رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


مستقبل الأزمة الليبية بين الحل السياسي والعسكري

يتناول هذا التحليل تداعيات هجمات خليفة حفتر على طرابلس على التوازنات في ليبيا، ومواقف الجهات الإقليمية والدولية من القضية ومستقبل الأزمة الليبية. يزعم البحث أن هجوم حفتر على طرابلس حملةٌ قلبت جميع المعايير الشرعية المتعلقة بالبلد، وأن العديد من الجهات الدولية، وبخاصة الأمم المتحدة، تعزز هذه الأزمة، وأن الأزمة الليبية جزء من صراع القوى الإقليمية، وأن الأزمة لن تجد الحل من دون أن تصبح توازنات القوى الإقليمية واضحةً، وأن القوى الدولية تحدد مواقفها وفقًا لتوازنات القوى هذه. وقد قُيِّمت آراء صناع القرار والسياسيين الليبيين الذين جرت مقابلاتهم شخصيًّا خلال العام الماضي مع أخذ التوازنات الإقليمية والعالمية بعين الاعتبار. كما دُرِست البحوث العربية والإنكليزية حول هذا الموضوع بعناية.

مستقبل الأزمة الليبية بين الحل السياسي والعسكري

مدخل: 

في أثناء زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الجنرالَ الانقلابي خليفة حفتر في بنغازي بهدف إيجاد "حل سياسي" بادرت القوات التابعة لخليفة حفتر بالهجوم على طرابلس ردًّا على المجلس الرئاسي المفوض من الأمم المتحدة، فأثار الهجومُ الشكوكَ حول طبيعة الأزمة الليبية ومواقف الأطراف الليبية ومبادرات المجتمع الدولي لحل الأزمة بالكامل. إذ أعلن حفتر صراحة معارضته للحلول السلمية من خلال الهجوم الذي شنه على طرابلس، واختارت الأمم المتحدة جانب الصمت حيال هذا الهجوم الذي بدأ به حفتر على طرابلس، ودعا المجتمع الدولي كلًّا من حفتر والحكومة الشرعية إلى "مائدة المفاوضات" واصفًا إياهما بالطرفين، خلافًا لجميع معايير الشرعية المتعلقة بليبيا، وبذلك أظهر أن جوهر الأزمة الليبية يكمن في مشكلة الشرعية، وكان حفتر قد قام بمحاولة الانقلاب على المؤسسات المنتخبة في طرابلس في شباط 2014 وفي بنغازي في أيار من العام نفسه مطالبًا بضرورة انتقال السلطة إلى المجلس العسكري الذي يترأسه شخصيًّا. 

كما أن حفتر وقف في وجه تنفيذ الاتفاق السياسي الليبي الذي رأى النور في نهاية المفاوضات التي جرت في 2015 تحت إشراف الأمم المتحدة مستخدمًا السلاح، وحال دون قيادة المجلس الرئاسي المفوّض من الأمم المتحدة الانتقال السياسي في ليبيا، وأدّى دورًا تخريبيًا في الاجتماعات التي انعقدت في باريس وباليرمو والقاهرة، وأفشل كل مبادرات الأمم المتحدة السلمية، وكشف هجومه الأخير على طرابلس بجلاءٍ أنه لا يريد أن يكون طرفًا في الحلول السياسية. وعلى الرغم من ذلك فإن صمت الأمم المتحدة ومساواة المجتمع الدولي بين المجلس الرئاسي وحفتر ووصفهما بالطرفين في مسألة هجوم حفتر على طرابلس، يشير إلى أن الأزمة عميقة للغاية.

إن خليفة حفتر الذي توجه إلى طرابلس ضاربًا قرارات الأمم المتحدة ومعايير الشرعية كلها عرض الحائط هو الطرف الذي كوّنه محور إسرائيل- الإمارات العربية المتحدة، وهو جزء من مشروع المخطط الإقليمي. لقد تحرك محور إسرائيل- الإمارات العربية المتحدة للحيلولة دون تحوّل المطالب الاجتماعية التي انفجرت على شكل ثورات في المنطقة منذ عام 2012 إلى أنظمة سياسية. وانضمّ كلّ من مصر تحت حكم السيسي الذي قام بالانقلاب العسكري عام 2013، والمملكة العربية السعودية بعد تولي الأمير محمد بن سلمان منصب ولي العهد الثاني إلى هذا المحور للتحرك المشترك. وهذا المحور الذي كان له دور مؤثرٌ في العديد من الدول، مثل اليمن وإثيوبيا وسوريا والعراق والصومال وتونس ونيجيريا يقدّم الدعم العسكري والمالي والسياسي والدبلوماسي لحفتر، إذ لا يمكن لحفتر أن يتقدم خطوةً نحو طرابلس بدون أن يتلقى الدعم المالي والعسكري، ولا يملك الجرأة على ذلك بدون أن تكون له حصانة دبلوماسية. ودعوة الأطراف الدولية حفتر إلى مائدة المفاوضات وهو يتحرك نحو طرابلس إشارة إلى أنه "إن تمكن من دخول طرابلس كان الممثل الفعلي، وإن لم يتمكن من الدخول فسيحتفظ بمقعده في المفاوضات". بتعبير آخر: أُعِدّ حفتر عسكريًّا وماليًّا من قبل محور إسرائيل- الإمارات العربية المتحدة، وكل الخطوات غير القانونية التي يخطوها محميةٌ في الساحة الدولية.

