رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

لغة الإسلاموفوبيا وتعبيراتها الإعلامية في الواقع الأوروبي  

تتعدّد صيغ التعبير عن الإسلاموفوبيا بالطرق المباشرة وغير المباشرة، وتعتمد شعارات الإسلاموفوبيا في تصميمها البصري على المبالغة في التنميط؛ بإبراز المسلمين ضمن قالب محدّد، أو تصوير الإسلام من خلال رموز معيّنة مبسّطة وكريهة. وقد طوّرت (صناعة الإسلاموفوبيا) رموزًا بصرية مخصّصة، كما تستعمل رسوم (الكوميكس) والكاريكاتير. وتتجلّى في الأغلفة الأوروبية تعبيرات عن القوالب النمطية، بينما تأتي في الإعلانات بأنواعها المختلفة مضامينُ تندرج بوضوح ضمن محاولات التعبئة السلبية

لغة الإسلاموفوبيا وتعبيراتها الإعلامية في الواقع الأوروبي   

ملخّص تتعدّد صيغ التعبير عن الإسلاموفوبيا بالطرق المباشرة وغير المباشرة، وتعتمد شعارات الإسلاموفوبيا في تصميمها البصري على المبالغة في التنميط؛ بإبراز المسلمين ضمن قالب محدّد، أو تصوير الإسلام من خلال رموز معيّنة مبسّطة وكريهة. وقد طوّرت (صناعة الإسلاموفوبيا) رموزًا بصرية مخصّصة، كما تستعمل رسوم (الكوميكس) والكاريكاتير. وتتجلّى في الأغلفة الأوروبية تعبيرات عن القوالب النمطية، بينما تأتي في الإعلانات بأنواعها المختلفة مضامينُ تندرج بوضوح ضمن محاولات التعبئة السلبية؛ وتنطوي خطابات الإسلاموفوبيا وتعبيراتها على تحيّزات ظاهرة، ويرتفع منسوب التعقيد في المضامين السمعية البصرية بالنظر إلى توظيفها النصوص والمشهد والصوت وعددًا من المؤثرات المتلازمة. تحاول هذه الورقة بشكل أساسي الوقوف على لغة الإسلاموفوبيا وتعبيراتها الإعلامية في الواقع الأوروبي.

 

لغة الإسلاموفوبيا:

تتعدّد صيغ التعبير عن الإسلاموفوبيا، فقد تأتي بلغة واضحة ومباشرة لها سمات ظاهرة ومفاتيح تقليدية، أو تأتي بلغة غير مباشرة تعتمد رموزًا وإيحاءات. عمومًا، تبني لغة الإسلاموفوبيا مَنطقها على أساس أنّ المشكلة هي مع المسلمين و/أو دينهم و/أو ثقافتهم، وهي تستعمل ذرائع وحججًا وإشارات على أحكامها المُسبقة التعميمية على أنها براهين، وهي تعبِّر بهذا المعنى عن موقف ذي طابع مبدئي صارم أو جذري سابغ من الإسلام والمسلمين.

ومن السمات الواضحة أن يجري تناول المسلمين إجمالًا بطريقة تعميمية سلبية، فلا يكون المسلم أو المسلمة موضع تقدير أو إشادة إلاّ لدى مروقه من دينه أو خروجه الفظّ على نسَق المسلمين. إنّ المسلمين الذين يحظون بإشارات إيجابية في خطابات الإسلاموفوبيا هم غالبًا أولئك الذين مارسوا نقدًا ذاتيًّا لاذعًا، أي أقدموا على فعل (جلد الذات)، أو على نحو أدقّ هم (كارهو أنفسهم)، بل ربما من المرتدِّين عن دينهم بصفة صريحة أو ضمنيّة. ولكارهي أنفسهم موقع مهمّ في منصّات الخطاب والتعبير التي تبثّ رسائل التشويه والكراهية والإسلاموفوبيا؛ لأنهم يُقدَّمون بصفة الشهود من داخل مساحة المسلمين أنفسهم، بموجب تأثير "وشهد شاهد من أهلها".

وتقوم لغة الإسلاموفوبيا على الفرز والاستقطاب بين (نحن) التي يجري تضخيمها، و(هم) بمعنى المسلمين الواقفين على النقيض من (نحن)، ولا مساحة مشتركة بينهما، كما لا يحتمل المشهد تنوّعًا وتعدّدية. فتساوقًا مع التناول التعميمي؛ تتطرّق لغة الإسلاموفوبيا إلى المسلمين وكأنهم نسخ متماثلة أو حالة متجانسة، لترسم صورة غير واقعية تستبعد ملامح التنوّع الداخلي على الأرجح.

وتأسيسًا على ذلك يجري انتقاد المسلمين بطريقة إجمالية غير موضوعية، وتعميم المسؤولية عن أخطاء أو تجاوزات محدّدة، فيُؤخَذ المجموع بجريرة الفرد، ولا يسري هذا المنطق على (نحن) بالطبع. ويجري في هذا الصدد تصدير النماذج الكريهة، المحسوبة على المسلمين، إلى الواجهة، وإبرازها لاتخاذها تعبيرًا قسريًّا عن المسلمين إجمالًا. وطبقًا لهذا المنحى يُتوسَّع في إسباغ نعت التطرّف على الاعتدال. ومن خلال إلصاق وصمة شائعة بعموم المسلمين؛ فإنهم يصبحون في جملتهم إرهابيين وعنيفين وغير متحضِّرين.

وتركِّز لغة الإسلاموفوبيا على المنحى العدديّ، لأنه يَحُول دون [أنسنة] المسلمين، ويستبعد التعاطف معهم، علاوة على أنّ تغليب النظرة العددية والإحصائية إلى المسلمين يهدف أساسًا إلى استدرار المخاوف والفزع، وبخاصة مع التهويل العدديّ وتعزيز الانطباع بالتجانس والتماثل ضمن مشهد المسلمين جميعًا؛ أي (هم)، وهو ما يحققه الكمّ العددي الذي يفترض أنه يتعامل مع وحدات متماثلة مجرّدة لا مع بشر لكلٍّ منهم اسم ووجه وخصائص يفترق بها عمّن سواه حتى ضمن الآصرة المشتركة.

