رؤية تركية

دورية محكمة في
الشئون التركية والدولية


| المقالات والدراسات < رؤية تركية

الثابت والمتحول في محددات السياسة الخارجية السعودية

تنقسم محددات السياسة الخارجية السعودية إلى قسمين: 1-القائمة التقليدية (the traditional list) ، و2-بنية النظام الدولي. بسبب تأثيرها في علاقات الرياض مع القوى الكبرى (تأثير التقارب الأمريكي الإيراني في السياسة الخارجية السعودية، مثالًا).

الثابت والمتحول في محددات السياسة الخارجية السعودية

ملخص يهمل كثيرٌ من الباحثين والمختصين في الشأن السعودي تأثير التوازنات السياسية الداخلية في السياسة الخارجية السعودية. ويكمن تأثير هذه التوازنات فيما أُسميه هنا بالقائمة التقليدية، التي جعلت الرياض تنحصر سابقًا في موضع ردة الفعل، لا الفعل. وبما أن هذه القائمة التقليدية انعكاس للبنية السياسية الداخلية للمملكة العربية السعودية، فإن أي تغيير في البنية السياسية الداخلية سينعكس مجدّدًا على السياسة الخارجية.

وبنية النظام الدولي تُشكّل سياقًا للعلاقات مع القوى الكبرى، التي تشكل بدورها عاملًا مؤثرًا. لأن لهذه العلاقات استحقاقات سياسية واقتصادية، تستوجبها من جهة احترام السعودية وحلفائها لمصالح بعضهما. ومن جهة أخرى، هذه العلاقات عامل مهمّ، بسبب ارتباط هذه العلاقات بالتصورات الإستراتيجية السعودية. ولذلك، فإن أي تحوّل في بنية النظام الدولي -كما هو حاصل الآن في عملية الانتقال من نظام أحادي القطبية إلى نظام لا قطبي- سيؤثر في إعادة رسم الدول الكبرى لخريطة تحالفاتها ومصالحها. ويستتبع ذلك، تأثير عملية إعادة الرسم تلك في علاقات هذه الدول الكبرى بحلفائها، مثل السعودية. وبما أن تحالفات السعودية ستتأثر، فإن سياستها الخارجية ستستجيب لهذه التغيرات. وهذا يبدو واضحًا في التنافس السعودي الإيراني على الهيمنة الإقليمية.

 

مقدمة:

تنقسم محددات السياسة الخارجية السعودية إلى قسمين: 1-القائمة التقليدية (the traditional list) ، و2-بنية النظام الدولي. بسبب تأثيرها في علاقات الرياض مع القوى الكبرى (تأثير التقارب الأمريكي الإيراني في السياسة الخارجية السعودية، مثالًا).

القائمة التقليدية انعكاس للبنية السياسية الداخلية. ويستتبع ذلك أن أي تغيير في البنية السياسية الداخلية سينعكس مجدّدًا على السياسة الخارجية[1]. وبنية النظام الدولي تُشكّل سياقًا للعلاقات مع القوى الكبرى، التي تشكل عاملًا مؤثرًا. لأن هذه العلاقات لها استحقاقات سياسية واقتصادية، تستوجب من جهة احترام السعودية وحلفائها لمصالح بعضهما. ومن جهة أخرى، هذه العلاقات عامل مهمّ؛ بسبب ارتباطه بالتصورات الإستراتيجية السعودية.

 

أولًا- القائمة التقليدية:

تتكون هذه القائمة التقليدية من ثلاثة محددات؛ هي:

  • تحييد التهديد.
  • تعزيز الشرعية.
  • حماية المصالح.

ويمكن القول: إن هذه القائمة التقليدية هي أحد المحركين الرئيسين للسياسة الخارجية السعودية.

والسبب الرئيس الذي يجعلني أضع تحييد التهديد على رأس القائمة  التقليدية يبدو نتيجة منطقية لحالة التشارك في السلطة القائم في داخل النخبة الحاكمة. هذا التشارك أحد إفرازات التحالفات التي قامت بين أقطاب الأسرة الحاكمة في المملكة في بداية ستينيات القرن المنصرم، عندما تحالف الملك فيصل مع أبرز إخوته من أبناء الملك عبد العزيز بهدف إبعاد الملك سعود عن السلطة والحلول محلّه. فأصبح الأمير فيصل ملكًا، وعُيِّنَ الملك خالد وليًّا للعهد آنذاك، والملك فهد نائبًا ثانيًا لرئيس مجلس الوزراء، (وهذه المرة الأولى التي يُستحدث فيها هذا المنصب).

 وكانت كل ترتيبات تقاسم السلطة التي تلت ذلك نتيجة مباشرة لتحالف أبناء الملك عبد العزيز ضد الملك سعود، والذي بدأ فعليًّا في أثناء الصراع بين فيصل وسعود على رئاسة مجلس الوزراء.

 فتعيين الملك عبد الله بن عبد العزيز -العاهل السعودي السابق- رئيسًا للحرس الوطني كان في عام ١٩٦٣، تحت رئاسة فيصل لمجلس الوزراء، ولي العهد آنذاك، وكذلك تعيين الملك خالد نائبًا لرئيس مجلس الوزراء، والملك فهد وزيرًا للداخلية. وهو الترتيب ذاته الذي تلا تلك الفترة من حيث التعاقب على العرش، فتولى فيصل الحكم، ثم أعقبه خالد ففهد فعبد الله.

فبعد نهاية الصراع على العرش بين الملك سعود والملك فيصل عام 1964 بتولي الملك فيصل مقاليد الحكم، نشأ ما أُسميه هنا بــ«التوازن المتعدد» (multi balance)، الذي كانت فيه مراكز القوة داخل الأسرة الحاكمة تُوازِن بعضها بعضًا، مع وجود الملك فيصل كـ«قوة مرجحة» (the swaying force). ثم بعد مقتل الملك فيصل عام 1975، أُعيدَ ترتيب هذا الوضع إلى توازن «الهيمنة المتعددة» (multi dominiation)، ويعني ذلك موازنة مراكز القوة في الأسرة الحاكمة لبعضها بعضًا، ولكن بدون تواجد قوة مرجّحة لها[2].

ولأن الاشتراك في السلطة يجري على مستوى واسع، يكون التعاون والتماسك أو الترابط المنطقي (cohérence) في أعلى درجات الوضوح عندما تتعلق المسألة بالشأن الأمني؛ وبذلك يكون هناك مستوى عالٍ من الأهمية والفعالية.

وبكلمات أخرى: في ظل هذا التشارك الواسع للسلطة، يصبح التعاون والتنسيق أكثر صعوبة (إلا في الشأن الأمني)، فلا تتبلور سياسة خارجية واضحة على المديين المتوسط والبعيد (بسبب صعوبة التنسيق والتعاون بين الأطراف المتشاركة في السلطة)[3].

وهذا يفسر عدم (مأسسة) السياسة الخارجية، مما أدى إلى انحصار هذه السياسية في مكان ردة الفعل لا الفعل. وأعني بـ(مأسسة) السياسة الخارجية وجود إطار الإستراتيجية واضح المعالم، تسير وفقه الدبلوماسية السعودية، ويقوم بتعريف العناصر الآتية:

١-مفهوم الأمن القومي، ٢-حدود هذا الأمن، ٣-المصالح الوطنية، ٤-مناطق النفوذ، ٥-خطاب سياسي يستند إلى منظومة قيمية واستثمارات ثقافية داخلية لتعزيز تلك المنظومة، ٦-البنية التحتية اللازمة للإشراف على هذه الإستراتيجية (كمراكز الأبحاث، وفرق العمل المختصة لإدارة الملفات، وتنمية الأدوات وتنويعها لخدمة الإستراتيجية، وشبكة علاقات وآلية عمل بين وزارة الخارجية والمجتمع السعودي…إلخ).

