتمر صحفي له في بداية سبتمبر 2017: "الاستفتاء مخالف لاستفتاء الدستور العراقي"[18]، وقال أيضًا إنه وفقًا للمادة 119 من الدستور العراقي فإن الحكومات الإقليمية تُمنح الحق في إدارة المناطق المتمتعة بالحكم الذاتي ولكنها لا تُمنح الحق في المغادرة، وأي استفتاء في أي من المقاطعات العراقية يمكن أن تقوم به فقط الحكومة المركزية العراقية. ووفقًا لبغداد، فإن أي استفتاء لا توافق عليه الحكومة المركزية يعارض الدستور.[19]

وتدافع حكومة إقليم كردستان عن استقلال إقليم كردستان بالقول إن الفيدرالية أخفقت في العراق، وإن الدستور لم يُطبَّق، فضلًا عن  أن الدستور العراقي لا يتضمن مادة تحظر إجراء الاستفتاء. ويستند الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى أطروحة فشل أنظمة إدارة النظام الفيدرالي في الحفاظ على وحدة العراق، إلى جانب ذلك قدم سياسيون أكراد الموضوع من خلال تقييم أسباب تاريخية وفلسفية بالقول من أنه لا يوجد أي حلّ آخر غير الاستقلال.[20]

المناطق المتنازع عليها

كان أحد أهم موضوعات النقاش في العراق قبل الاستفتاء يتركز حول محافظات ديالى وصلاح الدين ونينوى وكركوك، حيث تقع بعض أجزاء من (المناطق المتنازع عليها). وبعد المفاوضات حول هذه الموضوعات في العراق بعد عام 2003، قُدِّم بند حول الأراضي المتنازع عليها في (القانون المؤقت للعراق). ووفقًا لهذا القانون فإن مواجهة التغيرات الديموغرافية الناجمة عن سياسة البعث كان سيتم بعد إجراء التعداد السكاني، وتنفيذ الاستفتاء على الدستور، وكان لا بد من الانتهاء من هذا الأمر في نهاية عام 2007 بناء على المادة 140 من الدستور،[21] وتعرّف لجنة تنفيذ المادة 140 من دستور جمهورية العراق المناطق المتنازع عليها في العراق بأنها تلك التي تعرضت للتغيير الديمغرافي ولسياسة التعريب على يد نظام صدام حسين، وذلك خلال فترة حكمه من عام 1968 حتى إسقاطه خلال الغزو الأمريكي في أبريل/نيسان 2003.

ونصّت المادة على آلية تضم ثلاث مراحل: أولاها التطبيع، ويعني علاج التغييرات التي طرأت على التركيبة السكانية في كركوك والمناطق المتنازع عليها في عهد نظام صدام وبعده، وثانيتها الإحصاء السكاني في تلك المناطق، وآخرها الاستفتاء لتحديد ما يريده سكانها، وذلك قبل 31 ديسمبر/كانون الأول 2007.[22]

  وفي الوقت الذي لم تف أربيل وبغداد بمواد الدستور حول هذا الموضوع حرّرت قوات البشمركة كركوك من أيدي داعش التي سيطرت عليها بعد فرار الجيش العراقي، وقد ذكر أن البشمركة التي ثبتت مواقعها في المدينة حالت دون عودة المدنيين الذين فرّوا من المدينة قبل الهجوم، وجلبت مواطنين أكراد بدلًا منهم، وعملت على تغيير التركيبة السكانية في كركوك. كما حاولت احتواء عدد من الأقليات تحت الهوية الكردية، مثل التركمان الذين يعيشون في المدينة والآشوريين، بمعنى أنهم استبدلوا سياسة (التكريد) بسياسة (التعريب)، وقد سوّغت الحكومة في الإقليم التدابير التي اتخذتها بأنها تتفق مع (القانون الإداري الانتقالي في العراق) والمادة 140.

وتشكل كركوك، التي تتمتع بموارد نفطية غنية أهم المناطق المتنازع عليها، حيث إن رفع أعلام الإقليم عليها أثار أزمة بين بغداد وأربيل، كما لاقى الأمر انعكاسات خطيرة في أنقرة وطهران. وبالنسبة لحكومة الإقليم فإن كركوك لها أهمية سياسية، حيث يصف الأكراد العراقيون كركوك بأنها (قدس الأكراد)، وتقول حكومة إقليم كردستان إن كركوك مدينة كردية، ولكن صدام غيّر هوية المدينة من خلال السياسات التي نفذها خلال حكمه، عبر التغيرات الديموغرافية. ومن ناحية أخرى، ذُكِر أن الأكراد غيروا ديموغرافية المدينة بعد عام 2003. ولهذا السبب، ليس من السهل تحديد الحالة الديموغرافية والادعاءات في كركوك.

وفي أي سيناريو لا توجد فيه كركوك ضمن إقليم كردستان فليس من السهل على الإقليم الحفاظ على وجوده اقتصاديًّا. ولكن في سيناريو يشمل السيطرة على كركوك والمناطق المحيطة بها سيحصل الإقليم على احتياطي نفطي يبلغ 45 مليار برميل.[23] ومن ثَمّ فإن قيام دولة كردية مستقلة في سيناريو تكون به كركوك خارج سيطرة الإقليم هو مشروع لا يمكن أن يستمر. لهذا السبب، حاولت إدارة الإقليم عبر الاستفتاء تحديد قدر كركوك التي أنقذتها من أيدي داعش في عام 2014،[24] وكان البرزاني قد قال إن كل كردي على استعداد للقتال من أجل  كركوك. ومع ذلك، فإن نتائج العمليات التي بدأها الجيش العراقي في 16 أكتوبر 2017 في كركوك، كشفت كيف أن البرزاني كان مخطئًا.

