رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


| عروض الكتب < رؤية تركية

التكالب على نفط إفريقيا

يقدّر الكتاب استثمارات صناعة النفط في إفريقيا بنحو 70 مليار دولار منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي وحتى نهاية العقد الماضي.

التكالب على نفط إفريقيا

تأليف: جون جازفينان

عرض: حسين عباس

==

يرصد الكتاب حدة التنافس الدولي على القارة الإفريقية بغية بسط النفوذ والسيطرة على ثرواتها النفطية الكبيرة التي جرى اكتشافها خلال السنوات الماضية، في إطار سعي العواصم الكبرى في العالم، وبخاصة الولايات المتحدة وأوروبا، وكبرى الدول الآسيوية ولاسيّما الصين- إلى تأمين إمدادات الطاقة، وتنويع مصادرها، آخذة في الحسبان التطورات الجيوسترايجية في العالم.

ظلت صورة إفريقيا مرتبطة في أذهان العالم الغربي بأنها موطن الذباب والغبار والأطفال الجنود، ووصفها رئيس وزراء بريطانيا الأسبق توني بلير في عام 2001 بأنها "ندبة في ضمير العالم"، كما وصفها الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش في العام نفسه بأنها "دولة" يتفشى فيها المرض... لكن مع ذلك كله يذكر الكتاب أن (إفريقيا) أصبحت في بؤرة صنع السياسات العالمية؛ لاحتمال أن تكون مصدرًا موثوقًا به لتلبية احتياجات السوق العالمي من النفط والغاز.

ويرصد الكتاب الصادر باللغة الإنكليزية، والمكوّن من مقدمة وتصدير وستة فصول وخاتمة- أسباب تحوّل القوى العالمية الكبرى نحو القارة السوداء... منها إمكانية الحصول على مساحات تنقيب تصل في حجمها إلى نحو مساحة دولة أوروبية مثل فرنسا من خلال مزاد، كما أن حكومات دول القارة تفتقر إلى الخبرة والقدرة الفنية التي تمكنها من فرض القيود المرهقة على نشاط الحفر المسبب لمشكلات بيئية.

ويقول الكتاب المكوّن من 376 صفحة كبيرة، الذي ترجمه إلى العربية أحمد محمود، وأصدره المركز القومي للترجمة بالقاهرة في مطلع عام 2014: إن إفريقيا رغم ما اعتراها من عدم الاستقرار والفساد والعنف السياسي، إلا أن المطارات الكبرى في العالم تشهد مغادرة وفود كبرى تمثل حكومات دول وشركات كبرى متجهة صوب القارة السمراء، لزيادة حصتها من النفط والغاز.

ويقدّر الكتاب استثمارات صناعة النفط في إفريقيا بنحو 70 مليار دولار منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي وحتى نهاية العقد الماضي.

ويسود اعتقاد أن إفريقيا التي تضم 54 دولة و2000 مجموعة عرقية و3000 لغة تحتوي وفق أحسن التقديرات على نحو 10% من احتياطيات النفط في العالم، ومن غير المرجح أن تحل مكان الشرق الأوسط في إنتاج النفط، ولكن الكتاب يرصد عددًا من الأسباب توضح سبب الاهتمام الدولي بالقارة السمراء.

وتتضمن هذه الأسباب صفة النفط نفسه، فنوعية الخام الموجود في خليج غينيا من النوع الخفيف الذي يسهل تكريره، وأرخص من خام الشرق الأوسط، وهو الذي تستهويه معامل التكرير الأمريكية والأوربية التي يتعين عليها الامتثال لقوانين البيئة.

وتشمل عوامل جاذبية النفط الإفريقي الطبيعة الجغرافية للقارة، فهي محاطة بالماء من كل الجهات تقريبًا، وهذا يقلّل إلى حدّ بعيد التكاليف والمخاطر المتصلة بالنقل، حيث يسهل استخدام المسارات البحرية الحالية من أجل التوصيل السريع والرخيص من دون قلق استخدام قناة السويس مثلًا، أو مدّ خطوط أنابيب باهظة التكلفة في بلدان لا يمكن التنبؤ بظروفها السياسية، مثل نقل مصادر الطاقة من منطقة بحر قزوين، أو دول آسيا الوسطى إلى أوروبا.

وتوفر إفريقيا بيئة تعاقدية مواتية، بخلاف السعودية مثلًا التي تحتكر فيها شركة أرامكو المملوكة للدولة حق التنقيب عن النفط الخام في البلاد وإنتاجه وتوزيعه، بينما يعمل معظم بلدان إفريقيا جنوب الصحراء على أساس ما يسمى باتفاقيات المشاركة في الإنتاج، حيث تمنح الشركة الأجنبية رخصة التنقيب عن النفط شريطة أن تتحمل التكلفة الأولية الخاصة بالتنيقب والإنتاج.

وأكبر سمة يثير شهية الشركات الأجنبية تجاه النفط الأفريقي، هو أن معظم الاكتشافات التي جرت مؤخرًا كانت في البحر، بعيدًا عن اليابسة، وهذا يبعدها عن أخطار اندلاع أعمال عنف أو حرب أهلية.