تحاول الأمم المتحدة التي تعمّق الأزمة الليبية ضمّ حفتر إلى العملية السياسية بوصفه ممثلًا فعليًّا، ولو كان ذلك على حساب الانقلاب على جميع معايير الشرعية المتعلقة بليبيا. إن حفتر زعيم ميليشيا مسلحة غير قانونية وفقًا للاتفاق السياسي الليبي الموقَّع في مدينة الصخيرات في المغرب في أواخر عام 2015، وقرارات مؤتمر روما، بل وقرارات الأمم المتحدة التي فوضت السراج أيضًا، ولا يحق له المشاركة في المفاوضات باسم الشعب الليبي. والأمم المتحدة التي تَعُدّ حفتر الآن طرفًا في الحوار خلافًا لمعايير الشرعية لديها، والتي التزمت الصمت أمام الهجمات العسكرية التي شنّها حفتر منذ توقيع الاتفاق السياسي الليبي حتى اليوم- استمرت في موقفها أمام الهجوم على طرابلس، وتجنبت اتخاذ موقفٍ واضحٍ لمصلحة الجهة المفوضة من قبلها ضد هجمات حفتر. وكذلك بقيت فرنسا وإيطاليا والإمارات العربية المتحدة ومصر التي كانت تقوم بمبادرات "دبلوماسية" خاصة بها، بموازاة الاتفاق السياسي الليبي الموقّع في عام 2015- صامتةً أمام هذه الخطوات التي تتناقض مع إدارة العملية من جهةٍ واحدةٍ. وهكذا تعززت الانقسامات السياسية نتيجةً لعدم التعامل مع الأطراف الليبية على قدم المساواة. وإنّ الأخطاء التي ارتكبتها الأمم المتحدة في العمليات المتعلقة بليبيا كانت السبب في وصول حفتر إلى مشارف طرابلس، وتعميق الأزمة الليبية.

أما تركيا، فقد نأت بنفسها عن أن تكون جزءًا من الصراع الذي ينفذه محور إسرائيل- الإمارات العربية المتحدة عبر الوكلاء في ليبيا، ووجهت رسالة إلى الممثلين الشرعيين لليبيا منذ ثورة 2012 وحتى منتصف عام 2014، مفادها "أننا إلى جانبكم في كل وقت حتى إنشاء البلد من جديد". وبذلت الجهود لإيجاد الحلول السلمية للأزمة التي انجرف البلد إليها في منتصف عام 2014. ودعمت المفاوضات التي انطلقت في عام 2015 تحت رعاية الأمم المتحدة، وعدّت الاتفاق السياسي الليبي الذي أُعلن عنه في نهاية 2015 أساسًا لحل الأزمة الليبية. وعدّت المجلس الرئاسي الذي دخل طرابلس في عام 2016 الجهة الوحيدة المعنية بالخطاب، وقدّمت لها الدعم اللازم لتتولى المؤسسات التي تولدت عن الاتفاق السياسي الليبي لإدارة العملية الانتقالية في جميع أنحاء البلاد، وحثّت المجتمع الدولي في هذا الاتجاه، ولم تقْدم على خطوات خارج حدود الشرعية التي حددتها القرارات الصادرة بمشاركة المجتمع الدولي، رغم سياسات الأمم المتحدة الخاطئة.

 

طبيعة الأزمة الليبية:

إن الأطراف الليبية لا تشكل عوامل محدِّدة في الأزمة الناشبة في البلاد. إنها أزمة إقليمية. وقيام محور إسرائيل- الإمارات العربية المتحدة بتدخلاته حال دون قيام نظام سياسيّ يستجيب للمطالب المجتمعية إبان الثورات العربية عام 2011[1]. يخطط هذا المحور لإنشاء كيان سياسيّ متناقضٍ مع مجتمعه الخاص ومعزولٍ دوليًّا من خلال إيجاد فئات النخبة الخاصة به. إذ عُزِل الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي من السلطة في عام 2013 من خلال تنظيم المؤسسات العسكرية والقضائية والصحفية والمالية والمنظمات غير الحكومية من قبل دولة الإمارات العربية المتحدة، وبقيت دول العالم وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية صامتة تجاه العملية الانقلابية.[2] وفي عام 2013 أيضًا، شهدت تونس اغتيالات مجهولة جرَّت البلاد إلى أزمةٍ دفعت النهضة إلى الانسحاب من السلطة.

وفي عام 2014، قام حفتر بمحاولة الانقلاب في ليبيا، وأغلق المتحدث باسم البيت الأبيض ملف الموضوع قائلًا: "لا أستطيع التعليق في هذا الخصوص"، وبقي العالم صامتًا أمام الحدث. وقد أولى ولي العهد السعودي الثاني الأمير محمد بن سلمان اهتمامًا بالموضوع خلال زيارته إلى واشنطن في عام 2015، وأصبح أحد الأطراف المهمّة في محور إسرائيل- الإمارات العربية المتحدة بعد توليه ولاية العهد بعمليةٍ انقلابيةٍ عام 2017. وهذا المحور يرفض النظام السياسي المعقول الناتج عن مفاوضاتٍ ديمقراطية، ويدفع الشعوب بدلًا من ذلك إلى الاختيار بين الديكتاتورية والأزمة، وهكذا غاضت أجواء التفاؤل بالديمقراطية والتنمية التي سادت في ليبيا في عامي 2012 و2013، نتيجة تدخلات هذا المحور ودخلت ليبيا في أزمةٍ عميقةٍ.