وقد تعمد لغة الإسلاموفوبيا إلى نزع الصفة الإنسانية عن المسلمين، أو استعمال تعبيرات مُسيئة بحقِّهم تحطّ من كرامتهم الإنسانية، من قبيل تشبيههم بكائنات غير آدمية. ويمثِّل نزع الصفة الإنسانية منحى تصعيديًّا في لغة الإسلاموفوبيا، فقد يمهِّد لاقتراف انتهاكات وتجاوزات بحقهم، أو يوفِّر الذرائع لذلك، فإن لم يكن المسلمون من البشر بحسب تلك التعبيرات؛ فإنها مقدِّمة ملائمة لاستسهال التعدِّي عليهم أو الفتك بهم؛ بمعنى حرمانهم من حقوق وامتيازات مخصّصة للبشر؛ بما في ذلك حقّ صَوْن الحياة أو الكرامة الإنسانية مثلًا.

ويأتي في لغة الإسلاموفوبيا تركيزٌ -ظاهر في العادة- على استعمالات اصطلاحية ذات إيحاء سلبيّ، منها ما يَصِم الدين الإسلاميّ برمّته بنعوت كريهة، وهو ما يُسقِط هذه النعوت على معتنقيه ضمنًا. فإن استُعمِل مصطلح من قبيل: "الإسلام هو أيديولوجيا وليس دينًا"، فما يوحي به القائلون هو أنّ ما يعتنقه المسلمون ليس أكثر من (أيديولوجيا)، فهم من ثَمّ خارجون عن مفهوم الأديان أو الطوائف الدينية والعقائد والإيمان، وداخلون في نطاق الجماعات والمنظمات والفِرَق المهوسة. ويأتي نعت (الأيديولوجيا) المزعوم، عادة، مصحوبًا بأوصاف شائنة، كالإرهاب والتطرّف والفاشية مثلًا. وما لا ينبغي تجاهله أيضًا؛ أنّ لفظة الأيديولوجيا أصبحت منبوذة على نطاق واسع، في زمن تلقَى فيه فكرة (سقوط الأيديولوجيا) أو (نهاية الأيديولوجيات) رواجًا منذ نهاية الحرب الباردة.

وتتطوّر في أوساط (صناعة الإسلاموفوبيا) -أي الجهود النظامية والمساعي المنسّقة التي تُذكي حمّى الكراهية والتشويه والتحريض والعداء ضد المسلمين ودينهم وثقافاتهم- صياغات اصطلاحية متجددة، تأتي في هيئة شعارات منسوجة بعناية بغرض الوصم والتشويه والتحذير والتحريض وإثارة الفزع، من قبيل (الفاشية الإسلامية) و(أسلمة أوروبا) و(الغزو الإسلامي) مثلًا، فتتخذ سبيلها في لغة الإسلاموفوبيا سربًا، بكلّ ما تحمله من معانٍ مضلِّلة ومُسيئة وشحنات إيحائية سلبيّة وتمييزيّة.

تتعمّد لغة الإسلاموفوبيا تسديد الإساءات والإهانات وتعبيرات الإذلال بحقِّ المسلمين، وهي في هذا تستجيب لظمأ نرجسيّ لدى (نحن) التي اصطُنِعت، والتي يقتضي تشييد أبراجِها العاجية الإطاحةَ بالآخر الكريه أو النقيض، أي (هم)؛ بمعنى المسلمين. من هنا تُحقِّق التجاوزاتُ والتعدّيات والإساءات المسدّدةُ بعناية إلى المقدّسات الإسلامية وظائفَ مركّبة، فالمساسُ بالمقدّسات هو ذروة فعل الإهانة والإساءة والإذلال لمعتنقي الأديان، وهو ينطوي على فعل فتكٍ رمزيّ أيضًا بالمسلمين؛ لأنّ أذهانهم وأفئدتهم معلّقة بهذه المقدّسات. إنّ فعل إحراق المصحف الشريف في تظاهرات إعلامية علنية مثلًا[1] هو عدوان رمزيّ على المسلمين جميعًا باستعمال أداة الحرق، فلا يبدو مستغربًا أن تصدر في ثناياها تعبيرات وإيحاءات مُهينة أو متشنِّجة بحقّ المسلمين وصياغات وإيحاءات مشبّعة بالأحقاد، وبخاصة أنّ الرسالة لا تقتصر على النصّ أو منطوق القول المجرّد.

وتحفل لغة الإسلاموفوبيا بمقدّمات تسويغية أو استدراكات ذرائعية، ومثالها الشهير أن يقول المتحدّث ابتداءً: "ليس لديّ مشكلة مع المسلمين؛ ولكن..."، وقد تأتي هذه اللغة مشفوعة بحجج وذرائع منسوجة بعناية مع استدعاء مقولات مبسّطة وساذجة وتضمينها في التناول، كما تستحضر حقائق مجتزأة وتلفيقات مركبة، موظِّفة عناصر نفسية موغلة في إثارة الجماهير، واستعمال أسلوب [شعبويّ] لا يصمد أمام التمحيص.

ولكنّ لغة الإسلاموفوبيا لا تأتي في هيئة [شعبويّة] دومًا؛ فهي مؤهّلة لأن تعبِّر عن ذاتها من مواقع متعدِّدة؛ حتى في منابر علمية وأكاديمية وبحثية وثقافية، ولن يتردّد أصحابها في تقمّص أساليب التناول الشائعة في هذه المواقع والمنابر وتملّق تقاليدها بغرض تقديم مضامين قد تبدو رصينة للوهلة الأولى. فباسم الرصانة العلمية أو الاهتمامات الثقافية قد يجري مثلًا تفسير وقائع وتطوّرات بشكل انتقائيّ واستثنائيّ من خلال الدين الإسلامي أو ثقافة/ ثقافات المسلمين، وقد تُستحضَر حقائق مجتزأة وتلفيقات مركّبة لتخدم الأحكام المُسبقة وتوفِّر لها ما تحتاجه من ذرائع منسوجة وبراهين محبوكة. والواقع أنّ لدى (صناعة الإسلاموفوبيا) حشدًا من (الخبراء) و(المتخصِّصين) ممّن يقومون بهذه الأدوار، ويحظَوْن بفرص الحضور الثقافي والتصدّر الإعلامي والرواج الدعائي.

 

لغة الترميز:

تقوم لغة الترميز (اللغة المشفّرة) على تضمين محتوى ذي قدرة إيحائية قد يكون ظاهرًا للجميع أو لبعضهم، أو قد يأتي مُستترًا فلا يتّضح للعموم للوهلة الأولى بالقدر ذاته. وتحاول لغة الترميز من خلال خاصيّتها في التعبير غير المباشر أو الشحن الإيحائي؛ أن تمارس التحايُل على ردود الفعل المناوئة للفحوى، وربما تسعى لتجاوز النقد أو المساءلات القانونية و/أو الأدبية عن المضمون.