 

ولا يكون التعاون بين أقطاب الأسرة الحاكمة إلا في ظل تهديد أمني يعمل بمنزلة الحافز والقوة المحركة للتعاون والتنسيق بين الأطراف المتعددة، التي تتشارك في السلطة بشكل واسع؛ وبذلك يصبح تحييد هذا التهديد، الذي جمع الأطراف المتعددة أهم سمات التعاون، فينعكس ذلك على السياسة الخارجية السعودية.

ولأن أحد أهم الوسائل وأكثرها فعالية -عندما يتعلق الأمر بتثبيت الدعائم الأمنية- هو مسألة الشرعية، فإن هذه الأخيرة تأتي في المركز الثاني على القائمة التقليدية، بعد ذلك تأتي المصالح، كالتنمية مثلًا. 

ومما يستحق الإشارة هنا أن السياسات الطامحة لتعزيز الشرعية يبدو عليها التطلع إلى إطار العالم الإسلامي (خطاب الشرعية الدينية)؛ في الوقت نفسه الذي نجد فيه السياسات ذات التوجه الأمني تتركز في المحيط الإقليمي؛ (وهذا أمر طبيعي إذا ما أخذنا عاملَي الجغرافيا والتاريخ في الحسبان).

وعلى الرغم من ذهاب بعض الباحثين -كمضاوي الرشيد في كتابها (تاريخ العربية السعودية)[4]- إلى أن السعودية تسعى للتوسع في مصادر شرعيتها بإضافة خطاب التحديث وبناء الدولة، أو كما يبدو لي من إضافة عنصر الحضارة مصدرًا لشرعية الحكم[5]، فإن الاعتماد على الإسلام مصدرًا رئيسًا من مصادر شرعية السلطة يتجدد في كل أزمة مباغتة، كالربيع العربي[6].

تغير بنية السلطة وطبيعتها:

هناك "حدثان طرأا على "السلطة"، أو "الحكم"؛ مما أدى إلى تغير البنية السياسية الداخلية، وهذا سيكون له انعكاس على السياسة الخارجية، وهذان الحدثان هما:

  أ- التغير في بنية "السلطة" بعد تفكك فريق "السدارى" وبروز "هرم السلطة".

ب- التغير في طبيعة "السلطة"، بعد بدء توافد ووصول الجيل الثاني من الأمراء إلى الحكم، أحفاد الملك عبد العزيز، وهم غير مرتبطين بتجربة حروب الملك عبد العزيز لتوحيد المملكة العربية السعودية، ولا بتجربة الصراع بين الملك سعود والملك فيصل (القائمة التقليدية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بهاتين التجربتين).

هذه المتغيرات ستنعكس بدورها على القائمة التقليدية، مما سيفضي إلى نهج جديد للسياسة الخارجية السعودية ونبرة مختلفة (على سبيل المثال، انكشاف التوتر مع أمريكا للعلن، وسحب السفير السعودي من قطر، أو تشكيل تحالف عَشْري وقيادته في عملية «عاصفة الحزم» العسكرية في اليمن).

أ- التغير في بنية "السلطة" بعد تفكك فريق «السدارى» وبروز «هرم السلطة»:

يمكن القول إن فريق السدارى يتميز بثلاث خصائص: أولًا، يتكون هذا الفريق من أبناء الملك عبد العزيز آل سعود (1876-1953) من زوجته حصة السديري. وقد أخذ هذا الفريق مسمّاه المتعارف عليه من اسم قبيلتها، السدارى. وهم سبعة: الملك فهد، الأميران سلطان ونايف، والملك سلمان، والأمراء: أحمد وعبد الرحمن وتركي الثاني. ثانيًا، كان يشغل أعضاء هذا الفريق مناصب مهمّة، هي: وزارتا الداخلية والدفاع وإمارة منطقة الرياض وولاية العهد، ولاحقًا منصب الملك. ثالثًا، كان بين هؤلاء الأعضاء تنافس داخلي، لكنه كان ينتهي حيث يبدأ التنافس مع أبناء الملك عبد العزيز الآخرين.

هذه الخصائص الثلاث التي تميزهم لم تعد قائمة، وبذلك فإن الحديث عن فريق السدارى لم يعد ذا أهمية؛ لعدة أسباب: أولًا، موت أوإقالة أواستقالة معظم أفراد الفريق[7]. لم يبق سوى الملك سلمان. ثانيًا، تفكيك نفوذ الوزارات التي كانت تحت سلطة أفراد هذا الفريق.

فقد فُكّكت وزارة الدفاع والطيران والمفتشية العامة إلى وزارة الدفاع فقط؛ وبذلك فُصلت الهيئة العامة للطيران المدني عن وزارة الدفاع، وأُلغيت -أيضًا- مهام المفتش العام، بعد إنشاء هيئة مكافحة الفساد وإيكال مهام التفتيش إليها؛ وفي ذلك تراجع كبير لنفوذ وزارة الدفاع؛ مما يعني تراجعًا لفريق السدارى[8].

بعد ذلك أُخرِجت وزارة الداخلية من نفوذ هذا الفريق بعد تعيين الأمير محمد بن نايف على رأسها. وما جلسة أداء القسم للوزير الجديد -التي لم يحضرها على غير المعتاد[9] سوى الأمير متعب بن عبد الله وبندر بن سلطان والوزير الجديد محمد بن نايف- إلا أحد المؤشرات القوية على تراجع فريق السدارى[10].

وثالثًا، حتى لو افترضنا أن أبناء أعضاء هذا الفريق هم ورثة له ولخصائصه، كأن نقول بأن الأمير محمد بن نايف قد ورث انتماء أبيه نايف لفريق السدارى، فإنه لم يعد التنافس بين أبنائهم ينتهي عند بداية التنافس مع الآخرين. بل أصبح التنافس بين وزيري الداخلية، محمد بن نايف، والدفاع، محمد بن سلمان، هو التنافس الرئيس بين مراكز السلطة. وأصبح أفراد الأسرة المالكة الآخرون ينضمون إما إلى الأول أو الثاني.

إضافة إلى ذلك تشير عوامل كثيرة، كمؤسسة توريث العرش في هيئة البيعة (وهي هيئة أنشأها الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز في عام ٢٠٠٦، مكونة من مجلس يكون أعضاؤه ممثلين لأبناء الملك عبد العزيز الذكور، ولكل عضو صوت واحد، ومهمتهم انتخاب الملك وولي العهد، بالاقتراع السري، والتأكد من قدرتهما على ممارسة مهامهما، ومؤخرًا أُضيف لها مهمة انتخاب ولي ولي العهد[11] استنادًا إلى مفهوم تراكم السابقة القانونية[12])، إلا أن انتقال الحكم إلى جيل الأحفاد لن يقتصر فقط على تسمية أحد الأحفاد ملكًا؛ بل سيصاحب هذا الانتقال تغيرات في بنية السلطة نفسها. 

ويمكن اعتبار الإعلان عن هيئة البيعة[13] إقرارًا ضمنيًّا بعدم قدرة الطرق التقليدية على إدارة التحالفات أو «اختيار الأصلح منهم»، كما نصت عليه المادة الخامسة من النظام الأساسي للحكم[14]، قبل تعديلها في ٢٠٠٦.