الدینامیات الداخلیة ومناقشات الاستقلال في الإقليم

مناقشات حول شرعية رئاسة البرزاني

انتهت فترة رئاسة رئيس حكومة إقليم كردستان في آب عام 2015، وحدثت اعتراضات كبيرة على قرار مجلس شورى الإقليم بالتجديد للبرزاني لمدة عامين... إن مسعود البرزاني أصبح أول رئيس للإقليم في 2005، من خلال تحالف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، ولكنه حصل على 70% من خلال الأصوات في انتخابات عام 2009، وأصبح بذلك أول رئيس منتخب للإقليم. وبينما كان من المفترض أن تُكرَّر الانتخابات الرئاسية في حكومة إقليم كردستان كل 4 سنوات، وبذلك تُنفَّذ الانتخابات الرئاسية في أغسطس 2013، إلا أنه مرة أخرى وباتفاق بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني مُدِّدت ولاية مسعود البرزاني حتى أغسطس 2015. ولكن عندما وصلت الأمور إلى أغسطس 2015، صدرت دعوات بأنه لا بدّ من الاهتمام بأمن الإقليم ومستقبله أكثر من الدعوة إلى الانتخابات وانتهاء مدة البرزاني، ومع ذلك تمّت الدعوة إلى التمديد له مرة أخرى. وعندما أعلن مجلس الشورى في أغسطس عن قرار تمديد ولاية البرزاني قال المتحدث باسم حركة غوران في البرلمان يوسف محمد: إنّ مجلس الشورى لا يملك سلطة اتخاذ هذا القرار، بل يجب أن يوافق البرلمان عليه؛ مؤكدًا عدم اعتراف حركته بهذا القرار.[25]

شاركت 31 قائمة انتخابية في الانتخابات البرلمانية التي جرت في 21 أيلول 2013، وقد نجحت 17 منها في الدخول إلى البرلمان،  وحصل الحزب الديمقراطي على 38 مقعدًا، في الوقت الذي حصلت فيه حركة غوران على 24 مقعدًا، أما حزب الاتحاد الوطني الكردستاني فقد حصل على 18 مقعدًا، وحصل الاتحاد الإسلامي على 10 مقاعد، بينما حصلت المجموعة الإسلامية على 6 مقاعد، أما الجبهة التركمانية العراقية فقد حصلت على مقعد واحد، فيما حصلت مكونات تركمانية أخرى على 4 مقاعد، وحصلت بقية المكونات الأخرى التي دخلت البرلمان على 10 مقاعد.

مواقف الجهات الفاعلة في إقليم شمال العراق ما عدا الحزب الديمقراطي الكردستاني

تُعَدّ حركة غوران الحركة الأكثر معارضة للحزب الديمقراطي الكردستاني ولمسعود البرزاني. أُسِّست الحركة عام 2009 على يد نوشيروان مصطفى، وهو من الشخصيات البارزة في السياسة العراقية، وأظهرت نجاحًا كبيرًا في أول انتخابات دخلتها، حيث حصلت على 24 مقعدًا من البرلمان من أصل 111 مقعدًا، وتحولت إلى إحدى الجهات السياسية الفاعلة في طليعة المعارضة للحزب الديمقراطي الكردستاني. ووفقًا لغوران؛ فإن أحد الأهداف الأساسية للحركة يتمثل في إقامة دولة كردية مستقلة، غير أن نتائج الاستفتاء الذى يقوده الحزب الديمقراطي الكردستاني من وجهة نظرها لا تصب في مصلحة الشعب، بل تصب في مصالح البرزاني الشخصية. وتقول إنّ لإنشاء دولة كردية مستقلة، ينبغي أولًا إنشاء مؤسسات الدولة في شمال العراق، التي ستكون ممكّنة من خلال برلمان يمثل إرادة شعب شمال العراق. بيد أن الحزب الديمقراطي الكردستاني عطل الحالة البرلمانية إلى فترة تقترب من عامين.  وتركزت إدارة الحزب الديمقراطي الكردستاني، في مجموعة صغيرة حاكمة، تدير البلاد بطرق غير شفافة، من دون التفاوض مع الجهات الفاعلة السياسية الأخرى. ولكي تُنشَأ دولة كردية مستقلة، يجب تغيير شكل الحكومة في البلاد أولًا، وينبغي أن يُحدَّد النظام السياسي بشفافية، وأن تُحلَّ المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها الإقليم، وأن تُبنَى المؤسسات الحكومية الضرورية... ومع اتخاذ هذه الخطوات، يمكن أن تُنشَأ أسباب مناسبة لدولة كردية مستقلة. ومع ذلك، فإن الحزب الديمقراطي الكردستاني لم يعمل على أي من القضايا المذكورة، حيث إن حكومة إقليم كردستان تفتقر إلى المؤسسات اللازمة لإقامة دولة كردية مستقلة، وفي حين أن إعلان الاستفتاء على الدولة ممكن، فإن الاستفتاء كان خطوة غير صحيحة؛ لأنه ليست هناك دولة. ونظرًا للأسباب المذكورة، تعارض حركة غوران إجراء الاستفتاء في ظل الأوضاع القائمة.[26]