إنّ المعضلة التي تشتمل عليها لغة الترميز، أنها قادرة عادة على التمدّد بدون أن تلقى مقاومة من صِنْو ما تستثيره اللغة الظاهرة والمباشرة أحيانًا، كما أنّ تأثيراتها مؤهّلة لأن تتسلّل إلى وعي الجمهور مع إيحاءات رمزية عميقة قد تخاطب مفردات أو تلامس رموزًا في ثقافة المجتمعات التي تتوجّه إليها.

وتبدو لغة الترميز حاضرة في بعض الخطابات السياسية والدعايات الحزبية مثلًا، من خلال أشكال متعددة؛ ففي الحالة النمساوية مثلًا أطلق حزب الحرية النمساوي FPÖ (أقصى اليمين) سنة 1995 إعلانات في العاصمة فيينا حملت النصّ "لا يُسمَح بأن تصبح فيينا شيكاغو". ثم استأنف الحزب الشعار ذاته بعد عشر سنوات مع تعديل طفيف، ليغدو: "لا يُسمح بأن تصبح فيينا إسطنبول". ابتداءً استُدعيت شيكاغو لأنها رمز التنوّع الثقافي، وهي حاضرة أمريكية شهيرة بهذا الطابع مع قدر من التوتّرات ونسبة من الجريمة الشائعة عنها، وينسجم ذلك مع حملات مناهضة "الأجانب وطالبي اللجوء والغرباء"، التي دأب عليها حزب الحرية ذاته منذ تسعينيات القرن العشرين. ثمّ جاء الإعلان اللاحق ليشير بعد عشر سنوات إلى إسطنبول، وهي تمثل حاضرة إسلامية بارزة والعاصمة الثقافية لتركيا، وهو ما يكشف ضمنًا عن توجّه الحزب لتركيز حملاته ضد المسلمين في فيينا والنمسا، ومعظمهم من خلفية تركية. إنها كناية عن استدارة من العنصرية إلى العنصرية الانتقائية.

ولا يتوقف الأمر عند أقصى اليمين؛ فقد أبرز يمين الوسط ممثلًا بحزب الشعب النمساوي ÖVP في عهد المستشار فولفغانغ شوسل خلال السنوات (2005-2007) تعبير (احترام التقاليد) ضمن الشعارات الدعائية والانتخابية. ومن إيحاءات كلمة "التقاليد" Tradition في هذا السياق أنها قد لا تسري على المُصنّفين ضمن الوافدين أو الأجانب من حاملي خلفية الهجرة، وهو ما قد يَحمل منحى إقصائيًّا وإن لم يكن واضحًا أو مختصًّا بفئة معيّنة من (الأجانب)، أو قد يُراد منه التعبير عن الإرغام الثقافي والدفع باتجاه الصهر والتماثل Assimilation مع مجتمع الأغلبية. ومن ثَمّ فإنّ إبراز خصوصية تتعلّق بجزء من المجتمع أو بثقافة فرعية ضمنه؛ قد يكون من تجلِّيات لغة الترميز أو التعبيرات غير المباشرة.

ومن تعبيرات الترميز المصوّر، ما ورد في إعلانات حملة المناداة بحظر المآذن في سويسرا (2008-2009)، فقد صُمِّمت المآذن في الإعلانات كهيئة الصواريخ وبلوْن أسود فاحم أيضًا، وهو ما ينفي عنها صفة بُرج دار للعبادة، كما يُسقط عليها دلالات إيحائية مغايرة لأصل فكرتها أو وظيفتها.

وتندرج قضية عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي ضمن مفردات اللغة المرمّزة، وبخاصة عند استدعائها على نحو وظيفي مُفتعل لا يتناسب مع عموم سياق التناول. فملفّ عضوية تركيا في أوروبا الموحّدة مشبّع أساسًا بحمولة رمزية خلافًا لملفات العضوية التي رافقت توسعة الاتحاد عبر مراحله المتعاقبة. وبهذا فإنّ ظهور شعارات انتخابية تعلن رفض تلك العضوية؛ ينطوي على استحضار خلفيات عميقة وساذجة ترتبط بالنظرة إلى تركيا من موقع المُغايَرَة الدينية، والنقيض الثقافي، والانفصام بين (الشرق والغرب)، وهو ما يتعزّز من خلال عموم الخطاب الذي يعتمده الحزب السياسي أو القائمة الانتخابية.

ومن وجوه الترميز ذات الصِّلة؛ استدعاء إشارات مرتبطة بخلفيات تاريخية، كأن يستهلّ هانز كريستيان شتراخه، زعيم حزب الحرية النمساوي خطابًا له في ميدان عام بالقول: "حمدًا للربّ أنّ اسم الساحة لم يتحوّل بعد إلى ساحة قره مصطفى". وهذا الأخير هو الصدر الأعظم في الدولة العثمانية الذي قاد حصار فيينا سنة 1683. والمغزى من هذه الإشارة الرمزية هو التحذير من التنامي الديموغرافي للمسلمين، وبخاصة الأتراك منهم، في فيينا، وعدّهم بمثابة دخلاء على المجتمع المحلي وغزاة للبلاد. وما يزيد عمق الرمزية أنّ هذا الخطاب أُلقي في ساحة فيكتور آدلر الواقعة في مركز حي فافوريتن العمّالي في فيينا ذي الكثافة التركية.

وقد قدّم حزب الحرية في سنة 2010 شخصية (مصطفى) ضمن رسوم دعائية بأسلوب (الكوميكس Comics) وجعل هذه الشخصية في موقع التهديد الذي ينبغي مطاردته ودفعه بعيدًا. إنّ مصطفى هو كناية عن التركي، والتركي في النمسا وفي عدد من دول أوروبا كناية عن المسلم عمومًا، أو عن استدعاء مقولة تاريخ الصراع، ثمّ إنّ الاسم يتصل أيضًا بقره مصطفى، الصدر الأعظم العثماني وقائد حملة حصار فيينا الأخيرة.

 

شعارات الإسلاموفوبيا وتعبيراتها ورموزها

إنّ الشعارات، سواء أكانت نصِّية أم بصرية، هي نتاج جهود من قام بتجهيزها، وبهذا تمنح شعارات الإسلاموفوبيا بحدِّ ذاتها انطباعات عن خطط ومساعٍ كامنة خلفها، حتى إنّ الإسلاموفوبيا تتغذى أيضًا من تلك الجهود التي ترقى في بعض تجلِّياتها لأن تكون (صناعة) لها مؤسساتها ومراكزها وأبواقها ومتخصِّصوها، وهي بذلك تمضي على (خطوط إنتاج/ خطوط تجميع) عبر تواطؤات مُنسّقة و/أو عفوية، أو من خلال عمليات اعتماد متبادل وتوزيع أدوار متفق عليها و/أو تفاعلية بصفة تلقائية.