وهذا يعني أن ما أسميه هنا بـ«التوازن التدافعي»، (balance of jostling)، أو ما عبَّرت عنه المادة الخامسة بـ«الأصلح منهم»، غير قادر على الإجابة عن سؤال الخلافة، وفي ذلك إعلان عن الحاجة لـما أسميه هنا بـ«التوازن المؤسساتي» (institutional balance)؛ ولهذا أُعلِن عن هذه الهيئة[15]

وأعني بـ"التوازن التدافعي «أن عملية التوازن السلطوي بين أفراد النخبة الحاكمة كانت تسير وفق منطق التدافع[16]، وليس وفق إطار مؤسساتي واضح القواعد، يمكن التنبؤ بمخرجاته، وقراءة عوامل التأثير فيه. منطق التدافع -بكلمات أخرى- هو عبارة عن غياب حدود واضحة لهامش المناورة بين أفراد النخبة الحاكمة، وإطار قانوني لإدارة العلاقة فيما بينهم، سواء أكانت تنافسًا أم خلافًا أم تعاونًا. وما التأرجح الكبير الذي مر، ولا يزال فيما يتعلق ببروز أو أفول نجم هذا اللاعب أو ذاك، إلا من الإشارات الداعمة لهذا التحليل. إذ كانت بعض الأسماء في غاية القوة والتأثير في السبعينيات الميلادية -كالأمير تركي الثاني، والذي شغل منصب نائب وزير الدفاع مثلاً- لكنها غابت عن المسرح السياسي حاليًّا؛ والعكس صحيح. ويشكل منطق التدافع، من وجهة نظري، السبب الرئيس لهذا التأرجح. 

ومن ثم فإن وجود هيئة البيعة -إضافة للأنظمة الأساسية (الحكم والمناطق ومجلس الوزراء)- جعل عملية انتقال الحكم (اختيار ملك) في مستوى لاحق لمستوى هيئة البيعة؛ لكن هذه الهيئة ليست بمعزل عن التأثر بمحيطها وسياقها، وهما النخبة الحاكمة.

ومن هنا يأتي دور استخدام وسائل النفوذ: القوة الأمنية (ممثلة في وزارة الداخلية، ووزارة الدفاع، ووزارة الحرس الوطني) من جهة، وامتلاك وإدارة شبكات العلاقات (الزبونية) الضخمة، من جهة أخرى.

ويعني امتلاك القوة الأمنية بمراكزها الثلاثة، بالضرورة، امتلاك قدرات مالية عالية تكفي لإدارة شبكات العلاقات الزبونية الضخمة. وهذا يعني أن من يترأس أحد المراكز الأمنية يمتلك –حتمًا- الأدوات اللازمة للتأثير في هيئة البيعة.

وفي المحصلة النهائية يبدو جليًّا بروز ما أسميه بـ«هرم السلطة»: تأتي في قمة هذا الهرم القوة الأمنية، وفي المنتصف هيئة البيعة، وفي القاعدة عملية انتقال الحكم.

هذه التراتبية الجديدة ألغت رسميًّا التوازنات التقليدية التي برزت بعد وفاة الملك فيصل، مثل التوازن بين قطب السدارى (أبناء الملك عبد العزيز من زوجته حصة بنت أحمد السديري) من جهة، وقطب الملك عبد الله بن عبد العزيز (الآخرين) من جهة أخرى.

ففي السابق كان التوازن مبنيًّا على «التحالف» أكثر من كونه مبنيًّا على الذراع الأمني أو العسكري؛ ولذلك كان حضور العامل الرمزي -كآل سعود أو الدين- للتحالف، محفزًا قويًّا؛ إلا أن مكونات القوة بشكل عام أصبحت أمنية بامتياز؛ وذلك في مقابل التراجع الذي حلّ بالحضور التقليدي للرمز، سواء أكان الدين أم آل سعود[17]، (وهذا سينعكس على طبيعة تكوين التحالفات)، مما يضاعف بدوره من وتيرة تراجع مكانة الرمز.

ووجود القوة الأمنية على رأس الهرم يذكرني بمنصب المرشد الأعلى للثورة في إيران وعلاقته بالرئاسة، من حيث الأهمية والصلاحيات، وسوف تكون القوة الأمنية بمثابة "المرشد الأعلى" للسلطة، حتى لو كان الملك القادم هو أحد رؤساء هذه المراكز الأمنية الثلاثة، وستبقى القوة الأمنية صاحبة التأثير والهيمنة.

فمن جهة سيبقى التوازن الحاكم مبنيًّا على العلاقة فيما بين هذه المراكز، ومن جهة أخرى فإن مصدر الأهمية سيكون بسبب رئاسة مركز أمني في المقام الأول، وكل هذه المتغيرات تمثل تحولًا جوهريًّا. 

 

ب- التغير في طبيعة "السلطة" بعد بدء وصول الجيل الثاني من الأمراء إلى الحكم من أحفاد الملك المؤسس:

 

هناك قوانين[18] مكتوبة لكل أسرة ملكية، مثل نظام هيئة البيعة في السعودية، كما أن هناك قوانين غير مكتوبة، «تقاليد ملكية». تاريخيًّا، تستمد الأسرة المالكة السعودية تقاليدها من تجربتين: الأولى تتمثل في نظام معقد من القيم والتحالفات الذي نشأ نتيجة مباشرة لفترة حروب توحيد السعودية (1932-1902)، والثانية تتمثل في تجربة الصراع على العرش بين الملكين سعود وفيصل. تشكِّل هاتان التجربتان المصدر الأساسي للتقاليد الملكية السعودية.

 

لكن ظهور جيل أحفاد الملك عبد العزيز في مسرح السلطة، يقدم أفرادًا لا يرتبطون بهاتين التجربتين. وهذا يعني أننا بصدد زوال تقاليد ملكية (وإن كان بشكل تدريجي) وبداية تقاليد جديدة. وهذا يمثل تغيرًا في طبيعة السلطة[19].

 

هذا التغير عائد إلى سببين: أولًا؛ جيل الأحفاد لم يعش تجربة توحيد المملكة، بكل ما حوته تلك المرحلة من عملية تأسيس لتوازنات سلطوية معقدة، وقيم رسختها تلك التجربة. وثانيًا: لم يشهد هذا الجيل مرحلة الصراع على الحكم بين فيصل وسعود (من حيث عدم مشاركتهم بصفة لاعبين سياسيين) لاستلهام التجربة من هذا الصراع.

وفي رأيي أن القائمة التقليدية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بهاتين التجربتين؛ (التوحيد وصراع فيصل وسعود)، وسيكون مفهوم المواجهة والتحدي أكثر شراسة ووضوحًا، وآلية استخدام الأدوات ستتغير، بعكس ما تمليه هاتين التجربتين (وهذا سيعزز من تراجع الرمز)؛ ولذلك فإن وصول هذا الجيل الجديد من الحكام سيكون له دور في إحداث التغيير على القائمة التقليدية، التي تحرك السياسة الخارجية للمملكة.

في ظل التوازن التدافعي لم تكن السمة المؤسساتية حاضرة. وجزء من انعكاسات غيابها هو التداخل في المهام والصلاحيات، وعدم وضوح "رقعة المصالح" التابعة لمراكز القوى المتعددة. منطق التدافع يجعل احتمال تغيير "رقعة المصالح" -سواء من ناحية التمدد أو الانكماش- أكثر ورودًا.

لكن مع بروز التوازن المؤسساتي تزيد احتمالات "ترسيم حدود المصالح" بشكل نهائي، أو على الأقل لمدة طويلة، وهذا الأمر يساعد على خلق بيئة مصالح مستقرة، وهذا الاستقرار سيُسهم بدوره في بروز مناطق تعاون كثيرة، تنافس في فعاليتها وأهميتها وبروزها مستوى التعاون الأمني، وهذا بدوره سيؤثر بشكل كبير في القائمة التقليدية للسياسة الخارجية السعودية مستقبلًا[20]

وهكذا فإن التغير في بنية السلطة وطبيعتها يمثل من وجهة نظري بداية الدولة السعودية الرابعة، والتي يمكن اعتماد عام ٢٠٠٦ بداية لها، بحكم صدور نظام هيئة البيعة في ذلك العام. وتبعًا لذلك، سوف تتأثر القائمة التقليدية التي تؤثر في السياسة الخارجية. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى، اتسمت الأوضاع السياسية الداخلية في المملكة العربية السعودية منذ عام 1995، وهو العام الذي أصبح ولي العهد آنذاك، الأمير عبدالله بن عبدالعزيز الحاكم الفعلي للسعودية بعد اعتلال صحة الملك فهد، وحتى العام 2015 بسمة «الانتقالية».