شهدت منطقتا الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سلسلة من الأحداث المتزامنة التي أفرزت نتائج لمصلحة محور إسرائيل- الإمارات العربية المتحدة، واستُخدِم فيها نفس الوسائل في خدمة غايات مشابهة. وبطريقةٍ مشابهةٍ، قدم هذا المحور الدعم العسكري والمالي والسياسي والدبلوماسي والإعلامي للأطراف المتحالفة معه في المنطقة، فكانت القوة العسكرية لكتائب القعقاع والصواعق في طرابلس، والقنوات التلفزيونية مثل "العاصمة"، والعديد من السياسيين المحليين ضمن سلسلة التحالفات التي أُنشِئت عبر محمود جبريل في عامي 2012 و2013[3]، حيث قُدِّم جبريل بوصفه رائد الحداثة في ليبيا. لكن تغيُّر موازين القوى لمصلحة العسكر في مصر قدّم حفتر إلى الواجهة، وأُنشِئَت سلسلة من التحالفات الجديدة تتمركز حول حفتر.

وجاءت الاغتيالات "مجهولة الهوية" التي شهدتها بنغازي لتمنح الفرصة الذهبية لحفتر من أجل أن يظهر بمظهر المنقذ في بنغازي، والتَفَّ العساكر في المنطقة الشرقية حوله، وظهرت القنوات العديدة الموالية لحفتر، وبدأت تقدّم الدعايات المؤيدة له. وشُكِّل لوبي ديني لمصلحة حفتر يقوده تيار ديني سلفي المنهج. وأظهرت العمليات العسكرية التي نفّذها حفتر خلال السنوات الأربع أنه يتلقى مساعداتٍ كبيرةً من السلاح والعتاد، كما أظهرت العلاقات التي أنشأها مع القبائل في المناطق الشرقية أنه ذو إمكانيات مالية كبيرة. إلى جانب ذلك وقف المجتمع الدولي صامتًا أمام جميع العمليات العسكرية غير القانونية، كما سيُشار إليها بالتفصيل لاحقًا، بل أصبح محل الخطاب من قبل الأطراف الدولية. وهكذا نجد مرةً أخرى وبجلاءٍ أن محور إسرائيل- الإمارات العربية المتحدة أنشأ الأطراف الخاصة به في المنطقة عمومًا، وفي ليبيا خصوصًا، ويقدّم لها الدعم بكل الوسائل، ويقدّم لها الحماية في الساحة الدولية.

إن النظر إلى السياسة التي اتّبعها محور إسرائيل- الإمارات العربية المتحدة في المنطقة منذ 2012، وآثارها في ليبيا، يكفي لإدراك أن الأزمة لا يمكن حلّها عن طريق الأطراف المحلية، ولن يقف هذا المحور مكتوف الأيدي فيما لو نتج استبعاد حفتر من العملية بعد الهجمات التي قام بها على طرابلس، وسيقوم هذا المحور بإنتاج طرفٍ جديدٍ يتحرك معه. وهكذا تكتسب الخطوات غير القانونية التي تقدّم عليها الأطرافُ الجديدةُ المشروعيةَ من خلال صفة "الوضع الراهن" أو "الممثل الفعلي" بفضل اللوبيات الدولية. ومستقبل الأزمة الليبية من هنا مرتبطٌ بالخطوات التي سيقدم عليها هذا المحور في المنطقة. والأمم المتحدة والأطراف الدولية بالمقابل تقوم بتبني الخطوات غير القانونية التي تقدم عليها هذه التحالفات، وحمايتها عن طريق النشاطات اللوبوية لهذا المحور، بدل القيام بالموازنة والتحديد. ويأتي الموقف الذي أبداه الرئيس الأمريكي ترامب لمصلحة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في جريمة خاشقجي نموذجًا بارزًا للعلاقات غير المتوازنة بين الأطراف الدولية ومكونات هذا المحور[4]. وعندما نأخذ المعايير بعين الاعتبار ينبغي تأكيد أن الأزمة الليبية أزمةٌ إقليميةٌ، وأن الجهات الدولية تحوّلت إلى طرف في هذه المشكلة، بدل العمل على إيجاد حلٍّ لها، ولا يمكن إنهاء الأزمة الليبية من دون تشكيل توازنٍ سياسيّ جديدٍ في عموم المنطقة.

 

الديناميات المحلية للأزمة:

بعد تشكيل البرلمان الموسع (المؤتمر الوطني العام) في الانتخابات التي جرت في تموز عام 2012، ظهرت آمالٌ كبيرة حول إنشاء نظام سياسي يلبي المطالب المجتمعية. لكن الأطراف السياسية في طرابلس في الفترة 2012- 2013، لم تستجب للمطالب المجتمعية للشعب الليبي، وتدخل الأطراف الإقليمية، فظهرت مرحلة الاستقطابات السياسية وتهيئة الأرضية للتدخلات العسكرية. وفاز محمود جبريل التي تبيّن أنه تلقى دعمًا ماليًّا كبيرًا من الإمارات العربية المتحدة في مرحلة التحضير للانتخابات بالأغلبية في المجلس الوطني الانتقالي، وشهد هذا المجلس تنافسًا كبيرًا بين جبريل والحركات الإسلامية المعارضة. وتعزّز نفوذ جبريل القريب من الإمارات العربية المتحدة من خلال دعمه لكتائب القعقاع والصواعق، وجذب إليه فئات كبيرة من النخب البيروقراطية والمالية ونجح في الحصول على تأييد جماهيري.