الكتاب يتميز بوفرة المعلومات وغزارتها، وعرضها بأسلوب سهل شائق استنادًا إلى مئات المقابلات والمناقشات مع أشخاص من أنحاء إفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة.

واعتمد المؤلّف جون جازفنيان الصحفي والمؤرخ الأمريكي الذي ولِد في إيران ونشأ في لندن ولوس أنجليس تايمز في الحصول على معلوماته التي أوردها- على الكتب، وتقارير المنظمات غير الحكومية، ومئات المقالات من دوريات المهنة والصحف والمجلات، وصحافة الإنترنت، والمقالات العلمية، والمنشورات الرسمية من الجهات الدولية.

ويؤكد الكتاب أن النفط الإفريقي أرخص من نفط منافسيه، وأنه أكثر منه أمانًا، والوصول إليه أسهل، وهناك المزيد منه. وبينما يشير الكتاب إلى أن إفريقيا ربما لا يكون بمقدروها منافسة منطقة دول الخليج إلا أن لديها ما يكفي لجعلها منطقة مهمّة محتملة، يمكن أن تدفع بإنتاج يكفي للحفاظ على هدوء أسواق النفط، عندما لا يمكن توقع الواردات من مناطق أخرى في العالم.

ويوضح الكتاب أن تنويع مصادر النفط لدى الولايات المتحدة يشكل هدفًا، بل هوسًا منذ أزمة النفط، إبان حرب 6أكتوبر/تشرين الأول 1973، كما اكتسب السعي لتوزيع محفظة أمن الطاقة الأمريكي أهمية جديدة منذ أحداث 11سبتمبر/أيلول 2001، حتى إن الرئيس الأمريكي السابق جورج دبليو بوش قال في خطاب الاتحاد في يناير/كانون الثاني 2006: إنه يريد الحدّ من اعتماد بلاده على نفط الشرق الأوسط بنسبة 75% بحلول عام 2025.

ويكشف الكتاب الذي سبر غور القارة الإفريقية، وتطورات اكتشاف النفط في الكثير من دولها- عن مفارقة شديدة للغاية، وهي أن النفط كان بمثابة نعمة للدول الإفريقية، ونقمة في الوقت نفسه، مشيرًا إلى أن إحدى فضائح انتعاش النفط الإفريقي تتمثل في خلق فرص عمل في الولايات المتحدة وأوروبا أكثر من خلقها في القارة  السمراء.

ويفجر الكتاب مفاجأة من العيار الثقيل تفيد أن 5%  فقط من قيمة المليارات التي تستثمرها الشركات العالمية الكبرى في مشروعات النفط الإفريقية- يُنفَق سنويًّا في إفريقيا! ويوضح أن التنقيب عن النفط بطبيعته رأس مال لا كثافة العمالة.

وأصبحت الاقتصادات الإفريقية تعتمد على عائدات النفط، حيث تمثل الصناعات الاستخراجية، مثل النفط والغاز والتعدين نحو 50% من الصادرات الإفريقية، و65% من الاستثمار الأجنبي المباشر، منذ فترة التسعينيات.

والتقديرات التي تشير إلى أن عشرات مليارات الدولارات تتدفق إلى خزائن الدول الإفريقية بفضل عائدات النفط- توجب على حكام تلك الدول أن يدركوا أن النفط نعمة لا نقمة.

ولا تزال صورة الاستعمار القبيح، وما فعله بالقارة السمراء في نهاية القرن التاسع عشر حاضرة في الأذهان بقوة، إبان "التكالب الثاني على إفريقيا"، حيث يسهل على الشخص حاليًّا أن يرى بأم عينيه الشركات الوافدة من كل حدب وصوب ومن مختلف الأجناس والديانات: الصينية والماليزية والأمريكية والفرنسية والأسترالية، وهي تخوض سباقًا قاسيًا لانتزاع مساحات التنقيب عن الذهب الأسود.

ويبرز الكتاب نهم الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم حاليًّا، لالتهام أكبر حصة من النفط الإفريقي، حيث أبدت بكين استعدادها لتقديم حوافز نقدية كبيرة في ضمانات القروض مقابل الحصول على امتيازات النفط المربحة في إفريقيا.

وتسود توقعات بأن تحصل الصين على 60% من احتياجاتها من الطاقة من الخارج بحلول عام 2020، يعني أنها ستكون بحاجة لاستيراد ما بين 10- 15 مليون برميل من النفط يوميًّا، وهذا يفوق الإنتاج السعودي حاليًّا.

ويذكر الكتاب أن النفط الإفريقي كان يمثل 17% من واردات الصين في عام 1997، وارتفع إلى 28.7% في عام 2004، ليواصل الارتفاع بمرور السنوات، الأمر الذي سيجعل أهمية إفريقيا للصين من منظور أمن الطاقة أكبر من أهميتها بالنسبة للولايات المتحدة.

وينبه الكتاب دعاة حقوق الإنسان إلى أن "الكثير من التسويات المهلكة التي تمت مع الحكام غير الديمقراطيين وغير المحبوبين في الشرق الأوسط تجري إعادته في كل أنحاء إفريقيا، مع احتمال أن يكون لذلك نتائج مفجعة"، وفي مقدمتها صراعات يحركها وعد الثراء للطرف الأقوى داخل الدولة الواحدة.

 

 

 


ملصقات
 »