وهذا جعل الثقل السياسي للقوى الفاعلة ينصرف بشكل رئيس إلى المحاولة للتأثير في عملية انتقال السلطة. وشكل هذا عاملًا غير مساعد على تركيز قدرات الدولة فيما يتعلق بالتعامل مع الملفات الإقليمية، وانصراف السعودية لشؤونها الداخلية.

وفي المحصلة، وبعد بداية الدولة السعودية الرابعة، مثَّلت عملية انتقال السلطة إلى الملك سلمان، وتعيين الأميرين مقرن بن عبدالعزيز ومحمد بن نايف، وليًّا للعهد ووليًّا لولي العهد على التوالي، في يناير ٢٣، ٢٠١٥، وفقًا لنظام هيئة البيعة[21]، نهاية للمرحلة الانتقالية التي بدأت في عام 1995. ومثَّل تعيين الأمير محمد بن نايف وليًّا لولي العهد، بعد موافقة هيئة البيعة، البداية الرسمية لتوريث جيل أحفاد الملك المؤسس، عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود. ويسري التحليل ذاته، فيما يتعلق باستقرار السلطة ووضوح خارطتها، على تنازل الأمير مقرن بن عبدالعزيز لولاية العهد للأمير محمد بن نايف، وتعيين الأمير محمد بن سلمان في منصب ولي ولي العهد في نهاية شهر أبريل من العام نفسه.

وهذا يمثِّل استقرارًا للسلطة ووضوحًا لخارطتها؛ مما يعني تجيير كامل الطاقات والموارد للتعامل مع الملفات الملحّة، مثل: الإصلاح السياسي والاقتصادي داخليًّا، والمناطق المتوترة إقليميًّا وعالميًّا. كما يعني زيادة فرص أن تتخذ السعودية مبادرات قوية في السياسة الخارجية.

ثانيًا- بنية النظام الدولي:

التحول في بنية النظام الدولي يقود إلى التحول في علاقات السعودية بالقوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، مما ينتج تغيرًا في السياسة الخارجية للرياض.

والتحول في هذه البنية ناتجٌ عن صراع بين أحادية القطبية الأمريكية من جهة، واللاقطبية من جهة أخرى. وما التقارب الأمريكي-الإيراني إلا أحد إفرازات هذا الصراع. وتشكل ردة فعل الرياض على هذا التقارب مؤشرًا قويًّا على تأثير كل ذلك في السياسة الخارجية السعودية.

 

الولايات المتحدة تدرك حتمية التحول من عالم أحادي القطبية هي القوة المهيمنة فيه، إلى عالم اللاقطبية. وهي تعمل جاهدة على تخفيف حدة المرحلة الانتقالية. وما تبني إدارة الرئيس باراك أوباما، كما يجادل بذلك تشارلز كبتشن، لسياسة التحول إلى آسيا إلا مؤشرًا على هذا الإدراك[22].

 

ولابد هنا من شيء من التفصيل حتى لا يتم الخلط بين مفهوم اللاقطبية ومفهوم التعددية القطبية. في العالم متعدد الأقطاب، كما يلاحظ ريتشارد هاس، لا توجد قوة واحدة مهيمنة، وإلا لكنا في عالم أحادي القطبية. ولا تتمحور مراكز السلطة حول موقفين رئيسين، وإلا لكنا في عالم ثنائي القطبية. العالم متعدد الأقطاب، يتكون من مراكز سلطة، قليل منها تتواطأ على مجموعة قواعد فيما بينها، ومجموعة عقوبات لمن لا يحترم هذه القواعد. تتعاون الأقطاب فيما بينها عندما يكون هناك توازن قوة، وتنزلق إلى الصراع حين يختل هذا التوازن[23].

 

لكن عالم اللاقطبية مختلف عن هذا. أولًا، هناك حالة انفصال بين النفوذ والقوة. القوة، خلال الحرب الباردة مثلًا، سواء العسكرية أم الاقتصادية أم الإعلامية، كانت مرتبطة بشكل مباشر بالنفوذ. امتلاك القوة كان يعني القدرة على التأثير. كان العامل الرئيس في الربط بين القوة والنفوذ هو الدور المحوري للدولة الوطنية (the nation-state)، وكانت هي اللاعب الرئيس، مما يعني أن امتلاك هذا اللاعب للقوة أعطاه القدرة على التأثير في سيرورة الأحداث.

 

لكن هذا اللاعب لم يعد اللاعب الوحيد على الساحة الداخلية والإقليمية والدولية. بل أصبح يواجه تحديات اللاعب-غير-الدولة (the non-state actor)، من الأعلى مثل المنظمات الإقليمية والدولية، وعلى نفس مستواه من المنظمات غير الحكومية، ومن الأسفل من قبل الميليشيات والحركات المسلحة. فقدت الدولة-الوطنية احتكارها للقوة والنفوذ. وفي المحصلة، هناك مراكز سلطة عالمية، جزء مهمّ منها هو لاعب-غير-دولة. 

 

ثانيًا، العولمة قادت بشكل حتمي إلى اللاقطبية. من جهة، لأن التبادلات والحركة العابرة للحدود تقع خارج سلطة ومعرفة الحكومات، مما يحجم من قدرات مراكز القوة. ومن جهة أخرى، هذه التبادلات والحركة تعزز من قدرات اللاعب-غير-الدولة[24].

هذا النظام الدولي الجديد مهيأ بشكل قوي، كما يقول زبيقنيو بريجينسكي، للفوضى، لا تحكمه قوة مهيمنة ولا تراتبية سلطوية (hierarchy)[25]. بالإضافة، إلى أنه سيكون من الصعب جدًّا تحديد العلاقات بين اللاعبين وتوصيفها، إما بحلفاء أو بمنافسين. بل ستكون العلاقات انتقائية وموضعية/ظرفية (situational)[26].

وهذا ينعكس بشكل مباشر على علاقات الولايات المتحدة بالسعودية. أولًا، مع تراجع قدرة واشنطن على التأثير في المسرح الدولي، تتراجع قدرتها على مساعدة الرياض على التأثير. وذلك لأن السعودية، التي كانت تعتمد على واشنطن لحمايتها، كانت تعتمد كثيرًا على النفوذ الأمريكي بغرض تحقيق مصالحها أيضًا. واعتماد الرياض، في السابق، على واشنطن بغرض التأثير له أسبابه.

 

ففي أدبيات التفكير الإستراتيجية، يتم طرح السؤال الآتي: ما »عنصر القوة الأول؟ « (What is the primary element of power?) هناك توجهان رئيسان: ١)التوجه الذي يعتمد التصور الإستراتيجي[27] (strategic conception)، على أنه عنصر القوة الأول، ٢)وهناك التوجه الذي يعتمد القدرات المادية من اقتصاد وجيش  (material resources) على أنه عنصر القوة الأول.

إنها مهمة التصور الإستراتيجية، كما يقول هنري كسينجر[28]، أن يترجم القدرات المادية إلى سياسة.

وتعتمد السعودية التصور الإستراتيجي[29] على أنه عنصر القوة الأول[30]. فبحكم بروزها على المشهد الدولي في ظل معطيات ونتائج الحرب العالمية الثانية، وسباق التسلح النووي، اضطرت سريعًا، لكونها دولة فتية تفتقر إلى المصادر المادية، إلى اللجوء بشكل تلقائي إلى التصورات الإستراتيجية، مما طور هذا الاعتماد، بحكم الأمر الواقع (عدم امتلاكها قدرات مادية، من جيش واقتصاد، توازي القوى الفاعلة دوليًّا).