 

الشعارات النصيّة:

تأسيسًا على لغة الإسلاموفوبيا وتصوّراتها؛ تتخذ الشعارات التي تأخذ طابع الإسلاموفوبيا في نصوصها تعبيرًا اختزاليًّا عن خطابات الإسلاموفوبيا ذاتها، بكل خصائصها السائدة، وهي تعتمد على ركائز من قبيل:

  • التهويل والمبالغة، سواء جاء ذلك بأسلوب يتّسم بالإثارة أم يتّصف بالرصانة الشكلية، ويقتضي التهويل، مثل استبعاد تأويلات محدّدة لصالح تأويل مفضّل يخدم نسَق الخطاب وأغراضه، بما يجافي الموضوعية والتوازن.
  • إبراز النقائض أو التضاد، على أساس التنميط و[القوْلبة] والتعميم، وتعظيم الفوارق والتباينات في أنماط السلوك والتفكير ضمن المشهد المجتمعي، مع تجاهل السمات المشتركة والأطر الجامعة.
  • استعمال تعبيرات الاستقطاب ضمن مكوِّن بعينه من مكوِّنات المشهد المجتمعي و/أو الثقافي و/أو الديني، ومباشرة الحديث بموجب ذلك باسم الذات الجمعية ("نحن" وتعبيراتها) الممثلة بالشعب، أو المواطنين الأصليين، أو المنتسبين إلى ثقافة محدّدة، أو دين بعينه، ومقابل ذلك يُخرَج (الآخرون) من (نحن) هذه، وهم في خطابات الإسلاموفوبيا المسلمون أو من في حكمهم، ويجري حشرهم في قالب أحاديّ تعميميّ وسابغ يشملهم.
  • إبراز ذرائع وحجج تقوم على علاقة منطقية ساذجة، على أساس سببيّ مثلًا، من قبيل ربط زيادة نسبة المسلمين في المجتمع بارتفاع معدلات الجريمة، أو باستدعاء قرائن وإشارات جزئية وتفسير الواقع بعمومه من خلالها، مثلًا من خلال أسلوب الاجتزاء من الواقع وتسليط الأضواء على تفاصيل بعينها وإغفال غيرها. وقد يتمّ ذلك بتركيب متلازمات توحي بوجود ارتباط شرطيّ؛ من قبيل نصوص عن العنف والمساجد، أو عن الإرهاب وأحياء معروفة بكثافتها الإسلامية.
  • الزجّ بأحداث داهمة وتطوّرات محدّدة بشكل استعماليّ وبصفة تهويلية، بحيث يعوِّل على وضع شعارات الإسلاموفوبيا على سكّة الاهتمامات التي تتفاعل في المجتمع ضمن مرحلة معيّنة.
  • اللغة العددية، التي تزعم لذاتها القدرة على تجريد الواقع والظواهر والتفاعلات، من قبيل تصوير المسلمين في هيئة كمّ عددي، أو تقديم مؤشرات إحصائية متنامية في سياق ترهيبيّ.
  • شحن النصّ بمصطلحات ذات منحى تشويهيّ أو تحريضيّ أو تضليليّ، واستعمال مُفرَدات ذات قدرة إيحائية عالية نسبيًّا لتخدم منحى الخطاب.

 

الشعارات البصرية:

تعتمد شعارات الإسلاموفوبيا في تصميمها البصري على المبالغة في التنميط، عبر إبراز (الآخر: المسلمين) ضمن قالب محدّد، أو تصوير الإسلام من خلال رموز معيّنة مبسّطة. وغالبًا ما يكون المسلمون في صورة امرأة محجّبة أو منقّبة بطريقة باعثة على القلق أو الرهبة، أو تُقدَّم المرأة من خلف رأس محجّب فلا تُرى صفحة الوجه السافر، كما يتكرّر هذا المنحى في تصوير المسلم في هيئة الملثّم، ويحجب هذا التوظيف فرص المشاهدة والالتقاء البصري، ومن ثَمَّ يَحُول دون الإحساس بالإنسان، أو فرصة التعاطف معه. كما قد يُقحَم في التصوير أو الرسم رجل ذو ملامح قاسية وفظّة وباعثة الريبة، فيكون هو (الشرقي) أو (المسلم)، أو نحو ذلك، مع قرن الانتماء بفكرة أنه أجنبي ودخيل ولاجئ وغريب (عنّا).

وتمتاز الرموز النمطية المخصوصة التي يجري تقديم الإسلام بصريًّا من خلالها؛ بالافتراق عن السِّمات المشتركة في الحضور الديني بين المسلمين وغيرهم، إذ يجري منح الأولوية للمئذنة أو المسجد أو العمامة أو غلاف المصحف الشريف أو السيف وقطع السلاح ونحوها. إنّ أحد التأثيرات السلبية غير الملحوظة التي تفاعلت من خلال حملات التشويه والتحريض والإساءة، كما في رسوم الكاريكاتير الدانماركية (2005)، أنها وضعت الغلاف الزخرفي المألوف للمصحف الشريف[2] في هيئة رمز مرتبط بالتشويه والمخاوف، وجرى استدعاء ذلك بكثافة في أعمال التشويه والتحريض والكراهية اللاحقة.

وقد طوّرت (صناعة الإسلاموفوبيا) رموزًا بصرية مخصّصة لموادِّها الدعائية ومنابرها الإعلامية وفعالياتها الجماهيرية، من أبرزها إشارة منع المساجد[3] التي هي كناية عن رفض القبول بالإسلام ذاته، وغالبًا ما تأتي تحت شعارات من قبيل: (لا لأسلمة أوروبا!). وقد برز هذا الشعار بدءًا من سنة 2008، واستخدمته أحزاب ومجموعات أقصى اليمين من دول أوروبية متعددة في تحرّكات ميدانية مناهضة للمسلمين، لم تستثنِ بروكسيل عاصمة الوحدة الأوروبية.

ويُلجَأ في المواد الدّعائية المعادية للإسلام والمناهضة للمسلمين بشكل متزايد إلى استعمال موادّ رسومية بأسلوب فنّ (الكوميكس Comics)، وهو ما يمنحها قدرة على التمدّد في أوساط الشبان والمراهقين بشكل خاصّ، علاوة على أنّ هذا الفن يتيح موادّ مناسبة للتعميم الجماهيري في الشبكات الاجتماعية.