ومن جهة أخرى فقد اتخذت مجموعات مختلفة في داخل حزب الاتحاد الوطني الكردستاني مواقف مختلفة تجاه الاستفتاء. وعلى الرغم من نفي الحزب الانقسامات داخل الحزب، فقد كانت هيرو إبراهيم  تقود فريقًا داخل حزب الاتحاد الوطني الكردستاني يأخذ موقفًا بعيدًا عن حزبها، قريبًا من حركة غوران، ولكن كان هناك وجود لعلاقة وثيقة بين أبرز أعضاء المكتب السياسي والحزب الديمقراطي الكردستاني، وقد أظهر هذا الوضع مسعود البرزاني باعتباره محددًا مطلقًا للقرار في الحزب الديمقراطي، بينما أظهر آراء مختلفة، داخل الاتحاد الوطني الكردستاني، أما فيما يتعلق بموقف الاتحاد الوطني الكردستاني من الاستفتاء، فإنه يتبنى الموقف الآتي: قيام دولة كردية مستقلة أحد الأهداف الرئيسة للاتحاد الوطني الكردستاني، والاستفتاء خطوة يجب اتخاذها في هذا الاتجاه. كما أن الحدود الحالية هي حدود سايكس-بيكو، التي لا تمثل حقائق المنطقة. إن الدولة القومية ليست أمرًا اخترعه الأكراد، إذ أُعطِيت جميع المجموعات العرقية دولًا قومية، فيما لم يُعطَ للأكراد الحق في إقامة دولة في منطقة معينة، وحُرِم الأكراد من هذا الحق. إن (الدولة الكردية المستقلة) في العراق هي حلم الأكراد من مئات السنين. ومع ذلك، من أجل أن يكون الاستفتاء ناجحًا من حيث أهدافه، يجب تفعيل البرلمان، ويجب التوصل إلى توافق في الآراء بين الأحزاب السياسية في إقليم شمال العراق. وبعد الانتخابات العامة، ينبغي إنشاء حكومة فعالة، وإيجاد حلول للمشكلات التي يواجهها الإقليم. ليس صحيحًا أن الاستفتاء يتناقض مع الدستور العراقي، لأنه لا توجد مادة تحظر الاستفتاء على إقليم شمال العراق في الدستور العراقي، كما أن الحكومة المركزية العراقية لم تمتثل للدستور العراقي. وقد قدمت حكومة إقليم كردستان قوانين عديدة في البرلمان العراقي بشأن استخراج النفط من المنطقة الكردية. ومع ذلك، تجاوز البرلمان العراقي حدود نفوذه، وغيّر مضمون القوانين المقدمة، ولم يسمح لها بتسوية قضية النفط في المنطقة الكردية والمناطق المتنازع عليها. وبسبب موقف الحكومة المركزية العراقية اضطرت إدارة الإقليم إلى استخراج النفط في المنطقة الكردية والمناطق المتنازع عليها. ويرى الحزب أن معظم المشكلات التي يواجهها الأكراد اليوم هي بسبب الموقف المتعنت الذي انتهجته الحكومة المركزية العراقية. إن المشكلات التي ستنشأ عن إقامة دولة كردية مستقلة لن تكون أسوأ من تلك التي تم مواجهتها في الماضي أو تلك الموجودة اليوم. ولهذا السبب، ينبغي اتخاذ خطوات ضرورية لإقامة دولة كردية مستقلة. وفي هذا الإطار، يواصل الاتحاد الوطني الكردستاني تحالفه مع حركة غوران، وينبغي تنفيذ هذه العملية جنبًا إلى جنب مع الحزب الديمقراطي الكردستاني من خلال إستراتيجية تنطوي على مطالب غوران.[27]

ووفقًا للجماعة الإسلامية التي تدعم إقامة دولة كردية مستقلة (حتى النهاية)، فإن (كردستان المستقلة) في العراق هي حق للشعب الكردي، ومن الخطأ من الناحية الدينية والسياسية أن يُحرَم الأكراد من حقوقهم. لهذا السبب، لم يكن النقاش بين الأحزاب السياسية في إقليم شمال العراق نقاش (نعم) أو (لا) حول كردستان مستقلة، بل كان النقاش حول توقيت الاستفتاء، وكون البرزاني وعدد محدود من مسؤولي الحزب الديمقراطي الكردستاني قد اتخذوا قرار الاستفتاء من تلقاء أنفسهم من دون إخطار الأحزاب السياسية الأخرى في الإقليم. وقد عارضت الأحزاب السياسية القوية في الإقليم قرار الحزب الديمقراطي الكردستاني بالتوجه نحو الاستفتاء، ولكن الأحزاب الصغيرة التي دخلت البرلمان من خلال الحصص أيدت قرار الاستفتاء. والذي أدّى إلى ما سبق هو أنّ الظروف الداخلية ليست مناسبة للاستفتاء؛ لأن الحزب الديمقراطي الكردستاني، كان يدير الإقليم بطريقة سيئة للغاية، ولم يأخذ بعين الاعتبار مشكلات الشعب، وحوّل حكومة إقليم كردستان إلى مرتع للفساد. وبما أن إدارة البرزاني لم تستطيع التغلب على العديد من المشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فإنها عملت على تفعيل الاستفتاء لإشراك الجمهور في هذه القضية فقط. ومن ناحية أخرى، فإن البرلمان كان في وضع الخمول، وقد أُخرِجت أحزاب المعارضة من النظام تمامًا. وكان الأصل أن قرار الاستفتاء ليس سوى قرار يمكن اتخاذه من قبل تحالف الأحزاب السياسية في البرلمان فقط، ولكن الحزب الديمقراطي الكردستاني ربط القرار به وحده. إضافة إلى ذلك، فإن أهم الجهات الفاعلة بالنسبة للإقليم مثل بغداد وتركيا وإيران تعارض الاستفتاء. وإلى جانب ذلك، لم ترحب الجهات الفاعلة الدولية، ولاسيّما الولايات المتحدة الأمريكية، بتوقيت الاستفتاء.[28] وكان يجب أن تكون الظروف المحلية والإقليمية والدولية مناسبة للاستقلال، ولكن الظروف لم تكن مناسبة في هذا الوقت. ولهذه الأسباب، لم تر الجماعة الاسلامية أيضًا الاستفتاء مناسبًا، ولكنها صوتت في النهاية لمصلحة الاستقلال من خلال المشاركة في الاستفتاء، فيما أكد الاتحاد الإسلامي أن الإصلاح والحوار ضروريان للخروج من أزمة الإقليم.[29]