في المحصلة، يبدو جليًّا أن اعتماد السعودية في السابق يكاد يكون كليًّا على التصورات الإستراتيجية، في مقابل تحييد المصادر المادية الذاتية، مما شكل نقطة ضعف، بحكم أن تصوراتها الإستراتيجية تعتمد على القدرات المادية للآخرين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية.

فالسياسة التي كان بإمكانها أن تمشي على قدمين في السابق، اضطرت لقطع مسافات بعيدة على قدم واحدة[31].

وبما أن نفوذ واشنطن في تراجع، بسبب التحول في بنية النظام الدولي، فإن قدرة الرياض على الاعتماد عليها بغرض تحقيق مصالحها ستتراجع. بالإضافة إلى أن هذا التحول في السياق الدولي جعل العلاقات انتقائية وموضعية/ظرفية (situational). ولهذا ترتفع فرص أن تكون العلاقات بين الرياض وواشنطن قائمة على أن تكون السعودية هي خط الدفاع الأول عن أمنها، وليس واشنطن كما كان في السابق، وأن يتحول التعاون بين البلدين من تعاون بعيد المدى مبني على إملاءات المصالح المشتركة، إلى تعاون قصير المدى مبني على عمليات آنية لتبادل المنافع (أو «تعاملات ساخرة ومتشائمة، حالة بحالة»، كما يصفها تشاس فريمان[32]). ويمثل الدور السعودي في الربيع العربي، ومؤخرًا في اليمن، مؤشرًا قويًّا على هذا المستوى الجديد.

وبما أن هناك تحولًا في النظام الدولي، من أحادي القطبية إلى اللاقطبية، فإن هذا ينعكس على إعادة تعريف الولايات المتحدة لخريطة تحالفاتها، مما يعني تأثير ذلك في علاقاتها بالمملكة العربية السعودية.

فبسبب ارتفاع الكلفة السياسية والاقتصادية للإبقاء على وجودها الدولي كما هو من جهة، واحتياجها لإعادة انتشارها في آسيا (بهدف احتواء القوى الصاعدة هناك)، تسعى الولايات المتحدة لتقليص هذه الكلفة من خلال سياسة إعادة الانتشار وفك الارتباط، والتي أسمّيها هنا بـ«إستراتيجية اقتسام المغنم والمغرم». كل هذا يأتي في إطار السياق الدولي العام، وهو الانتقال من أحادية القطبية إلى اللاقطبية.

ويعني تبني هذه الإستراتيجية بحث الولايات المتحدة في كل منطقة عن شريك إقليمي، يمتلك القدرة على تحمل أعباء حماية المصالح الأمريكية. وفي المقابل، يحصل هذا الشريك على مزايا اقتصادية وسياسية، وحصة وافرة من النفوذ. ومنطقة الشرق الأوسط ليست مستثناة من هذه السياسة. وهذا يعني أن تدخل الولايات المتحدة في عملية إخضاع المنطقة لنفوذ هذا الشريك القادم.

وفي هذا الإطار الإستراتيجي ترى السعودية في التقارب الأمريكي الإيراني خطرًا داهمًا، وهو ما استدعى تحولًا كبيرًا في السياسة الخارجية السعودية. فالمواجهة والتنافس لن ينحصرا بين السعودية وإيران. بل سيكونان بين إيران، ومن ورائها  إستراتيجية الولايات المتحدة الجديدة[33]، من جهة، والسعودية من جهة أخرى.

وكما انبنى التقارب الصيني-الأمريكي في عام ١٩٧٢ على السياسة الأمريكية لاحتواء الاتحاد السوفييتي[34]، وهو ما كان مصلحة صينية أيضًا، يمكن أن يلعب التقارب الأمريكي-الإيراني دورًا مشابهًا، بهدف احتواء الصين، بإبعاد إيران عنها. وإلى حد ما، يمكن القول إن صين اليوم هي الاتحاد السوفييتي بالأمس. وإيران اليوم هي صين الأمس!

فإيران تحمل أهمية إستراتيجية كبرى للصين، فهي إحدى الأدوات المحتمل تطويرها لخدمة صعود الصين إلى قوة عظمى منافسة. تمثل إيران بالنسبة للصين مصدرًا مهمًّا من مصادر الطاقة ومدخلًا لمياه الخليج العربي من جهة. ومن أخرى، فإيران هي نافذة الصين على بحر قزوين، والذي يتبوّأ أهمية عالية في السياسة الصينية الطامحة لتنويع مصادر الطاقة لديها[35].

ولذلك، فهناك علاقة عكسية بين العلاقات الإيرانية- الصينية من جهة، والعلاقات الإيرانيةـ الأمريكية من جهة أخرى. بمعنى، كلما تحسنت العلاقات بين طهران وواشنطن ابتعدت إيران عن الصين، مما يحجم من قدرة الصينيين على منافسة الولايات المتحدة سياسيًّا واقتصاديًّا. والعكس صحيح.

ويشكل التقارب الأمريكي- الإيراني، متمثلًا في الوصول إلى اتفاق نووي بين الدول ٥+١، مثالًا على تأثير التحول في العلاقات السعودية مع الدول الكبرى في السياسة الخارجية السعودية . وما ردة فعل السعودية على هذا التقارب، إلا مؤشرًا قويًّا على هذا التأثير. وبما أن الدور الإيراني الإقليمي يشكّل معضلة للسياسة الخارجية السعودية من الناحية البنوية، فإن رد الرياض كان تحولًا بنيويًّا في السياسة الخارجية.

تَعُدُّ السعوديةُ إيرانَ المنافس الإقليمي الرئيس لعدة أسباب. بحكم عزلة إيران الإقليمية والدولية والعقوبات الاقتصادية الخانقة- لم يعد بإمكان طهران التحرُّك على الساحة الدولية باستخدام أدوات الدولة- الوطنية (the nation state)، وهذا يعني افتقادها الفعالية الكافية لاستخدام أدوات النظام الدولي، للتأثير في اللاعبين بالساحة الدولية.

ونتيجة لذلك، لجأت طهران إلى التحرك من خلال مفهوم «اللاعب- غير-الدولة «(the non state actor)، كالجماعات والأحزاب، بوصفها أداة بديلة لأدوات النظام الدولي، بهدف التأثير في سلوك الدول (سواء أكان ذلك في العراق أم في لبنان أم في الخليج العربي أم في اليمن).

لكن، إيران تحتاج أن تحتكر امتلاك ورقة رابحة تضمن لها بناء التحالف مع الجماعات والأحزاب، وتمكّنها من الإشراف على استمرارية هذا التحالف من جهة، والقدرة على التأثير في الجماعات والأحزاب وتوجيهها بما يخدم المصالح الإيرانية من جهة أخرى. يجب أن تكون إيران هي وحدها من يمتلك هذه الورقة، حتى لا تنافسها قوى إقليمية، مثل السعودية، أو قوى عالمية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، على استمالة هذه الجماعات والأحزاب بعيدًا عن طهران.

وقد وجدت إيران ورقتها الرابحة في الخطاب الأيديولوجي الطائفي، على أنه رافعة رئيسة لعلاقتها بهذه الجماعات والأحزاب في المنطقة. بمعنى آخر، أصبح هذا الخطاب هو الوسيلة الرئيسة لبناء التحالف معها، والوسيلة الفعاّلة لتوجيه هذه الجماعات والأحزاب نحو ما يخدم المصالح القومية لإيران.