وقامت الحركات الإسلامية المعارضة كذلك بتطوير شبكة من العلاقات المشابهة. فالانقسامات السياسية التي حدثت داخل المجلس الوطني الانتقالي ولَّدتْ أقطابًا مكوَّنةً من البيروقراطية ووحدات مليشيات مرتبطة بالأطراف الإقليمية. وانشغال الأطراف في طرابلس بالصراع على السلطة، وإهمال الخدمات العامة في جميع أنحاء البلاد نتيجة لذلك، وشعور القبائل في المنطقة الشرقية بالتهميش، والمخاوف الأمنية الناجمة عن داعش والعناصر المتطرفة، كل ذلك مهّد الطريق أمام حفتر لتأسيس أرضية له على المستوى المحلي. وفي أعقاب تغيّر الظروف الإقليمية وتسلّم العسكر السلطة في مصر احتشد قسم من أنصار جبريل في الاستقطابات التي نشأت في عامَي 2013 و2014، وزعماء القبائل الذين شعروا بالتهميش في المناطق الشرقية، والضباط الذين لا يشعرون بالأمان- فاجتمعوا حول حفتر، وبدأت أحاديث الانقلاب تنتشر في ليبيا.[5]

واعتبارًا من عام 2014، أصبح حفتر في قلب الديناميات المحلية للأزمة الليبية. وحفتر الذي قام بمحاولته الانقلابية على الهيئة السياسية المنتخبة الوحيدة في البلاد في شهرَي شباط وأيار عام 2014، وحمل صفة الانقلابي غير المشروع من قبل جميع المؤسسات المختصة في البلاد- حاول اغتصاب الشرعية لنفسه من خلال مجلس النواب الذي تولى مهامه مع انتخابات تموز 2014. ومن أجل ذلك عمل منذ أيار 2014 على إحباط خطط الأمم المتحدة أو أي خطط أي طرفٍ ثالثٍ يعمل على حلّ سلمي في ليبيا. ومنذ عام 2015 شهدت البلاد وجود سلطتين تشريعيتين وتنفيذيتين واحدة في طرابلس والأخرى في طبرق. وبينما كانت المنطقة الغربية موزعةً بين أطرافٍ مختلفةٍ ومتنوعةٍ؛ كانت المنطقة الشرقية كانت أكثر انسجامًا تحت ضغوطات حفتر وسلطته. وقد رضخ مجلس النواب في ظل ضغوطات حفتر، ورفض التوقيع على الاتفاق السياسي الليبي الذي رأى النور نتيجة المفاوضات التي جرت تحت رعاية الأمم المتحدة.

ولم يتمكن المجلس الرئاسي الذي تولى مهامه في طرابلس في عام 2016 بتفويض من الأمم المتحدة من قيادة البلاد بشكلٍ كاملٍ في الفترة الانتقالية بقوة السلاح. وبحلول عام 2017 لم يبق في مجلس النواب الذي يمثل السلطة التشريعية في المنطقة الشرقية سوى عدد قليل من الأشخاص الموالين لحفتر، لا يتجاوز عددهم ثلاثين أو أربعين شخصًا. لكن الأمم المتحدة لم تتعامل مع طرابلس رغم تجمع الأغلبية فيه، وتحول ربع مدينة بنغازي إلى خرابٍ نتيجة الصراع الذي قاده حفتر طيلة ثلاثة أعوام تقريبًا، وألغى المؤسسات المختارة في المناطق الخاضعة لسيطرته، وعيّن عليها حكّامًا عسكريين. وحاصر مدينة درنة التي وقفت في وجهه في المنطقة الشرقية سنواتٍ طويلةً بذريعة "مكافحة الإرهاب"، فتسبّب بموت عدد كبيرٍ من المدنيين فيها، ودخل المدينة بالأسلحة الثقيلة، وتسبب بدمارٍ كبيرٍ فيها. وتبيّن أخيرًا أنه كان يعدّ العدّة لشنّ هجومٍ واسعٍ على طرابلس بالتزامن مع قيام الأمين العام للأمم المتحدة بزيارته من أجل الحل السياسي.

يبدو أن خليفة حفتر امتلك أعدادًا كبيرة من القوة العسكرية وكمية ضخمة من العتاد بعد مرحلة طويلة من الإعداد لشنّ الهجوم على طرابلس. وبعد سيطرته على جفرة في عام 2017، نظّم هجومه على فيزان، وسيطر على بعض المناطق فيها أيضًا. واستقرّ في فيزان، ثم توجّه نحو الشمال ليتمركز في غِريان ويعقد اتفاقات مع بعض الأطراف في المنطقة الغربية منها. وفي 4 نيسان، تحرك من هناك لينتقل من الجنوب إلى العزيزية بسهولةٍ، ووصل إلى مطار طرابلس الدولي في جنوب المدينة.

لم تكن هناك قوّاتٌ مدرعة كبيرة حول المدينة بعد انسحاب ميليشيات مصراتة وزيتانلي القوية من طرابلس في عامي 2017 و2018. ولم تكن هناك مقاومة كبيرة للهجوم في لحظاته الأولى؛ بسبب تمركز الوحدات العسكرية في المدينة في مطار ميتيغا الواقع في المركز. غير أن الوحدات العسكرية الموجودة داخل طرابلس والمناطق الغربية اجتمعت تحت قيادة واحدة في إطار التعليمات التي أصدرها رئيس المجلس الرئاسي فايز السرّاج بعد الهجوم، وتحركت من أجل حماية طرابلس إضافة إلى المناطق الغربية. يشار إلى أن الوحدات العسكرية التابعة لحفتر انسحبت على نطاق واسع من طرابلس والمناطق المحيطة بها في أثناء كتابة هذا التقرير. ولوحظ أن خليفة حفتر استخدم الأسلحة الثقيلة خلال هجومه على طرابلس، وأنه تلقّى دعمًا كبيرًا في السلاح والذخائر على الرغم من حظر السلاح المفروض على ليبيا من قبل الأمم المتحدة.