وقد عبّرت الإسلاموفوبيا عن ذاتها بقوّة في رسوم الكاريكاتير أيضًا، فهذا الفنّ يلائمها من حيث ما يحظى به من انتشار، ولاعتماده على التنميط والقولبة وإبراز التناقضات أساسًا. بل إنّ النزعات العنصرية قد اتّخذت لها من فنّ الكاريكاتير منصّة أساسية عبر مراحل تاريخية متعددة؛ كما في المطبوعات النازية والفاشية الأوروبية في النصف الأول من القرن العشرين[4].

وما يلفت الانتباه أنّ الإساءات الرسومية إلى الدين الإسلامي ومقدّساته، وإلى المسلمين عمومًا، هي سلوك قديم عرفته أوروبا عبر القرون، وقد اتّخذت لها تعبيرات شتى من رسوم ومنحوتات وغيرها، واختصّ بعضها بمحاولة الإساءة إلى الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بأساليب مشينة ومقزِّزة. ولا يمكن إغفال هذه الإشارات في سياق تحليل الخلفيّات التاريخية والثقافية لمحاولات إساءة مكثفة؛ ومنها حملة رسوم الكاريكاتير التي انطلقت من صحيفة (يولاندز بوسطن) الدانماركية يوم 30 أيلول/ سبتمبر 2005 ثم تمدّدت إلى أرجاء من أوروبا في السنوات اللاحقة[5].

ولم يكن مُستغرَبًا مِن ثَمّ أن تتحوّل رسوم (يولاندز بوسطن) تلك إلى مواد دعائية فجّة، وشعارات مُعلَنة لناشطي الإسلاموفوبيا، وفي صدارتها رسم العمامة التي تحاكي القنبلة، التي تستهدف الإساءة إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم، والمقدسات الإسلامية والمسلمين إجمالًا، فأصبح الرسم المُشار إليه واسع الانتشار في الشبكات الاجتماعية علاوة على اعتماده في فعاليات جماهيرية.

  

الإسلاموفوبيا المصوّرة والشبكية

الإسلاموفوبيا في الأغلفة وفي الإعلانات:

لأغلفة المجلات والكتب والمطبوعات إجمالًا تأثيرات جماهيرية تفوق ما يأتي في صفحاتها الداخلية، فهي تعتمد في التواصل الجماهيري على المخاطبة البصرية، فتحظى بفرص إبراز في الواجهات، وعلى الأرصفة، وفي مواقع انتشارها وتداولها.

تتجلّى في الأغلفة الأوروبية -إذا كان الأمر يتعلّق بشؤون تتّصل بالإسلام والمسلمين- تعبيرات شتى عن القوالب النمطية التقليدية، وبخاصة التناول الاختزاليّ التقليديّ من خلال المرأة التي لا يُرى وجهها، أو التي ترتدي غطاء الرأس مع إيحاءات سلبية في الهيئة والمكوِّنات البصرية، أو من خلال إشارات دينية نمطية تفتقر إلى عامل [الأنسنة] في الصورة، علاوة على وفرة من الصور الحافلة بالعنف والغضب.

وإذا كان من وظائف الغلاف أن يجتذب الجمهور ويحفز على اقتناء المطبوعة؛ فإنه دافع يستدرج بعض الدوريات المطبوعة أو الكتب والروايات الشعبية إلى أن تشغل أغلفتها بمخاطبة القوالب النمطية الكامنة في المجتمعات واستثنارة الأحكام المسبقة الرائجة، أو إلى تعظيم ملامح التناقض والاستثنائية والمأساوية والمخاوف، كي تحقِّق للغلاف والمطبوعة الرواج المأمول.

وتأتي في الإعلانات على أنواعها -بما فيها تلك التي تفترش الجداريات والميادين- مضامينُ تندرج بوضوح ضمن محاولات التعبئة السلبية؛ خاصّة من جانب حملات حزبية وسياسية وشعبية. وتدفع مواسم الانتخابات والاستفتاءات بمواد مشبّعة بإيحاءات سلبية عن المسلمين أو اللاجئين أو (المهاجرين) أو (الأجانب) ضمن دعاية الأحزاب والقوائم اليمينية بشكل خاصّ التي تشغل حيِّزًا واسعًا نسبيًّا من المساحات الإعلانية.

وعلاوة على مضامين الإسلاموفوبيا في الإعلانات الانتخابية والحزبية في عدد من دول أوروبا؛ فإنّ تجارب الإسلاموفوبيا الحزبية في سويسرا تقدّمت أوروبيًّا على صعيد تقديم رسائل مباشرة ورمزية تختزل الاستعمال النصِّيّ لصالح التوسّع في الترميز المصوّر[6].

ولا تغيب بعض القوالب النمطية عن المواد الإعلانية المتعددة، بما فيها تلك المرتبطة بترويج سلع وخدمات، وإن كان بعض المواد الإعلانية يتضمّن في المقابل إشارات إيجابية نحو التنوّع سعيًّا إلى مخاطبة فئات الجمهور المتعددة أحيانًا.

وما يلفت الانتباه بشكل خاصّ أنّ المواد الإعلانية المختصّة بالترويج السياحي والتي تتمّ في أوروبا لصالح هيئات الجذب السياحيّ في بلدان عربية ومسلمة، تستدعي عادة قوالب نمطية ساذجة، حتى أنها تقدِّم خدمات سياحية تحاول في بعض جوانبها التماهي مع التوقّعات والأحكام المسبقة المرسومة في مخيلات المجتمعات التي تخاطبها[7]. وفي بعض هذه الإعلانات، على سبيل المثال، تُستدعَى الصور الغرائبية والعجائبية المرتبطة بـ(الشرق)، مع تقليد تقديم وجه المرأة المغطّى –بطريقة جذابة وغير مفزعة في هذا السياق- في مخاطبة لفكرة البلاد الحافلة بالغموض والأسرار التي تستدعي الباحثين عن كشفها.

وفي هذا المنحى هناك ما يشير إلى أنّ استقرار القوالب النمطية في الوعي الجمعيّ للمجتمعات قد يمثل المعضلة الأساس؛ لأنه يغري الصناعة الإعلانية والإعلامية إجمالًا بأن تخاطبها وتستثيرها، بينما تأتي المواد الإعلانية التي تستبطن نزعة الإسلاموفوبيا لتوظِّفها في منحى تشويهي أو تحريضي، وهو ما يؤكِّد أهمية التوجّه إلى معالجة القوالب ذاتها، أو تحييد مفعولها قدر الإمكان، لا الاقتصار على مكافحة المواد التي تحمل طابع تفرقة أو عنصرية أو كراهية.

