رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

أمن القرن الإفريقي في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية 2015

تناقش هذه الدراسة أمن القرن الإفريقي في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية لعام  2015، حيث تولي الولايات المتحدة بوصفها صاحبة أعتى قوة عسكرية، وأكبر متعامل تجاري في العالم- أمن القرن الإفريقي عناية خاصة

أمن القرن الإفريقي في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية 2015

ملخص تناقش هذه الدراسة أمن القرن الإفريقي في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية لعام  2015، حيث تولي الولايات المتحدة بوصفها صاحبة أعتى قوة عسكرية، وأكبر متعامل تجاري في العالم- أمن القرن الإفريقي عناية خاصة، نظرًا إلى موقعه الجيوستراتيجي المتميز... ويرى الأمريكيون أنّ أيّ اتصال بين القرن الإفريقي والجزيرة العربية في ظل التنافس الإيراني السعودي يُعَدّ خطرًا يهدّد النظام الدولي... يُضاف إلى هذا الخطر أنّ صعود الدورين الهندي والصيني في إفريقيا يشكل أعباء أمنية عليهم. ويرى الباحث أن الخطر العسكري في هذه المنطقة يُعَدّ خطرًا على صعيد الأدوات، حيث تتصاعد احتمالات وجود صراعات هجينة في المنطقة تمتزج فيها الإستراتيجيات التقليدية بإستراتيجيات حرب العصابات من قِبل جماعات العنف والتمرّد، وهو ما يُعَدّ عنصرًا أساسيًّا في صراعات تلك المناطق.

تُعَدّ منطقة القرن الإفريقي من أشد مناطق الصراعات سخونة في العلاقات الدولية، نظرًا لعوامل كثيرة ومتضافرة. فبلدان تلك المنطقة تعاني صراعات سياسية عميقة، يُفتَقد في إطارها الإجماع الوطني في عصر ما بعد الإمبريالية، في إطار بيئة إقليمية تسودها تجاذبات الهوية وطواحين التشكلات الإستراتيجية المحيطة بها. فمنذ ما يقرب من قرن ونصف، كانت منطقة القرن الإفريقي ولاتزال مسرحًا لصراعات القوى الدولية، منذ أن نشأت الرغبة لدى بريطانيا للسيطرة على البحر الأحمر، في إطار خطتها الشاملة لتأمين خطوط الإمداد بينها وبين الهند درة تاج إمبراطوريتها القديمة، بعد افتتاح قناة السويس في منتصف القرن التاسع عشر؛ حيث تزامن ذلك مع المحاولات الدؤوبة للأسرة العلية في مصر للسيطرة على مياه النيل ومنابعها في هضبة الحبشة والبحيرات العظمى في وسط القارة الإفريقية. في القرن المنصرم، جاءت الحرب الباردة لتصبّ إلى أزمة القرن الإفريقي مزيدًا من البنزين، حيث كانت إحدى مسارح ذلك المنحنى الإستراتيجي فائق الأهمية في بنية العلاقات الدولية المعاصرة. لازمت انهيارَ سور برلين والتحول الضخم الذي حصل عقب انهيار الاتحاد السوفييتي تصدعاتٌ أخرى في جنبات النظام الدولي أقل حدة ووطأة، وإن لم تكن محدودة الأثر. فقد انهار النظام الماركسي الصومالي بزعامة محمد سياد بري، ثم بدأت الحرب الأهلية الصومالية، وبعدها بسنتين اندلعت الحرب اليمنية، تلاها بعد سنوات قليلة تفجير سفارتَي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام، ثم تدمير المدمرة USS Cole قرابة شواطئ عدن. ومع الأحداث المزلزلة في سبتمبر 2001، دشنت الولايات المتحدة الأمريكية حلفها الدولي للحرب العالمية على الإرهاب.

وكان حظ القرن الإفريقي من هذه الخطة وفيرًا، وكانت له مظاهر وتداعيات عديدة، لايزال المجتمع الدولي يتجرع آثارها حتى الآن. فقد تلا تلك الخطة ظهور المحاكم الإسلامية، وما وفرته من منظومة اجتماعية وقانونية، بل مسلحة في بعض الأحيان، حتى وصول جناحها المعتدل بزعامة شريف شيخ أحمد إلى الحكم في 2009. وبعد أن تصدرت الأزمة الإريترية الإثيوبية لسنوات، ظهرت الصومال على شكل ملعب مفتوح لتصفية حسابات القوى الإقليمية (إريتريا وإثيوبيا وكينيا والسودان أحيانًا) في إطار محاولات حثيثة من أديس أبابا التي تستضيف مقر الاتحاد الإفريقي على فرض مبادئ وقواعد وبنى جديدة في الصومال، بحسب معايير أديس أبابا وحلفائها لتحقيق لأمن والاستقرار الإقليمي. كذلك، فقد شكل الصومال بؤرة توتر دولية لسببين: الأول حركة شباب المجاهدين شديدة الصلة بالقاعدة (ولاسيما تنظيم شبه الجزيرة الذي يتخذ من اليمن على الضفة الأخرى من بحر العرب مقرًّا له)، والثاني أزمة القرصنة التي استعصت على الحلّ لسنوات، وهددت خطوط التجارة الدولية بشكل حاد. ومن أجل فهم دواعي القلق الدولي حيال أزمة القرن الإفريقي يجب النظر في الثقل الجيوستراتيجي للمنطقة، وآثاره على البيئة الدولية كلها، ومن ثم تأثيراته على الإستراتيجية العالمية، وفي القلب منها الأمريكية.

التشريح الجيو-ستراتيجي للقرن الإفريقي

يتعين ابتداءً النص على أنه لا يوجد تعريف موحّد لمنطقة القرن الإفريقي على الساحة الدولية، وذلك على اعتبار تباينات الجهات الدولية في النظر للديناميات السياسية والاجتماعية والإثنوجرافية بالمنطقة. فتارة ينظر لدول الصومال وجيبوتي وأثيوبيا وإريتريا على أنها دول القرن الإفريقي دون غيرها. وهذا عادة يكون لدى الأجهزة الدبلوماسية والعسكرية بحسب التعريفات الجيوستراتيجية التقليدية. وفي بعض الخرائط الأخرى تضاف كينيا والسودان، أو كينيا وأوغندا، بل يُقصَدُ بها أحيانًا كلّ ما مر، بالإضافة إلى تنزانيا. وهذه في العادة تعريفات المنظمات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، كمنظمة الفاو، وبرنامج الغذاء العالمي، وكذلك برنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونسكو وغيرها.