 

وبما أن الرافعة الرئيسة لعلاقة إيران بهذه الجماعات والأحزاب، هي خطاب أيديولوجي طائفي، فإنّ الإحساس بالهوية الطائفية يجب أن يكون عاليًا في هذه المناطق. وهذا يعمل على سيادة جو عام من عدم الاستقرار والنزاع، مما يضعف الحكومات المركزية. فلأجل أن تستمر قدرة إيران وحلفائها على الاستقطاب والتوجيه والتأثير، يجب أن يسود مناخ الطائفية والأزمة والصراع وعدم الاستقرار. هكذا تصبح إيران والجماعات والأحزاب المتحالفة معها قادرة على الحركة. 

وجود هذه الأحزاب والجماعات، وسيادة جو الطائفية وعدم الاستقرار يأتي على حساب الحكومات المركزية. إذ لا يمكن أن تكون هذه الأحزاب والجماعات قوية وفاعلة إلا إذا كانت متواجدة في دول ذات حكومات مركزية ضعيفة. في المحصلة، تتميز مناطق نفوذ إيران وخريطة تحالفاتها بنقطتين:

١- حضورها في دول ذات حكومات مركزية ضعيفة، كالعراق وسوريا ولبنان واليمن.

٢- سيادة مناخ الطائفية وعدم الاستقرار، كما هو حاصل في العراق حاليًّا.

 

وهذه هي البيئة المثالية لتمدد داعش والقاعدة: ضعف الحكومات المركزية، وسيادة مناخ الطائفية، وعدم الاستقرار. وظهور داعش والقاعدة يمثل تبريرًا رئيسًا لإيران في تنمية نفوذها من خلال «وكلائها» في كل من العراق واليمن. فكل من ميليشيات الحشد الشعبي وداعش تستفيد بشكل أو بآخر من وجود الأخرى[36]. ولذلك، فإن الدور الإيراني يشكل معضلة للسعودية من وجهين: فمن ناحية، لأنه ينافس السعودية على الزعامة الإقليمية، ومن أخرى، لأنه يمهد الطريق للجماعات التي تهدد أمن السعودية، مثل داعش.

بناء على ما سبق، فإن التقارب الأمريكي- الإيراني الذي تم جزء كبير منه في الخفاء، بعيدًا عن التشاور مع السعودية- يشكل مصدرًا رئيسًا للقلق وسببًا من أسباب التوتر بين الولايات المتحدة والسعودية. فمن وجهة نظر السعودية، هذا التقارب الذي تم تتويجه باتفاق الإطار في مدينة لوزان السويسرية في شهر أبريل ٢٠١٥، يعني القبول بإيران نووية، وإن كان ذلك بعد فترة زمنية[37]. ويستتبع ذلك التسليم لإيران بدور ما في المنطقة، من دون مراعاة أمن السعودية وأمن مصالحها.

وكان الرد السعودي على هذا التقارب ردًّا بنيويًّا. أحد المؤشرات على هذا الرد هو حسم السعودية لخياراتها، بإعطاء الأولوية المطلقة لمجابهة تمدد إيران، بعد فترة من التأرجح ما بين مجابهة إيران ومواجهة صعود الإخوان المسلمين.

 

فمن الناحية البنيوية للنظام الإقليمي، تقوم السعودية بقيادة العودة إلى بنية ما قبل الربيع العربي.

 

كانت الدول قبل الربيع العربي منتظمة في أحد محورين: محور السعودية، المكون من مجموعة دول حليفة للرياض، ومحور إيران، المكون من مجموعة اللاعبين-غير-الدولة وبعض الدول. فلما جاء الربيع العربي، برز محور ثالث ضم تركيا وقطر وجماعات الإخوان المسلمين. ثم استهلكت طاقاته المحور الثالث لطاقات المحور السعودي، وهذا أفسح المجال أكثر لمحور إيران في التوسع. وقد نجحت السعودية في ضم المحور الثالث: (قطر، الإخوان المسلمين، وتركيا) إلى محورها. وبذلك يمكن القول بالرجوع إلى البنية الثنائية للمحاور الإقليمية[38]، كما يدل على ذلك تشكيل تحالف «عاصفة الحزم». 

وبهذا، يمكن القول إن التحول في بنية النظام الدولي الذي قاد إلى تحول في خريطة تحالفات الولايات المتحدة الأمريكية، قد أثّر في السياسة الخارجية للرياض، كما هو واضح في الصراع السعودي-الإيراني على الهيمنة الإقليمية.

 

الخاتمة:

تشكّل القائمة التقليدية التي برزت نتيجة لبنية سلطوية وطبيعة سلطوية محددتين- أحد ركني محددات السياسة الخارجية السعودية. لذا، فالتحول الذي يطرأ على بنية وطبيعة السلطة يؤثر في القائمة التقليدية، والتي بدورها تؤثر في السياسة الخارجية. ويتكون الركن الثاني من بنية النظام الدولي، والذي أثر في علاقات الرياض مع الدول الكبرى، مما أثر في تصورات السعودية الإستراتيجية. وأي تغيير يمس النظام الدولي، يؤثر في الدول الكبرى، مما يعني تغير علاقاتها مع الرياض. وفي المحصلة، تتحول تصورات الرياض الإستراتيجية.

 

 

 

Bibliographie

 

Zbigniew Brzezinski, Strategic Vision: America and the Crisis of Global Power,  New York, Basic Books, 2013.

Gregory D. Clera, Henry Kissinger and the American Approach to Foreign Policy,  Lewisburg, Bucknell University Press,U.S., 1989.

Evelyn Goh, Constructing the U.S. Rapprochement with China, 1961-1974: From 'Red Menace' to 'Tacit Ally',  New York, Cambridge University Press, 2005.

Friedrich Nietzsche, Oeuvres philosophiques completes xi : fragments posthumes automne 1884- automne 1885.,  Paris, GALLIMARD, 1981.

منصور المرزوقي, "الموقف السعودي من ثورات الربيع العربي", in الخليج في سياق استراتيجي متغير, ed. by محمد عيد and جمال عبدالله, 2014, pp. 113-132.

 

[1] منصور المرزوقي, "الموقف السعودي من ثورات الربيع العربي", in الخليج في سياق استراتيجي متغير, ed. by محمد عيد and جمال عبدالله, 2014, pp. 113-132., pp. 113-132

[2] يجادل بعض المختصين في الشأن السعودي، كباسكال مينوريه ونبيل مولين، بأنه ليس هناك سوى نظام »الهيمنة المتعددة« الذي بدأ، من وجهة نظرهم، في عام 1964. لكنني أفرِّق هنا بين توازن أقطاب الأسرة الحاكمة السعودية في أثناء حياة الملك فيصل والتوازنات فيما بينها بعد مقتله. ويعود السبب في ذلك إلى تمتع شخص الملك فيصل بنفوذ بالغ القوة، الذي يعود لخلفية قاعدة الدعم التي كان يمتلكها، المتمثلة في الحجاز بكل ما كان فيه من كوادر إدارية ومؤسسات دولة متقدمة واقتصاد متطور، بالإضافة إلى وجود الحرمين. وقد حكم الملك فيصل الحجاز من العام 1926 وحتى العام 1953، نيابة عن أبيه. كما أسهم الملك فيصل في نشأة نظام القيم والتحالفات المعقدة (بين مراكز القوى المختلفة وأسرة آل سعود)، التي شكلت الخلفية الرئيسة للتقاليد الملكية. بالإضافة إلى ذلك فقد كان الملك فيصل يتمتع بدعم واسع من قبل أفراد الأسرة الحاكمة، وكان ذلك جليًّا في عزل الملك سعود. وهو فوق ذلك سليل الإمامين: محمد بن سعود من جهة أبيه، ومحمد بن عبد الوهاب من جهة أمه. كل ذلك جعله يتمتع بنفوذ استثنائي، مما مكَّنه أن يكون القوة المرجحة في توازنات الأسرة الحاكمة، وعليه أجد فرقًا في بنية السلطة  وفي الثقافة السياسية لأقطاب الأسرة الحاكمة بين فترتين: فترة حكم الملك فيصل وفترة ما بعد حكمه.