 

الإسلاموفوبيا في المواد السمعية البصرية:

تنطوي خطابات الإسلاموفوبيا وتعبيراتها على تحيّزات، وهي تزداد تعقيدًا في لغة الصورة عنها في لغة النصّ، ويرتفع منسوب التعقيد في المضامين السمعية البصرية بالنظر إلى توظيفها النصوص والمشهد والصوت وعددًا من المؤثرات المتلازمة. وما يتطلّب العناية أنّ التحيّزات قد لا تتحقّق من خلال المادة السمعية البصرية بحدّ ذاتها؛ بل من خلال سياقها أحيانًا، أي الظرف الزماني، والسياق البرامجي، ونحو ذلك.

ويمكن أن [تتمظهر] التحيّزات في المواد السمعية البصرية من خلال:

  • السياق الزمني للمادة السمعية البصرية: من قبيل توقيت بثّ المادة، وطبيعة الظرف الزمني الذي جاءت فيه، كأن تأتي في سياق أزمة أو مشكلة جسيمة أو اعتداء أو تطوّر عنيف أو أعمال دامية، مثلًا. وبهذا فإنّ تعقّب المضامين السلبية المتعلقة بالشأن الإسلامي في وسائل الإعلام السمعية البصرية يحتِّم النظر في السياق والعوامل المشكِّلة له، وطبيعة الارتباطات الماثلة بين تلك العوامل.
  • الحدث أو الموضوع: فاختيار الحدث أو الموضوع الذي سيظهر في المادة السمعية البصرية هو ابتداءً فعلٌ غير موضوعي؛ لأنه قائم على الانتقاء وربما الاجتزاء أيضًا. إنّ اختيار موضوع المادة قد تسري عليه سمةُ الإضاءة على موضوعات وإقتام غيرها، أو ما يشبه مفهوم (حارس البوابة) في الممارسة الصحفية، من حيث التحكم، وتناول أبعاد محددة وتضخيمها وإبرازها على حساب أبعاد أخرى لا تحظى بمثل ذلك.
  • التعليق والنصّ المصاحب: فالنصّ في هذا المقام يسري عليه ما يجري على النصوص بشكل عام من التحيّزات في المضامين والإيحاءات.
  • الموسيقى التصويرية والمؤثرات الصوتية: فقد تبعث هذه على القلق أو التهديد أو الريبة مثلًا، في سياق يتّصل بالمسلمين أو بالشعائر الإسلامية.
  • زاوية الالتقاط/ زاوية المشهد: فاختيار هذه الزاوية أساسًا يعبِّر عن تحيّزات إيجابية أو سلبية، ومِن ثَمّ فإنّ الزاوية المسيئة لمن يظهر في مشهدها ستحمل إيحاءات سلبية إلى وعي المشاهدين.
  • سرعة تصوير المشهد: فللحركة، بطيئة كانت أم سريعة، إيحاءاتها، وبخاصة في إطار التفاعل مع الموضوع المختار، والمشهد ذاته، والمؤثرات المصاحبة للتصوير.
  • طبيعة حركة الكاميرا: ومن ذلك مثلًا فعل الاقتحام بالتصوير، أو فعل الملاحقة بالكاميرا، أو استفزاز من تلاحقهم الكاميرا من خلال الإلحاح عليهم بأسئلة معيّنة، والتركيز على تصرّفات مَن يظهرون في المشهد، مثل بروز يد تحاول حجب التصوير، وغير ذلك.
  • طبيعة الجزئية المختارة للتصوير من المشهد الماثل في مواجهة الكاميرا: تقوم المشاهد السمعية البصرية على الانتقاء في اختيار أجزاء من المشهد ليظهر في الشاشة، كما يسري ذلك في حالات أخرى، مثلًا لدى اختيار أشخاص دون سواهم لتقديمهم أحيانًا للتعبير عن (المسلمين) بصفة إجمالية.
  • الإضاءة: للإضاءة إيحاءاتها، فانغماس المادة السمعية البصرية في الظلام، على سبيل المثال، لا يستوي في إيحائه وتأثيره مع المشاهد المُشرقة.
  • إدراج رموز وتعبيرات عن قوالب نمطية: وذلك باستحضار الرموز ذات الدلالة الإيحائية السلبية في الوعي الجمعيّ، أو المستقاة من القوالب النمطية، وإدراجها في المشهد، من قبيل ما يعبِّر عن النساء المسلمات أو مشاهد العنف، مثلًا.

 

ومن البدهي أنّ التحيّزات المرصودة في الأعمال السمعية البصرية منها ما هو سلبيّ ومنها ما هو إيجابيّ، وما هو سلبيّ منها ما لا يندرج تلقائيًّا في مستوى النزعة العنصرية أو حتى التفرقة، ومن ثَمّ لا تعني التحيّزات السلبية إن مسّت المسلمين أو الإسلام أنها تدخل مباشرة في نطاق الإسلاموفوبيا، لكنها قد تكون كذلك في حالات بعينها تبعًا للتقييم الإجمالي للمادة. ومع ذلك؛ فإنّ التحيّزات السلبية من شأنها أن تعزِّز نزعة الإسلاموفوبيا بصفة مباشرة أو غير مباشرة، بالنظر إلى التأثيرات التراكمية والأدوار التفاعلية المتبادلة التي تنعكس على الجمهور أو بعض فئاته. كما أنّ استبطان قوالب نمطية سلبيّة وأحكام مسبقة في بعض المواد السمعية البصرية هو بمثابة احتضان بذور قابلة للاستنبات والتفاقم نحو نزعات سلبية على سبيل التفرقة والعنصرية والإسلاموفوبيا.

 

إشكالية السياق والعناصر المتلازمة في المواد السمعية البصرية:

إن بدا المشهد في المواد السمعية البصرية (محايِدًا) لدى تناوله بشكل مجرّد عن سياقه؛ فإنّ السياق (context) قد يشحن المشهد ذاته بإيحاءات كفيلة بإثارة انطباعات سلبيّة في وعي الجمهور. ومن ثَمّ من المرجّح أن ينعكس السياق السلبيّ على المكوِّنات المُدرجة فيه.