 وفي خرائط أخرى نادرة تُعَدّ الصومال القديمة الموحدة (الصومال وصوماليلاند وجيبوتي) هي بمفردها منطقة القرن الإفريقي. ويجب الأخذ في الحسبان أن هذه التقسيمات ليست اعتباطية كما أسلفنا، بل يدفع نحوها إطار فكري سياسي واجتماعي، بل وإستراتيجي في الوقت نفسه. فالخرائط القديمة التي تُعَدّ منطقة القرن الإفريقي لا تتعدى أراضي الصومال وجيبوتي وبعض المناطق الشرقية من إثيوبيا والمقاطعات الشمالية من كينيا بُنِيت على أساس الارتباط الوثيق لكل هذه الشعوب منذ فترات بعيدة بالبحر، وكذلك الحقيقة الجيوسياسية الماهانية[1]، القائلة إن المساحات السهلية كافة تتآزر مع بعضها بعضًا لتشكل كتلة متصلة وصولًا إلى أقرب منصة لها على البحر. ومن ثم فإنه ما من أثر للدول الحبيسة يمكن أن تقوم به في شكل تلك المنطقة المطلة على البحر، أو أن تنافسها به. ويمكن بلا شك فهم الورطة الإثيوبية بعد انفصال إريتريا في هذا الإطار.

 أما الخرائط الأخرى التي تضم دولًا كالسودان وتنزانيا وكينيا، فقد صُمّمت على اعتبار الاتصال الجيوسياسي الديناميكي بين الساحل البحري ومنابع النيل في هضاب الحبشة والبحريات العظمى في وسط القارة الإفريقية، حيث تُعدّ المنطقة الواقعة بينهما منطقة واحدة. كما أن الخرائط التي تضم هذه البلدان تستبطن الآثار المباشرة لأمن القرن الإفريقي وسيطرته على وسط القارة الإفريقية، باعتباره منصة بحرية واسعة. وهذا ما يسوّغ التدخلات العسكرية السافرة للتحالف الإثيوبي في الصومال، الذي يضم قوات كينية وأوغندية وبوروندية. ويمكن التقريب بين الخريطتين باعتبار الأولى خريطة للقرن الإفريقي الصغير والأخرى خريطة للقرن الإفريقي الكبير.[2]

تموضع القرن الإفريقي في بنية النظام الدولي

على مدار القرون الثلاثة الماضية، شكلت منطقة القرن الإفريقي أهمية متعاظمة في السياسة الدولية، لعدة أمور، من أهمها: موجات الاستعمار الأوروبي في شبه القارة الهندية وجنوبي شرق آسيا، وافتتاح قناة السويس، إلى جانب ازدهار خطوط التجارة بين شعوب بحر العرب والخليج العربي من ناحية، ومنطقة شرق إفريقيا من الناحية الأخرى، وما تلا ذلك من اكتشافات النفط العربي، وما لازمها من خطط القوى العظمى لتأمين منابع النفط وخطوط إمداده القريبة والبعيدة. فالمنطقة مع بعدها النسبي عن الخليج ومنفذها على بحر العرب، إلا أن بينهما ارتباط مهمّ يحسن الالتفات إليه، وهو وجود اتصال مائي بين شواطئ القرن الإفريقي وشواطئ بحر العرب، وهذا ييسر تأمين المنابع فضلًا عن تأمين خطوط السير والإمداد البترولي الصادرة من منطقة الخليج، والمنقولة إلى الأعلى عبر البحر الأحمر، فقناة السويس، فالبحر المتوسط، وصولًا إلى موانئ أوروبا الجنوبية والغربية.

أما من حيث الأهمية العسكرية لهذا الإقليم في إطار خرائط الانتشار العسكري للقوى العظمى والإستراتيجيات العظمى للقوى المهيمنة دوليًّا وإقليميًّا، فيمكن تصنيف هذه المنطقة في المستوى الأول، نظرًا لأمرين: الأول بسبب موقعها الجغرافي الفريد الذي جعلها مطمعًا ومقرًّا لنفوذ القوى الكبرى، ولاسيّما الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي حينئذ. والثاني كونها محضنًا للصراعات والأزمات المتداخلة التي فاقمتها الجغرافيا لحد كبير.

وبحسب النظرية القائلة إن النظام الدولي الحالي نظام رأسمالي نيوليبرالي توفّر وحداته الصغرى (سواء أكانت دولًا بحسب التعريفات الواقعية[3] أم شركات متعددة الجنسيات بحسب التعريفات الليبرالية[4]) كلَّ ما يلزم من أجل حماية حركة التجارة ورأس المال الدولي[5]، بداية من التشريعات والمؤسسات الحامية والراعية، ووصولًا إلى القوة العسكرية المملوكة للدول أو لشركات الأمن الخاصة- فإن هناك عدة أمور تجب مراعاتها لدى تناول شأن القرن الإفريقي فيما يخص حركة التجارة الدولية:

أولًا: بحسب جميع تطبيقات ومشتقات معظم البنى النظرية في العلاقات الدولية ونظرية هياكل القوةPower Structure Theory، تُعَدّ الولايات المتحدة صاحبة الدور الأكبر والأوسع في النظام الدولي وبنيته وتركيبته الحالية منذ سقوط جدار برلين، وانهيار الاتحاد السوفييتي في بدايات العقد التاسع من القرن الماضي. وقد عملت لدى تشييد النظام الدولي الحالي على ضمان القطبية الأحادية وتفردها في الساحة الدولية والتحكم بالقرار الدولي، ولاسيما فيما يتعلق بقضايا التجارة الدولية والأمن الدولي حيث استغلت نفوذها الاقتصادي والعسكري (الرسمي والخاص عن طريق شركاتها متعددة الجنسيات) في السيطرة على القرار داخل مؤسسات القرار والنظام الدولي، من أولى مؤسسات بريتون وودز، مرورًا بمجلس الأمن وغرف الأمم المتحدة ومجالسها، وصولًا إلى المنظمات ذات الطبيعة المتخصصة، كمنظمات العمل والتجارة والاستثمار وغيرها. وقد يُعَدّ بعضهم هذا مسعى أمريكيًّا قديمًا سبق انهيار حائط برلين بفترات طويلة، وهو أمر صحيح من الناحية العملية، ولاسيما مع ملاحظة الدور الرائد الذي اضطلعت به الولايات المتحدة في قيادة العالم الرأسمالي وتعبئته ضد مشروعات الشيوعية الدولية، وما سبق وتزامن مع ذلك من خطط إعمار أوروبا، بُعيد الحرب العالمية الثانية.