توحّدت القوى الوطنية الملتفة حول المجلس الرئاسي لمواجهة حفتر، وتولى السرّاج هذه المواجهة رغم أنه تجنّب اتّخاذ موقف متشدّد ضدّه حتى اليوم. واتّخذ رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني فتحي باشاغا الترتيبات العسكرية اللازمة. فجرى توحيد الوحدات العسكرية في المنطقة الغربية بما فيها وحدات مصراتة وزنتان تحت قيادة واحدة. وخرج الناس في المنطقة الغربية في مظاهرات يعلنون رفضهم لحفتر. وأصدر النائب العام العسكري الليبي مذكّرة توقيف بحق حفتر. وأصدر محمد المقريف، الذي يحظى باحترام الجهات السياسية البارزة ومختلف الشرائح المجتمعية في ليبيا بيانًا انتقد فيه خليفة حفتر بشدة وأعلن وقوفه إلى جانب السلطة الشرعية، وبذل المثقفون والصحفيون البارزون في المنطقة الغربية جهودًا جبّارة في تشكيل الرأي العام المناهض لحفتر. ونتيجة للهجمات اجتمعت الأطراف المتنافسة في المنطقة الغربية حول الاتفاق السياسي الليبي من جديد. وتعزّز موقف السرّاج الذي يمتلك الشرعية الدولية، والأطراف العسكرية المرتبطة به.

 

المجتمع الدولي وأزمة المشروعية:

عندما أصبحت نتائج الاشتباكات التي بدأها حفتر بدءًا من عام 2014 تنقلب عليه تدخّلت الأمم المتحدة من أجل "إيقاف القتال والبحث في الحلول السياسية"، وفي نهاية المفاوضات التي استمرت طوال سنة 2015 في مدينة الصخيرات المغربية تُوصِّل إلى الاتفاق السياسي الليبي (اتفاق الصخيرات). وقد نصّ هذا الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية، واعتبار برلمان طبرق الهيئة التشريعية، وتأسيس مجلس أعلى للدولة في طرابلس، وهو جهاز استشاري ملزم [في مشروعات القوانين ذات الصفة التشريعية]، واعتبار المجلس الرئاسي الذي يترأسه فايز السراج وحكومة الوفاق الوطني أجهزة تنفيذية. وبقيت مناصب رؤساء المؤسسات المهمّة مثل رئاسة هيئة الأركان شاغرة. واقتُرِحت إعادة الانتخابات وتشكيل جهاز تشريعي وتنفيذي واحد خلال عامين على أقصى حدّ.[6] إن إصرار الأمم المتحدة التعامل مع حفتر نابع من أزمة الشرعية التي منشؤها الأمم المتحدة، فحفتر لا يملك حق التمثيل في إطار الاتفاق السياسي الليبي، كما ذكرنا سابقًا.

رغم ذلك، لم تأخذ الأمم المتحدة والأطراف الدولية الاتفاق السياسي الليبي بعين الاعتبار، وقبلت بحفتر محاورًا سياسيًّا، واستضافته في عواصم العالم. وعليه فإن عُدَّ حفتر محل خطاب انطلاقًا من القرارات الصادرة من مجلس النواب؛ فإنّه لا يمكن القبول بشرعية السراج الذي يَعدّه المجلس ممثلًا غير شرعي. لكن السراج يجلس في الطرف الآخر من طاولة المفاوضات نفسها. وإن كانت حكومة السراج المفوَّضة من الأمم المتحدة تُعَدّ طرفًا شرعيًّا، فإنّه يجب اعتبار حفتر الذي يمنع ممارسة الحكومة أعمالها في المنطقة الشرقية بقوة السلاح انقلابيًّا وغير شرعي. وفي هذه الحالة، لا يمكن اعتباره طرفًا شرعيًّا. إن تحويل الأمم المتحدة خليفة حفتر إلى مخاطَبٍ سياسيٍّ متجاهلة معايير الشرعية في ليبيا التي حدّدتها هي بنفسها؛ عمَّق الأزمة الليبية، وعزّز نفوذ الذين يريدون تصميم ليبيا عبر حفتر.

إن قيام الوحدات المرتبطة بحفتر بالهجوم على طرابلس في أثناء استقباله الأمين العام للأمم المتحدة في بنغازي "من أجل الحلول السياسية"[7] وجّه ضربة في صميم التوقعات المتفائلة حول قدرة الأمم المتحدة على فهم ليبيا وقيادتها للحلّ السياسي فيها. فقد تبيّن أن حفتر أعدّ التحضيرات لمدة طويلة من أجل تنفيذ الهجوم الذي بدأ في 4 نيسان، فإن لم يتمكّن المسؤولون في الأمم المتحدة من معرفة ذلك، فهم ضعفاء للغاية في قدرتهم على قراءة الواقع الليبي. وإذا كان الأمين العام للأمم المتحدة زار حفتر رغم معرفته بأنه قد أعدّ العدّة للهجوم على طرابلس فالوضع أخطر بكثير، فيكون بذلك قد نسف معايير الشرعية كلّها من خلال زيارته لانقلابيّ غير شرعيّ استعدّ للهجوم على حكومة طرابلس المفوضة من الأمم المتحدة.