وقد يكون السياق بمثابة الإطار العام للموضوع الذي جرى تناول المشهد فيه، أو الارتباطات الواضحة أو الضِّمنيّة في هذا التناول. ويندرج ضمن السياق: الظرفُ الزمنيُّ للتناول، والخصائصُ البيئية، والحالة النفسية والثقافية للجمهور الذي يخاطبه البثّ أو المادّة السمعية البصرية. وتحقِّق الرسالة الواحدة تأثيرات متباينة مع الفرد نفسه، أو الجمهور ذاته تبعًا للسياق الذي تأتي ضمنه، بما في ذلك الحالة المعنوية للمتلقِّي نفسه من مرحلة إلى أخرى، ومن موقف إلى نقيضه.

يمكن الزعم أنّ قسطًا وافرًا من التشوّه الذي يصيب الصورة الإسلامية في الفضاء السمعي البصري في أوروبا- يعود إلى إشكالية السياق والعناصر المتلازمة. وفي هذا ما يوجب ملاحظة السياقات التي تُوضَع فيها عملية التناول الإعلامية للشأن الإسلامي. ولدى التدقيق يتّضح أنّ معضلة الربط التعميمي الجائر للإسلام والمسلمين بالإرهاب والعنف والتطرّف مثلًا- تحصل على نطاق واسع من خلال السياق، وكثيرًا ما يجري ذلك بصفة تلقائية في عملية تجهيز المواد الإعلامية، علاوة على وفرة عملية الربط التي تتمّ بإدراك مُسبق.

من ذلك مثلًا: تقرير تلفزيوني[8] عن قوانين مكافحة الإرهاب تأتي فيه ضمن مضامين أخرى:

  • صفوف المصلِّين في أحد المساجد.
  • جمهرة من المسلمين في فضاء عام.
  • شاب يتصفّح هاتفه المحمول ويقرأ نصًّا باللغة العربية (لا علاقة لمحتوى النصّ بموضوع التقرير التلفزيوني).

تأتي هذه المشاهد لكي تواكب نصّ التقرير التلفزيوني المنطوق عندما يُعَرِّج على تشديد الرقابة على المساجد والخطابة فيها مستعملًا مصطلح (خطباء الكراهية)، وعلى سنّ حزمة قوانين وإجراءات مكافحة الإرهاب، وكذلك عندما يأتي التقرير على ذكر إجراءات الرقابة التي ستُشدّد على وسائل الاتصال.

ويصعب لدى تحليل هذا المثال حصرُ الانطباعات السلبية التي يمكن أن تتولّد في وعي الجمهور، ومنها مثلًا:

  • السياق العام للتقرير هو الإرهاب والتطرّف والعنف، وإدراج شعيرة الصلاة ضمن هذا السياق يولِّد انطباعات ملموسة أو كامنة بارتباط الصلاة بالإرهاب والتطرّف والعنف. ويمكن أن ينسحب انطباع كهذا على المساجد، وعلى الأئمة، وعلى مزاولي الشعائر الدينية الإسلامية أيضًا.
  • إظهار جمهرة من المسلمين في سياق تقرير عن الإرهاب؛ قد يعزِّز نظرات الريبة ومشاعر القلق من (الآخر) الذي هو في الواقع شريك المجتمع والحياة اليوميّة. وقد يثير ذلك انطباعاتٍ سلبيّةً تحطّ من النظرة التقديرية لهذا المكوِّن المجتمعي، ويستثير تقديرات عن مخاوف يمكن توقّعها من هذه الجمهرة، علاوة على وصم أحياء ومرافق ذات كثافة مسلمة بنعوت وانطباعات سلبية[9].
  • إظهار عملية تصفّح نصّ بالعربية على شاشة هاتف ذكيّ، مع تعليق مقروء في التقرير عن الإجراءات الرقابية على وسائل الاتصال؛ يولِّد انطباعًا بأنّ المواد المتعلِّقة بالعرب والمسلمين أو بدينهم وثقافتهم هي في الواقع التي يتمّ تعقّبها وفحصها أمنيًّا في المقام الأوّل. وقد يتشكّل الانطباع أيضًا بأنّ المضامين العربية على الهواتف النقّالة تمثِّل خطرًا محتملًا على الأمن العام وسلامة الجمهور، وقد يتشكّل الإدراك بشكل أكثر تعسّفًا بالربط الانطباعي التلقائي بين نصٍّ عربي في وسائل الاتصال والاشتباه بالإرهاب والعنف والتطرّف بحيث يقيم ارتباطًا شَرطيًّا بينهما؛ وبخاصّة لدى قطاعات الجمهور التي لم تجرِّب من قبل مطالعة نصّ عربيّ عبر وسيلة اتصال تقنية حديثة، فتكون أولى خبراتها في هذا الشأن محفوفة بانطباعات سلبية أو حتى باعثة على الرّهبة.

 

(تأثير داعش) في مجال الرموز المصوّرة:

نقترح مفهوم (تأثير داعش) تعبيرًا عن نزعة تماهي أشخاص مَنسوبين إلى فئة ضحايا الكراهية –وهم المسلمون في حالة الإسلاموفوبيا- مع الصور النمطية الكريهة والمُفزعة التي يجري إسقاطها عليهم، وتماثلهم معها ثم محاكاتهم لها واقعيًّا. فقد توسّعت حالة (داعش) وشبيهاتها في ترويج موادّ دعائية مصوّرة مثيرة للفزع ومصحوبة بإبراز شعارات ورموز إسلاميّة، تمثل محاكاة ضمنية –بقصد أو بدون قصد– لرسوم الإسلاموفوبيا التي ألصَقت التوحّش والعنف والإرهاب بالمسلمين ودينهم ونبيِّهم.

ولا شكّ أنّ (تأثير داعش) يُفاقم تعبيرات الإسلاموفوبيا المصوّرة؛ لأنه يقدِّم صورًا ومشاهد مُتقنة وذات إيحاء واقعي بديلًا عن رسوم وصور تخيّليّة دفعت بها (صناعة الإسلاموفوبيا). ثم إنّ دعاية (داعش) تأتي في منطق الإسلاموفوبيا محسوبة على المسلمين أنفسهم غالبًا؛ فتكتسب ميزة الأصالة وادِّعاء التمثيل، كما تُقرَن عادة بأحداث وتطوّرات صادمة وباعثة على الفزع؛ بحيث يُفاقم تأثيراتها المعنوية. وقد شغلت هذه الموادّ مساحات الصدارة في التغطيات الإعلامية وتربّعت على الأغلفة، وهي مُصنّفة في هيئة صور ومشاهد إخبارية، أو صورة مُصاحِبة للتغطيات، فلا تُحسَب من ثَمّ ضمن تعبيرات الإسلاموفوبيا الظاهرة أو مواد التحريض والكراهية.