ثانيًا: من المعروف أن الخطة الأمريكية في التأمين البحري التي تُنفَّذ عن طريق أساطيلها السبعة المنتشرة عبر محيطات وأبحار العالم تركز على حيادية أو بمعنى أدق "أمركة" أعالي البحار؛ إلا أن الخطة الأمريكية ذات الأولوية القصوى لدى صانع الإستراتيجية الأمريكية تكمن في الانتشار على رؤوس المضايق الإستراتيجية وفي محيطاتها، وذلك عن طريق إجراءات شديدة التعقيد والدقة، من أجل ضمان "سلامة التجارة العالمية" التي تنتج منها الولايات المتحدة قرابة الربع، وتستورد منها ما يناهز الخُمس كل عام.[6] وتؤمّن الولايات المتحدة الأمريكية المضايق عن طريق خطة تأمين إستراتيجية ترتكز على تأمين المحيط Periphery، ثم التأمين من النقطة صفر (عند رأس المضيق ذاته). فعادة ما تحاط المضايق شديدة الحساسية، كمضيق ملقا، ومضيق هرمز، ومضيق جبل طارق، وباب المندب- بتشكيلات بحرية ثابتة، أو أن يكون على مشارف المضيق القاعدة البحرية الأساسية للأسطول الذي يغطي تأمين المضيق. وهذا النوع من التأمين حاصل فيما يأتي:

  1. مضيق هرمز، حيث توجد قاعدة الأسطول الخامس في البحرين، التي تبعد أقل من 100 ميل بحري عن رأس المضيق، والمحاطة بالفعل بقاعدتين: إحداها قرب جبل علي في الإمارات، والثانية في عُمان.
  2. مضيق ملقا، الذي تؤمِّنه إستراتيجيًّا قاعدتا الأسطول السابع الأمريكي، والقوات الجوية الأمريكية في شمال أستراليا وفي جزيرة جوام، وتؤمِّنه من النقطة صفر عن طريق قاعدتين في سنغافورة وتايلاند.
  3. مضيق جبل طارق، تؤمِّنه قاعدتان تحيطان به من داخل البحر المتوسط: قاعدة في جنوب إسبانيا قرب المضيق، وأخرى في جزر الأزور Azores عند مخرج المضيق على المحيط الأطلنطي، وبها أكبر قاعدة طيران أمريكية خارج حدود الولايات المتحدة.
  4. أما مضيق باب المندب، فتؤمِّنه بشكل إستراتيجي قاعدة دييجو جارسيا للإمداد البحري (كبرى قواعد البحرية الأمريكية في العالم)، ثم قاعدة سوقطرة قبالة سواحل اليمن في بحر العرب، ثم تؤمِّنه من النقطة صفر عن طريق قاعدة الأسطول الخامس الأمريكي في جيبوتي (والمعروفة رمزيا باسم قاعدة كامب ليمونيير)، بالإضافة إلى المجموعة القتالية الثابتة في مياه بحر العرب والبحر الأحمر القريبة من باب المندب، هذا إلى جانب مجموعة مكافحة القرصنة التابعة للناتو.

ويمكن قراءة خطط تأمين أعالي البحار وتأمين المضايق الإستراتيجية في إطار تحليل البيانات المتاحة حول تتبع حاملات الطائرات والقطع البحرية الأمريكية، التي تفرِّج عنها مؤسسات قريبة من البنتاغون كل نصف شهر.

ثالثًا: مع اتساع قدرات حلف الناتو بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واستغلال الولايات المتحدة له ولجيشه كمظلة أمنية وعسكرية شاملة لها، وكإطار عام لمحاولة تكوين إجماع دولي خارج منظومة الأمم المتحدة التي اعتراها الاهتراء نظرًا للتجاذبات الحادة التي تسود أجواءها ولا تؤهل لأي خطوة للأمام- فإن الولايات المتحدة تستعين بقوات الناتو (ولاسيما بعد النجاح الذي حققه الناتو في حملته ضد صربيا في أواخر التسعينيات من القرن الماضي) في الأمور ذات الطبيعة الأمنية الحادة في النظام الدولي الحالي. ومن بين البقاع التي تشهد انتشارًا قويًّا لقوات الناتو منطقة القرن الإفريقي قبالة خليج عدن. فمنذ عام 2008 أصدرت الهيئة العسكرية للناتو قرارًا ببدء عملية "درع المحيط Ocean Shield" لمكافحة القرصنة في منطقة القرن الإفريقي وخليج عدن، بموجب طلب من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في العام نفسه.

