شهد مفهوم الناتو للأمن، بعد الحرب الباردة، توسعًا على المستويين الجغرافي والمفاهيمي، بعدما أُسِّس الحلف عام 1949 لحماية أمن أوروبا في مواجهة التهديدات الصادرة عن الاتحاد السوفييتي. وأخذت قضايا عابرة للحدود، مثل الإرهاب، والفاعلين المسلحين من غير الدول، والحروب الأهلية، وهشاشة الدول، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، والهجرة غير النظامية، وأمن الطاقة وخطوط الملاحة البحرية- تتبوّأ مكانة متزايدة في أجندته الإستراتيجية.
ومع احتمال تحول هذه القضايا إلى تهديدات أمنية، وسّع الناتو تعريفه المؤسسي للتهديدات ومقاربته للأمن. كما أسهم اتساع هذا التعريف، إلى جانب التدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط، في زيادة اهتمام الناتو بالمنطقة. وهكذا دخل الشرق الأوسط، الذي لم يُنظَر إليه منذ تأسيس الحلف بوصفه مسرحًا مباشرًا للعمليات، ضمن أجندة الناتو بفعل حروب الخليج، وغزو العراق، والحرب الأهلية السورية، وصعود تنظيم داعش، والأزمة الليبية، والتوترات الأمنية الأحدث المرتبطة بإيران والخليج.
لكن تزايد حضور الشرق الأوسط في أجندة الناتو الأمنية لا يعني بالضرورة أن الحلف يملك إستراتيجية متكاملة ومحددة بوضوح تجاه المنطقة؛ إذ تشكلت مقاربته للشرق الأوسط، لا من خلال وثيقة إستراتيجية أو عقيدة واحدة، بل عبر تدابير مرحلية، وممارسات لإدارة الأزمات، وعمليات عسكرية، وأنشطة تدريب واستشارة، وآليات شراكة مختلفة.
وفي هذا الإطار، تمثل مبادرة الحوار المتوسطي، ومبادرة إسطنبول للتعاون، وأنشطة الناتو التدريبية والاستشارية في العراق، ومبادرات بناء القدرات الدفاعية في دول الخليج- أهم أدوات الانخراط المؤسسي للحلف في المنطقة. وإذا أُضيف إلى ذلك التدخل العسكري المباشر في ليبيا، والدعم المقدم للتحالف الدولي الذي تشكل لمواجهة التهديدات الآتية من سوريا، يتضح أن الناتو ليس فاعلًا سلبيًّا أو مراقبًا خارجيًّا بالكامل في الشرق الأوسط.
غير أن السؤال يبقى مطروحًا حول ما إذا كانت هذه الأدوات والممارسات المتعددة تندرج ضمن عقيدة محددة، وتعريف مشترك للتهديد، ونطاق جغرافي واضح، وأهداف إستراتيجية مرتبة بحسب الأولوية، وفهم متسق للتدخل. وغالبًا ما جاءت هذه المبادرات، بوصفها استجابات لمشكلات ظرفية، مكملة لانخراط الولايات المتحدة في المنطقة؛ لذلك يصعب اعتبارها مكونات لإستراتيجية متكاملة.
وهنا تبرز أهمية التمييز المفاهيمي بين سياسة الناتو تجاه الشرق الأوسط وإستراتيجيته للشرق الأوسط. فإدارة منظمة ما لعلاقات سياسية مع إقليم معين، أو إنشاؤها آليات للشراكة، أو مساعدتها في تطوير القدرات، أو تدخلها عسكريًّا في أزمات محددة، لا يعني تلقائيًّا أنها تمتلك إستراتيجية شاملة لذلك الإقليم.
فالإستراتيجية لا تقتصر على مجموع الأدوات والأنشطة، بل تتطلب تحديد التهديدات، وترتيب الأولويات، وبيان الأهداف السياسية، وإقامة صلة منسجمة بين هذه الأهداف والأدوات المستخدمة لتحقيقها. ومن هذا المنظور، تشير أنشطة الناتو في الشرق الأوسط من جهة إلى علاقة أكثر كثافة ومأسسة بين الحلف والمنطقة، لكنها تثير من جهة أخرى تساؤلات مهمة بشأن التماسك الإستراتيجي لهذا الانخراط.
