يصف هيرودوت، الذي يروي تقدّم الفَرَس إلى شبه جزيرة أتيكا في عام 490 قبل الميلاد، الحادثة المثيرة للجدل التي تفيد بإرسال إشارة إلى الفرس من خلال رفع درع بعد المعركة. يُظهر هذا المثال أن الحرب لا تقتصر على التصادم العسكري أو الصراع الحركي فحسب؛ بل إن المعلومات والتواصل وإدارة التصورات تؤدّي دورًا مهمًّا حتى في المراحل المبكرة من الصراع، وقد أُعِيد تمثيل هذا المنطق القديم بشكل رقمي في الساعات المظلمة من يوم 28 فبراير 2026.
أدلى رئيس أركان الجيش الأمريكي الجنرال دان كين في مؤتمر صحفي عُقِد في 2 مارس 2026 بالتصريحات الآتية بشأن المرحلة الأولى من الهجمات: كانت القيادة السيبرانية الأمريكية والقيادة الفضائية الأمريكية ”أول من بادر“ بالعملية، وقد أدّت الهجمات السيبرانية التي نُفِّذت قبل وصول الذخائر العسكرية الحركية الأولى إلى الأهداف- إلى تعطيل شبكات الاتصالات وأجهزة الاستشعار الإيرانية؛ وشلّ عمل رادارات الإنذار المبكر؛ وتعطيل البنية التحتية للقيادة والتحكم. وخلال هذه العملية، انخفضت حركة الإنترنت في إيران إلى أقل من 4% من مستواها الطبيعي خلال الساعات الأولى من الهجمات.
تُظهِر العمليات التي أطلقت عليها "إسرائيل" اسم ”الغضب الأسطوري“ و”زئير الأسد“ الدقّة العالية التي وصلت إليها الأنظمة السيبرانية والاستخباراتية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في ساحة الحرب الحديثة. إن اختزال عمليات تحليل البيانات، التي قد تستغرق شهورًا باستخدام الأساليب التقليدية، إلى ثوانٍ معدودة، وإجراء تحديد الأهداف من خلال بيانات متعددة الطبقات مثل المراقبة البيومترية وتحليلات الكثافة السكانية، يزيدان بشكل كبير من الفعالية العملياتية تجاه الأهداف العالية القيمة. ويُظهر هذا التطور، عند تقييمه جنبًا إلى جنب مع أنظمة الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي مثل “The Gospel” و “Lavender” و”Where is Your Daddy؟” المستخدمة في هجمات "إسرائيل" على غزة، أن هذه التقنيات قد نضجت بشكل تدريجي.
ومع ذلك، يبرز عنصران أساسيان يميزان التوتر الحالي عن الفترات السابقة: الأول هو أن استخدام الذكاء الاصطناعي لم يعد عنصرًا تشغيليًّا خفيًّا، بل أصبح يُعبّر عنه صراحةً كبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين بوصفه جزءًا من العقيدة العسكرية. والثاني هو النقاشات حول المسؤولية الأخلاقية والقانونية التي تثيرها هذه التقنيات. ففي التصريحات الصادرة عن القيادة المركزية الأمريكية CENTCOMالتي تُقِرّ باستخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات، يُنظر إلى التأكيد على أن ”القرار النهائي يتخذه الإنسان“ على أنه محاولة لتحقيق توازن قانوني وسياسي في مواجهة الخسائر المدنية المتزايدة والانتقادات الدولية المتعلقة بمنظومة مسؤولية الأنظمة المستقلة.
وفي هذا السياق، فإن دمج الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في عمليات الاستخبارات وتحديد الأهداف لا يشير إلى تفوق تقني فقط، بل يشير أيضًا إلى تشكل نموذج حربي جديد قائم على التفاعل بين الإنسان والآلة. إن الجمع بين تحليل البيانات الضخمة والاستخبارات الإشارية وخوارزميات التعلم الآلي يسرع عمليات اتخاذ القرارات العملياتية، ويقلل من هامش الخطأ في تحديد الأهداف. لكن هذا الوضع يؤدي إلى أن تصبح الحدود الفاصلة بين الفعالية العسكرية والمسؤولية القانونية موضع جدل متزايد، ويثير مسألة قابلية تطبيق قواعد القانون الدولي على هذه التقنيات الجديدة.
يبحث هذا التحليل في الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي التي تشنها الولايات المتحدة و"إسرائيل" في إطار المعايير الأساسية للقانون الدولي. وفي هذا السياق، يتم أولًا تناول قابلية تطبيق القانون الدولي على الفضاء السيبراني ومن ثَمّ على تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ ثم يجري تقييم حظر استخدام القوة، وعتبة الهجوم المسلح، والمسؤولية الدولية للدولة، وحق الدفاع عن النفس من خلال الأبعاد الملموسة للحرب.