رابعًا: أدت تطورات دورة الرأسمال الدولي المتزايدة، بالإضافة إلى التحوّرات العميقة التي أصابت البنية الاجتماعية الاقتصادية للمجتمع الدولي في إطار موجات القصف النيوليبرالي والعولمة والتسارع التكنولوجي- إلى ضعف دور الدولة في بنية النظام الدولي (وإن كانت لا تزال الوحدة الأساسية المهيمنة على ذلك النظام) ، وهذا أسهم في اتساع رقعة نفوذ اللاعبين من غير الدول Non-State Actors، ولاسيما المنظمات الدولية والإقليمية ذات الطبيعة المستقلة والمتخصصة. لكن التطور الأخطر والأعمق من ذلك أن عولمة النظام الدولي التي أرادت بها الولايات المتحدة إحكام السيطرة على العالم عن طريق إخضاع العالم لنمط الحياة النيوليبرالي- كانت هي الطريق المستقيم نحو داعش وغيرها من جماعات التطرف في العالم. فضعف دور الدولة المركزية، في ظل خضوع دورة رؤوس الأموال لقواعد السوق الإقليمي والدولي، وضعف تدخل الدولة فيها، بالإضافة إلى التطور التكنولوجي الهائل، وازدهار سوق السلاح، ورخص أسعاره منذ تفكك منظومات عسكرية كبيرة، كالاتحاد السوفييتي، وحلف وارسو، والاتحاد اليوغوسلافي- أسهم في امتلاك الجماعات المسلحة ذات الفكر المتطرف والمعروفة لدى الناتو باللاعبين المسلحين من غير الدول VNSA، ولدى الأمريكان بالجماعات المتطرفة العنيفة VEO.

إن هذه الاعتبارات الأربعة يجب أخذها في الحسبان لدى مناقشة الإستراتيجية الأمريكية في قضايا الأمن الدولي بشكل عام، والإقليمي بشكل خاص.

الإستراتيجية العسكرية الأمريكية 2015: نظرة عامة

عادة لدى الدول ذات النفوذ الدولي والإقليمي مسارات تخطيطية متكاملة ومعقدة إلى حد ما، تبدأ في الأدنى من تخطيط المتابعات الحكومية، ثم وضع خطط قطاعات العمل الحكومي والسياسات العامة للدولة، وصولًا إلى الإستراتيجية العامة للدولة التي تنتظم في إطارها أعمال الدولة الداخلية والخارجية. لكن توجد في الدول العظمى وبعض القوى المهيمنة إقليميًّا مدونة إستراتيجية تعلو إستراتيجية الدولة العامة، بحيث تكون الأخيرة تبعًا لها في أحيان كثيرة، وهي ما تسمى بالإستراتيجية العظمى Grand Strategy، وهي بلا شك أعلى وثيقة إستراتيجية وسيادية للدول الكبرى في الوقت الحالي. وعادة تكون تلك الإستراتيجيات العظمى إستراتيجية عسكرية، أو إستراتيجية أمن قومي، بسبب طبيعة النظام الدولي الحالية التي تميل في قدر كبير منها إلى "الأمننة Securitization"، بحسب ما ورد أعلاه، نظرًا لإيلاء أهمية قصوى في الربط بين مفاهيم دولة الرفاهية والسلم الدولي، بمستوى تسلح الدول بالعتاد والأنظمة الأمنية والعسكرية المعقدة.

وإذا كنا نتحدث عن أهمية ومحورية الإستراتيجية العظمى (العسكرية في أغلب وجوهها) لدى بعض الدول ذات النفوذ الإقليمي، فإن الأمر يزداد أهمية عند الحديث عن محورية هذه الوثائق لدى الدول العظمى، ولاسيما الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا التي تؤدّي أدوارًا شديدة المحورية في تشكيل نظام العالم القادم.

لا تتمتع أي دولة من دول العالم بالتخطيط التداخلي الإدماجي عالي التعقيد على القدر الذي تتمتع به الولايات المتحدة. فالتباينات بين الخطط والإستراتيجيات الحكومية قد تكون في أقل مستوياتها، على الرغم من اتساع مهام الحكومة وإداراتها. ويكمن الهدف الرئيس من وجود إستراتيجيات عظمى للدول في تعزيز قدرات تلك الدول على وضع تفسيرات وقراءات محكمة للتهديدات الوجودية والبيئات الكبرى Macrocosm التي تعيش وتتعايش في إطارها تلك الدول، وتشكيل الوجدان القومي في مسائل العداء والولاء واليقظة الإستراتيجية، وهذا بلا شك ليس محل مناقشات الإستراتيجيات العامة للدول، والتي تُعنَى بشكل كبير بدفع نماذج التنمية والاستقرار والحوكمة.

وتُعَدّ (الإستراتيجية العسكرية الأمريكية)[7] أرقى وثيقة سيادية في الولايات المتحدة، يليها إستراتيجية الأمن القومي الأمريكية، ثم وثيقة السياسة المالية. وتصدر هذه الإستراتيجية على نحو غير منتظم، بحسب جسامة التهديدات ومتطلبات الاستجابة لها. وصدرت أول وثيقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991 ثم 1994، 1997، 2004، 2008، 2011 على التوالي. وتتولى رئاسة هيئة الأركان المشتركة تحرير بنودها، بالتشاور مع أعضاء الهيئة، والقيادات الجغرافية الموحدة، ومكاتب وزارة الدفاع قبل عرضها على الكونغرس للموافقة عليها.

وتناقش الإستراتيجية العسكرية الأمريكية 2015 ضرورات مواجهة الدول ذات الطموحات الانتشارية، التي تشكل تهديدًا للأعراف الدولية، وكذلك منظمات التطرف المسلحة التي تقوض منظومة الأمن العابر للإقليم. كما تحدد الإستراتيجية الطرق والوسائل الإستراتيجية المثلى للقيام بتلك المواجهات، وكسر شوكة الخصوم من الدول أو الجماعات والتنظيمات. واعتبرت هذه الإستراتيجية أن صياغة التحالفات بين حلفاء وشركاء الولايات المتحدة الدوليين لخوض تلك المعارك الدولية- أمر أساسي لا يمكن الفكاك عنه. كما حددت الإستراتيجية بعض السلوكيات والخصائص التشغيلية والعملياتية التي يتوجب تعزيزها داخل أطر عمل القوات الأمريكية، من أجل مواجهة التحديات وتقليص التهديدات المحددة.

وتقوم الإستراتيجية العسكرية الأمريكية 2015 على عدة محاور:

أولًا: وضع قراءة للبيئة الإستراتيجية الدولية ومتغيراتها الأساسية.

ثانيًا: وضع قراءة للبيئة العسكرية التي تعمل في إطارها القواتُ المسلحة للجيش الأمريكي وأجهزةُ المعلومات هيئاتِ الدعم والإسناد الخاصة به.

ثالثًا: تصميم إستراتيجية عسكرية متكاملة ومدمجة، للتعاطي مع التحديات المعرّفة في العنصرين الأول والثاني.

