رؤية تركية
دورية محكّمة في
الشؤون التركية والدولية
ISSN 2458-8458
E-ISSN 2458-8466

| المقالات والدراسات < رؤية تركية

العلاقات التركية السودانية: بين الموروث العثماني والثقافة والدبلوماسية الإنسانية

ملخّص: تدرس هذه الورقة مسار العلاقات السودانية- التركية في ظلّ المتغيرات الإقليمية، مركزةً على دور الثقافة والدبلوماسية الإنسانية. اعتمدت الورقة منهج مقابلات الخبراء، واستعرضت الخلفية التاريخية للعلاقات منذ العهد العثماني، وأظهرت النتائج أن هذه العلاقات ترتكز على الأبعاد الثقافية والدينية الموروثة، لكنها شهدت تراجعًا في الفترة الأخيرة بعد ازدهار سابق، ولاسيّما خلال الحرب الحالية. وقد أوصت الورقة بتعزيز الدبلوماسية الثقافية والإنسانية، وزيادة التمثيل الدبلوماسي المتخصص، وتوسيع التعاون لدعم الاستقرار في السودان وإفريقيا. ABSTRACT: This paper examines the trajectory of Sudanese-Turkish relations amid regional changes, focusing on the role of culture and humanitarian diplomacy. Adopting an expert interview methodology, it reviews the historical background of bilateral relations since the Ottoman era. Findings reveal that these relations are grounded in inherited cultural and religious dimensions, yet have recently declined after a previous period of prosperity, particularly during the ongoing war. The paper recommends strengthening cultural and humanitarian diplomacy, increasing specialized diplomatic representation, and expanding cooperation to support stability in Sudan and Africa.

العلاقات التركية السودانية: بين الموروث العثماني والثقافة والدبلوماسية الإنسانية

طالما كانت إفريقيا منطقة محورية عبر التاريخ، لا لموقعها الإستراتيجي المطل على المحيطين الأطلسي والهندي فقط، بل لمواردها الطبيعية الهائلة وتنوعها الثقافي والحضاري أيضًا. وقد أدرك سلاطين الدولة العثمانية هذه الأهمية منذ القرن السادس عشر، حيث مدّوا نفوذهم إلى أجزاء واسعة من القارة، ولاسيما في شمال إفريقيا، والقرن الإفريقي، وسواحل البحر الأحمر. تميّز الوجود العثماني في إفريقيا -خلافًا للنماذج الاستعمارية الأوروبية اللاحقة- بأنه لم يقم على نظرة استعلائية عرقية، بل قام على أسس دينية وإدارية وتجارية، مع احترام نسبي للهياكل المحلية. وقد ترك العثمانيون إرثًا معماريًّا وثقافيًّا ودينيًّا لا يزال ملموسًا حتى اليوم في مدن مثل طرابلس، والجزائر، وتونس، والقاهرة، وسواكن.

في العصر الحديث، ومع تحول النظام الدولي بعد الحرب الباردة، أعادت تركيا -وريثة الدولة العثمانية- اكتشاف إفريقيا لا من باب الاستعادة الإمبراطورية، بل من منظور القوة الناعمة والشراكة المتوازنة؛ فمنذ إعلان "سنة إفريقيا" 2005، وتبنّي "إستراتيجية الانفتاح على إفريقيا"، انتهجت تركيا سياسة خارجية تقوم على مبادئ: عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتقديم المساعدات الإنسانية دون شروط، وتعزيز التبادل التجاري المتوازن، ودعم السلام والأمن الإقليمي. وقد تجلى ذلك في افتتاح أكثر من 44 سفارة تركية في إفريقيا، وزيادة حجم التبادل التجاري إلى أكثر من 25 مليار دولار، وتشغيل الخطوط الجوية التركية إلى أكثر من 60 وجهة إفريقية. كما أدّت مؤسسات مثل "تيكا" (TİKA) و"معهد يونس إمره" و"الوكالة التركية للتعاون والتنسيق" و"الهلال الأحمر التركي" دورًا محوريًّا في ترجمة هذه السياسة إلى مشروعات ملموسة في مجالات التعليم، والصحة، والبنية التحتية، والإغاثة الإنسانية في القارة.

تقوم العلاقات التركية الإفريقية على مبدأ التوازن والفوائد المتبادلة وتأخذ بُعدين: أحدهما سياسيّ والآخر دبلوماسيّ على مستوى الدولة وعلى مستوى المؤسسات الاقتصادية ورجال الأعمال وتتميز العلاقات بالتوازن وعدم الاستعلاء. اعتمادًا على ذلك وضع الساسة الأتراك الجدد محددات جديدة للسياسة الخارجية التركية التي تخاطب واقع العلاقات والتفاعلات والمصالح المتبادلة بوصفها أساسًا للتعاون المشترك بينها وبين دول القارة.

 


ملصقات
 »  

نحن نستخدم ملفات تعريف الارتباط بطريقة محدودة ومقيدة لأغراض محددة. لمزيد من التفاصيل ، يمكنك الاطلاع على "سياسة البيانات الخاصة بنا". أكثر...