وإذ يجود (تأثير داعش) على وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية بوفرة من المواد المصوّرة المُصمّمة بعناية لإثارة الهلع من خلال افتعال أقصى درجات التوحّش والترهيب والاستفزاز؛ فإنه يعزِّز دعاية الإسلاموفوبيا بقوّة، كما يُذكي الارتباط الانطباعي الشرطيّ لدى الجماهير بين الإسلام ورموزه من جانب؛ والتوحّش وبواعث الهلع من جانب آخر.

وما يزيد من اتساع التأثير وعمقه؛ أنّ حالة (داعش) وما يشابهها تحظى منذ مطلع صيف 2014 بمساحات واسعة بصفة مستمرّة في الوسائل الأوروبية وحول العالم، وهي تصنع الحدث وتستدرّ ردود الفعل على نطاق واسع أيضًا، وهو ما لم يتأتّ حتى بالنسبة إلى حالة (القاعدة) التي سبقتها في هذا المسلك.

ومن النماذج التي تتساوق مع (تأثير داعش) مشاهد التلميذات المحتجزات في شمال مالي على أيدي المنظمة المعروفة إعلاميًّا باسم (بوكو حرام)- اللواتي جرى تقديمهنّ في بعض التغطيات الأوروبيّة على أنهنّ (سبايا). إنّه هو وسواه مشهد يُغني عن خيالات رسّامي التحريض والتشويه الخصبة، وعن المشاهد التمثيلية التي يُراد منها أن توغل في الإساءة إلى الإسلام ومقدّساته. وهكذا فإنّ الأفلام والبرامج والمقاطع (الوثائقية) ذات الطابع التحريضي والتشويهي المعادي للمسلمين ودينهم[10] باتت تعتمد على ما تجود به عليها موادّ تنتجها مجموعات التشدّد الميداني التي تنتحل رايات وشعارات إسلامية زائفة[11].

 

الإسلاموفوبيا في الشبكات الاجتماعية:

منَح الفضاء الشبكي فرصًا غير مسبوقة لتمدّد التعبير عن نزعات التطرّف والعنصرية والكراهية، فالتشبيك الإلكتروني يتيح حتى للظواهر التي تبدو هامشية مجالًا للحضور في المشهد والتعبير عن ذاتها. وتنتعش الإسلاموفوبيا في (العالم الافتراضي) بما يحرِّر المحرِّضين إلى حدّ ما من الأعراف الأدبية والالتزامات الأخلاقية المعمول بها في (العالم الواقعي)، بل إنها تسعى للتنصّل حتى من بعض الضوابط القانونية المتعلقة بالقذف والتشهير والتشويه والتحريض؛ وبخاصة من خلال الخروج عن الجغرافيا المباشرة التي تخضع لنظام قانوني محدّد، علاوة على القدرة على تورية هويات الأشخاص والمجموعات خلال بثّ المواد والمضامين[12].

وتتداخل في الفضاء الشبكيّ مضامين وتأثيرات من جانب الإعلاميين ووسائل الإعلام، وأطراف أخرى وهي دول ومؤسسات ومراكز ومنظمات وتشكيلات وجماعات، وكذلك قادة الرأي والشخصيات العامّة ومشاهير المدوّنين والفاعلين في الشبكات، علاوة على عموم الناشطين والفاعلين في القضايا والاهتمامات، فتتشكِّل اتجاهات التناول في القضايا المتعددة والتطوّرات من خلال إسهامات هؤلاء وتفاعلهم مع الموضوعات وفيما بينهم أيضًا.

وتستعمل الإسلاموفوبيا في الفضاء الشبكيّ تعبيراتها المتعدِّدة في النصوص والصور والمشاهد والمواد السمعية/ البصرية والتصميمات الرسومية والرموز والإشارات وغير ذلك، بينما تتكثّف التأثيرات من خلال تصدّرها نتائج محركات البحث المتعلِّقة بالإسلام والمسلمين وطبيعة ترابطات المحتوى الشبكيّ وفقًا للكلمات المفتاحية وعلاقات المضمون، بحيث يجعل المضامين المشحونة بالإسلاموفوبيا تتصدّر النتائج لدى قطاعات من متصفحي الشبكات والمدمنين عليها الذين يتعرّضون لمواد ذات صلة بالإسلام والمسلمين.

الهوامش والمصادر:

[1]   كما في حملة الكراهية التي أطلقها القس تيري جونز في فلوريدا.

[2]  تحديدًا مصحف المدينة النبوية.

[3]   تشتمل على رمز مسجد ضمن علامة المنع التي تُستخدم للوحات الطرق.

[4]  Shaker, Hossam: Are the cartoonists really saints? (column), MEMO, 14 Jan. 2015 (London).

https://www.middleeastmonitor.com/20150114-are-the-cartoonists-really-saints/

[5]  EUMC: Muslims in the European Union: Discrimination and Islamophobia. Vienna 2006, p.42.

[6]   جاء ذلك أساسًا من خلال إعلانات حزب الشعب السويسري القومي المحافظ، وكذلك بعض المبادرات الشعبية من قبيل مبادرة المطالبة بحظر المآذن (2008-2009).

[7]   شاكر، حسام: صورة الإمارات في الوعي الغربي (ورقة)، مؤتمر دولة الإمارات الإعلام والثقافة في ظل تحدّ رقمي وعالم متغير، لندن أيار/ مايو 2006.

[8]   بُثَّ في الذكرى السنوية العاشرة لهجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001، في يوم 11 أيلول/ سبتمبر 2011 في محطة التلفزيون النمساوية العامّة (ORF).

[9]   من قبيل فرضيات (الخلايا النائمة) أو الذئاب المنفردة.

[10]  برز هذا المنحى مع فيلم (فتنة) الهولندي الذي استهدف الإساءة إلى الإسلام وتشويه المسلمين، وقد اعتمد أساسًا على مقاطع واجتزاءات منسوبة إلى مسلمين.

[11]  اختصّت مؤسسات ومنابر دعائية تحريضية ضد الإسلام والمسلمين بعمليات مسح واسعة لمضامين البثّ التلفازي ومقاطع الشبكات، واجتزاء بعض ما يأتي فيها، وتقديمه مشفوعًا بترجمات ذات منحى تشويهي، وقد برزت في ريادة ذلك تجربة مؤسسة (ميمري) المرتبطة بأوساط الاحتلال الإسرائيلي.

[12]  Awan, Imran/ Zempi, Irene: We Fear for our Lives: Offline and Online Experiences of Anti-Muslim Hostility (Study). Birmingham 2015.


ملصقات
 »