رابعًا: مبادرات التعاون والتحالف الدولي للقوات.

إن ما يخص قراءة الإستراتيجية العسكرية الأمريكية 2015 للبيئة الإستراتيجية الدولية- قرأتْها الوثيقة في إطار ثلاث سمات أساسية:

أولًا: العولمة: وتمتد تأثيراتها لتشمل كلّ جوانب النشاط الإنساني تقريبًا، حيث تنساب المنتجات والمعلومات والبشر عبر الحدود على نحو غير مسبوق تاريخيًّا، على نحو يعدّه كثيرون محفزًا للنمو الاقتصادي، لكن على الجانب الآخر تزيد هذه التحركات التوترات الاجتماعية والمنافسة حول الموارد وتوسيع قواعد عدم الاستقرار السياسي.

ثانيًا: انتشار التكنولوجيا: وهو أمر مترتب على العولمة، على أنه على ما به من أمور إيجابية إلا أنه يحمل مخاطر للولايات المتحدة يكمن بعضها في كسر الميزة التنافسية التي تتمتع بها أمريكا في التكنولوجيا العسكرية المتطورة، كأنظمة الإنذار المبكر والقصف الموجه.

ثالثًا: التحولات الديموغرافية: وهي أحد محركات البيئة الدولية في العصر الحالي. فمناطق الشرق الأوسط التي تواجه نقصًا في الموارد وضعفًا في هياكل الاقتصاد وشروخًا في بنية المجتمع تتمتع بنمو مطرد في عدد السكان، ولاسيما الشرائح الشبابية، أما المناطق مرتفعة النمو في أوروبا وشمال وشرق آسيا فتقل فيها معدلات النمو السكاني، وتشيخ مجتمعاتها على نحو لافت. كذلك، فإن حركات الهجرة من الريف إلى الحضر لاتزال على مستويات مرتفعة، كما ازدادت معدلات الهجرة غير الشرعية، وما يلحقها من أعباء إقليمية ومحلية.

وإذا ما حاولنا القيام بعملية نمذجة معرفية لهذه السمات الهولوجرامية للمسرح الدولي لفهم منطقة القرن الإفريقي في ظل هذه السمات الثلاث فإننا سنتوصل للآتي:

أولًا- فيما يتعلق بالعولمة، إن تأثيرات العولمة على أمن القرن الإفريقي تتجلى في انهيار الحدود السياسية على نحو متزامن مع النشاط الدولي لهذه الظاهرة منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي. كذلك، فإن العولمة الثقافية لم تكن بعيدة عن الإقليم، فحدثت ثمة تحولات ثقافية ليست بالقليلة، نظرًا لانفتاح الكثيرين من سكان هذه المنطقة (ولاسيما جيبوتي وأريتريا) على الحالة الدولية، نظرًا لأحوال سوسيولوجية وجغرافية تخص البلدين. لكن هناك تأثيرًا مباشرًا متزايد الأهمية للعولمة في أمن المنطقة، يتمثل في تدخل القوات الإثيوبية[8] المدعومة أمريكيًّا وإقليميًّا في الصومال لمحاربة نظام المحاكم الإسلامية. فهذه التدخلات لها طبيعة عولمية تتعلق أساسًا بالإستراتيجية الأمريكية لإحلال الأمن والسلم الإقليمي عن طريق حروب التفويض proxy wars. وقد اتضح للولايات المتحدة فيما بعد خطأ هذا التدخل، ولاسيما بعد بروز التيار المعتدل داخل المحاكم، بزعامة شيخ شريف شيخ أحمد.

ثانيًا- أما قضية انتشار التكنولوجيا، فإن التطور التكنولوجي الهائل يسّرَ وسهّلَ من مهام التواصل بين الحركات الجهادية كشباب المجاهدين وغيرها بالصومال مع فروع القاعدة بالخارج، ولاسيما القاعدة في شبه الجزيرة العربية على الجانب الآخر من بحر العرب. بالإضافة إلى تسهيل التواصل، فإن الانتشار التكنولوجي أسهم كذلك في تسهيل صفقات السلاح، ونقلها بسهولة متناهية إلى الأراضي التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة، أو على الأقل توفير تقنيات صناعة القنابل اليدوية وخلافها.

ثالثًا- أما السمة الأخيرة التي وردت في تحليلات البيئة الإستراتيجية في الإستراتيجية العسكرية الوطنية الأمريكية 2015، فإن التحولات الديموغرافية ذات أثر بيّن في القرن الإفريقي عمومًا، وفي الصومال تحديدًا، حيث إن الحركة مستمرة ومطردة بين الداخل والساحل، وبين مناطق الجنوب والشمال، بسبب النزاعات الكثيفة في الجنوب، إلى جانب الانهماك الكثيف من قبل الشباب الصومالي منذ أعوام قليلة في عمليات القرصنة بسبب الفقر والعوز وشدة الحاجة، ومما سهل على القراصنة تكوين جيش كبير من عصابات السطو المدعومة تكنولوجيًّا ومعرفيًّا من الشباب المتعلم الذي ينضم إليها.[9]

 

تحديات البيئة العسكرية في القرن الإفريقي

تمتلك الولايات المتحدة أعتى جيوش العالم. وهي -ترتّبًا على هذه الحقيقة- تواجه مخاطر وتهديدات وتحديات جسيمة، منها ما يتعلق بكونها قوة عظمى، ومنها ما يتعلق بمكانتها بوصفها حارسًا وشرطيًّا للنظام العالمي أحادي القطب. وعلى الرغم من تركيز الإستراتيجيات التي سبقت 2015 على مكافحة شبكات العنف والتطرف بشكل أساسي، إلا أن هذه الوثيقة تولي اهتمامًا بالغًا بمواجهة اللاعبين الرسميين من الدول، ولاسيما ذوي القدرة والطموح على تخصيب صواريخ بالستية، وامتلاك تقنيات القصف الموجه، والأنظمة غير المأهولة، وتعظيم القدرات الفضائية والإلكترونية، وكذا أسلحة الدمار الشامل، واستخدامها كافة في مواجهة جيش الولايات المتحدة، ومحاولة الخصم من مساحة نفوذه، وإعاقة قدرته على السيطرة، وذلك حسب الوثيقة الحالية. هذا المشهد العسكري المركب يحتم على الولايات المتحدة، وفقًا للوثيقة، تخصيص مساحة أوسع في التخطيط الإستراتيجي للحروب الهجينة (التي يُجمَع بين آليات الحروب التقليدية وحروب العصابات) ، وهو اتجاه حديث في الاتجاهات العسكرية الأمريكية. ويمكن إسقاط هذا التحليل العسكري على الواقع في القرن الإفريقي بمعاييره على القضايا الآتية لضمان تحقيق الأهداف العليا الأمريكية فيها:

 

  1. خطر تضافر أزمة القرن الإفريقي مع الحرب اليمنية: ثَمّة خطر كبير تخشاه الولايات المتحدة، يتمثل في تفاقم الأزمة اليمنية وتشابكها، بحيث تصل إلى الجانب الآخر في منطقة القرن الإفريقي، من خلال عدة طرق:

الأول: عن طريق هزيمة الحوثيين واستقرار الوسط والشمال في أيدي قوات التحالف السعودي المعتدل، لكن مع ترسيخ القاعدة في شبه الجزيرة أوضاعها في أماكن تمركزها بالجنوب، ومن ثَمّ تصبح ذات قدرة كبيرة، ولاسيما من خلال خروجها بنشوة عالية من معارك الجنوب ضد قوات صالح والحوثيين، ومحاولة مد يد العون (للأشقاء) في حركة الشباب المجاهدين، على الجانب الآخر من البحر.

الثاني: هزيمة الحلف السعودي، ومن يحارب حربه من الجماعات المتطرفة بالتوازي ضد الحوثيين، وتمكن المعسكر الحوثي وجيش صالح المدعوم إيرانيًّا من البلاد جميعها والتضييق على جماعات القاعدة في اليمن. فهذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة بحسب بنود الإستراتيجية العسكرية 2015. فإيران لن تهدأ حتى توسع من نفوذها الناعم في القرن الإفريقي، ولاسيما في الصومال، عن طريق برامج الغذاء والدواء العاجلة، وهو ما سيتطور في شكل وجود مادي حقيقي على الأرض في غضون سنوات قليلة. وهذه لعبة غاية في الخطورة بالنسبة للولايات المتحدة، فأمن المضايق بالنسبة لها أمر لا يمكن المساومة عليه أو تركه للأمور القدَرية. فإذا تُرِكت إيران بعد أن يُقدَّر لحلفائها النجاح ضد المعسكر السعودي فإنها ستتمكن من التحكم في مصير باب المندب على جانبيه وإخضاع الولايات المتحدة هناك، وفعل ما لم يتسن لها فعله حول مضيق هرمز. ويعتقد أن الخطر الثاني أشد على الولايات المتحدة حسب إستراتيجيتها الحالية لمواجهة الحروب الهجينة. ومن المعلوم أن إيران لديها قوات عسكرية شبه نظامية (قوات الحرس الثوري الإيراني)، وهي قوات قادرة على خوض الحروب الهجينة في مناطق متسعة على النطاق الجغرافي، وهذا هو الخطر الذي تخشاه الولايات المتحدة.

 

  1. انتقال المواجهات بين الصين والهند إلى القرن الإفريقي: نشرت مجلة Canadian Naval Review في عددها الصادر في ربيع 2014 دراسة للأدميرال بالبحرية الكندية روي توماس عن صراع جرى في 2009 قرب باب المندب بين غواصة هندية وسفينتين صينيتين تحاول تجربة أنظمة السونار الخاصة بها قبل أن تختفي الغواصة الهندية تمامًا.[10] ويرى توماس أنه لابد أن يكون هناك دور للبحرية الكندية في مواجهات المحيط الهندي في المستقبل، نظرًا لاحتمال تأثيرها في النظام الدولي بكامله.[11] ومن المعروف أن المواجهات بين الصين والهند قد أخذت بعدًا متطورًا، ولاسيما في البقاع الممكنة في المحيط الهندي والباسيفيك، بعد دعم الصين تحالفها مع باكستان، وحضورها المستمر في بحر العرب قبالة السواحل الباكستانية، وتدعيم نيودلهي تحالفاتها مع غرماء الصين في مجموعة الآسيان، كسنغافورة وفيتنام والفلبين وكوريا الجنوبية. وهناك بعد آخر يجب توضيحه وهو حضور الصين على فترات متقاربة في منطقة بحر العرب القريبة من باب المندب بدعوى الإسهام في عمليات مكافحة القرصنة في القرن الإفريقي، بالإضافة إلى مصلحتها الكبيرة في أن يكون لها حضور قوي في الصومال توازي به الوجود الأمريكي والفرنسي في جيبوتي، وتدعم به مصالحها الاقتصادية مع شرق ووسط إفريقيا؛ وهي البلدان نفسها التي تعدّها نيودلهي مجالًا حيويًّا لها، نظرًا للعلاقات القديمة التي جمعت ممالك الهند القديمة بمنطقة شرق إفريقيا. انتقال تلك المواجهات ستسفر عن اشتعال الأوضاع في القرن الإفريقي عن طريق تدعيم لاعبين إقليميين للحرب بالوكالة لصالح بكين ونيودلهي. وهذا ينطوي على خطر كبير سيحدق بالنظام الدولي بأكمله، وقد يفوق خطره خطر أي مواجهة برية بين الهند والصين.
  2. خطر اتساع التمرد في القرن الإفريقي وانضمام المزيد إلى الحركات المتطرفة: في ظل المؤشرات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية المتدهورة بالمنطقة، هناك خطر حقيقي من اتساع التمرد ليضم جماعات عرقية من شرق إثيوبيا وشمال كينيا أو السودان، أو حصول تمرد بالجيش الإثيوبي أو الكيني، والتقائهم في الأهداف مع الحركات الجهادية بالصومال. حينها ستكون الحروب الهجينة المتميزة بالتكتيكات النظامية وحروب العصابات هي الخطة الأساسية، والقرصنة هي العمل الاقتصادي الأساسي لهذه الجماعات، وسيتحول الأمر إلى كابوس مرعب للجميع.