التزم مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا الصمت أمام هجوم حفتر على طرابلس، وعرقلت الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا مجلس الأمن الدولي،[8] وصدرت من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا تصريحات تمنح الضمان لحفتر. ولم يصدر حتى الآن أي تصريح من سلامة -مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا- يتعلق بالهجمات ضد الأطراف الشرعية المفوضة من الأمم المتحدة، ولا عن موقف حفتر العدواني. وأعدت إنكلترا مشروع قرارٍ لوقف القتال في ليبيا أيدته ألمانيا، فاستخدمت روسيا الفيتو ضده بحجة أنه "ينتقد حفتر"، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت الفيتو من دون تقديم سبب. وهكذا اتفق الطرفان الأمريكي والروسي على دعم حفتر، وجاءت دعوة الرئيس الفرنسي ماكرون "السراج وحفتر إلى إيقاف القتال" ليضع الطرفين في كفَّةٍ واحدة. وهكذا تناقضت هذه التصريحات والمواقف والدعوات بشكلٍ صريحٍ مع التصريحات التي تعترف بالمجلس الرئاسي المفوّض من الأمم المتحدة، وفُسِّرت بأنّها داعمةٌ لحفتر.

وقد أثار الموقف الفرنسي المؤيد لحفتر امتعاض الحكومة الشرعية، فصرح وزير الداخلية باشاغا أنه أوقف التعاون الأمني مع باريس، واتّهم السراج فرنسا بدعمها لحفتر[9]. وقد أظهرت الصحف الفرنسية التي نشرت أخبارًا حول محاربة حفتر الإرهاب في طرابلس بأنها تتبنى الدعايات المؤيدة لحفتر. وفي 15 نيسان 2019 أجرى الرئيس الأمريكي ترامب لقاءً تلفزيونيًّا من أجل مناقشة "الرؤية المشتركة" مع حفتر، أعرب فيه عن "اعتقاده بأن القوات الليبية بقيادة حفتر سيكون لها دور كبير في مكافحة الإرهاب"[10]. وهكذا ظهرت الصلة العميقة بين خط المحور الإقليمي السابق ذكره والبيت الأبيض في الملف الليبي بوضوح.

وهكذا يتضح أنّ المواقف الحالية للأطراف الدولية مثل الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا التي ترى خليفة حفتر ممثلًا فعليًّا على الطاولة- تُعدّ خروجًا على جميع المعايير الشرعية؛ ويتّضح أنّها ستقبل بحالة الأمر الواقع إذا تمكن حفتر من دخول طرابلس. وقد لاحظت الجهات الشرعية في ليبيا ذلك، وفي مقدّمتها السراج رئيس المجلس الرئاسي وباشاغا وزير الداخلية، وأكدّت أنها ستستمر في الكفاح العسكري حتى القضاء على قوات حفتر بالكامل.

ووفقًا للمشهد القائم، يمكن تصنيف الأطراف المحلية والدولية حول الأزمة الليبية إلى قسمين: طرف مؤيّد للحلّ العسكري، وآخر يؤيد الحلّ السياسي. فالأطراف التي تبعث برسالة إلى حفتر، وهو يشنّ هجومه على طرابلس، أن "مقعدك في الطاولة جاهز" هي الأطراف المصرّة على الحل العسكري في ليبيا. والأطراف التي تقف صامتة أمام المساعدات العسكرية والاستخبارية واللوجستية التي يقدّمها محور الإمارات العربية المتحدة ومصر إلى حفتر تعزّز مواقف الأطراف المنحازة إلى الحل العسكري. والأطراف المؤيدة للحل السياسي هي تلك الأطراف التي تتعامل مع ليبيا في إطار الاتفاق السياسي الليبي وتعارض عسكرة الدولة على الرغم من جميع التدخلات غير المشروعة للقوى الإقليمية والدولية في ليبيا. وقد تسبب افتقار المجلس الرئاسي في طرابلس والمؤسسات المرتبطة به إلى الدعم في إضعاف الدور الذي ستؤدّيه الأطراف المؤيدة للحل السياسي.

وقد قدّم ممثّل الأمين العام للأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة الذي تولى منصبه في يوليو 2017 خريطة طريق للحل. وكان من المتوقع وفقًا للخريطة أن يُجرَى بعض التعديلات في الاتفاق السياسي الليبي بمشاركة ممثلي الأطراف المتصارعة في ليبيا، وتنظيم المؤتمر الوطني، وتشكيل الهيئات التنفيذية الجديدة، وتوفير البنية التحتية من أجل إجراء الانتخابات، وإجراء الاستفتاء العام حول الدستور، وإجراء الانتخابات البرلمانية. وقد تعرّض لانتقاداتٍ شديدة بسبب الخطوات التي اتخذها بطريقةٍ غير شفافةٍ من أجل تحقيق هذه الأهداف، ولاسيّما في تحديد الشخصيات التي ستشارك في المؤتمر الوطني الموسّع.

إلى جانب ذلك، تحوّل حفتر في عهد سلامة إلى الطرف الأكثر قبولًا من العواصم العالمية، وقد قلبت هذه الحالة المعايير الشرعية التي وضعتها الأمم المتحدة رأسًا على عقب. وجرى إضعاف دور مؤسسة الأمم المتحدة في قيادة الحل من خلال اتباع السياسات الموازية للمبادرات التي اتّخذتها الأمم المتحدة، بل إنّ الأمم المتحدة التي بقيت صامتةً أمام اجتماع الأطراف التي ليس لها تمثيل من قبل الشعب الليبي في المفاوضات التي جرت في أبو ظبي زادت من أزمة المشروعية عمقًا. كما أنّ زيارة الأمين العام للأمم المتحدة لحفتر في بنغازي عندما كان حفتر مستعدًّا للهجوم على طرابلس يفتح الباب للسؤال بعمقٍ حول دور مؤسسة الأمم المتحدة في الأزمة الليبية.