كما انتقد التركمان والأقليات الأخرى وبعض المبادرات المدنية قرار الاستفتاء، حيث كانت قناعتهم أن الحزب الديمقراطي الكردستاني لا يمكن أن يتخذ وحده قرار الاستفتاء فيما يتعلق بالتركمان العراقيين، بل يمكن أن يقرره ضمن اتفاق داخلي وخارجي. والحقيقة أن برلمان المجلس في حالة اختلال وظيفي، وهناك حالة من عدم التوصل إلى توافق في الآراء مع بغداد جعلت قرار الاستفتاء محل خلاف. وقد أعرب التركمان عن رد فعل واضح من خلال معارضة قرار مجلس محافظة كركوك بالانضمام إلى الاستفتاء. كما عارض المسيحيون الآشوريون في كركوك والعرب الذين يعيشون في المنطقة المتنازع عليها، وأعرب أغلب النواب المسيحيين والسريانيين عن معارضتهم للاستفتاء،[30] وقال عبد الواحد  شاه سوار أحد رجال الأعمال في السليمانية، الذي قاد حملة (لا للاستفتاء الآن) أن إدارة البرزاني كانت تقود الإقليم إلى أزمة سياسية واقتصادية عميقة، وأن الاستفتاء سيفيد البرزاني والحزب الديموقراطي الكردستاني أكثر من الشعب في الإقليم.[31]

موقف الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية

تركيا

أصبحت تركيا الجهة الإقليمية الفاعلة التي لديها أوضح وأقوى رد فعل على عملية الاستفتاء في شمال العراق. تمتعت حكومة إقليم كردستان في السابق بعلاقات تجارية وسياسية وأمنية قوية مع تركيا، ولكن ذلك لم يمنع تركيا من اتخاذ موقف ثابت ورافض بشأن الاستفتاء، وعندما أعلن البرزاني عن قرار الاستفتاء أصدرت وزارة الخارجية التركية في يونيو بيانًا بشأن قرار الاستفتاء، وعدّته (خطأ فادحًا).

وعَدّت أنقرة وحدة أراضي العراق شرطًا أساسيًّا للأمن والرخاء والاستقرار في المنطقة، وأكّدت أنه بدلًا من استدعاء قضية الاستفتاء كان لابدّ من التفكير في مواجهة المنظمات الإرهابية، مثل داعش التي تسببت في مشكلات سياسية واقتصادية واجتماعية. وقالت أنقرة إن الأنسب للعراق هو توزيع السلطة فوق مبدأ المركزية المعبّر عنها في الدستور، وكان يجب بذل الجهود في هذا الاتجاه.[32] وقد أشار وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو إلى المخاطر المرتبطة بالاستفتاء من حيث السياسة الداخلية للعراق، معربًا عن مخاوف تركيا من أن البلاد يمكن أن تغرق في الحرب الأهلية،[33] كما زار جاوش أوغلو بغداد وأربيل معبرًا بشكل مباشر عن موقفه تجاه القضية مع نظرائه العراقيين.[34]

 إن موقف تركيا المعلن بشأن الاستفتاء في العراق يشتمل على عدة عناصر، منها أن تنفيذ عملية استقلال شمال العراق بقيادة البرزاني سيكون له أثر كبير في علاقات العراق وتركيا، وعلاقات تركيا بحكومة إقليم كردستان، وسيكون له انعكاسات مهمّة على السياسة الداخلية في تركيا.

لا تريد تركيا أن تفقد حليفًا كالبرزاني ومن ثَمّ كان نقدها ومقاربتها للقضية متوازنين تقريبًا؛ لأن الاستفتاء من وجهة نظر تركيا ستكون له انعكاسات سلبية على البرزاني في داخل الإقليم، وسيفتح الطريق لحلفاء إيران في الإقليم. وقد حمل العديد من السيناريوهات المحتملة أهمية كبيرة بالنسبة لتركيا على صعيد أمنها القومي، ومن ذلك احتمال وقوع حرب كردية عربية أخرى، أو حرب كردية إيرانية، ومخاطر سيطرة حزب العمال الكردستاني على سنجار، وتشكيل واقع جديد، وممر بين الأكراد السوريين والعراقيين. علاوة على ذلك، يمكن أن تؤدي حركة الاستقلال المحتملة في شمال العراق إلى موجة من الأحداث التي ستؤثر في الديناميات الداخلية لتركيا. وبالنظر إلى العلاقات التجارية القوية بين تركيا وشمال العراق، وبخاصة التنقل على الحدود التركية فإن ذلك مؤثر في الاستقرار السياسي والاقتصاد والمجتمع وفي الفقراء في المدينة. ولذلك، فإن عملية الاستقلال المحتملة في العراق تمثل لتركيا عملية حرجة وحاسمة.