 

إستراتيجية عسكرية متكاملة للجيش الأمريكي

ترمي الوثيقة الإستراتيجية إلى مواجهة هذه المخاطر في إطار نماذج التخطيط العالية التعقيد التي تحدثنا عنها آنفًا، وذلك من أجل:

  1. حماية المصالح القومية الأمريكية (أمن الولايات المتحدة ومواطنيها وحلفائها، وتأمين الاقتصاد الأمريكي بتأمين بيئة الاقتصاد الدولي، واحترام القيم الإنسانية على أراضي الولايات المتحدة وخارجها، وكذا حماية النظام العالمي التي تقوده الولايات المتحدة، والدفع نحو السلام والأمن، والتعاون لمواجهة التحديات).
  2. حماية مصالح الأمن القومي الأمريكي (بقاء الدولة، ردع الهجمات الكارثية على أراضي الولايات المتحدة، أمن الحلفاء وثقتهم بأمريكا، حماية المواطنين الأمريكيين خارج البلاد، حماية القيم الإنسانية).

وهذا سيتأتّى، بحسب الوثيقة، عن طريق تحقيق الأهداف العسكرية الوطنية. وهي متعددة، لكن بعضها قد لا يمتّ بصلة للقرن الإفريقي. من تلك الأهداف ردع أعداء الولايات المتحدة وهزيمتهم في أيّ هجوم مباشر على الأراضي الأمريكية، وهو أمر مستحيل بالنسبة لدول القرن الإفريقي كافة. أما الأهداف ذات الصلة الوثيقة بمسألة أمن القرن الإفريقي فهي كالآتي:

 

  1. دحر التنظيمات المتطرفة المسلحة وتشتيتها وهزيمتها:

تقود الولايات المتحدة اليوم حلفًا دوليًّا لهزيمة تلك التنظيمات في عدد من المناطق، عن طريق ممارسة الضغوط على شبكات تلك التنظيمات ومحاضنها. ويسهم جيش الولايات المتحدة بقوات قتالية محددة، وتكنولوجيات خاصة، وميكانيزمات تدريب محددة، لدعم شركاء الولايات المتحدة المحليين في استعادة بلادهم وتأمينها. كما يتطلب دحر هذه التنظيمات، بحسب الوثيقة، دراسة الوشائج بين تلك التنظيمات ومجموعات الجريمة المنظمة العابرة للحدود. والمقصود بالطبع في حالة القرن الإفريقي حركة الشباب المجاهدين، والحركات المسلحة الأخرى المناوئة للجيوش المدعومة أمريكيًّا، كالجيش الأثيوبي والكيني في شتى أصقاع الإقليم، بالإضافة إلى تدمير أي اتصال ممكن بين حركة الشباب وجماعات القاعدة في شتى أنحاء العالم.

  1. تقوية الشبكة الدولية للحلفاء والشركاء:

تُعِدّ الولايات المتحدة شبكة حلفائها القوية أهم نقاط القوة في الأمن والاستقرار الدوليين، حيث تُسهم تلك الشراكات في النمو والرفاهية حول العالم. كما ترى الوثيقة أن وجود القوات الأمريكية في مواقع رئيسة حول العالم أحد عوامل استقرار البيئة الدولية، وتُعَدّ مؤهلًا من مؤهلات الدول في الاستجابة للأزمات وقت حدوثها.

وتقرر الوثيقة أن الولايات المتحدة ستواصل خطتها لإعادة هندسة التوازن بمنطقة الباسيفيك، عن طريق تقوية تحالفاتها مع أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية والفلبين وتايلاند، وكذلك تعميق العلاقات الأمنية مع الهند، ورفع مستوى الشراكة مع نيوزيلندا وسنغافورة وإندونيسيا وماليزيا وفيتنام وبنغلاديش. وترى الوثيقة أن هذه التحالفات مهمّة لاستتباب السلام الإقليمي، وبناء قدرات الدفاع الصاروخي، والأمن السايبري (المعلوماتي/الإلكتروني)، ومنظومة الأمن البحري، ومواجهة الكوارث.

كما تقرر الوثيقة تجديد الولايات المتحدة التزامها مع حلف الناتو. وترى الوثيقة أن عملية "العزيمة الأطلسية" ضد الاعتداءات الروسية الحالية على شرق أوروبا، وكذلك مبادرة الطمأنة الموقعة مع الأوروبيين، وخطة استعدادات الناتو وغيرها من الممارسات تعدّ تدعيمًا لهذا التحالف والتضامن معه ومع وحدته وأمنه. وفي القرن الإفريقي ستسعى الولايات المتحدة كذلك نحو تطوير خطط مشتركة بين مجموعاتها القتالية في القرن الإفريقي وعملية "درع المحيط" التي يتزعمها الناتو لمكافحة القرصنة في القرن الإفريقي وخليج عدن[12]، بالإضافة إلى التنسيق مع القوات الفرنسية في جيبوتي ،والقوات الألمانية الموجودة بشكل موسمي في خليج عدن لحمايته. وتتمتع الولايات المتحدة بحضور قوي جدًّا في منطقة القرن الإفريقي عن طريق قاعدة سوقطرة الجوية الإستراتيجية، التي حصلت عليها الولايات المتحدة من اليمن بموجب عقد وقّعه علي عبد الله صالح في 2010 [13]، بالإضافة إلى قاعدتها العتيدة في كامب ليمونيير بجيبوتي، التي تتولى عمليات ضرب القاعدة في جنوب اليمن بالطائرات غير المأهولة، إلى جانب كونها مقر التنسيقات والتفاهمات العسكرية والأمنية الأساسية بالنسبة للقرن الإفريقي مع الحلفاء الإقليميين والدوليين.