 

السياسة التركية في ليبيا:

وقفت تركيا إلى جانب الأطراف الليبية خلال سنوات 2011- 2014 من أجل تشكيل نظامٍ سياسيٍّ يستجيب للمطالب المجتمعية في ليبيا، وإنشاء نظامٍ عامٍّ يستجيب للاحتياجات. وبذلت جهودًا كبيرةً سواء من أجل زيادة الرفاه الاجتماعي من خلال استكمال مشروعات البنية التحتية الموقعة مع الشركات التركية قبل ثورة شباط، أو من أجل تنشيط السوق الحرة من خلال زيادة الحجم التجاري للشركات الصغيرة والمتوسطة مع السوق التركية. واتُّخِذت خطواتٌ حقيقية في مجال تدريب الشرطة الليبية، وزيادة كفاءة موظفي مؤسسات الخدمات العامة، وتطوير التعاون المتبادل بين بلديات البلدين. وبعبارة أخرى، بحثت تركيا عن تطوير المشروعات المشتركة لإعادة بناء ليبيا، في وقت كان المحور الذي تقوده الإمارات العربية المتحدة يسعى إلى تشكيل عملاء لها، وجر البلاد إلى حرب أهلية. وعندما انحدرت البلاد إلى الأزمة فعلًا، اتخذت تركيا موقفًا لحلّ الأزمة سياسيًّا، وبذلت جهودًا دبلوماسيةً حقيقيةً لضمان نجاح الجهات الشرعية.

كما أبدت تركيا قلقها من العمليات التي أطلقها حفتر في بنغازي في أيار 2014، ومن الاشتباكات التي حصلت بين قوات فجر ليبيا ووحدات زنتان في طرابلس وأوصلت البلاد إلى حالتها اليوم، وناشدت الأطراف بالتزام بالهدوء. وحين بدأت عملية التفاوض بين الأطراف المتصارعة برعاية الأمم المتحدة في نهاية عام 2014، شجّعت تركيا الأطراف الليبية على المشاركة في العملية. كما أيّدت قبول جميع الأطراف الليبية للاتفاق السياسي الليبي الذي جرى التوصل إليه نتيجة المفاوضات في نهاية عام 2015، ودعمت العملية الانتقالية من خلال المؤسسات الناشئة عن الاتفاقية. وقد أيدت غالبية أعضاء المجلس الرئاسي الاتفاق وأعلنوا عن موافقتهم، لكنه كان مستحيل التنفيذ بسبب إصرار مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا على الاعتراف برئاسة مجلس النواب في طبرق الواقعة تحت سيطرة حفتر. وقد أثار تولي برناردينو ليون، المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى ليبيا في تلك الفترة، منصب رئيس الأكاديمية الدبلوماسية في الإمارات العربية المتحدة فيما بعد- أثار التساؤلات حول المرحلة.

قدّمت تركيا الدعم الكامل للمجلس الرئاسي الذي فوّضته الأمم المتحدة، واعترف به باعتباره الجهةَ الشرعية الوحيدة في البلاد، وذلك بعد رفض مجلس النواب [طبرق] التوقيع على الاتفاق السياسي الليبي. وقدّمت كل أنواع الدعم للمجلس الرئاسي ليتمكن من تنفيذه مهامه في أنحاء البلاد كافة في إطار الصلاحيات التي فوض بها. لكن حفتر منع المجلس الرئاسي من قيادة العملية الانتقالية في عموم البلاد بقوة السلاح. ولم تصدر أيّ نتائج إيجابية من المؤتمرات التي عُقِدت في فرنسا وإيطاليا ودُعِي إليها حفتر من أجل تجاوز هذه العرقلة. وكان رد فعل تركيا أمام مشهد الجمود في المؤتمر الليبي الذي عُقِد في مدينة باليرمو بإيطاليا هو الانسحاب من المؤتمر.

فرض الوفد المصري وخليفة حفتر واقعًا خارج إطار المذكّرة الرسمية من خلال طلبهما عقد اجتماع خارج البرنامج الرسمي الذي أعلنته إيطاليا، ووافقت إيطاليا المضيفة للمؤتمر على ذلك، وهو ما جعل الاجتماع الرسميّ بلا معنى. وكما ذكرنا منذ قليل، دأب المحور الذي تقوده الإمارات العربية المتحدة في إيجاد واقع خارج الاتفاقات الدولية حول الأزمة الليبية منذ منتصف عام 2014. في حين أن المجتمع الدولي كان راضيًا عن هذا الواقع، وهذا سمح لأن تكون الاتفاقات الدولية لا معنى لها. وقد انتقل هذا الوضع إلى باليرمو، وحدثت عملية مماثلة لما حدث من قبل. وقد أدركت تركيا التي تتابع التطورات عن كثب أنها ستسهم في جمود المسألة بدلًا من حلّها فآثرت الانسحاب.

 

الخاتمة:

جُرَّت ليبيا إلى الأزمة من خلال الإستراتيجية التي يتبعها محور إسرائيل- الإمارات العربية المتحدة على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تمكن حفتر الذي تحول إلى طرف رئيس في الأزمة الليبية من الوصول إلى أبواب طرابلس بفضل الدعم المالي والعسكري الإماراتي، والدعم العسكري المصري والدعم الدبلوماسي الفرنسي الأمريكي وموافقة الأمم المتحدة على الخطوات غير القانونية. وزيارة الأمين العام للأمم المتحدة لحفتر وهو يقوم بالهجوم على طرابلس وبقاء الأمم المتحدة صامتة تجاه الهجوم سلّط الضوء على دور المؤسسة الدولية في الحل. وتظهر الأمم المتحدة بأدائها منذ مايو 2014 بأنها أسهمت في توسيع رقعة المحور المذكور بدلًا من العمل على الحلّ.