إيران

تُعدّ إيران إحدى دول المنطقة التي أظهرت رد فعل قويًّا على الاستفتاء، وذلك -على الأرجح- لأن قيام (دولة كردية) ستكون له انعكاسات سلبية على السياسة العراقية- الإيرانية، والتوازن الداخلي في إيران والعراق. وقد ظهر الموقف الرافض للاستفتاء من أعلى مستوى إيراني، وهو آية الله خامنئي الذي أوضح أنه ضد أي سيناريو يهدف إلى تقسيم إيران والعراق.[35] وقد اتخذ المسؤولون الإيرانيون موقفًا واضحًا جدًّا من الاستفتاء، ولاسيّما بشأن قرار إجراء الاستفتاء في كركوك، وعدّوا ذلك قرارًا (استفزازيًّا).[36] وتعتقد إيران أن الاستفتاء لا يهدد العراق فحسب، بل يهدّد استقرار المنطقة بأسرها. ويشعر المسؤولون الإيرانيون، بالقلق من إنشاء دولة كردية في شمال العراق؛ لأن وجود (دولة كردية مستقلة) من شأنه أن يهدد طهران[37]، حيث إن النزعة القومية لدى الأكراد الإيرانيين ستتعزز، وسيعمل الاستقلال على زيادة مطالبهم بحقوق أوسع.

 إن بيئة عدم الاستقرار العرقية داخل إيران يمكن أن تصل إلى أبعاد تهدد السياسة الداخلية الإيرانية برمتها، كما أن هناك سيناريو آخر يقلق إيران؛ وهو أنه بعد إنشاء (دولة كردية) في شمال العراق، فإن السنة العراقيين قد يعملون على إقامة دولة لهم، ولذلك فإنّ الآثار المحتملة للاستفتاء تدفع إيران إلى الاهتمام بهذه القضية.

وفي هذا السياق أيضًا تجري طهران حساباتها بخصوص إمكانية خسارة حلفائها في حكومة إقليم كردستان الذين تربطهم بها علاقات قوية، بالرغم من الخلافات الأيديولوجية العميقة، حيث تخشى أن تفقد التأثير فيهم في حال قيام دولة كردية مستقلة بقيادة البرزاني.[38] وقد استضافت الحكومة الإيرانية في طهران وفدًا من الاتحاد الوطني الكردستاني في يونيو، الذي أعرب عن تحفظاته بشأن الاستفتاء. ومع ذلك، وكما وضحنا آنفًا، فإن الحزب لم يعلن رفضًا رسميًّا للاستفتاء. ومع كون حزب الاتحاد حزبًا قوميًّا علمانيًّا فإن عملية إنشاء دولة كردية في شمال العراق بقيادة البرزاني سوف تعمل على كسر نفوذ إيران في حكومة إقليم كردستان. كما أن وجود علاقة تحالف وثيقة بين البرزاني والولايات المتحدة، ووجود علاقات جيدة له مع إسرائيل يزيد من حجم المخاوف الأمنية الإيرانية. ولهذا فإن إيران ترى أن وجود (دولة كردية) مستقلة سيعمل على كسر النفوذ الإيراني في المنطقة، وستتحول منطقة الإقليم إلى قاعدة للعمليات التي تستهدف تغيير النظام في إيران. وفي هذا السياق، وقعت إيران مع العراق اتفاقية دفاعية استباقية في 23 تموز، ويمكن اعتبارها تدبيرًا تجاه نتائج الاستفتاء الذي نفذته حكومة إقليم كردستان.[39]

الولايات المتحدة

عملت إدارة الولايات المتحدة بدلًا من معارضة استقلال الأكراد في العراق، على انتقاد توقيت الاستفتاء، إذ قال وزير الخارجية الأمريكية بوضوح إنه "من حيث المبدأ يتفهم ويدعم الرغبة المشروعة من أجل الاستقلال للأكراد العراقيين"[40]؛ لذلك لم يطالب وزير الخارجية الأمريكية ريكس تيلرسون في اتصاله الهاتفي مع البرزاني بإلغاء الاستفتاء بل بتأجيله.[41] حيث تعطي الولايات المتحدة أولوية لمكافحة المنظمات الإرهابية، مثل داعش أكثر من الاستفتاء، حيث إن الاستفتاء الحالي لتقرير المستقبل السياسي وفق الحسابات الأمريكية سيضر حلفاء الولايات المتحدة في بغداد.[42] كما تعتقد الولايات المتحدة أنه قبل نهاية المعركة مع داعش ومع وجود نزاع على المناطق مع أربيل أن بدء عملية الاستفتاء حول مستقبل الإقليم من دون التوصل إلى اتفاق بين بغداد وأربيل من شأنه أن يشعل التوترات التي قد تؤدي إلى عودة الصراع.[43] كما أن عودة التوترات العرقية والطائفية ستعمل على تعزيز الكتلة العراقية القريبة من إيران في بغداد بقيادة المالكي، وهذا سيضعف حلفاء الولايات المتحدة في بغداد. وإذا استمرت الظروف بهذا الشكل فإن نتائج انتخابات عام 2018،  قد لا تكون مثل الذي ترغب به الولايات المتحدة، ويمكن أيضًا للمنظمات الإرهابية أن تستفيد من التوتر في خط أربيل-بغداد، ومن التوتر الداخلي في بغداد أيضًا؛ ولهذا ضغطت الولايات المتحدة الأمريكية من أجل تأجيل الاستفتاء؛ لتجنب تكلفة إدارة هذه السيناريوهات.