[3] المرزوقي, 2014.

[4] Madawi Al-Rasheed, A History of Saudi Arabia,  Cambridge, Cambridge University Press, 2002.

[5] تحدث الأمير سلطان بن سلمان، رئيس الهيئة العليا للسياحة والآثار، عن كون الخطاب الحضاري مصدرًا من مصادر شرعية المملكة العربية السعودية. كان هذا في حفل اقتتاح معرض «روائع آثار الجزيرة العربية» في متحف الهيرميتاج، مدينة سانت بطرسبرغ الروسية:

 

 « Prince Sultan bin Salman: We are working to highlight our absent cultural dimension from the world’s memory, » the Saudi Commission for Tourism and Antiquities (SCTA), May 18, 2011: 

http://bit.ly/1zhPNOI

[6] المرزوقي, 2014.

[7] مات كل من الملك فهد والأميرين سلطان ونايف، وأُقيل الأمير تركي الثاني من منصب نائب وزير الدفاع عام ١٩٨٣، واستقال الأمير أحمد من منصب وزير الداخلية، ثم تلا ذلك إقالة الأمير عبدالرحمن من منصب نائب وزير الدفاع.

[8]انظر نص الأمر الملكي الذي أصدره العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز سعود: «أوامر ملكية بتعيين الأمير سلمان وزيرًا للدفاع» جريدة الشرق الأوسط، نوفمبر ٦، ٢٠١١.

[9]جرت العادة، حسب تقاليد الأسرة الملكية، أن يكون تعيين كبار الأمراء في المناصب السيادية، كوزارة الداخلية، في حضرة أبرز شخصيات الأسرة الملكية. لكن استقالة الأمير أحمد بن عبد العزيز من منصب وزير الداخلية، وتعيين ابن أخيه الأمير محمد بن نايف وزيرًا لها، لا يبدوان محط دعم كبار الأسرة الملكية، وما غيابهم عن جلسة أداء القسم إلا أحد المؤشرات على ذلك.

[10]انظر خبر أداء الأمير محمد بن نايف القسم أمام العاهل السعودي: «الأمير محمد بن نايف يؤدي القسم أمام الملك» جريدة الاقتصادية، نوفمبر٦، ٢٠١٢.

[11] قام الملك عبد الله بن عبد العزيز باستحداث منصب ولي ولي العهد، حسب الأمر الملكي رقم أ/86، بتاريخ 27 مارس/آذار 2014، ولا توجد سابقة لهذا المنصب. وعليه، فإنه لا توجد مادة لا في النظام الأساسي للحكم ولا في نظام هيئة البيعة تُعنى بتحديد مسؤوليات ودور من يشغل منصب ولي ولي العهد، أو آلية اختياره والجهة المخولة باختياره. وعليه فإنه لا يوجد أي سند قانوني لتحديد دور هذا المنصب، سوى الأمر الملكي رقم أ/86، الذي تم استحداث المنصب بموجبه.

[12] على الرغم من أن اختصاص هيئة البيعة، حسب نظامها الأساسي، هو اختيار الملك وولي عهده والنظر في قدرتهما على ممارسة مهامهما، إلا أنه أُضيف إلى هذا اختصاص انتخاب ولي ولي العهد، حسب مفهوم تراكم السابقة القانونية. ويشير مفهوم تراكم السوابق القانونية (legal precedence)  إلى تبني مؤسسة ما لقرار ما، ليس له أصل قانوني مكتوب في السابق، فيقوم هذا التبني مقام النص القانوني المكتوب. والسابقة القانونية الأولى فيما يخص إضافة مهمة اختيار ولي ولي العهد إلى مهام هيئة البيعة تمثلت في اختيار هيئة البيعة نفسها للأمير مقرن وليًّا لولي العهد في تاريخ 27 مارس/آذار2014 . وتمثلت إعادة تطبيق هذه السابقة في اختيار الأمير محمد بن نايف وليًّا لولي العهد في تاريخ 23 يناير/كانون الثاني2015 . وبذلك، يمكن الاستدلال بهذين الاختيارين على امتلاك هيئة البيعة لصلاحية اختيار ولي لولي العهد.

[13]انظر: «إعلان نظام هيئة البيعة لتنظيم شؤون الحكم ومبايعة الملك واختيار ولي العهد»، جريدة الشرق الأوسط، أكتوبر ٢٠، ٢٠٠٦.

[14]نص المادة الخامسة قبل التعديل: «نظام الحكم في المملكة العربية السعودية ملكي، ويكون الحكم في أبناء الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود وأبناء الأبناء، ويبايع الأصلح منهم للحكم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم […]». وبعد التعديل أصبح نص المادة الخامسة كالآتي: «نظام الحكم في المملكة العربية السعودية، ملكي. يكون الحكم في أبناء الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود وأبناء الأبناء، ويُبايع الأصلح منهم للحكم على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. تتم الدعوة لمبايعة الملك واختيار ولي العهد وفقًا لنظام هيئة البيعة. يكون ولي العهد متفرغاً لولاية العهد، وما يكلفه به الملك من أعمال. يتولى ولي العهد سلطات الملك عند وفاته حتى تتم البيعة». للمزيد حول النظام الأساسي للحكم، انظر:  www.shura.gov.sa

[15] تحدثت في بداية هذه الورقة عن التوازن المتعدد، وعن توازن الهيمنة المتعددة. وهنا أتحدث عن التوازن التدافعي والتوازن المؤسساتي. وهذان، من وجهة نظري، يشكلان نوعين مختلفين من التوازن. والفرق بين هذين النوعين من التوازن يتلخص في الآتي: التوازن التدافعي والمؤسساتي على ارتباط مباشر بحركة السلطة، أي بعملية انتقال الحكم وتوزيع المناصب والأدوار، بينما التوازن المتعدد وتوازن الهيمنة المتعددة على علاقة بالتفاعل بين مراكز السلطة من جهة، وبين مراكز السلطة والدولة والسلطة العليا فيها (الملك) من جهة أخرى. بكلمات أخرى، وإذا اعتبرنا أن لكل مركز سلطة مقرًّا يعبر عنه رمزيًّا، مثل مقر وزارة الدفاع، فإن النوع الأول من التوازن هو بمثابة السيارة التي تنقل رؤساء مراكز السلطة، كلٌّ إلى مقر مركز سلطته. بينما النوع الثاني هو عبارة عن الهاتف الذي يتحدث من خلاله رؤساء هذه المراكز فيما بينهم، عندما يكون كلٌّ في مقر سلطته.

[16]استخدامي لمفردة التدافع يستلهم الصورة التي توحي بها هذه الكلمة، وهي الازدحام وصعوبة الحركة.

[17]يعود سبب تراجع الرمز: الدين وآل سعود، من وجهة نظري، إلى وصول جيل أحفاد الملك عبدالعزيز إلى السلطة. هذا الجيل ليس مرتبطًا بالتجربتين اللتين أسستا الرمز: حروب الملك عبدالعزيز لتوحيد المملكة (١٩٠٢-١٩٣٢)، وصراع الملك فيصل والملك سعود على السلطة (١٩٥٨-١٩٦٣).