  1. الدفع نحو العمليات الموحدة:

يتطلب إجراء العمليات الموحدة وجود قوة تحت قيادة موحدة قادرة على استعراضات القوة السريعة والحاسمة حول العالم. وبحسب ما نُصّ عليه في إطار "مفاهيم كابستون للعمليات الموحدة 2020"، هناك العديد من المهام الأساسية لتلك القوات، منها: الاستحواذ، ورفع اليقظة الدولية، وتعزيز مستوى التضافر، واستخدام الأسلحة والعتاد العسكري محدود البصمة. هذه العمليات تحتاج إلى شبكة دولية من النقل والإمداد اللوجستي، وما عداها من الاتصالات، وأعمال الاستخبارات، والاستطلاع والمراقبة.

  • وهذه القوات، بحسب الوثيقة، لديها أهداف محددة، منها: تأمين قوة الردع النووي، وصيانة الدفاعات العسكرية للتراب الوطني، وردع العدو، ومكافحة أسلحة الدمار الشامل، لكن ما يتّصل بأمن القرن الإفريقي يتمثل في الأهداف الآتية:
  • تعزيز وجود دولي مستقر
  • محاربة الإرهاب
  • إعاقة الخصم عن الوصول إلى أهدافه
  • الاستجابة للأزمات
  • القيام بما يلزم من الإدارة العسكرية والتعاون الأمني
  • القيام بعمليات تحقيق الاستقرار ومكافحة التمرد
  • توفير الدعم للمؤسسات المدنية
  • تقديم المساعدة الإنسانية والاستجابة للكوارث.

وكلها أهداف تتحقق في إطار أعمال مكافحة الإرهاب والتمرد والقرصنة في محيط القرن الإفريقي بحسب ما يتوافر من أنباء.

خاتمة

تولي الولايات المتحدة بوصفها صاحبة أعتى قوة عسكرية، وأكبر متعامل تجاري في العالم- أمن القرن الإفريقي رعاية خاصة، نظرًا لموقعه الجيوستراتيجي المتميز، وهذا يشكل أعباء أمنية عليها، نظرًا للواقع الملتهب الذي تمر به منطقة القرن الإفريقي منذ قرابة العقدين من مشكلات سياسية واجتماعية وديموغرافية وهوياتية. ويرى الأمريكيون، بحسب وثيقة الإستراتيجية العسكرية الوطنية 2015 أن هذا الخطر سيتفاقم ليهدد النظام الدولي بأكمله إذا حصل اتصال بين الجزيرة العربية الملتهبة المنخرطة في حرب مفتوحة بين حلف سعودي وحلف إيراني لا يمكن حسم نتائجها حتى الآن، بالإضافة إلى وجود خطر كبير في حال نقلت الهند والصين مواجهاتهما صوب القرن الإفريقي. والخطر العسكري الآخر في هذه المنطقة هو خطر على صعيد الأدوات، حيث تتصاعد احتمالات وجود صراعات هجينة في المنطقة تمتزج فيها الإستراتيجيات التقليدية بإستراتيجيات حرب العصابات من قبل جماعات العنف والتمرد، وهو العنصر الأساسي الذي تركز عليه الوثيقة فيما يتعلق بتلك المناطق من النزاعات.

 قد يجادل بعض الخبراء بأن هذه الوثيقة تحتاج إلى إدماج بعض التوصيات الخاصة بأمور التشغيل والعمل في إطار القيادات الموحدة، لكن ما يهمّ الإستراتيجيات العسكرية غالبًا هو تحديد التهديدات والتحديات الوجودية، وما يلزم ذلك من تشكيل العقائد العسكرية والوجدان القومي، ثم توفير الموارد لمجابهة تلك التهديدات. ويُعَدّ ما دون ذلك على أهميته أمورًا تكميلية لا تنتقص من الوثيقة شيئًا. وعلى اعتبار حساسية هذه الوثيقة، فإنها صريحة في كثير من بنودها، فهي لا تستخدم اللغة الدبلوماسية فيما يتعلق بالكشف عن مناطق العداء، مع التزامها بالواقعية إلى حد كبير. ويمكن القول: تُعَدّ هذه الوثيقة أكثر توازنًا لدى مقارنة هذه الإستراتيجية بالوثيقة السابقة في 2011، ولاسيما فيما يتعلق بكثافة حضور الصراعات التقليدية مع الدول، وغير التقليدية مع تنظيمات العنف، وما بينهما من الصراعات الهجينة.

الهوامش والمراجع:

 

[1]  نسبة إلى ألفريد ماهان صاحب نظرية القوة البحرية ذائعة الصيت في العلوم الجيوستراتيجية.

Thaer Mahan, Alfred: “The Influence of Sea Power Upon History, 1660-1783”

http://www.amazon.com/Influence-History-1660-1783-Military-Weapons/dp/0486255093

[2]  انظر عبد الرحمن، حمدي: الصومال وغياب الرؤية في حركة مصر الخارجية، 2013

 

[3] Slaughter, Anne Marie: International Relations, Principal Theories - Princeton University Press

[4] Ibid.

[5]  انظر ناي، جوزيف: مستقبل القوة

http://www.amazon.com/The-Future-Power-Joseph-Nye/dp/1610390695

[6]  انظر بيانات البنك الدولي حول التجارة العالمية 2014

http://wits.worldbank.org/CountryProfile/en/Country/WLD/Year/LTST/Summary

[7]   وثيقة الإستراتيجية العسكرية الوطنية الأمريكية على موقع هيئة الأركان العسكرية المشتركة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية– وهي الجهة المنوط بها وضع الوثيقة

http://www.jcs.mil/Portals/36/Documents/Publications/2015_National_Military_Strategy.pdf

[8]  الحرب الصومالية 2006 – 2009

https://en.wikipedia.org/wiki/War_in_Somalia_%282006%E2%80%9309%29

[9] تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول الأزمة في القرن الإفريقي– موقع البرنامج

http://www.undp.org/content/dam/undp/library/crisis%20prevention/UNDP%20Crisis_brief_horn_of_africa.pdf

[10] Mohan Malik, China and India: Great Power Rivals (New Delhi: Viva Books, 2012), p. 358.

[11] Thomas, Roy: The Battle of the Indian Ocean 2039? – Canadian Naval Review, Spring 2014

[12]  رابط العملية على موقع حلف شمال الأطلنطي (الناتو)

http://www.mc.nato.int/ops/Pages/OOS.aspx

[13] http://www.alarab.co.uk/?id=59413

 


ملصقات
 »