إسرائيل

يُذكَر أن اسرائيل هي الدولة الوحيدة التي أيدت مطالب شمال العراق في الاستقلال بشكل علني، وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد ذكر في تصريح أدلى به في عام 2014، عبارة (دولة كردستان المستقلة)، معربًا عن دعمه وتقديره للأكراد والسياسة المعتدلة والالتزام السياسي الذي يمارسونه. وكانت وزيرة العدل الاسرائيلية أياليت شاكد قد دعت إلى إنشاء دولة (كردستان المستقلة) مدعية أن دولة (كردستان المستقلة) ستعمل على تطور العلاقات مع إسرائيل؛[44] لأن وجود دولة كردية في شمال العراق، سيولد نتائج إيجابية للغاية من الناحية الأمنية لإسرائيل، وترى اسرائيل في (دولة كردية) شريكًا قويًّا بدلًا من تركيا وإيران وبغداد. ولهذا السبب، يعرب الجمهور الإسرائيلي عن تعاطفه الشديد مع استقلال شمال العراق.[45] وكانت هناك تقارير وكتابات كثيرة في  الصحافة الإسرائيلية تدعو إلى تعزيز ودعم التحالف الإسرائيلي-الكردي، ودعم دولة كردية مستقلة.[46] وتعد العلاقات الاقتصادية القوية بين إسرائيل وشمال العراق عاملًا آخر حاسمًا في العلاقة بين إسرائيل وأكراد العراق. ففي الفترة ما بين مايو وأغسطس 2015، أي ما يقرب من فترة ثلاثة أشهر، سُجِّل استيراد إسرائيل حوالي 19 مليون برميل من النفط من حكومة إقليم كردستان العراق، يصل هذا الرقم إلى حوالي 77 في المئة من الاحتياجات النفطية لإسرائيل.[47] ولذلك فإن قيام (دولة كردية مستقلة) بالنسبة إلى إسرائيل يشكل ميزة خطيرة من حيث الأبعاد السياسية والاقتصادية.

خاتمة

كان الاستفتاء على المدى القصير يهدف إلى حل الأزمة في السياسة الداخلية، وتقوية يد حكومة إقليم كردستان في صراعها مع بغداد- إلا أنه عند النظر على المدى الطويل، فإن الاستفتاء كان يهدف إلى الإسهام في تحقيق (دولة كردية مستقلة). ومع إبراز عملية الاستفتاء على أجندة الإقليم نجح البرزاني في تغيير اتجاه الانتقادات العنيفة للجهات الفاعلة السياسية ضده، ولاسيّما من حركة غوران.

ولأن موضوع (الاستقلال) لاقى تأييدًا كبيرًا داخل إقليم كردستان فإن الخطاب العام لمعارضي البرزاني قد اضطر لقبول جدول أعمال الاستفتاء على (الاستقلال). ومع رياح الاستفتاء تناثر الكثير من الانتقادات القوية التي كانت توجه إلى البرزاني قبل الاستفتاء. كما عزز البرزاني موقفه ممن خلال الاستفتاء في الموضوعات الخلافية مع بغداد، مثل الأراضي المتنازع عليها والميزانية. وقد عُرِض في المفاوضات من أجل تأجيل الاستفتاء إنهاء التخفيضات في الميزانية، وتطبيق المادة 140 من الدستور بخصوص المناطق المتنازع عليها، ولهذا كانت حكومة الإقليم ستخرج رابحة حتى في حالة تأجيل الاستفتاء. ويؤمن تنفيذ المادة 140 إلحاق عدد من المناطق المتنازع عليها، وأهمها  كركوك، إلى إقليم شمال العراق. يُعدّ الاستفتاء خطوة اتخذت لإقامة (دولة كردية مستقلة) في شمال العراق على المدى الطويل. وكان لدى حكومة الإقليم دعم من الإرادة القوية للرأي العام لإنشاء (دولة كردية مستقلة). وبالنظر إلى العلاقة بين أربيل وبغداد منذ عام 2003 والخطوات المتخذة في هذا المجال، فإنه يتضح لنا أن جميع حسابات إدارة إقليم شمال العراق كانت على أساس (دولة كردية مستقلة)؛ وذلك لأن أربيل استخدمت الحقوق الاتحادية التي اعترفت بها  بوصفها أداة، للتحوّل إلى دولة مستقلة.

وستؤثّر (عملية الاستقلال) التي بدأت بالاستفتاء في جميع المجالات الإقليمية، التي تتعلق بالجهات الفاعلة الإقليمية، بما في ذلك تركيا. ولأن (عملية الاستقلال) التي بدأت بالاستفتاء في شمال العراق ستؤدي إلى توتر خطير في العراق، وكما رأينا في كركوك، فإن بيئة الصراع الفعلية معرضة لخطر القفز إلى مناطق أخرى، وسحب المنطقة إلى حالة من الفوضى الجديدة. وهذه المناطق من التوتر ستهدد بشكل مباشر الأمن القومي للدول الحدودية للعراق، مثل تركيا وإيران، فضلًا عن دول مثل الولايات المتحدة التي سيكون لها تأثير مباشر في السياسة العراقية.

وكما رأينا في خروج ظاهرة داعش من العراق، وكيف سببت حالة انعدام الاستقرار في العراق في تمددها، فمن الواضح أن المخاطر المحتملة لـ(عملية الاستقلال) ستكون لها آثار في منطقة الشرق الأوسط بأسرها. وبينما سيؤثر استقلال إقليم شمال العراق في الأمن القومي لدول المنطقة بشكل مباشر وفي السياسة الداخلية أيضًا لكل من تركيا وإيران فإننا نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية لا ترى في ذلك خطرًا، بل تطالب فقط بتأجيل الاستفتاء.