كما أن فيتو الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا في مجلس الأمن الدولي لمصلحة حفتر أظهر أن المؤسسة عاجزة عن الإسهام في حل الأزمة الليبية. ووضعت التصريحات الفرنسية والأمريكية الحكومة المفوضة من الأمم المتحدة والانقلابييين في نفس الكفة، ومنحت الانقلابيين الضمان بعدم معاقبتهم. في هذه المرحلة، ينتظر العالم أن يدخل حفتر طرابلس بالقتال، والقوى الشرعية في طرابلس تقاوم. لكن تقديم هذا المحور أسلحة التكنولوجيا المتقدمة إلى حفتر بشكلٍ تدريجيٍّ، مقابل حرمان القوى الشرعية في طرابلس من المساعدات الكافية يؤثر سلبًا في المقاومة.

والأزمة الليبية تأتي نتيجةٍ لمشروع التحالف المذكور في تصميم الشرق الأوسط وإفريقيا. ويشكل هذا المحور جوهر الانقسامات السياسية الخطيرة والأزمات والمشكلات الأمنية والتوترات الاجتماعية في عددٍ كبيرٍ من البلدان، مثل مصر وليبيا وتونس والجزائر والسودان وفلسطين والأردن والعراق وسوريا وقطر واليمن. ومن الواضح بجلاء أن الرئيس الأمريكي ترامب يتعاون مع هذا التحالف، ويحمي الخطوات التي تتخذها الأطراف المذكورة في المنطقة. ولا يغيب عن الأنظار النشاطاتُ الفعالةُ التي يقوم بها المحور المذكور على خط الأزمات الإيرانية الأمريكية، والسعودية القطرية، والخليجية الإيرانية، وعددٍ كبيرٍ من الأزمات الأخرى.

جرى تدمير النظام الأمريكي الذي أُسِّس في المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية بوساطة الثورات العربية. وكان يمكن لهذه الثورات أن تتحول إلى نظامٍ سياسيٍّ معقولٍ يستجيب للمطالب المجتمعية، وتجري فيه المفاوضات الديمقراطية. لكن المحور المذكور تحرك من أجل منع حدوث ذلك، وسعى بدلًا من ذلك لإنشاء كياناتٍ سياسيةٍ معزولةٍ جماهيريًّا، وبعيدة عن الديمقراطية والعقلانية.

شغلت المنطقةَ إما كيانات ديكتاتورية وصلت إلى السلطة بالانقلاب كنموذج مصر، وإمّا سيناريوهات الحرب الأهلية كما هو الحال في ليبيا واليمن. وإنّ تعاون روسيا والولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي لمصلحة حفتر، ودعم فرنسا لحفتر إلى درجة دعت السراج إلى انتقادها بشكل مباشر- يشيران إلى غياب طرفٍ دوليٍّ يحقق التوازن مع هذا المحور في المسألة الليبية.

وإذا لم يُكبَح جماح هذا المحور فإن الأزمة في ليبيا مرشحةٌ للاستمرار، أو لتنفيذ السيناريو المصري. والاحتمال الآخر، مع أكثر التوقعات تفاؤلًا هو أن يعود الطرف السياسي القوي خطوة إلى الوراء وتتطور القضية إلى أزمة سياسية كما هو الحال في نموذج تونس.

 

الهوامش والمراجع:

 

[1] من أجل السياسة الخارجية التي تتبعها الإمارات العربية المتحدة انظر: محمود رنتيسي وأمره ككلي، "السياسة الخارجية للإمارات العربية المتحدة"، تحليلات سيتا، عدد: 208، (أغسطس 2017).

[2] من أجل تقييم شامل لعملية الانقلاب في مصر، انظر: إسماعيل نعمان ثلجي، مصر: الثورة والثورة المضادة، (سيتا، إسطنبول: 2017).

[3] من أجل تحليل شامل حول الموقف السياسي في ليبيا في عامي 2012 و2013، انظر:

Wolfram Lacher, “Fault Lines of Revolution”, SWP Analiz, No: 5, (Mayıs 2013).

[4] من أجل تحليل شامل للعلاقة بين محمد بن سلمان وهذا المحور؛ انظر: إسماعيل نعمان ثلجي، مستقبل سياسة الشرق الأوسط بعد جريمة خاشقجي، تحليلات سيتا، العدد: 259، (تشرين الأول 2018).

[5] من أجل تقيم مفصّل للتوازنات السياسية في هذا العهد؛ انظر: أمره ككلي، السياسة الليبية من ثورة 17 شباط إلى محاولة انقلاب حفتر، تحليلات سيتا، العدد: 99، (حزيران 2014).

[6] من أجل تقييم مفصّل لاتفاق الصخيرات، انظر: أمره ككلي، السياسة الليبية: من محاولة انقلاب حفتر إلى مشروع الأمم المتحدة من أجل الحل، تحليلات سيتا، العدد: 152، (شباط 2016).

[7] “UN Committed ‘to Support the Libyan people’ as Guterres Departs ‘with Deep Concern and a Heavy Heart’”, UN News, news.un.org/en/story/2019/04/1036161, (Date of access: 25 Nisan 2019).

[8] “U.S., Russia Say Cannot Support a U.N. Call for Libya Truce: Diplomats”, Reuters, 19 Nisan 2019.

[9] “Despite Denials, France’s Support for Libyan Warlord Hafter Is Laid Bare”, TRT World, 24 Nisan 2019.

[10] “Trump Praises Libyan General as His Troops March on US Backed Government in Tripoli”, CNN, 19 Nisan 2019.

 

 

 

 


نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومقيدة لأغراض محددة. لمزيد من التفاصيل ، يمكنك الاطلاع على "سياسة البيانات الخاصة بنا". أكثر...