[18] تمثل الأدوات التنظيمية للإرادة الملكية )مثل الأمر الملكي، المرسوم الملكي، التوجيه الملكي، والأمر السامي(، الأصل القانوني لكل القوانين في السعودية، بما في ذلك نظام هيئة البيعة. ولا يوجد نص قانوني، أو بنية إدارية، أو صلاحيات تنفيذية أو تشريعية أو قضائية، إلا والأدوات التنظيمية للإرادة الملكية أصل لها. بمعنى آخر، الإرادة الملكية هي الأصل في السعودية. ويمنح الأمر الملكي، بوصفه أداة قانونية، للملك صلاحيات مطلقة، بصفته رئيسًا للدولة، وفي أن يتخذ قرارات في أي موضوع كان، من دون شرط أو قيد، بما في ذلك تعديل القوانين كافة، باستثناء وحيد. هذا الاستثناء يتمثل في تعديل نظام هيئة البيعة. فقد نصت المادة25  من نظام هيئة البيعة على أنه:» يتم تعديل أحكام هذا النظام بأمر ملكي بعد موافقة هيئة البيعة «. وفي هذا قيد دستوري على قدرة الأدوات التنظيمية للإرادة الملكية على تعديل نظام هيئة البيعة، حيث اشترطت هذه المادة شرطًا خارجًا على الإرادة الملكية، وهو موافقة هيئة البيعة على تعديل نظامها.

[19] على الرغم من ذهاب بعض المحللين إلى أهمية الخلفية التعليمية الغربية لدى جيل الأحفاد، في اختلاف مع جيل أبناء الملك عبدالعزيز ذوي الخلفيات التعليمية التقليدية، إلا أنني لا أعتقد بقدرة هذا العامل على خلق فروقات جوهرية بين الجيلين، بحكم انفتاح جيل أبناء الملك عبدالعزيز على الغرب ومؤسساته، ومراكز الاستشارات العالمية.

[20] أحد ملامح هذا التحول هو اتخاذ السياسة الخارجية بزمام المبادرة، كما هو حاصل في عاصفة الحزم. وقد جادلت سابقًا بأن انتقال السلطة الذي تم في يناير ٢٣، ٢٠١٥، سيكون له انعكاسات، كسياسة خارجية أكثر ضراوة. للمزيد، انظر:

منصور المرزوقي، «انتقال السلطة في بيت الحكم السعودي» مركز الجزيرة للدراسات، يناير ٢٥، ٢٠١٥:

http://bit.ly/1CS3upH

[21] منصور المرزوقي، انتقال السلطة.

[22] Charles A. Kupchan, No One's World: The West, the Rising Rest, and the Coming Global Turn,  Oxford, Oxford University Press, 2013.

[23] أبرز من جادل لصالح هذه الفكرة هو الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشيه، في معرض نقده لنظرية السلام العالمي التي طرحها الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت. وتقوم فكرة نيتشيه على أن المواثيق والعهود الدولية، بالإظافة إلى ما يسمى بـ « الأخلاق العالمية » ماهي إلا إنعكاس لتوازن قوى معين، وستنهار كل هذه المواثيق والأخلاق بمجرد اختلال توازن القوى هذا. للمزيد انظر:

Friedrich Nietzsche, Oeuvres philosophiques completes xi : fragments posthumes automne 1884- automne 1885.,  Paris, GALLIMARD, 1981, p 220.

[24] Richard Haass, « The Age of Nonpolarity », Foreign Affairs, May/June 2008: http://fam.ag/17hSeJ3

[25] Zbigniew Brzezinski, Strategic Vision: America and the Crisis of Global Power,  New York, Basic Books, 2013.

[26] Richard Haass, « The Age of Nonpolarity », Foreign Affairs, May/June 2008: http://fam.ag/17hSeJ3

[27] أي تصور إستراتيجي، من وجهة نظري، يجب أن يشتمل على العناصر الآتية:

١)الاستناد إلى قاعدة داخلية صلبة، ٢)إمكانية التطبيق، ٣)الشمولية، ٤)إمكانية التحول إلى وسائط متعددة (مثل أن يتحول فيلق بدر من ميليشيا تفرض رغباتها السياسية بقوة السلاح، إلى حزب سياسي سلمي، دون أن تخسر إيران نفوذها عليه ولا نفوذه هو على المشهد السياسي العراقي)، ٥)المرونة ، ٦)التعددية، ٧)التوازن، ٨)تعريف الأهداف المرحلية والأهداف بعيدة المدى، ٩)الاختيار بين الدفاع عن وضع قائم أو السعي لخلق وضع جديد، ١٠)نوع أدوات الضغط والمدى الأقصى لاستخدام كل منها.

[28] Gregory D. Clera, Henry Kissinger and the American Approach to Foreign Policy,  Lewisburg, Bucknell University Press,U.S., 1989., 143

[29] ويمكن تعريف التصور الإستراتيجي في الرياض على النحو الآتي: المبدأ العربي (وهو الحِلْمُ واحترام الالتزام و«عصبية» التحالف)، المحافظة على النظام الإقليمي القائم على توازن ثنائي بنية-المحاور، من دون هيمنة محور إيران. وهو نظام يعتمد على توازن بين الحكومات والمعارضة، وكلاهما من داخل إطار الدولة. وعليه فإن الترتيب الذي تحاول السعودية منع بروزه هو هيمنة المحور الإيراني، وبروز تعددية المحاور، وصعود اللاعب-غير-الدولة. ولدى السعودية تصور واضح للأدوات، وهي التكتلات الإقليمية، التحالف مع الغرب، الاقتصاد. ومؤخرًا برزت الأداة العسكرية كأحد الأدوات، كما شهدنا في البحرين واليمن.

[30] ستتعرض الورقة لاحقًا لعدم (مأسسة) السياسة الخارجية. عدم (المأسسة) لا يتعارض مع امتلاك تصور إستراتيجي). المأسسة) هي عبارة عن إطار يتحرك من خلاله التصور الإستراتيجي، كما يستطيع هذا الأخير أن يتحرك بدونه، لكنه يصبح أقل فاعلية.

[31] هذا تغير في السنوات الماضية، بحكم التحول في طبيعة السلطة وبنيتها.  ونتيجة لتغير توازنات السلطة الداخلية، أصبح»الفعل« يتخذ حيزًا أكبر فأكبر، وهذا سيمهد الطريق لتطوير القدرات المادية، فتكون رديفًا للتصورات الإستراتيجية. 

[32]تشاس فريمان هو دبلوماسي أمريكي تدرج في مناصب مهمة وعديدة، كان من بينها أن عمل سفيرًا للولايات المتحدة الأمريكية في المملكة العربية السعودية بين عامي ١٩٨٩ و ١٩٩٢. وقد أدلى بهذه التعليقات في كلمة له أمام مجلس سياسات الشرق الأوسط في واشنطن، في يناير ٢٠١٣:

http://www.youtube.com/watch?v=3Xhlwxkjy8o&feature=youtu.be

[33] في ظل عالم لا قطبي، تنحسر قدرة الولايات المتحدة على دعم حلفائها من جهة، وتزيد شراسة الدول المنافسة من جهة أخرى.

[34] Evelyn Goh, Constructing the U.S. Rapprochement with China, 1961-1974: From 'Red Menace' to 'Tacit Ally',  New York, Cambridge University Press, 2005.

[35] مصطفى اللبّاد، «الاقتصاد السياسي للعلاقات الصينية- الإيرانية ولحظة الاختيار الآتية» جريدة الحياة، ٣١ أكتوبر، ٢٠٠٧

[36] Mansour Almarzoqi,  Carnegie Middle East Center, « Iran’s Sectarian Policies in the Region Benefit the Islamic State », accessed on 21, July 2015:  http://ceip.org/1IjcUQM 

[37] الاتفاق على الملف النووي بين إيران والغرب محدود بفترة تمتد من ١٠ إلى ١٥ سنة، تكون بعدها إيران في حل من الالتزامات كافة التي ستتم بموجب هذا الاتفاق.

[38] منصور المرزوقي، العلاقات السعودية- التركية.


ملصقات
 »