وعقب الاستفتاء، أدت القرارات العقابية الموجهة نحو إدارة أربيل والموقف السياسي الحازم في بغداد إلى إبطاء عملية التوجه نحو الاستقلال. وفي الواقع، فإن الموقف من تركيا وإيران والعراق ومن خلال سياسة ثلاثية منسقة، قد أقلق بشكل كبير سكان الإقليم وصناع القرار فيه على وجه الخصوص. وقد أدى قيام تركيا بمناورات عسكرية مشتركة مع قوات عراقية، وحديث تركيا عن بديل لمعبر (الخابور/خليل إبراهيم) إلى بروز إشارات لما يمكن أن تؤثر به هذه الإجراءات في اقتصاد حكومة إقليم كردستان. وفيما يتعلق بالتوازن الداخلي في حكومة إقليم كردستان فقد تزايدت الانتقادات ضد إدارة البرزاني، وفيما كان يدور نقاش داخل الإقليم عن إجراء انتخابات رئاسية في 1 نوفمبر 2017 رأى الحزب الديمقراطي الكردستاني وحركة غوران أن الأوضاع غير مناسبة لإجرائها، فقد أثرت بغداد في العملية برمتها من خلال عملية عسكرية ضد كركوك. وقد تم الأمر لها بعد قيام حزب الاتحاد الذي يقع تحت النفوذ الإيراني، بالاتفاق مع بغداد على تسليم مدينة كركوك إلى قوات الأمن العراقية، وقد أدّى فرار العديد من قوات البيشمركة من المدينة من دون الدخول في صراع إلى مزيد من التوتر والنقاش الحاد بين لأحزاب الكردية على المستوى السياسي والاجتماعي، ويتوقع أن تزداد حدّة الاختلافات الداخلية.

 الهوامش والمراجع:

 

 

[1] موقع الأكراد في السياسة العراقية ومطالب الاستقلال، تاريخ العراق، منشورات جامعة كامبردج، نيويورك، 2007.

 

[2] مقابلات خاصة مع مسؤولين وسياسيين في إقليم كردستان العراق، أربيل والسليمانية، أغسطس 2017.

[3] مقابلة مع مدير حملة (لا للاستفتاء الآن) شاه سوفار عبد الواحد، أغسطس 2017، السليمانية.

[4] محمد عبد العاطي، ظروف كتابة الدستور العراقي، الجزيرة، تاريخ الدخول 7 أيلول 2017، http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/dfcb101d-1cf5-45e3-8175-970d5b7434ce

[5] مقابلة بين المالكي والبرزاني وادّعاء توقيع اتفاق مشترك، 7 أيلول 2017،

 Buratha News, http://burathanews.com/arabic/news/18475

[6]  العبادي: على أربيل أن تدفع للبيشمركة لا بغداد، كردستان 24، تاريخ الدخول 12 أيلول 2017، http://www.kurdistan24.net/en/news/5e490d9f-95a8-4132-8d04-d919c779bed9/abadi--erbil-should-pay-peshmerga--not-baghdad

[7]  للاطلاع أكثر

  . “Masoud Barzani: Kurdish Independence”, Youtube, https://www.youtube.com/watch?v=EBGsr9v6dDc,

[8] للاطلاع على مواد الدستور:

http://www.presidency.krd/uploadedforms/IraqConstitutionA.pdf,

[9] Leonid Issaev ve Andrey Zakharov, “Iraq Kurdistan: Playing The Independence Game”, El-Cezire, 1 Mayıs 2017

[10] Fact sheet: About the Kurdistan Regional Government”, IKBY Resmi İnternet Sitesi, http://cabinet.gov.krd/p/p.aspx?l=12&p=180, (Erişim Tarihi: 8 Ağustos 2017

[11] مقابلة خاصة مع هيمن هورامي مستشار البرزاني، أغسطس 2017.

[12] Raad Al-Kadiri, “Analysing the Hydrocarbon Dispute between the Federal Government and the KRG”, Bayan Center, http://www.bayancenter.org/en/wp-content/uploads/2016/10/e6543523..pdf, 8 Eylül 2017.

[13] مقابلة خاصة، أربيل السليمانية

[14] Ryan Crocker ve Dr. Nussaibah Younis, “Report of the Task Force on the Future of Iraq: Achieving Long-Term Stability to Ensure the Defeat of ISIS”, Atlantic Council, http://www.publications.atlanticcouncil.org/wp-content/uploads/2017/05/Future-of-Iraq-Task-Force-web-0531.pdf, (Erişim Tarihi: 9 Eylül 2017).

[15] Mohammed A. Salih, “Low Oil Prices Complicate Iraqi Kurdish Independence”, Middle East Institute, http://www.mei.edu/sites/default/files/publications/PF7_Salih_KRGeconcrisis.pdf, (Erişim Tarihi: 9 Eylül 2017), (Erişim Tarihi 24 Ağustos).

[16] Official KRG Response to Statements made by Prime Minister of Iraq, Haider al-Abadi”, IKBY Hükümeti Resmi Sitesi, http://cabinet.gov.krd/a/d.aspx?s=040000&l=12&a=54240, (Erişim Tarihi: 24 Ağustos 2017)

[17] Iraqi PM Says KRG Exports Enough Oil to Pay for Its Public Servants”, Rudaw, http://www.rudaw.net/english/middleeast/iraq/040120175, (Erişim Tarihi: 9 Eylül 2017).

[18]   “العبادي يعتبر استفتاء كردستان غير دستوري... وطريق إلى المجهول”, Youtube, https://www.youtube.com/watch?v=vv_-NBoF7V8,

[19]   “The Looming Question of Kurdish Independence in Iraq”, El-Cezire, 21 Haziran 2017.

