عندما اجتمعت 12 دولة حليفة في أبريل 1949 للتوقيع على المعاهدة المؤسِّسة لحلف شمال الأطلسي، فإنها لم تؤسس مجرد إطار تعاون عسكري، بل أرست التزامًا دفاعيًّا طويل الأمد. وقد وضعت هذه الدول الأساس لنظامٍ أمني استند إلى إدراك مشترك "لبيئة التهديد" السائدة في تلك اللحظة، التي كانت ناجمة بشكل أساسي عن النزعة التوسعية للاتحاد السوفييتي. وكانت عملية بناء هذا الصرح الأمني ثمرة تفاعل ذاتي، ومخاوف مشتركة، ودروس مستفادة من التجربة التاريخية، وأهداف جامعة. وعلى مدى عقود، أفضى هذا السعي إلى التكامل الدفاعي والأمني إلى نشوء ثقافة أمنية متميزة، وأكسبت هذه الثقافة الناتو طابعًا مؤسسيًّا مميزًا يتجاوز كونه مجرد إطار للتعاون العسكري بين أعضائه. ومنذ ذلك الحين، عملت العلاقة بين ثقافة الناتو وثقافات أعضائه كآلية تعزيز متبادل، عمّقت قابلية التشغيل البيني والمرونة الجماعية على حدّ سواء.
ولكي تُطوّر منظمة دولية ثقافتها الخاصة، بدلًا من أن تكون مجرد انعكاس لثقافات أعضائها، فإنها تحتاج إلى عملية تاريخية طويلة، تُغذّيها خبرة مشتركة من التهديدات والأزمات، وجهود مستمرة لتوحيد الاجراءات والمعايير، واستيعاب تدريجي للمعايير الجماعية. وتتكون الثقافة، في جوهرها، من خصائص تأسيسية ودائمة نسبيًّا تُعرّف الجماعة نفسها من خلالها. وهي تقاوم التغيير السريع؛ لا لأنها جامدة، بل لأنها متجذرة بعمق؛ وبعبارة أخرى، فإنّها منسوجة في الافتراضات والعادات والممارسات المؤسسية لدى من يحملونها. وقد مرّ الناتو بمسار مشابه تمامًا، ونجح في تنمية ثقافة أمنية، وإن كانت غير قابلة للانفصال عن إسهامات دوله الأعضاء، إلا أنها ثقافته الخاصة أصلًا. إن فهم رموز تلك الثقافة ومنطقها الداخلي، ومحدداتها البنيوية، وتداعياتها السلوكية أمرٌ أساسي لتقييم مرونة الحلف وقدرته على التعامل مع الضغوط التي يواجهها حاليًّا.
وهذه الضغوط حقيقية وملحّة. فقد أعاد وصول إدارة ترامب إلى السلطة إحياء نقاشات قديمة حول مستقبل الحلف، مما زاد من حدة مخاوف لم تتبدد تمامًا منذ فترة ترامب الأولى. وفي هذا السياق، سرّع الاتحاد الأوروبي من طموحاته الدفاعية وعمّق خطابه بشأن الاستقلالية الإستراتيجية، مما أثار تساؤلات جدية حول العلاقة بين التكامل الدفاعي الأوروبي والإطار عبر الأطلسي. وتبرز مفارقة لافتة في تصريحات ترامب العلنية بشأن سيادة كندا والدنمارك وسلامة أراضيهما على من يعدّون التزام الحلف التأسيسي بسيادة الدول الأعضاء أحد أكثر معاييره حرمة. وفي الوقت نفسه، جاء ما يبدو أنه تجاهل إستراتيجي أمريكي لروسيا، والإشارة الاستفزازية إلى إمكانية انجرار الحلف إلى مواجهة مع إيران، ليوضحا أهمية سؤالٍ يمتد عبر هذه الدراسة: ما ثقافة الناتو؟ وبالمقدار نفسه من الأهمية: ما حدود هذه الثقافة وما الذي لا تتضمنه؟
تتناول هذه الدراسة هذا السؤال من خلال فحص منهجي للثقافة المؤسسية للناتو. وتكمن الفرضية المحورية في أن ثقافة الناتو تقوم على بنية متكاملة ومنظمة، ومترسّخة في القانون، وتعمل ضمن إطار من التوافق. وهذه البنية، بعيدًا عن كونها قيدًا بيروقراطيًّا على عمل الحلفاء، فهي تمثّل أكثر مصادر قوة الحلف ديمومةً. وتُطوّر الدراسة في القسم الأول إطارًا نظريًّا لتحليل الثقافة الأمنية، مستندة إلى أدبيات الثقافة المؤسسية، ومقدّمةً نموذج التسلسل السلوكي – الاعتقاد، والموقف، والسلوك، والمعايير الجماعية، والقيمة (BABGV) – كأداة تحليلية لفهم كيف تتحول المعتقدات المشتركة إلى معايير وقيم مؤسسية. ويطبّق القسم الثاني هذا الإطار على الناتو، مُقيّمًا الحلف وفق 10 معايير تشكّل معًا شروط نشوء ثقافة أمنية ناضجة. ويتناول القسم الثالث التحديات التي تواجه كل واحد من هذه المعايير حاليًّا.