[20] مقابلة مع سعدي بيري، أربيل، أغسطس 2017

[21] سرحات أركمان، بداية عهد جديد في كركوك أم بداية النهاية؟ وكالة الأناضول، 12 أيلول 2017، http://aa.com.tr/tr/analiz-haber/kerkukte-yeni-bir-donem-mi-sonun-baslangici-mi/799542

 

[22] Eric Pichon, “Regional Implications of Iraqi Kurdistan's Quest for Independence”, European Parliament Briefing, Aralık 2016.

[23] Eric Pichon, “Regional Implications of Iraqi Kurdistan's Quest for Independence”, European Parliament Briefing, Aralık 2016.

 

[24] البرزاني: كل كردي جاهز من أجل الدفاع عن كركوك، بي بي سي تركي، http://www.bbc.com/turkce/haberler-dunya-41199680

[25] Mohammed Salih, “KRG Parliament Speaker: Barzani's Term Extension 'Against the Law”, Al-Monitor, http://www.al-monitor.com/pulse/tr/originals/2015/08/kurdish-parliament-speaker-challenge-barzani-legitimacy.html, (Erişim Tarihi: 6 Eylül 2017

[26] مقابلة خاصة مع المتحدث باسم حركة غوران سورش حاجي، السليمانية، أغسطس 2017.

[27] مقابلة مع سادي بيري.

[28] مقابلة مع علي بابير، أربيل، أغسطس 2017. 

[29] Secretary-General: We are Stick to the Reform Option to Resolve Outstanding Crises”, Kürdistan İslami Birlik Partisi Resmi Sitesi, http://www.yakgrtw.net/en/news-en/amindar-activity/1024, (Erişim Tarihi: 31 Ağustos 2017

[30] http://aa.com.tr/tr/dunya/hristiyanlardan-ikby-referandumuna-tepki-/891072

[31]   “مقابلة مع مدير حملة (لا للاستفتاء الآن) شاه سوفار عبدالواحد، أغسطس 2017، السليمانية.

[32] الإقليم يتجه للاستفتاء على الاستقلال يوم 25 أيلول، موقع الخارجية، http://www.mfa.gov.tr/no_181_-ikby_de-25-eylul-2017-tarihinde-bagimsizlik-konusunda-bir-referandum-duzenlenmesi-yonundeki-karar-hk_.tr.mfa

 

[33] Çavuşoğlu: IKBY Referandumu Irak'ı İç Savaşa Kadar Götürür”, BBC Türkçe, http://www.bbc.com/turkce/haberler-dunya-40942305,

[34] وزير الخارجية نتوقع إلغاء قرار الاستفتاء ، إن تي في،  http://www.ntv.com.tr/dunya/cavusoglu-erbilde-beklentimiz-referandum-kararinin-iptali,zibX_dwC70i-fEPoPG2IxA

[35] Iran Supreme Leader to Iraqi PM: We are opposed to a Kurdish referendum”, Rudaw, http://www.rudaw.net/english/middleeast/iran/20062017, (Erişim Tarihi: 11 Eylül 2016

[36] Iran Warns Iraq's Kirkuk Decision to Back Kurdish Referendum Provocative”, Press Tv, http://www.presstv.ir/Detail/2017/08/30/533466/Iran-Iraq-Kurdistan-referendum-Kirkuk-Bahram-Qassemi-UAE-Yemen-war, (Erişim Tarihi: 11 Eylül 2017).

[37] Iranian General Warns Iraqi Kurdistan against Independence Referendum”, Iran Frontpage, http://ifpnews.com/wired/iran-warn-iraqi-kurdistan-independence/, (Erişim Tairhi: 11 Eylül 2017

[38] Iran: Independence Referendum Will Isolate, Weaken Kurdistan”, Rudaw, http://www.rudaw.net/english/kurdistan/170720173, 12 Eylül 2017

[39] إسماعيل صاري، توقيع اتفاقية دفاعية بين العراق وإيران، إيرام،  https://iramcenter.org/iran-ve-irak-savunma-is-birligi-anlasmasi-imzaladi 

[40] Department Press Briefing - June 8, 2017”, , https://www.state.gov/r/pa/prs/dpb/2017/06/271653.htm, 12 Eylül 2017

[41] مقابلة مع الصحفي الكردي عارف قرباني، السليمانية.

 

[42] KRG not Giving Into US influence to Postpone Referendum, Top Kurdish Diplomat”, Rudaw, http://www.rudaw.net/english/kurdistan/24072017, 12 Eylül 2017

[43] Hamdi Malik, “Referendum Rift Unlikely to Damage US-KRG Ties”, Al Monitor, http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2017/09/iraq-kurdistan-referendum-independence-us.html, 12 Eylül 2017

[44] Tamar Pileggi, “Justice Minister Calls for an Indipendent Kurdistan”, The Times of Israel, http://toi.sr/1S2dF52, (Erişim Tarihi: 23 Ağustos 2017).

[45] Yossi Alpher, “Why Israel Wants an Independent Kurdistan”,  Forward, http://jd.fo

c8UQl, (Erişim Tarihi: 18 Ağustos 2017

[46]  Örnek olarak bknz. Neville Teller, “The Kurds and Israel:.ws in the Wind”, in The Jerusalem Post, http://www.jpost.com/Experts/The-Kurds-and-Israel-Straws-in-the-wind-361248, 20 Ağustos 2017

[47] Israel Turns to Kurds for Three-Quarter of Its Oil Supplies”, Financial Times, https://www.ft.com/content/150f00cc-472c-11e5-af2f-4d6e0e5eda22, 23 Ağustos 2017


ملصقات
 »